الكاريكاتير السوري:من التلميح إلى التصريح والتجرؤ على صورة الرئيس / تهامة الجندي

كان من الاستثناءات النادرة أن يجرؤ أي من السوريين على المساس المباشر والعلني بصورة “الرئيس الخالد” التي، كرستها مختلف مؤسسات الدولة الأمنية ذات اللون الواحد، قبل أن يخط أطفال درعا على حيطان مدرستهم “إجاك الدور يا دكتور”، وتبدأ الصورة بالاهتزاز والانتقال من حيز التبجيل والتقديس والولاء، إلى حيز التندر والتهكم والخروج عن الطاعة في المزاج الجمعي للشارع المنتفض، وفي خطابه الموجه إلى الرأي العام المحلي والعالمي.
وصحيح أن أجهزة النظام واجهت التغير المفاجئ في علاقة المحكومين بالحاكم بشن حملات تشهير وقمع دموية، طالت المتظاهرين وأقاربهم وكل من اشتُبه بتأييده لهم أو دعمهم، غير أنه وعلى عكس المتوقع، أدت سياسة العنف المفرط إلى تجذير مطالب الثورة، واتساع نطاقها، وانضمام الكثير من الإعلاميين والمثقفين والمبدعين إلى صفوفها، كما أدت إلى ظهور وانتشار ما يمكن تسميته بـ”ثقافة الاحتجاج”، القائمة على حق المعرفة وإبداء الرأي والمساءلة، والتي ألقت بظلالها على مختلف أشكال التعبير الشعبية والإبداعية.

احتل فن الرسوم الساخرة وتصميم اللافتات موقعًا متقدمًا في سياق التعبير عن ثقافة الاحتجاج وتطويرها وتعميمها منذ انطلاق المظاهرات السلمية، وظهرت تجارب مثيرة للانتباه والدهشة لرسامين معروفين ومشهورين، يقيمون في سوريا أو في المهجر، ولآخرين هواة لم يسمع بهم أحد، بعضهم فتكت به حملات التأديب، ومعظمهم فر بجلده إلى دول اللجوء، لكنهم جميعاً أسهموا في صياغة سمات مشتركة، باتت تميز الكاريكاتير السوري الذي ولد من رحم الثورة.

انطلق الرسامون من ساحة التظاهر التي كسرت جدران الخوف والصمت، وانشغلوا بمجريات الثورة من صرخة الاحتجاج الأولى وحتى أقبية الزنازين والمقابر الجماعية والسلاح الكيماوي، فموجات التهجير القسري وإغلاق الحدود في وجه اللاجئين، ولم يغضوا النظر عن انتشار الفصائل المتشددة، ولا عن التجاوزات في المناطق المحررة وفي هيئات الثورة والمعارضة. رسموا الأفكار والمواقف والمشاعر والأحلام، وصوروا طبائع الاستبداد وطاولة المفاوضات العقيمة، وصمت المجتمع الدولي على الجريمة.

لم تتطلع أغلب الرسوم نحو بلورة حالة تهكمية، بقدر ما كانت تسعى إلى نقل الحقيقة، وإيصال رسائل فنية كثيفة ومباشرة، تتميز بخطوطها البسيطة، وتشكيلاتها المختزلة التي غالبا ما تتقاطع مع نص مكتوب، وتقوم على ثنائيات الظالم والمظلوم، الموالي والمعارض، الديكتاتورية وحقوق المواطنة، نداء الحرية وأزيز الرصاص، الأمل في الحماية وطعنة الغدر، وغيرها من التقابلات التي تصوغ ملامح المأساة السورية، ووجدت الرسوم طريقها إلى المتلقي عبر منصات التواصل الاجتماعي والإعلام البديل، عوضًا عن القنوات الإعلامية الرسمية التي كانت ولا تزال حكرًا على النظام السوري وأتباعه.

رسوم الفنان علي فرزات السابقة التي اقتصرت على الإشارة والتلميح، واكتفت بالتشكيل من دون تعليق، بدأت مع انطلاقة الثورة تتناول شخص الرئيس بوضوح وبلا أدنى مواربة، كرسمه وهو يغطي عينيه بيده أثناء قلب صفحة الروزنامة، خشية قدوم يوم الجمعة، يوم المظاهرات، ونال الرسام المبدع عقابه بالضرب المبرح وكسر أصابعه من قبل شبيحة النظام، واضطر إلى مغادرة وطنه نحو دول اللجوء، لكنه استحق جائزة ساخاروف.

من قلب حماه كان الفنان أكرم رسلان يصور بريشته وقائع الثورة، وينشر رسومه على المواقع الإعلامية وقنوات التواصل ومدونته الشخصية من دون توقيع اسمه، ومنها رسم الرئيس وهو يحمل لافتة كُتب عليها “الأسد أو نحرق البلد” فيما الحرائق تصل إلى أطرافه السفلى. وقبل أن يُعتقل من مقر عمله في صحيفة “الفداء” الحكومية، في الثاني من تشرين الأول 2012، كان نتاج أكرم الفني تجاوز ثلائمئة رسم كاريكاتيري، ونال على جرأته في رسمها جائزة الشبكة الدولية لحقوق رسامي الكاريكاتير (كرني) عام 2013، لكنه لم يتسلم الجائزة قط، فقد لفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب في العام نفسه، وهو لا يزال في التاسعة والثلاثين من عمره.

من مهجره بالسويد رسم سعد حاجو البوط العسكري، وهو يدوس على كلمة المواطنة، ورسم “أسد برلك” يقرع نفير الحرب ضد السوريين. فيما رسمت سحر برهان شريط الخطر وحظر الدخول، ووضعت في داخله الخريطة السورية، وكتبت في الأسفل مسرح الجريمة. وصور خالد قطاع العودة إلى حضن الوطن بشخص الرئيس وهو يضع قبعة عسكرية تتوسطها جمجمة، ويفتح ذراعيه لتكشف سترته عن السجون والمشانق والحرائق والدماء. ومن كندا رسم موفق قات معرض دمشق الدولي، الرئيس في وسط المشهد خلفه الحرس، وإلى جانبه مدير الجناح السوري يشير إلى ثلاث معروضات كُتب عليها: البراميل المتفجرة، الكلور، السارين.
مع بداية الثورة برز اسم الرسام الفلسطيني السوري هاني عباس، وعكس مأساة مخيم اليرموك، وبعد أن تشرد إلى جينيف، صور عزلة اللاجئ في عمق زجاجة مغلقة بالهاتف ذكي. وظهرت رسومات جوان زيرو على مواقع التواصل عام 2012، وفي إحداها إعلامي يسأل، إن كان القصف من الطيران الروسي أم التحالف؟ ويجيبه الشاهد الذي يحمل طفله الجريح، ما الفرق؟.

كما اشتهرت الطالبة الجامعية بهراء حجازي برسمها الخريطة السورية مغروسة على ركام من الهياكل العظمية، وتتدلى منها مشنقة تطوق الجسد السوري، واختفت الفنانة الشابة في سجون النظام لعدة شهور.

ظهرت لافتات “كفرنبل” ورسومها الساخرة مع بداية المظاهرات في البلدة الواقعة جنوب إدلب، وأسست لتجربة فنية لها هويتها التعبير في التعبير والتشكيل، وكتابة تاريخ المظاهرة في أسفل العمل الفني مرفقًا بتوقيع “كفرنبل” الثورة ثم المحتلة فالمحررة وصولًا إلى المغتصبة، وذاع صيت التجربة في أنحاء سوريا وأرجاء العالم، وكان يقف وراء التصميم والتنفيذ فريق من الناشطين والإعلاميين بقيادة رائد الفارس، منهم خالد العيسى وحمود جنيد ومنفذ الرسوم الساخرة أحمد جلل الذي لم يكن معروفًا لأحد.

رافقت رسوم أحمد جلل مسيرة الثورة بكل أحداثها ومنعطفاتها، وتميزت بألوانها الصاخبة، وتعدد شخوصها وازدحام مفرداتها التشكيلية، كرسمه للرئيس على هيئة دجاجة تحضن في عشها بيوض “داعش”، أو تصوير المفاوضات بين النظام والمعارضة، من خلال طاولة وكرسيين متقابلين فارغين، فوق الكرسي الأول علم النظام وإسرائيل، وفوق الثاني علم الثورة وفلسطين، وفي المنتصف عبارة مفاوضات إلى الأبد.

اضطر أحمد لتغيير مكان إقامته والتخفي بعد أن بات مطلوبًا لأجهزة أمن النظام مع بدايات الثورة، وبعد تحرير “كفرنبل” استقر فيها وعاود الرسم ونشاطه السلمي. شهد مقتل رفيقه خالد العيسى بنيران النظام أثناء معركته لاستعادة حلب عام 2016، وشهد اغتيال صديقيه رائد الفارس وحمود جنيد بنار المسلحين المجهولين أواخر العام الماضي، واستمر في كتابة اللافتات وابتكار الرسوم إلى أن هرب إلى تركيا خوفًا من اغتياله، وكانت آخر لافتة كتبها قبل أن يغادر مكانه، تقول: “من كفرنبل”، “إلى مخلفات القاعدة.. آن أن تنصرفوا”.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق