أنا وعلي دوبا ومكعبات ماجي / وائل السواح

الليلة الأولى بعد إطلاقي كانت أغرب ليلة في حياتي. عشرات الأشخاص جاءوا إلى بيت أخي سحبان للتهنئة: أصدقاء ومعارف وأناس أعرف أسماءهم وآخرون لا أعرفهم: شعراء وفنانون وممثلون وصحفيون، وأهم من ذلك نساء جميلات وحقيقيات. نساء تستطيع لمسهن وشم شذا الأريج المنسكب من أكفهن الصغيرة ومن خلف آذانهن وهن يقبلنك. نساء حقيقيات يختلفن عن أولئك اللواتي كنتَ تتخيلهن وتحلم بهن وتخلقهن لتختلق لحظات حميمة معهن. نساء من جسد وعبق وروح، وأصوات أنثوية كنت نسيتها منذ دهر، وأيد صغيرة وأقدام صغيرة وأصابع نحيلة، طويلة، تختلف عن الأيدي والأصابع التي كنت تراها ليل نهار في مهجعك اللعين. ثم صدور ناهدة وأخرى ضامرة تكن رعبا من الرغبة وكونا من الجنس. وليس آخرا تلك الموسيقى العذبة والهارموني المنبعث من أصواتهن، أصوات خافتة مزقزقة فرحة، لا تريد أن تقارنها بأصوات الذكور الذين عشت معهم أعواما عشرة: ذكور، ذكور، ذكور. إلى يمينك وإلى يسارك ومن خلفك ومن أمامك، في العشية وعند اليقظة. ذكور طبعوا كل حياتك بطابع ذكري مرعب، جعلوك تفر من نفسك وتعاستك وأحاسيسك المريضة إلى نفسك وتعاستك وأحاسيسك المريضة. ثم فجأة ترى نفسك محاطا بنساء حقيقيات من دم ونهود.

امتد الطريق بين الحدود اللبنانية ودمشق طويلا وثقيلا. نفس الطريق الذي غالبا ما كنت أُفتَن به حين أسافر إلى بيروت أو أعود منها بدا لي معاديا وأنا أجلس في المقعد الخلفي للسيارة بين رجلين ضخمين كانا يدخنان بشراهة. عند مدخل دمشق، عصب أحد الرجلين عيني بما سأعرفه لاحقا باسم “الطميشة”، وهو اسم سأبدأ به معجما جديدا للمصطلحات في السجن، مثل العازل والبْلَوّ والقصعة والسخرة والبخشة. الطميشة قطعة من الكاوشوك الأسود، مصمّمة لحجب الرؤية لدى السجين لكيلا يرى وجه المحقّق أو الجلّاد. تشبه قناع زورو، ولكن من دون فتحتي الرؤية للعينين، حين تضعها سيمكنك فقط أن ترى موقع قدميك وتستطيع أن تتأمل أحيانا حذاء المحقّق حين يقترب منك ليصفعك. اسودّ الكون من حولي، كحالي حين تنقطع الكهرباء ليلا فيعمّ الظلام فجأة. أردت أن أحتجّ، ولكن الطريقة العنيفة التي وضع فيها الرجل الطميشة على عيني جعلتني أوثر السلامة. في الطريق من مدخل دمشق إلى حيث يأخذونني، كان سؤال واحد يلحّ علي: أخيرا؟ هل وقعت أخيرا؟ أيكون حالي كحال من سبقني من الرفاق: يوسف عبدلكي وعلي الكردي وجمال سعيد وهالة العبد الله؟ أأُعذّب كما عُذّبوا؟ أأُنسى كما نُسوا؟ أتكون هذه آخر عهدي بالحياة والشمس والهواء؟ بغادة وحنان وديانا؟ بجميل وعزام وجبرا وليلى ونجوى وبسام وفادية؟ بشقّة برج الروس التي شهدت أحلى سهراتنا؟ باجتماعات الرفاق والراية الحمراء والنقاشات حول طبيعة الثورة؟ بفاروق وبرهان وعلي الشهابي؟ بسينما الكندي والأمسيات الموسيقية وباخ وشوبان؟

كان خوفي أن أساق إلى فرع أمن الدولة في الخطيب، فيلقاني محمّد ناصيف وتركي علم الدين، اللذان كانا يتحرّقان للقائي. كان معظم الرفاق الذين اعتقلوا في السنوات السابقة يعترفون على الرفاق المطلوبين، لكيلا يكشفوا رفاقا آخرين مازالوا مجهولين بالنسبة للأمن. وقد اعترف عليّ عشرات المعتقلين، بعضهم لم أكن حتى أعرفه.

لم يكن ناصيف أو تركي بانتظاري. سلّمتني الثلّة التي أحضرتني من الحدود عند بوابة عملاقة إلى ثلّة أخرى، ساقتني كخروف إلى داخل البناء، وارتقت بي الدرج إلى الطابق الأول، ثم انعطفت بي يسارا، وأدخلتني مكتبا.

“الموقوف سيدي.” قال العنصر الذي أدخلني إلى الغرفة.

نظرت إلى الأرض، كانت تحت قدميّ سجّادة نظيفة فاخرة، فأدركت أنني في مكتب رجل مهم.

“أحضر له كرسيا.” أمره صوت من الداخل، فترك العنصر ذراعي، وأحضر لي كرسيا معدنيا وضعه في منتصف الغرفة وأجلسني عليه.

“روح أنت!” جاء أمرٌ ثانٍ، بصوت بدا مختلفا عن الأول، فأدركت أن في الغرفة أكثر من شخص.

“شو اسمك؟” قال الصوت الثاني. أدركت أن السؤال موجّه لي، فأجبت بصوت مرتجف.

“وليد ل.”

لم أكن أرى الرجل الواقف أمامي. بدأ عدد من أزواج الأحذية يدور حول كرسي لم أحدد عددها بالضبط. وأخذ العرق اللزج يتسلل من تحت الطميشة، يدخل العينين فيحرقهما.

“شو اسمك؟” كرّر الرجل بصوت أفهمني أنه لم يصدّقني.

“وليد ل.” كرّرت، وأحسست باختناق في الحلق، فبدت الكلمات غريبة على مسمعي، وكأن الصوت لشخص آخر.

” ليك ولا.” انفجر الرجل الأول بصوت كالرعد، “ما عنا وقت. أنت أخوان، ولا؟”

راعني سؤاله. وأحسست بالخوف والإهانة معا.

“لا!”

“لكن شو؟”

وصمتّ. كان من المعيب أن أجيب فورا على أول سؤال يطرحه محقق في فرع للأمن. فجأة انفتح الباب، ودخل زوج جديد من الأحذية، واقترب نحوي ويبدو أنه كان يتأملني عن كثب، ثم فرقعت ضحكة عالية في سماء الغرفة.

” العمى بعيونك. ولك شو جابك لعنا. والله ما بدنا إياك.”

ثم خفتت الضحكة وسمعته يقدمني إلى رجل بدا أعلى منه رتبة:

“سيدي. هذا الرفيق وائل السواح.”

صاد صمت غريب لوهلة، كأن الموجودين يحاولون أن يتذكروا الاسم. فتابع الوافد الجديد:

“عضو الهيئة المركزية برابطة العمل، سيدي.”

ساد بين الجميع ما يشبه خيبة الأمل وفي الوقت عينه انفراج في التوتّر. سأعرف لاحقا أنهم كانوا يتوقّعون يومها دخول عدد من قيادات الإخوان بهويات مزوّرة، وحسبوا أنني واحد منهم. انقلبت الجلسة إلى حفلة تنكيت. وقال الرجل الأكثر أهمية بين الرجال في الغرفة:

“ولك ليش مسافر بهوية مزورة. سافر بهويتك، مين بدو إياك؟”

استخفّ بي طرب، فقلت: “إذا ما بدكن إياني خلوني روح.” لم أعرف وقتها، ولا أعرف الآن أكانت تلك مشاركة في روح المرح التي سادت الغرفة، أم أنها تعلّة للنفس، ربما أدت إلى إخلاء سبيلي.

على أن المرح سرعان ما اختفى وبدأ الجد.

سأعرف فيما بعد أن الرجل الذي عرفني هو المقدّم – وقتها – كمال يوسف، أما الرجلان الأعلى رتبة منه فكانا رئيس الفرع العقيد مظهر فارس و – لا أحد آخر سوى – اللواء علي دوبا، رئيس شعبة المخابرات العسكرية. وسأعرف أن حسن الحظّ وحده أوقعني مع المخابرات العسكرية وليس مع مخابرات أمن الدولة. لا تعرف شعبة المخابرات العسكرية الكثير عني، فملفّي موجود لدى أمن الدولة، ومحمد ناصيف لا يشرك في مملكته أحدا. وقد يكون من حسن حظي أيضا أنني لم أعرف وقتها أن علي دوبا كان موجودا في الغرفة، لأن ذلك كان سيزيد فقط من رعبي.

كان علي دوبا أحد الأشخاص الذين كان مجرّد ذكر اسمه، إلى جانب رفعت الأسد، يثير رعبا بين السوريين. تسلّم رئاسة المخابرات العسكرية عام 1974، ومنذئذ بات أحد دعامات حكم حافظ الأسد. ستتاح لي رؤيته فيما بعد، كان وجهه وسيما أقرب إلى الدعة منه إلى الغلظة، أبيض البشرة، بعينين فاتحتين، تنبعث منهما أحيانا سخرية خفيفة. أما مظهر فارس فكان جزارا حقيقيا بكل ما في الكلمة من معنى. حين سيقرر دوبا بعد ساعة من الحوار تعذيبي، سيتولّى مظهر فارس نفسه دور الجلاد. كان لمظهر فارس هوايتان: التعذيب وزراعة الأزهار. حوّل حديقة فرع التحقيق العسكري إلى ما يشبه الجنّة، وكان يعاقب أي عسكري عنده يقطف زهرة أو يدوس عشبة، ثمّ جاء يوما بنسر حقيقي، زيّن به حديقته، وكان يطعمه بنفسه كلّ يوم. لا أعرف أسرة مظهر فارس، ولكن لن يفاجئني إن كان في بيته زوجا مثاليا، يحب زوجته ويدلّل أولاده.

أخذ التحقيق مسارا آخر. كان علي دوبا الآن يريد شيئا واحدا؛ رجلا واحدا: فاتح جاموس.

“نحن لا نريدك. في الحقيقة لا نريد أحدا. ألم نطلق سراح رفاقك السنة الماضية؟” قال لي بإغراء، وتابع: “أريد أن أجلس فقط مع فاتح جاموس ساعة واحدة، يخرج بعدها، وتخرج أنت، ولا تعود تحتاج إلى التخفي وحياة القرباط التي تعيشها.”

صمتُّ.

“شو؟” سألني.

حاولت أن أحرف النقاش نحو السياسة. ليس سهلا أن تحاور في السياسة وأنت معصوب العينين، ولكنني حاولت أن أشرح له أن الرابطة غيّرت نهجها في تقرير آب، وأنها لم تعد تريد إسقاط النظام، بل إنها نقلت البندقية من كتف إلى كتف، وهي توجه سلاحها الآن ضدّ الإخوان المسلمين وإرهابهم.

“سيدي،” قال الرجل الآخر الذي سأعرف لاحقا أنه مظهر فارس، “هادا ما بيمشي معه اللطف.”

تجاهله المعلّم، وعاد يحدثني:

“أي بندقية واي إسقاط سلطة؟ أنتم تستطيعون إسقاطنا؟”

“أعني أننا جمّدنا شعار إسقاط النظام،” قلت.

فانتفض وسمعته ينهض عن كرسيه بعنف:

“ولك اللي خلقك ما بسقّطنا.” صاح بي مقلقلا القاف بصوت مجلجل. ثمّ هدأ لحظة، واقترب مني وقال:

“ليك وائل. هلق أنا بترك الغرفة وبيجيك مساعد ما بيعرف ربّه.” كان تهديدا واضحا، لا لبس فيه.

“بتجبلنا فاتح، بتنام الليلة ببيتك.”

حسبت الوقت. ما بين التوقيف على الحدود ومسافة الطريق والزمن الذي مرّ ههنا، كانت قد مرّت ستّ ساعات على الأقل. كان العرف بين أعضاء لجنة العمل أن نمنح المعتقل ستّ ساعات عليه أن يصمد خلالها، ثمّ يحقّ له أن يعترف على بيته أو بيت المنظّمة. خلال هذه الساعات ينبغي على الرفاق إخلاء البيت من الشخاص والوثائق ونقلها على مكان آخر لا يعرفه الرفيق المعتقل.

“يا ريت بعرف وينه.”

“ولك انت عضو بالقيادة ولا خْروق؟”

صمتتُّ. فنهض غاضبا، وصاح بغضب: “اصطفل!” ثمّ سار إلى الباب خابطا الأرض بقدميه، راقبت حذاءه يمشي صوب الباب. سمعت الباب يفتح ثم يغلق، ولكن الحذاء لم يغادر الغرفة. وصاح بي صوت:

“بدك تعترف ولا لا يا حيوان؟”

وبدأت حفلة السمر.

 

#####

 

دجاج هذا الزمان مربع.

البطولة شرف لا أدعيه. كنت أتألّم لا كما يتألّم الأبطال. مع كلّ مرّة كان الكابل الرباعي يهوي على قدمي، كان قلبي يهوي إلى القاع، ثمّ يبحث عن قاع آخر يهوي إليه. قال لي أحد الرفاق، “إذا اعتقلت، تحت التعذيب تذكّر أحدا تحبّه كثيرا. سيخفف ذلك مت أثر التعذيب.” تذكّرت كلّ من أحب، واحدا واحدا، ولكن أثر الكابل الهاوي على قدمي لم يخفّ. تذكرت القضية الكبرى. سوريا. الثورة. الطبقة العاملة. أمي. أختي مها. غادة. تذكرتهم جميع؛ أحضرت صورهم إلى عيني المغلقتين تحت الطميشة من الرعب والألم، ولكن الصور كانت تفرّ مني خائفة هي الأخرى، فأبقى وحيدا بين عصبة من المهووسين المتعصّبين الذين يعتقدون أنهم كلّما شدّوا من عزم الجلدة، خدموا البلد والقائد والحزب أكثر.

بعد منتصف الليل اعترفت على البيت الذي كنت أسكنه، في المزّة جبل. حين قلت لهم إنني سأدلهم على فاتح جاموس، توقفت الحفلة فورا. خلعوا عني دولاب السيارة الذي كانوا ألبسوني إياه كسروال داخلي، وصاح بي كبيرهم أن انهض. حاولت، فلم أفلح. هويت على الأرض ثانية.

“جيبوه!” قال الكبير، فحملني اثنان من إبطيّ وجرّاني إلى الخارج: أنزلاني الدرج، ثم إلى الخارج. كانت الساعات الأولى من فجر 9 آب/أغسطس قد أهلّت، حاملة معها بعض النسمات المنعشة التي خفّفت قليلا من خوفي ووحشتي. وضعوني في سيارة، ورفعوا الطماشة عن عيني بعد أن ابتعدنا قليلا عن الفرع. أدهشتني رؤية الأشياء. العسكر من حولي كانوا يدخنون، فأخذت أتأمل دوائر الدخّان التي كانت تنبعث شفاههم، وتهرب من شبابيك السيارة المفتوحة. في الخارج، كانت أعمدة الكهرباء والأشجار تركض مبتعدة إلى الخلف بسرعة، والسيارة تنهب الطريق نهبا. وصلت السيارة إلى آخر خطّ المزة جبل، وانعطفت يسارا باتجاه مستشفى الأسدي حيث أرشدتهم.

“البناية الثانية، الشقّة الأرضية.” قلت لهم. توقفت السيارة، وانتبهت أن سيار ثانية كانت تسير وراءنا توقفت أيضا. ثمانية رجال أشداء تبعث منهم رائحة عرق ودخان نزلوا من السيارتين، أعطيتهم مفاتيح الشقّة وأنا أصلي لكلّ آلهة الجحيم أن تكون الشقّة فارغة. كنت آمل أن يكون منيف وحنان قد ابلغا فاديا والجميع باعتقالي، كما ينبغي.

كانت الشقّة فارغة – من البشر. ولكنّها لم تكن فارغة من كتبي وأوراقي وصوري.

“أين هم؟” سألني من سأعرف لاحقا اسمه: يوسف العبدو، أحد أكثر ضباط الفرع رعبا وهولا.

“عم تضحك علينا، يا –” لم يكمل شتيمته. سأدرك لاحقا أن تعليماته لم تكن تسمح له بأكثر من ذلك. بعد سنوات سيصبح يوسف العبدو جلاد فرع المخابرات العسكرية في بلدة عنجر اللبنانية قرب الحدود السورية، وسيكون مجرّد ذكر اسمه كافيا لإثارة الرعب لدى عملاء حافظ السد في لبنان قبل معارضيه.

قشطوا كلّ شيء؛ كلّ شي: الأوراق والدفاتر والكتب الصور. حين اعترفت على بيتي لم أكن أعلم أنهم سيسرقون ذاكرتي. ولكنّ هذا بالضبط ما حدث. عدنا إلى الفرع مرّة ثانية. عادت الطميشة لتعصب عيني، وعاد التحقيق مرّة ثانية. يبدو أن الضباط الكبار قد آووا إلى عشيقاتهم، لأنني كنت في غرفة أخرى، لم يكن فيها سجّاد ولا كراسي من خشب. بدأ محققون صغار يتذاكون معي، يريدون أن يثبتوا لرؤسائهم أنهم جديرون بوظيفتهم. ثمّ رغب هؤلاء الصغار في الذهاب إلى بيوتهم أو أسرتهم أو طاولة الطرنيب التي تنتظرهم. فجأة توقف كلّ شي.

ورقة صغيرة عثروا عليها في البيت ستغير مجرى التحقيق مؤقتا.

“اشرح لنا الشيفرة،” قال أحد المحققين الصغار.

ودسّ تحت الطميشة مباشرة قصاصة ورق صغيرة، كتب عليها عبارة “دجاج هذا الزمان مربع”. الورقة كان صديقي جبرائيل غربي تركها على الباب. في عالم ما قبل الهاتف المحمول، وما قبل الهاتف الأرضي بالنسبة لنا، كان صديقك يمرّ بك بدون سابق إخطار، فإن لم يجدك سيترك ورقة صغيرة تقول: “حضرت ولم أجدك.” بدل هذه العبارة، اختار جبرا عنوان قصيدة كانت شائعة: “دجاج هذا الزمان مربع”. كان العنوان إشارة إلى أقراص ماجي المربعة المصنوعة من مرق الدجاج.

“شو معنى هالحكي؟”

انطلقت من شفتي ضحكة صغيرة عبرت الألم والخوف والترقب.

“عم ضحكك ولا؟”

حاولت أن اشرح له القصة، ولكن كلامي كان بالنسبة إليه كالطلاسم. شعر ودجج ومربعات وماجي. كانت الجولة الثانية من التعذيب بلا معنى، فالورقة لم يكن فيها سر ولا شيفرة. وأنا لا أستطيع أن أوقف التعذيب باعتراف، لأنهم لم يكن لديّ واحد. سيعذبني الجلادون الصغار حتى يحين موعد نوهم أو ذهابهم على بيوتهم أو طاولة الطرنيب التي تنتظرهم.

فجأة توقف كلّ شي.

“قم!” أمرني صوت أسمعه لأول مرّة. نهضت، وقادني من ذراعي إلى الردهة، فتح بابا وبدأنا نهبط درجا طويلا. جدا. في نهاية الدرج، سمعت قرقعة مفتاح يدخل في قفل حديدي، ثمّ قرقعة باب حديدي يفتح، شدني الرجل من ذراعي، فسرت معه، وراء الباب، وسمعت الباب يقفل عليّ من جديد.

“شيل الطمّاشة،” سمعت صوتا يقول. تردّدت، وسألت بصوت واهن:

“أنا.”

“إي انت. مانك متسمع؟”

اسمع، بلى! رفعت يدي أريد أن أزيل قطعة الكاوتشوك الأسود الكريهة، ولكن يديّ هبطتا. كان ثمة دمع في عيني، ربما لم أشأ أن يروه.

شعرت بيد تمتدّ صوب رأسي وتزيل الطماشة بقوة. ردهات وممرات وأبواب حديدية كانت تحيط بي من كلّ جانب. جدران وأبواب وبلاط. أمامي مكتب ضيق فيه طاولة معدنية وكرسي معدني، وجلس وراءه رجل معدني له صوت معدني.

“فضي جيوبك.” قال بصوت محايد. لم يكن عدائيا. بدا لي كأي موظف في البريد أو السجل المدني، يؤدي عمله بحياد. أفرغت جيوبي: حافظة نقود فيها ثلاثين ليرة، ساعة يد من نوع رادو أهدتها لي فاديا بعد أن صدمتني قبل ثلاث سنوات سيارة، سلسلة مفاتيح فيها مفتاح واحد، علية سجائر جيتان قصيرة بدون فلتر، وقداحة. وضع الرجل أشيائي في مغلف، ورمى المغلف في خزانة، وقفل عليها. شعرت بغصة في حلقي، وأنا أرى أشيائي تختفي في خزانة مهمل

عن موقع تلفزيون سوريا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق