تفسيرات بسيطة لنظريات اقتصادية معقدة / محمد علي صالح

احتفل مؤلفا كتاب «ندج» (وكزة)، ودار النشر، بمرور 10 سنوات على نشر الكتاب، وبإصداره في أكثر من عشر لغات عالمية. ومرة أخرى، عاد الحديث عن موضوع الكتاب، وهو يمكن أن يكون واضحاً من الصورة على غلافه: فيل عملاق «يوكز» فيلاً صغيراً. وهو إشارة على تركيز النظام الرأسمالي على حركة البيع والشراء، ربما أكثر من الاستثمار والابتكار، وذلك لأنها هي التي تحرك الاقتصاد، ويومياً، بل ربما كل ثانية يشتري فيها أناس ما يريدون.
لهذا، يقول الرأسماليون إنهم عقلانيون، يعرفون ما يريدون، ويخططون له، ويجمعون أمواله، ويشترونه (حاجيات، أو بضائع، أو أسهم، أو عقارات). لكن، قبل ربع قرن تقريباً، ظهرت نظرية «أراشونال اكسوبرنس» (الوفرة غير العقلانية). وتعني أن الشخص الذي يشتري، الذي يستثمر (وينشط الاقتصاد) ليس عقلانياً حقيقة، وإنما يتأثر بعوامل عاطفية، ونفسية، وباطنية.
لهذا، جاء كتاب «وكزة»، المكتوب بطريقة مبسطة، وشبه فكاهية، ليقدم لعامة الناس تفسيرات بسيطة لنظريات معقدة لعباقرة وأساتذة الاقتصاد حول العالم.
إذا كان آلان غرينسبان، رئيس سابق لمجلس الاحتياط (البنك المركزي) الأميركي، هو صاحب نظرية «الوفرة غير العقلانية»، فإن رتشارد ثايار، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو، هو صاحب نظرية «الوكزة». وكان قد نال في 2017 جائزة نوبل في الاقتصاد، وفي عام 2018 صار عضواً في أكاديمية العلوم الأميركية (عادة، لا يدخلها اقتصاديون).
ويمكن اعتبار الكتاب الجديد كتاباً عن النفس البشرية أكثر منه عن الاقتصاد. يقول المؤلف في مقدمته: «يقرر كثير من الناس قرارات واقعية، أكثر منها عقلانية، أو مثالية. قرارات فيها كثير من التخمين، والبديهية، والفطرة الطبيعية».
إن كل شخص، حسب المؤلف، يفكر بطريقتين:
الطريقة الأتوماتيكية: وهي طريقة «سريعة، وغريزية، أو فيها إحساس غريزي. ولا تشمل ما نعتقد أنه (تفكير). إنها مثل أن يبتسم شخص عندما يرى طفلاً يضحك. أو يتوتر عندما تهتز طائرة وهو داخلها. أو يتحاشى كرة تطير نحوه وهو يتفرج على مباراة رياضية».
الطريقة التأملية: وهي «انعكاسية، ومتعمدة، وواعية. إنها مثل قرار أي شخص اختيار الجامعة التي يريد أن يدرس فيها، أو يريد أن يرسل ابنه أو ابنته إليها، أو مثل الشخص الذي يخطط لرحلة، أين يذهب؟ أو الشخص الذي يريد أن يتزوج، من يتزوج؟».
هذا هو الجانب الشخصي في التفكير. لكن، يوجد الجانب الخارجي، العوامل الخارجية التي تؤثر، أو لا تؤثر على هذا التفكير: هل يتأثر تفكير الشخص بالذين حوله؟ بعائلته، بأصدقائه، بكتاب يقرأه، أو بقبيلة ينتمي إليها، أو بدين يعتنقه؟
يقسم الكتاب هذه التأثيرات الخارجية إلى قسمين:
الليبرالية: أن الإنسان خلق حرا، ويجب أن يفكر تفكيرا حرا، لأن هذه هي طبيعته.
الأبوية: أن الإنسان مقيد بالبيئة التي ولد فيها، والتي يعيش فيها، لأن هذه، أيضاً، طبيعته.
لهذا، يستعمل الكتاب عبارة «ليبرتانيان باتيرناليزم» (الليبرالية الأبوية)، التي هي، طبعاً، عبارة تناقض نفسها. لكن، يرى الكتاب أن النفس البشرية تناقض نفسها، أيضا.
في جانب، قد يقول شخص إنه حر يفعل ما يريد، وفي جانب، إذا فكر جلياً (أو إذا درسه باحثون أو أكاديميون) يكتشف أنه ليس حراً، حقيقة.
وهنا تأتي كلمة «وكزة». مثلاً: وضع الأطعمة الصحية في كافتيريا المدرسة على مستوى العين، ووضع الأطعمة غير الصحية في أماكن يصعب الوصول إليها. يقول الكتاب: «نظريا، لا تمنع المدرسة أي طالب من أين يأكل ما يريد. لكنها تقدر على أن ترتب خيارات الطعام بطريقة تؤثر على حرية الطالب وهو يدخل الكافتيريا، ويعتقد أن ما سيأكله هو ما يريد أن يأكله».
غير أن أكبر «الوكزات» هي توفر، أو غياب، معلومات عن موضوع معين. مثلا: يعتقد كثير من الناس أن جرائم القتل في الولايات المتحدة أكثر من حالات الانتحار. وذلك لأن معلومات جرائم القتل متاحة بسهولة أكبر. ولأنها توثر على مداولات وقرارات رجال الأعمال والسياسة، لكن، تميل هذه المداولات نحو المبالغة في عدد جرائم القتل، بينما، في الجانب الآخر، تقلل من عدد حالات الانتحار. سبب ذلك هو أن الانتحار أقل أهمية لغياب عامل الخوف فيه، (أي يخاف الشخص من أن يقتل، فكيف يخاف من أن ينتحر؟).
«وكزة» أخرى هي الحماس العاطفي. مثلاً: خلال تشجيع فريق لكرة السلة لأن لاعبا معينا صار يسجل نقاطا بعد نقاط، يعتقد المشجعون أنه سيظل يفعل ذلك حتى نهاية المنافسة. لكن، أثبتت إحصائيات رياضية أن اللاعب الذي يسجل هدفا ليس، بالضرورة، أنه يقدر على أن يسجل هدفا آخر.
ويرى المؤلف أن أكثر من يعرف أهمية «الوكزة» هم البائعون الذين يبيعون أطعمة، أو المشروبات، أو حتى المنازل، أو غير ذلك. مثلا: تقدم شركة بيع المجلات إغراءات، منها أن قيمة المجلة ستكون منخفضة، ولكن لفترة قصيرة من الزمن. لكن، بعد انتهاء الفترة، تظل الشركة ترسل المجلة، وترسل معها فواتير السعر الأصلي.
في نهاية المطاف، يقول الكتاب إن العقل الباطني (الذي يميل أكثر نحو العقلانية) لا يقدر، كما يعتقد حتى كثير من العلماء والأطباء، أن يسيطر على العقل الواعي (الذي يميل أكثر نحو العاطفة).
لهذا، فإن قول الرأسماليين بأن النظام الرأسمالي غربي، وعقلاني، وحضاري هو، نفسه، «وكزة»: يفتخر الشخص الذي يشتري بأنه حر، يشتري ما يريد. وحتى إذا عرف بأنه ليس كذلك، يفضل أن يتجاهل ذلك، ليظل عقلانياً، وحضارياً، تماماً كما يريد الرأسماليون.

عن الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق