مشكلة الحريّات الفرديّة في ظلّ الطائفيّة وقوانين الأحوال الشخصيّة في سوريا (ج2)

مسيحيو سوريا والقوانين الكنسيّة المحفوظة في قانون الأحوال الشخصيّة السوريّ:

لمسيحي سوريا خمسة أنظمة قانونيّة مختصة بالأحوال الشخصيّة للطوائف المسيحيّة وهذه المحاكم هي التّالية:

  • قانون الأحوال الشخصيّة للروم الأرثوذكس/ الصادر بالقانون رقم ( 23 ) لعام 2004.
  • قانون الأحوال الشخصيّة للطّوائف الكاثوليكيّة في سوريّة لعام 1990. وقد ألحق به نظام سر الزّواج للكنيسة الشرقيّة الكاثوليكيّة (أي للطوائف الكاثوليكيّة الشرقيّة) وأخيراً القانون الجديد رقم 31 لعام 2006.
  • قانون الأرمن الأرثوذكس.
  • قانون الأحوال الشخصيّة للسريان الأرثوذكس الصادر تحت رقم 10 بتاريخ 6/4/2004.
  • قانون الأحوال الشخصيّة للمحاكم المذهبيّة الإنجيليّة.

ولتعدد هذه القوانين وتشابهها فيما يتعلّق بتغليب التّشريع الكنسيّ على التّشريع المدنيّ فإنّني سأكتفي هنا بأخذ أمثلة من منظومتين قانونيتين لنبني من خلالها رؤيتنا لواقع الحريّات في سجون ما يسمّى بقانون الأحوال الشخصيّة الطائفيّة في سوريا.

فوفقاً لقانون الأحوال الشخصيّة للرّوم الأرثوذكس على سبيل المثال لا تنحصر الطائفيّة في اختلاف الدّين، بل تتعدّاها إلى اختلاف الكنيسة أو الأبرشيّة إذ تنصّ المادّة 14 منه على ما يلي: “إذا كان أحد طالبي الزّواج أو كلاهما من أبرشيّة أخرى أو من جنسيّة أجنبيّة فعليه أن يقدّم شهادة من مرجعه الرّوحي بمعموديته وإطلاق حاله وعند التّعذر تقدّم شهادة من المرجع المدنيّ المختصّ تثبت عدم قيام مانع لهذا الزّواج وتطبق الأصول نفسها إذا كان أحد طالبي الزّواج من مذهب آخر” وتظل هذه المادّة الّتي تحدّد موانع زواج أبناء هذه الطّائفة من أبرشيّة مختلفة لكنّهم مسيحيون في النّهاية مقبولة أمام ما نقرأه في الفقرة “ك” من المادة 17 من هذا القانون الّتي تنصّ على منع الزواج عند “اختلاف الدّين” بينما ينصّ البند “ج” من المادّة 64 من هذا القانون على بطلان زواج أبناء هذه الطائفة ” إذا أقام الإكليل كاهن لا ينتمي إلى مذهب أحد الزوجين.” أي أنّ العوائق في إقرار الزّواج وتسجيله قانونياً لا يتأتى فقط من اختلاف الدّين بل واختلاف طائفة الزّوجين المسيحيّة وكذلك طائفة الكاهن الّذي يجب أن يكون منتمياً لمذهب أحد الزوجين”، قبل أن ينصّ البند” أ” من المادّة التّالية مباشرة أي المادة 67 على  بطلان الزّواج حتّى ولو كان مسّجلاً ” إذا اعتنق أحد الزّوجين ديناً آخر.” ولا يتوقّف التّمييز بين الجنسين في الحقوق على الشّريعة الإسلاميّة عبر تشريعاتها في قانون أحوال الطّوائف المسلمة السوريّة ففي التّشريعات المسيحيّة أيضاً (رغم أنّها تعطي حقوقا أكبر بكثير للمرأة الّتي لا تشترط عليها الحصول على ولي ذكر كأبيها أو أخيها لعقد زواجها ولا يمايز بين الرّجل والمرأة في موضوع المهر أو في النّفقة وتقاسم الممتلكات في حال الانفصال)، إلاّ أنّ بعض القوانين المسيحيّة المنصوص عليها في هذا القانون تظلّ ذكوريّة إذ ينصّ البند “أ” من المادّة 69 على ما يلي: “يعدّ بحكم الزنى تطبيق أحكام المادة /68/ بناء على طلب الزّوج وذلك ” إذا وجدها يوم الزّواج ثيّبا (أي فاقدة البكارة) إلاّ إذا كان عالماً بأمرها قبل الزّواج فيترتب عليه أن يرفع الأمر فوراً إلى الرئاسة الروحيّة المحليّة وأن يثبت ذلك.”  وبما أنّ لا بكارة للذّكر ولا يمكن إثبات عدم عذريته بعد الزّواج فلا يمكن للمرأة أن تتّهمه بالثيب. وعلى العموم لا المجتمع يلوم الذّكر فعلياً وتحميه كلّ التشريعات القانونيّة الدينيّة سواء أكانت مسلمة أو مسيحيّة أو يهوديّة إلخ.

 

الأمثلة الأخرى الّتي سنعتمد عليها لتوضيح حجم القيود الّتي يعاني منها المواطن السوري وتكبّل بسلاسلها حريّته وإرادته في الاختيار وإدارة أبسط شؤونه الخاصّة سنأخذها من قانون الأحوال الشخصيّة للطّوائف الكاثوليكيّة في سوريّة وهو قانون ديني يجد مرجعيته في “مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة الصادرة في 18 تشرين الأول/أكتوبر عام 1990” وتنصّ المادّة الأولى من هذا القانون على ما يلي: “يختصّ هذا القانون بالطّوائف المسيحيّة الكاثوليكيّة الآتيّة: طائفة الرّوم الملكيين الكاثوليك، الطّائفة المارونيّة، الطّائفة الأرمنيّة الكاثوليكيّة، الطّائفة السريانيّة الكاثوليكيّة، الطّائفة اللاتينيّة، الطّائفة الكلدانيّة”.

تفضح المادة الثّالثة من هذا القانون بدورها أولويّة الدينيّ على القانون المدنيّ في سوريا المعاصرة إذ تنصُّ هذه المادّة على ما يلي: “تبقى على حالها دون أيّ مساس أو تعديل الأنظمة الخاصة بكلّ طائفة من هذه الطّوائف وكذلك الحقوق والامتيازات المكتسبة بقوّة القانون أو بتقادم الزّمن والمقبولة بالعرف.” والمواد الخمسة الأولى من هذا القانون واضحة تماماً في أولويّة ما يسمّيه النّص “الشّريعة” على القانون المدنيّ. كما أنّ عدم المساواة والمفاضلة الطائفيّة تتجلّى بشكل صارخ في المادّة 15 من هذا القانون الّتي تنصّ على ما يلي: “ليس كلّ الأشخاص سواء في الأهليّة للحقوق والواجبات بل يتميّز بعضهم عن بعض باعتبار السّن، ومحلّ الإقامة، والطّائفة، والحالة الشخصيّة.” الطّائفة إذن تمايز النّاس بعضهم عن بعض في سوريا في الحقوق والواجبات وهذا التّفاضل ينصّ عليه القانون في مخالفة واضحة للدستور السوري الّذي يؤكّد في إحدى بنوده على المساواة بين جميع المواطنين. لكن مرّة أخرى ورغم أنّ قانون الأحوال الشخصيّة المسيحيّ هذا هو قانوني كنسي ديني لا علماني إلاّ أنّ من الواجب التّذكير بكونه أقل اضطهاداً للمرأة في قضايا اختيار الشّريك وإجراءات الزّواج والميراث وحضانة الأطفال فإذ يُحرّم على المرأة المسلمة الزّواج من غير دينها كما رأينا فإنّ المرأة المسيحيّة الكاثوليكيّة يمكن لها تغيير دينها واعتناق دين الزّوج حيث تنصّ المادّة 26 من قانون الأحوال الشخصيّة للطّوائف الكاثوليكيّة في سوريا على ما يلي: “للمرأة أن تنتقل إلى طائفة الزّوج عند إقامة الزّواج أو ما دام قائماً. ولكن إذا حُلَّ الزّواج فتستطيع العودة إلى طائفتها الأولى…”

تظلّ مسألة المهر حاضرةً أيضاً في هذا القانون، لكنّ المفردة المستخدمة فيه هي “العربون” توحي بمدلولات تجاريّة تكشف سوء اختيار المُشرِّع للمفردة وضرورة تغييرها لكي لا ينظر إلى الزّواج كصفقة. كما وترد في المادّة 51 من القانون لفظة “لقيط” للطفل النّاتج عن علاقة خارج إطار الزّواج الرسميّ ممّا يجعل من مراجعة الصّياغة أمراً ملحاً من وجهة نظر حقوق الإنسان. طبعاً هذا القانون لم يطرح للمراجعة أصلاً وظلّ معمولاً به كما لو كان هو أفضل الموجود.

بدوره لا تشجّع الطّائفة المسيحيّة على زواج المسيحيين من غير المسيحيين، بل هناك طائفيّة ضمن الطّوائف المسيحيّة كما رأينا فالكاثوليكي مثلاً يفضل الزّواج بكاثوليكيّة مثله على بروتستانتيّة حتّى لا يصدم بترسانة تشريعيّة تكبلهما. ومع ذلك، وبسبب هذه القوانين الطائفيّة غير العادلة، يحصل أن يتزوّج مسيحيون من مسلمات لا قناعة بالإسلام غالباً وإنّما للتخلّص من معضلة الطّلاق الّتي إن لم تحرمها قوانين الأحوال الشخصيّة الكنسيّة فإنّها تجعلها معقدة جداً، أو لرغبة بعضهم جمع أكثر من زوجة معاً وهو ما لا تجيزه الكنيسة وقوانينها المعمول بها في سوريا لحسن الحظّ. في مثل هذه الحالات لا يكون اعتناق الدّين عن قناعة وإنّما عن مصالح واحتيال موصوف على القوانين الّتي تدفع المرء لمثل تلك الاحتيالات.

دروز سوريا وقوانين الأحوال الشخصيّة الّتي تؤبد عزلتهم:

مع أنّهم يعتبرون أنفسهم مسلمين إلّا أنّ لدروز سوريا قوانين خاصّة بهم أيضاً وقد تمّ إقرارها رسمياً في محكمة خاصّة تسمّى “المذهبيّة” (من المذهب) أثناء فترة الاحتلال الفرنسي وظلّ معمولاً بها إلى اليوم وهي تختصّ بشؤون الزّواج والطّلاق والميراث المتعلّق لهذه الطّائفة الصّغيرة. ومع أنّ أبناء وبنات تلك الطّائفة غير متدينين عموماً لانحصار الدين في فئة قليلة من المنتسبين إلى مذهب الموحدين الدروز كما يطلقون عليه أو المنقطعين إليه إلّا أنّ الطّائفة الدرزيّة هي من أكثر الطّوائف انغلاقاً في سوريا فيما يخصّ موضوع الزّواج من خارجها. والدرزي يكون كذلك بحكم الولادة ولا يمكن قبول انضمام أو دخول أي شخص آخر إلى طائفة الدروز إن لم يكن مولوداً لأبوين درزيين وقد يتمّ التّسامح أحياناً في هذا الصّدد مع من كان أبيه درزياً. ومع أنّ قانون الأحوال الشخصيّة الخاص بهذه الجماعة الدينيّة لا يحدّد أي بند ينصّ بوضوح على حرمة الزّواج من خارج الطائفة الدرزيّة إلاّ أنّ العرف الاجتماعيّ يمنع ذلك ونتائجه أكثر تأثيراً وحضوراً من أي نص قانونيّ. فالضّريبة الاجتماعيّة الّتي يدفعها الدرزي وبخاصّة الدرزيّة ممن يتزوّج من خارج الطّائفة كبيرة جدّاً وبخاصّة على المرأة إذ تصل غالباً حدّ القتل أو المقاطعة وتبرؤ أسرتها منها. هكذا بحكم قوانين اجتماعيّة غير مكتوبة يُفرض على الفتاة الدرزيّة مثلاً عدم الزّواج من خارج طائفتها وإلاّ لواجهت مقاطعتها من قبل عائلتها وتبرؤ طائفتها منها أو المقاطعة الأبديّة أو شبه الأبديّة في أحسن الأحوال أو القتل في أقساها وذلك باسم قوانين الشّرف الّتي لا يعاقب عليها القانون السوري إلّا بعقوبة بسيطة تسمّى بالحقّ العام.

وبما أنّ الطّائفة الدرزيّة لا تسمح بدخول أي شخص لم يولد درزياً إليها فيكون على الدرزيّ أو الدرزيّة إذا أراد الزّواج من شخص من دين آخر مسيحي أو إسلامي تغيير دينه إلى الإسلام أو المسيحيّة والحصول على وثيقة بذلك كما يقتضي القانون السوري.

يحدّد القانون سنّ زواج للفتاة الدرزيّة ﺑ 17 سنة (أي قاصر) حتّى أنّ لشيخ العقل أو لقاضي المذهب الحق في عقد الزّواج للمراهقة الّتي أكملت الخامسة عشرة “إذا ثبت لديه طبياً أنّ حالها يتحمل ذلك وأذن وليها.” وتحتاج المرأة الدرزيّة حصراً لوكيل أمر لإتمام إجراءات زواجها فالقانون لا يعتبرها أهلاً للاختيار وحدها. لا يسمح مذهب الدروز بتعدّد الزّوجات، لكنّه يسمح بالطّلاق على أنّ المطلقين لا يمكن أن يتزوجوا من جديد بعد وقوع الطّلاق بينهما كما تقرّ المادّة 38 مثلاً الّتي تنصّ على أن “لا تحلّ للرّجل مطلقته أبداً بعد صدور حكم القاضي بالتّفريق بينهما.” وهذا يتعارض مع إرادة بعض المطلقين الّذين يريدون إعادة علاقتهم الزوجيّة مع مطلقيهم للإحساس بالنّدم أو لتربية الأطفال في جو أسريّ صحيّ أو إلى ما هنالك.

عند الدروز أيضاً يكون المهر شرطاً قانونياً حتّى ولو كان رمزياً ويلزم به الزّوج وحده وكذلك النّفقة.

وإذ لا يحدّد القانون أيّ شرط أو إلزام على الأب في السّفر مع ابنه من البلد الّذي هو فيه دون أخذ موافقة زوجته أو حتّى إعلامها بذلك، فإنّه يشترط ذلك على المطلقة حيث تنصّ المادّة 60 والأخيرة من هذا القانون على ما يلي: “ليس للأم المطلقة أن تسافر بالولد الحاضنة له من بلد أبيه إلى بلد آخر بغير إذن أبيه وليس لغير الأمّ من الحاضنات بأي حال نقل الولد من محل حضانته إلاّ بإذن أبيه أو بإذن القاضي إذا لم يكن له أب.”

قانون الأحوال الشخصيّة للدروز في سوريا قصير لا يتجاوز الـ 60 مادة ويصمت عن أكثر ممّا ينطق به. فمثلاً لا يتحدّث هذا القانون أبداً عن حقّ المرأة في الميراث ممّا يسمح بالقول أن ميراث المرأة الدرزيّة لن يكون بحال ميراث المرأة المسلمة مثلاً أي نصف نصيب الذّكر بل مثيله، لكن العادة جرت عند الدروز وكذلك عند العلويين والاسماعيليين وغيرهم من الطوائف على عدم توريث المرأة. فعند الدروز مثلاً وبعد أن كان هناك عرف يقضي بتسجيل غرفة للنّساء الباقيات دون زواج أو المطلقات أو دون معيل باسم “غرفة المقاطيع” (تدل التسميّة على النّظرة الدونيّة للمرأة بوصفها عنصر سلبي عاجز معتمد على الذّكور)” فإنّ هذه الغرفة تحوّلت مع الجشع الذكوريّ إلى عرف جديد كغرفة للإيجار لا تمليك ونادراً ما يحصل وأن يورِّث الدرزي ابنته من أملاكه اللّهم إلاّ إذا كانت وحيدة أو لديه فقط بنات إناث لا ذكور والأمثلة تكاد تكون على تويث المرأة الدرزيّة صفراً على حد علمي.

يهود سوريا وقانون الأحوال الشخصيّة:

وليهود سوريا بدورهم قوانين أحوال شخصيّة خاصّة بهم والّتي تمّ إقرارها رسمياً وفقا للقرار رقم 60 ل.ر تاريخ 13 /3/1938، والّذي أجاز لكلّ طائفة من الطّوائف أن يكون لديها محاكمها الروحيّة. وتعترف المحكمة الروحيّة الخاصّة بيهود سوريا بطائفتين يهوديتين سوريتين تتبع أحدهما لكنيس حلب والأُخرى لكنيس دمشق. وتطبق طائفة اليهود كتاب الأحكام الشرعيّة في الأحوال الشخصيّة للموسويين. لكن إذا لم يساوي القانون بين المواطنين السوريين على أساس من الطّائفة والجنس، وبخاصّة الانتماء السياسيّ، فإنّ أكثر فئة تمّ التّضييق عليها وقمع حريّاتها أكثر بكثير ممّا تعرض له أكراد سوريا بالكثير هي طائفة يهود سوريا. ففي أعقاب هزيمة 1967 تمّ قتل 57 يهودي سوريّ في مدينة القامشلي السوريّة وتمّ من وقتها تقييد حركة يهود سوريا وحرمانهم من التّوظيف في البنوك أو السلك الحكومي أو التّطوع في الجيش، بل وحرمانهم حتّى من استصدار رخص قيادة سيارة وتجميد أرصدتهم ومنعهم من تحويلها إلى الخارج. كما منعوا من بيع ممتلكاتهم الخاصة وتمّ إغلاق معظم المدارس والأوقاف اليهوديّة قبل مصادرتها وتسليمها للأوقاف الإسلاميّة. كما أصدرت الدولة السوريّة بطاقات خاصّة بهم كتب عليها باللّون الأحمر “موسويّ” (نسبةً إلى موسى). وباستثناء بعض الحالات النّادرة الخاصّة بالعلاج أو التّجارة فقد منع يهود سوريا من مغادرة البلاد وتمّت مراقبة كل مراسلاتهم واتّصالاتهم وانتشرت المخابرات والشّرطة السريّة في مناطقهم وعملت الصّحافة الرسميّة (حتّى بداية الثّورة لم يكن في سوريا سوى صحافة رسميّة مشرف عليها أمنياً) بشكل ممنهج على التّحريض عليهم. كان يمكن فهم ذلك في الفترة الملتهبة في تاريخ سوريا والشّرق الأوسط إبّان الحرب مع إسرائيل – مع أنّ قمعهم كواطنين سورين هو اضطهاد رسميّ مخالف للدستور السوريّ ولجميع الأعراف والشّرائع الدوليّة وحقوق الإنسان- إلاّ أنّ الأمر لا يزال عما هو عليه لليوم رغم توقف الحرب عملياً منذ أكثر من أربعين سنة بل إن وضع يهود سوريا قد ازداد بؤساً ولم يعاملوا يوماً كمواطنين شرعيين اللّهم إلاّ في فترات الدعايّة الّتي تمت للأسد الابن مؤخراً وتلميع صورته ليكون حامي الأقليات بما فيهم يهود سوريا الّذين وقفوا بالعموم أو ظاهرياً على الأقل مع النّظام أثناء الثورة السوريّة ضدّه.

أدى التّضييق والقمع اللّذين تعرّضوا له إلى هجرة العديد من شباب يهود سوريا عبر جمعيات سريّة قامت بتهريب أعداد غفيرة منهم عبر لبنان الّتي توجهوا منها إلى أمريكا وإسرائيل على نحو خاصّ نتيجة ما لاقوه في سوريا. وبسبب هجرة شباب اليهود الذّكور فقد ارتفعت نسبة العنوسة بين فتيات اليهود إذ ممنوع عليهن التّزوج من خارج دينهن، ليس فقط بحكم الدين والعادات وإنّما بشكل أساسيّ لأسباب سياسيّة فمن سيجرؤ في سوريا من خارج اليهود على الزّواج من يهوديّة؟

مع منتصف سبعينيات القرن الماضي تمّ قتل أربع سيدات يهوديات سوريات مع طفلين لهما في مدينة الزبداني على خلفيّة طائفيّة، ثمّ توصلت ضغوط الرئيس الأمريكي حينها جيمي كارتر على النّظام السّوري برئاسة حافظ الأسد بالسّماح عام 1977 لحوالي 300 يهوديّة سوريّة بمغادرة البلاد قبل أن يفضي مؤتمر مدريد 1991 إلى رفع حظر الهجرة عن يهود سوريا ففر معظم من بقي منهم ولم يبق منهم في كلّ سوريا حسب بعض الإحصائيات أكثر من 20 يهودياً فقط معظمهم من كبار السّن.

ورغم حظر سفر يهود سوريا فإنّ الأفراد الّذين بقيوا فيها لا يزال محظور عليهم تولّي الوظائف الرسميّة أو العمل السياسي ولا زالوا مراقبين، ومع أنّ النّظام السوري كان قد ألغى خانة الديانة من البطاقات الشخصيّة للسوريين إلّا أنّه استثنى يهود سوريا من هذا التّعديل ولا تزال بطاقاتهم تحمل لليوم كلمة “موسويّ”…

خاتمة:

قانون الأحوال الشخصيّة كتكريس لعدم المساواة بين الطّوائف والأديان وضرورة استبداله بقانون مدني وضعي يساوي بين جميع المواطنين بغض النّظر عن معتقدهم الدينيّ:

لا يمكن أن يكون مثل هكذا قانون طائفيّ قانوناً لدولة مدنيّة أو في الطّريق لأن تصبح كذلك، وإنّما قانون لدولة تعتزم الإبقاء على المجتمع كجماعات متناحرة يسهل التّلاعب فيها ليبقى من في السّلطة ويورِّث غنائمها لأبنائه.

لنتذكّر مثلاً أنّ بعض التّشريعات المسيحيّة تحرّم الزّواج من خارج الدين المسيحي، لكن درجت العادّة في سوريا على تغليب القانون الإسلاميّ على القانون المسيحيّ بحيث تجيز مثلاً زواج المسلم بمسيحيّة أمّا في الحالة المعاكسة فعلى المسيحيّ أن يصبح مسلماً لكي يتمكن من الزّواج بامرأة مسلمة وفي هذا انتهاك خطير لمبدأ عدم التّمييز بين المواطنين. وحتّى في موضوع حقّ الأمّ في حضانة أطفالها بعد الطّلاق في حال كانت الأحكام الشرعيّة تقتضي ذلك، إلّا أنّ هناك أمثلة عديدة تمّ التّمييز فيها بين الأم المسلمة ممّن عداها كالحكم الّذي صدرعن “محكمة النّقض السوريّة في 6 نيسان/أبريل لعام 1981 المستند إلى المادّة 381 من كتاب قدري باشا [الّتي] تُجيز إسقاط الحضانة عن المرأة غير المسلمة إذا خُشي على دين الطّفل المسلم.” كما يذكر الدكتور نائل جرجس[i]. بل هناك اجتهادات قضائيّة وأحكام محكمة تعتبر فضيحة فيما يتعلّق بقضايا المساواة بين المواطنين وحقوق الإنسان فقد حصل مثلاً في قضيّة نسبة دين طفل لأبوين مسلمة ومسيحي بالحكم بضرورة أن يكون الطفل مسلماً كأمّه لا مسيحياً كأبيه لأنّه وبنصّ المحكمة “أشرف الأبوين ديناً.” وهو حكم قضائي صدر بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2000، رقم أساس 2205، رقم قرار 904 ب. أي حكم صدر في بداية حكم بشار الأسد لسوريا. ولا يزال قانون الأحوال الشخصيّة بطغيان الجانب الإسلامي عليه يجيز الحرمان من الميراث عند اختلاف الدين إذ يكفي أن تكون المرأة غير مسلمة مثلاً (لأنّ المرأة المسلمة ممنوع عليها الزّواج بغير المسلم) حتّى يصادق القانون السوري على حرمانها هي وأبنائها من الميراث.”

وكما ذكرت أعلاه فقد صدر في السّابع من الشّهر الماضي تعديلات على قانون الأحوال الشخصيّة أعلن عنها رسمياً بالشّكل التّالي : ” أصدر السيّد الرّئيس بشار الأسد القانون رقم 4 لعام 2019 القاضي بتعديل بعض مواد قانون الأحوال الشخصيّة الصّادر بالمرسوم التّشريعي رقم 59 لعام 1953 وتعديلاته.” (بتوقيع رئيس الجمهوريّة )-  دمشق في 2-6-1440 هجري الموافق لـ 7-2-2019 ميلادي. وكما رأينا أعلاه فإنّ “التّعديلات” لم تأت بجديد يذكر. فظلّت الطّوائف موزّعة بين قوانين طائفيّة غير وطنيّة ولا شيء فيها من المساواة أو العدالة. لم تقر التّعديلات إذن قانون مدني وإنّما حافظت- بشكل يؤكِّد أن ما يهمّ السّلطة الحاكمة هو البقاء في السّلطة – على تلك القوانين الّتي تكرس الظّلم وبخاصّة بحقّ المرأة فلم يلغ تعدّد الزّوجات، ولا تمت مساواتها بالرّجل في موضوع الميراث، ولم يسمح لها لليوم بمنح جنسيتها السوريّة لأبنائها إن لم يكونوا قد حصلوا عليها من أب سوريّ، ولا ألغيت تلك المادة الّتي تمنع المرأة المسلمة من الزّواج بغير المسلم. كلّ ما في الأمر أنهم ألغوا ضرورة وجود وكيل أو ولي للمرأة المسلمة بينما لم يسقط هذا البند عن المرأة الدرزيّة على سبيل المثال، ورفعوا سنّ الزّواج للمرأة المسلمة من عمر 17 إلى عمر 18 سنة. ما عدا هذا لا شيء يذكر. القوانين الطائفيّة هي القوانين الطائفيّة والظّلم هو الظّلم وتشريعه كما كان. أي تعديل هو هذا؟! وأي مسيرة للإصلاح والتّطوير تلك الّتي يزعمونها؟!  وعن أيّ مدنيّة وعلمانيّة وحقوق إنسان وحماية أقلّيات يصدع نظام الأسد رأسنا به ليل نهار؟! وقبل الختام أودّ أن أذكّر بأنّه وفقاً لإحدى الإحصائيات فإن عدد المساجد في سوريا الّتي بنيت منذ استلام الأسد الأب السّلطة في سوريا هو 4000 مسجد وجامع في حين لم يتجاوز عدد الجامعات الّتي بنيت في عهده أكثر من  5 جامعات في مجمل أنحاء البلد. وإن دلّ هذا على شيء فإنّه يدلّ على رغبة هذا النّظام بإلهاء النّاس بالدّين وبالآخرة وشؤون السّماء عن شؤون الأرض والواقع السياسيّ الاجتماعيّ.

بإشارتي إلى عيوب ومثالب وطائفيّة قانون الأحوال الشخصيّة في سوريا وكيف أنّ التّعديلات الّتي أجريت عليه لم تمس فعلياً شيئاً من جوهره الطّائفي والقائم على عدم المساواة، لا يعني أنّني أتوقّع تعديلاً مناسباً لهذا القانون الفضيحة الّذي يعمل على تكريس الطائفيّة بقوانين وشرائع دينيّة تقوم أصلاً على الباطريركيّة وعدم المساواة والتّمييز الطّائفيّ والعرقيّ إلخ.

ليس ويجب ألاّ يكون الحل في إصلاح منظومة الأحوال الشخصيّة في سوريا وإنّما تغييرها عن بكرة أبيها. هناك بارديغم قانوني طائفي يجب الخروج منه، وبمعنى أصحّ المطلوب هو قانون مدني يُعامل به جميع المواطنين بمساواة أمام القانون وإلغاء أي قوانين طائفيّة أو عرقيّة تقوم على التّمييز والإلغاء والتّفاضل. لا بدّ إذن من رفع المجتمع إلى سويّة القانون المدنيّ ومجتمع العمران لا تكريس مجتمع الطّائفة والعصبيّة كما تعيش سوريا منذ أكثر من خمسين سنة. لا بدّ من فصل قوانين الزّواج المدني عن شعائر الزّواج الديني، كأن يكون الأصل هو الزّواج المدني بغض النّظر عن الانتماء الديني للطرفين ومحاسبة الأسر الّتي تمنع ذلك أو تقف عائقاً في وجه أبنائها عبر تشريعات واضحة. أمّا من أراد القيام بطقوس الزّواج الديني فيجب أن يكون له كلّ الحقّ في ذلك حتّى ولو اختلف دين الزّوجين شريطة ألاّ يتعارض ذلك مع القانون المدنيّ الّذي يكفل حقّ الجميع في الزّواج بمن يريد وفق القوانين الحديثة المعمول بها والّتي يمكن للسّوريين التّوافق عليها.

أدرك أنّ الحديث عن الحريّات الفرديّة في سوريا قد يبدو الآن في غير أوانه في زمن استمرار الصّراع وقتامة المشهد السوريّ وضبابيته. فيظهر هذا الطّرح ضرباً من التّرف الفكريّ في حين أنّ السّوريين لم يدفنوا ضحاياهم بعد ولم يستفيقوا للآن ليدركوا هول الدمار الّذي حاق بهم. إلّا أنّني على قناعة أنّ التّغيير لا يحدث إلاّ في سيرورة الثّورات العاصفة. لا بدّ لسوريا من قانون مدني يساوي بين النّاس ذكوراً وإناثاً ويحترم حريّتهم ونضجهم ويلغي فضيحة تعدّد الزّوجات ويهدم الجدران المرئيّة وغير المرئيّة بين المختلفين في الدين ولا يحاسب “المرتد” عن دينه ويحترم غير المؤمن وإلّا فإنّ الاقتتال في سوريا سيظلّ قائماً باسم الآلهة وما أكثرها عندنا حتّى وإن شهدت حروب السّماء فترات صحو وسيظلّ الطّاغية موجوداً هو هو حتّى ولو تغيّر اسمه وشكله واسم إلهه المتفوق على غيره من الآلهة والّذي يشرعن له قتل الآخرين لأنهم مختلفون، أليس الاختلاف هو الخيانة العظمى في دول الاستبداد؟

في النّهاية أتمنّى لتونس من قلبي أن تنجح في إقرار قانون المساواة في الميراث بين الذّكور والإناث لتصبح بذلك قدوة لما يسمّى لليوم بالعالم العربيّ والإسلاميّ، ليس فقط في نهجها المدنيّ العلمانيّ، وإنّما أيضاً في تقديم المثل المعاكس لكلّ ما نشهده حولنا اليوم من واقع الإسلام الحاليّ فتقنعنا أنّ الإسلام بخير أيضاً وهو قادر على التّطور والتّأقلم مع الحداثة وحقوق الإنسان والمساواة، بل ومع العلمانيّة الّتي لا بديل له عنها حتّى يستعيد دوره الحضاري. أثق بتونس وأهلها وأشدّ على أياديهم في طريق التّمدن ولا عجب أن يكون ابن خلدون وهواجسه في التّمدن والعمران قد ولدت هنا في هذه الأرض.

******

[i]http://www.amnestymena.org/ar/magazine/Issue19/FragileLegalProtectionforMashreqChristians.aspx?articleID=1086&media=print

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق