غسلت حريّتي فذبحتهم جميعا (ج1)

لأوّل مرّة أجد البياض شرسا متمنعا وعدوانيا إلى أبعد الحدود، كلّما حاولت التّعبير عن الحمم البركانيّة التّي تحرق دواخلي إلّا ووجدتني متسمّرة أمام الصّفحة البيضاء لا أقوى على خدش رعب بياضها الجهنميّ كأنّ قوى خفيّة تبلد ذاكرتي وتجعلني مجرّد جثّة فاقدة لروح الإنسان المدمّر في داخلي إلى درجة تفكّك هويّتي الشخصيّة الّتي تشكّلت ونمت بين مطرقة أبي نيابة عن أجدادي الغارقين في وحل الجريمة ضدّ الانسانيّة: وأد البنات وهنّ أحياء في الطّبيعة يرزقن، وبين سندان أمي نيابة عن جدّاتي اللّواتي تشرّبن مع حليب الطّفولة الصّبر والطّاعة والقهر والمذلّة واجتياف الذّكورة الأبويّة في لعن واستعباد النّساء. عشرات المرّات أجلّت الكتابة منتظرة مزيدا من الصّحو والتّفكير الهادئ الرّزين لأنّ إرهاب الاعتقال وما رافقه من تعذيب جسديّ ونفسيّ، وما تبعه من ألم الاعتداء الجنسيّ الوحشيّ في الاغتصاب وفق سيرورة عذاب لم ينته بالخروج من السّجن إلى “الحضن الدّاعم الدّافئ” أو بالأحرى إلى مرجل العائلة والأهل والمجتمع. لم يمنحن هذا الصّراط  المروّع القاتل فرصة للرّاحة والتّأمل العميق، ولا منفذا للتّوقف والأمان. كنت في حالة طوارئ قصوى، هاربة من نفسي ومنهم  جميعا، نظاما وشعبا،  مجتمعا وثقافة. في قمّة غضبي المؤلم تأمّلت هذا الزبل المفزع لما شكّلني منذ الولادة بحليب القهر النفسيّ الاجتماعيّ، والنّفي اللّغوي الثقافيّ والتّنكر الأخلاقي، ليس فقط لإنسانيتي، بل حتّى لآدميتي البسيطة. بسخريّة مشوبة بالفرح العارم تبوّلت على كلّ شيء قبل حرقه بلذّة عميقة مستعيدة أنا وجودي المفقودة. وفي قمّة الانفعال والحقد الّذي ولّده الظّلم والاحتقار كنت أصرخ بتوتر يصارع دون هوادة الصّمت المحموم: لتحترق هذه الأرض العربيّة والإسلاميّة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. لتسخر كلّ الأمم من خراء مكارم الأخلاق وأفضل الأديان، ومن مروءة وشهامة وفحولة رجال كأهرام الرّماد النّتن وضعوا كرامتهم وشرفهم بين فخدي امرأة مقهورة كالأمة في ساحة العبيد. ما كنت أعتقد بعد الظّلم والقهر ودماء الشّباب الّتي استبيحت على قارعة الطّريق في احتجاج سلميّ أن يقهر المظلوم مظلوما مثله، خاصّة إذا كان من لحمه الحيّ، أقرب النّاس إليه زوجته، أمّه، اخته…

أتذكر في ذلك المساء الملعون، الّذي أجهض ولادتي من جديد، وأنا أكتشف وسط نساء البلدة  صوتي المنفي بعيدا عنّي في ذاكرة طفولة لم تكتمل بضربة خنجر الذّكورة في لجم حقّ الوجود. أتذكر بعد أن اعتقل الكثير من الرّجال و سالت الكثير من الدّماء بين شهيد ومصاب كيف اعتقلوني ضمن مجموعة من النّساء المتفاوتة الأعمار والوعي والثّقافة، لكن كان القهر ورفض الظّلم يوحّدنا. في ذلك المساء الكامد والمفجوع اسودّت الدنيا وخيّم حزن رهيب مشبع بالرّغبة في تحدّي الخوف والموت، لأنّ الحياة لم يعد لها إلاّ معنى الصّمود بعد كلّ هذه الجرائم البشعة التّي ارتكبها النّظام، لم يكن هناك خيار آخر، حتّى الخنوع والخضوع والمذلّة لم تعد مطلوبة، بعد أن حولنا خطاب الرّئيس إلى مجرّد جراثيم يجب القضاء عليها. بشكل عفويّ وتلقائي وجدنا أنفسنا في الشّارع نواصل الاحتجاج ضدّ كلّ ما حدث، وإذا بجماعة من رجال الأمن تحيط بنا من كلّ جانب كالضّباع، أشبعونا ركلا ورفسا وضربا في كلّ المناطق الحسّاسة من أجسادنا، كما لو كانوا يجامعون أو يستمنون بلذّة ساديّة، ثمّ دفعونا بقوّة همجيّة في السّحل والتّنكيل إلى داخل حافلة حضرت للتّو كما لو كانت تنتظر موقوفين.

كيف تتجرأ الكتابة على قول ما لا يقال؟ من أين لها قوّة التّعبير والوصف وهي مجرّد كلمات لا تقوى على مقارعة لغة الدّماء والآلام والعذاب الرّهيب في ذلك المكان المجهول حيث يستلذّ الجلّاد بتعذيب ضحيّة عزلاء؟ من أين للكتابة هذه القدرة العجيبة على استحضار رعب الألم وعذابات احتراق الأعماق وسلخ إنسانيّة الإنسان وتفكيك تاريخه الحميمي الشّخصي ليغدو مجرّد خرقة مدنّسة لعبت بها قذارة همجيّة الإخوة الأعداء كما رسّخها الوهم العفن في الأذهان بما يتجاوز اختلاف الطّائفة والمذهب والدّين؟ سؤال في سؤال، والتّباس في التّباس، لا شيء يحمل المعنى لفهم ما يحمل الجارّ على اغتصاب زوجة، أو ابنة جاره؟ كيف لهذه اللّغة العاهرة المقرفة المشبعة زورا وبهتانا بالتّقوى والمحبّة والإيمان أن تدرك وتفهم المقدار الهائل من الآلام والعذاب اللاّمرئي الرّهيب الّذي يخنق نبض القلب، يجثم على أنفاس امرأة اعتقدت في لحظة أنّها كانت تقتحم عالم الحريّة ضدّ الطّغيان وانحازت إلى صفّ الشّهداء والمعتقلين، وتناوب عليها الرّجال صباحا ومساء لتدميرها من الدّاخل، إلى درجة جعلها مجرّد أشلاء مدنّسة لا يمسّها رجال القبيلة، وطائفة المذهب المطهّرون، ولو كانوا من الأزواج والإخوة والأقارب الأحباب، أو اعتبارها عدوى فتّاكة، قاتلة لمناعة الشّرف والكرامة ونبض نبالة الرّجولة القابعة تحت الحزام، لذا يجب التّخلص منها بأسرع وقت ممكن، كأن تدفن في قبر مجهول كالنّفايات السّامة؟ ما الّذي يتبقى قوله عندما يكمل الحضن العفن للعائلة والأهل، والمجتمع عشّ الدّبابير هذا ما بدأه الجلاّد؟ ما الّذي يتبقى للمعنى عندما تعدم الحياة؟ هل أقوى حقّا على الكتابة أم تراني مازلت أتعثّر طريقي وسط حقّل أسئلة الألغام؟

للكتابة منطقها وآليات اشتغالها، وللمتخيّل دعاباته وسخريّة شطحاته الورعة أو المتعهّرة، ولي عذابات فيض قهر الواقع وما يعتمل في جوفه وسطحه من آلام المعذّبين والمعذّبات مثلي في وحل الحياة. أوسع طريق إيها الكلام، أفسح مجالا إيها المجاز، ولو بشكل أحول، أو أعرج، لامرأة وحيدة ممزّقة ومفكّكة إلى أبعد الحدود تبحث عن لم أجزاء وجودها المسحوق، وعن جسدها المشوّه الضّائع في زحمة العذاب الرّهيب الّذي مسخ كلّ الرّؤية وحال دون الإمساك بالخليّة الأمّ الّتي خلفت وباء فحولة الرّجولة، مرضا عضالا أتى على ما تبقى من الإنسان في الرّجال والنّساء. عبء الرّجولة وحل لا وحي.. لم تنزل به السّماء، بل من رحم أرض آلهة الطّغيان سما في سماء آيات قبائل وطوائف الأحبار، والفقهاء الكهنة الأشرار.

ليس سهلا على امرأة مثلي أن تكتب عذاب آلام الرّوح وتمزقات أشلاء الجسد المدنّس المنبوذ. ليس سهلا أن أدّعي القدرة على ذلك، أو بالأحرى قدرة اللّغة على جمع ورتق تساقط أنفس نفسي. الكلمات تهرب منّي، لا تسعفني عباراتها كما لو كانت هي الأخرى رجوليّة الهوى في انفعال سيميائيّة المعنى، متحصّنة من لوثة امرأة أصابتها عدوى شرف مكارم فحولة الأخلاق. كلّ شيء مزدحم على فوهة بركاني المروّع.. كلّ شيء يريد أن ينطلق دفعة واحدة دون فواصل صغرى ولا كبرى، لكنّ للكتابة منطقها الدّاخلي في رجم الغيب وإعادة تمثيل الجريمة بأدوات لعب الأطفال. فكيف لي أن أجد طريقي في مستنقع الدّماء والآلام والأحزان، من خلال لغة الكلام أو الموت؟

في البداية ونحن في غرفة ضيّقة حاولنا أن نتماسك ونلتحم ونحن نشدّ على بعضنا بعضا، خاصّة أن عددنا تجاوز العشرين. إرادتنا كانت جبّارة، ومعنوياتنا عالية. ورغم الإرهاب والتّعذيب لم ننكسر، لم تضعف قوانا. شعور جميل بالفخر والاعتزاز بالنّفس ونحن نواجه الشّتائم السّوقيّة العفنة لرجال الأمن، كنّا نرد على سفالة وقاحتهم بإصرار الموت ولا المذلّة. شيء غريب لكنّه نبيل ومضيء في داخلنا كان يجعلنا في موقع قوّة إزاء الخوف والتّرهيب والتّعذيب. صحيح أنّنا وجدنا عندهم بعض المعتقلين بأعمار متفاوتة، ومن ضمنهم امرأة ريفيّة تخطّت السّتين برفقة ابنتها القاصر الّتي لم تتجاوز السّابعة عشر، وقد لاحظنا القسوة الّتي كانت تعامل بها تلك الأم المغّلفة بهالة من الحزن الرّهيب في نوع من الشّرود الذهنيّ كما لو كانت تعيش نوعا من الانفصال النّفسيّ عن جسدها والأخرين والعالم، عندما انتبهت إلى بطن الطّفلة راودتني الكثير من الشّكوك المرّة الممزوجة بآلام رغبة التّدمير، قشعريرة عجز قاتل سرت في ثنايا نفسي وجسدي مرفوقة بحمى الحقد الرّهيب تجاه ضباع الأمن. ومع الأيّام وعبر تواصل غير منتظم وسريع مع الخالة فردوس، فهمت أي نوع من البشر هؤلاء الوحوش الّذين كنّا نعتقد عبر تاريخ العيش المشترك أنّهم منّا ونحن منهم مهما اختلفت الطّقوس والمعتقدات والانتماءات بمختلف أنواعها. عندما عرفت الظّروف والملابسات الّتي تمّ فيها اعتقالهما قدرت المقدار الهائل من العذاب الأليم الّذي ترزح تحت وطأته أم زوليخا وهي ترى طفلتها في تلك الوضعيّة المأساويّة، دون أن تقدر على اتّخاد القرار الّذي يراودها في كلّ لحظة، دون أن تقوى على تنفيذه: الانتحار. لكن لمن تترك صغيرتها المهدّدة بالاسترقاق هنا وبالموت هناك لو أفلحت في العودة إلى وسط أهلها؟ سمعت منها ذلك حين قدمت لنا أنا وصديقاتي الأربع وجبة الفطور في الغرفة المقابلة للمطبخ بعد أن تمّ تقسيمنا إلى مجموعات. كانت وهي تحكي تتدفق الدّموع من عينيها كأسياخ النّار، حائرة، مضطربة، متوترة، في حالة من القلق الوجوديّ العنيف، لا تفكّر سوى في القتل. عشرات المرّات في حكي واحد كرّرت رغبتها العميقة في غرز الخنجر الكبير في قلب الضّابط المشرف على كلاب الأمن. قالت بصوت فيه الكثير من العذاب الحارق المنهمر كالحمم من فوهة البركان:

شيء ما يحرّك في نفسي الرّغبة في قتل هذه الوحوش الضّارية، إذ كنت أسافر كثيرا بشكل أقرب إلى الهذيان مع خيالاتي العرجاء في سماوات ما كان يمليه عليّ حقد العدوانيّة المتفجرة في أعماقي. تمنيت موتهم بأيّ شكل من الأشكال. كنت مستعدّة لأيّ شكل من العبوديّة على أساس أن أصل إلى وسيلة مّا تسمح لي بقتلهم جميعا أو على الأقل الإجهاز على بعضهم. ها أنت ترين أي حرب في داخلي تحرقني وتدمرني قذائفها وأنا عاجزة مقهورة. لقد قتلوا زوجي أمام عيني بعد أن رفض الامتثال لأوامرهم، خاصّة بعد أن نهبوا البيت وذبحوا ماشيتنا، وحرقوا ما تبقى بعد أن نعتهم بأبشع أوصاف النّذالة وانعدام المروءة والرّجولة والكرامة في الاعتداء على أسرة عزلاء من بني جلدتهم والانتصار للمجرم الّذي أصرّ على حرق البلد من أجل الأبد في عشق وسخ كرسي السّلطة. لا أعرف..  لا أعرف  ما الكلمات القادرة على قول النّار الكاوية في قلبي الّتي لا تهدأ ولا تكفّ عن مزيد من الاشتعال واللّهب، وأنا أرى كيف اعتدوا على طفلتي…؟

ما الّذي يمكن أن تقوله الكلمات الآن .. إنّها مجرّد ألفاظ وأحرف على الألسن لا تقوى على وصف ما كان يحترق ويغلي في داخلي، وأنا أرى زوجي مضرجا في دمه المسفوك. صرخت، شتمت، استعملت كلّ عبارات الشّتم والسّب، والكلمات الأكثر بذاءة في الحطّ من رجولتهم وكرامتهم. لم تكن لتهمني الحياة، لذلك لم أكن أخشى أسلحتهم ولا تهديدهم لي بالقتل. أصبت بحالة من الجنون الأهوج، الشّديد ألما. لك أن تتخيلي ما تكونين عليه حين تكتشفين حدود ومحدوديّة الدّفاع عن النّفس. وضع مرعب حين يكون الانسان في صورة أقرب إلى أنّك عاجزة بالمطلق، مكتوفة الإرادة بما يتجاوز ردّ فعل الذّات إزاء ما يهدّد وجودها في البقاء. ضربتهم بكلّ ما طالتّه يدي، صوّبوا أسلحتهم نحوي، أطلقوا الرّصاص في الهواء لتخويفي حتّى أتوقف عن مجابهتهم. لم يخف واحد منهم رغبته الصّريحة في أن يطلق النّار عليّ”دعوني أقتل بنت الشرموطة ونرتاح من عويلها”. لكن أوامر الضّابط المسؤول عن هؤلاء الكلاب كانت صارمة بتوخي الهدوء. وبعد هيجان جنوني، في قلب الرّوح، انفجر في داخلي دمار مرعب ورافقته  غصّة في القلب، وانعكست خيبة العجز في النّفس عن فعل الثأر والانتقام لروح زوجي، حينها بدأ جسدي ينفصل عنّي وهو يهتزّ ويرتج في اضطراب عنيف كأنّه يرحل لصون بقاء الرّوح أمام هول شرّ المأساة، هكذا فقدت الوعي..

عندما استعدت التماس بجسدي وفتحت عيني وأنا مستلقيّة داخل غرفة مضاءة كانت طفلتي زوليخا تضع رأسي في حضنها وعينيها قد امتلأتا بالدّموع ورعب الخوف الممزوج بالتّوسل كأنّها تطلب منّي أن أتماسك، وأن لا أتركها وحيدة بين مخالب كلاب سلطة الطّغيان. وكما يحدث في اللّحظات والمواقف الصّعبة الحاسمة الّتي تجابهها كلّ الكائنات الحيّة عندما تحاصر من كلّ جانب، وليس لها من خيار آخر للبقاء سوى الصّمود والقتال، استجمعت قواي بشكل عفوي ولا إرادي فكثّفت كلّ شيء في جذر الحقد الّذي انحفر في أعماقي، فعانقت طفلتي الّتي ما كادت تلامس صدري وأنا أضمها بقوّة الأم في الدّفاع عن صغيرتها، حتّى انخرطت في بكاء حارق مشوب بشعور القهر والإذلال، كنت أشمّ ذلك، أتحسّسه بكلّ حواسي، وأنا أحترق دون أن أملك حقّ السّماح لدموعي بأن تنهمر، أو لأي إحساس طبيعي يمكن أن يصدر عن الانسان تلقائيا في مثل هذا الوضع الحادّ كضربة خنجر لا تبقي ولا تذر. حاولت بكلّ جوارحي ومواردي المعروفة لديّ والّتي انبثقت فجأة من منطقة مجهولة في جسدي أو تاريخي الشخصي، أن أكون في مستوى لحظة الموقف بجانب طفلتي، وأن أكون لها أبا وأما.

كم هو مؤلم وقاتل أن يشعر الانسان بحدود قدرته على مقاومة الظّلم، وأيّة مشاعر وأحاسيس وانفعالات جنونيّة، إلى حدّ تحدي خوف الموت، تلعب لعبتها في توجيه الانسان نحو نوع من اللاّمبالاة. ربّما هكذا كنت وأنا أتصرّف بغريزة الأمّ في حماية طفلتها. لقد أخطأت التّقدير وحسن التّفكير والتّصرف حين اخترت بدافع الأمومة نوعا من الخنوع الأقرب إلى التّحايل والمكر حماية لصغيرتي، وهل كنت أملك خيارا آخر؟ لكن ها أنت ترين الفضيحة والاعتداء الشّنيع الّذي يستلزم الانتقام والثأر، لابدّ أن أغرز هذا الخنجر(أخرجت من تحت ملابسها خنجرا كبيرا حادّا لامعا، كان له أثر قشعريرة سرت في كلّ جسدي مصحوبة بصور ذهنيّة فيها الكثير من فرح الأخذ بالثّأر مع التّخلص من عبء العذاب الّذي يمزقها، يمزقنا ونحن نرى ونعايش جريمة الاعتداء على طفلة بهذه الوحشيّة الّتي لم يخلق لها إنسان. لكنّ صور أخرى مرعبة مرّت بسرعة البرق أمام عيني وأنا أتخيّل ردود فعلهم إذا ما تمكّنت الخالة فردوس من مهمّتها النبيلة) في قلب ذلك الوغد الّذي هدّدني بالقتل واعتدى ليلا مرارا وتكرارا على طفلتي.

تجر نفسا حارقا ملفعا بالحزن وخيبة الشّعور بعجز الفعل إزاء الاعتداء الّذي تعرضته له طفلتها زوليخا، تطيل الصّمت كأنّها ترتب أجزاءها المبعثرة لتعرف أفكارها طريقا منيرا واضحا للمعنى وسط هذا الغموض المضطرب الّذي فرضته آلة ظلمة القهر والقتل.

آه.. أين كان كلّ  هذا الرّعب الهمجي المسربل بالوطن والممانعة والعلمانيّة الباذخة في جبّة ولاية الفقيه، وبالإيمان والصّلوات الخمس لسيّد الخلق المرسل لخراء أمّة أخرجت للنّاس؟ أين كان كلّ هذا القبح البشري لوحشيّة الشّر مختبئا في الأرض والعلاقات ومختلف التّفاعلات والأفراح والأحزان والصّلوات  وووو…الّتي كانت تجمعنا.. أكاد أجن. لا.. لا.. لا أصدق؟ كيف أنّنا لم ننتبه، وكنّا ننام على فوّهة قيامة بعث بركان من العيش المشترك مع هذه الكلاب الهمجيّة؟ كلّ ما كان يجمعنا في الدّين والأرض والشّجر واللّغة والثّقافة مجرّد زبالة على قارعة الطّريق، أو نفايات سامّة. كانت الخالة فردوس تعيش غموضا مظلما إزاء ما حدث لها ولطفلتها، لا تفهم ولا تصدّق مثلنا أن عمرها وحياتها الّتي عاشتها تخبئ قبوا عفنا وهمجيا إلى أبعد ممّا يمكن أن يتمثّله الخيال. كما لو أنّ الواقع كان هو الخيال الحقّيقي لجوهر الواقع البشع المتستر وراء قيم العيش المشترك. هذا الغموض في عسر الوصول إلى معنى محدّد لما نعيشه الآن من صدمة مروعة تجاه من كنّا نتقاسم معهم وهم نبل صفاء زرقة السّماء وملح الطّعام، قلت هذا الغموض المؤلم هو ما حال دون معرفة الخطوة الصّحيحة والمناسبة للصّمود وخوض معركة تفاهة الشّر الّتي كنّا ندفع ثمنها. هذا الغموض في التّباس الفهم والرّؤية هو الّذي جعل الخالة فردوس شعلة نار ملتهبة وفاقدة لمعنى جدوى الحياة والإصرار على البقاء. لذلك كانت غالبا ما تغازل خنجرا كبيرا تحمله من المطبخ في نوع من الهذيان الجنوني بالرّغبة في الانتحار أو القتل. لم تكن أي واحدة منّا قادرة على تحديد بشكل أدقّ الخطوة المرعبة الّتي كانت تشغل خيال وتفكير الخالة فردوس. كانت صديقتي منال وهي أم لطفلين ترجح فكرة أنّ الخالة فردوس تفكّر في الإجهاز على طفلتها قبل أن تقدم على الانتحار. والأبشع المحزن في الأمر أنّنا لم نكن نملك ما يكفي من الاستعداد النّفسي والذّهني، ووضوح الفهم والرّؤية لمساعدة أنفسنا والخالة فردوس. لم يمنحنا ما يشكلنا من قيم ثقافيّة واجتماعيّة منذ الطّفولة إلى الآن ونحن بين أيدي كلاب الأمن مخرجا، بل تضاعفت آلامنا وازداد عذابنا ونحن نعيش بشكل مروّع تعجز اللّغة عن وصفه والتّعبير عنه ما ينتظرنا من نظرة الأهل والآخرين. هكذا وجدنا أنفسنا بين البحر/الأهل والعدو/الّنظام وزبانيته دون أن نكون على استعداد لحرق السّفن.

وغالبا ما أتذكّر تلك المحنة الرّهيبة بين أيدي، لاحظوا كم هي مقرفة اللّغة في مفارقاتها، “الإخوة الأعداء” وهم عبارة عن رجال أمن متطوعون من بلدتنا بدافع خوف مكبوت مخبأ في رداء تاريخ فرق الفتن وطوائف السّياسة باسم الدّين، من علي ومعاوية إلى داعش وحزب الله وما بينهما من فرق السّيدا وسرطان المظلوميات. كما أتذكّر النّظرات القاتلة والنّبذ الصّريح من قبل العائلة والأهل والأصدقاء. عندها أدركت أنّي كي أكون جديرة بالحياة والانسان والعالم، ذلك النّبع العذب المفقود فيما يشكّل بيوغرافيتي الجمعيّة.. عرفت أنّه عليّ أن احرق سفن كلّ ما يشكل هويّتي وتراثي الأصيل. وأغسل حريّتي، فأذبحهم جميعا على صفحات هذا الكتاب، وإلّا كيف يمكن للأب أن يذبح ابنته، وللأخ أن يطارد أخته بموت أليم، وللزّوج أن يطرد زوجته ووووو …؟

هي المرّات الكثيرة الّتي كنت أضبط فيها نفسي وأنا أصرخ في داخلي ليس بسبب ألم الاعتقال والتّعذيب بالجوع والعطش وقلّة النّوم والكرباج والقيد الّذي لا يفارق اليدين إلاّ نادرا، بل بسبب جسد جماعتي ومجتمعي الثّقافي والديني…، الّذي انبثق فجأة من جسدي معلنا احتلاله التّاريخي من حيث لا أدري.. معلنا نفسه عدوا شرسا إلى جانب الطّغيان. فيمتدّ صراخي بعيدا عنّي في عراء الغرفة ونحن مقيّدات اليدين خلف الظّهر: الخ يمه من جرائم السّياسة والطّغيان.. الخ يمه من جرائم حماية شرف كرامة فحولة الرّجال.. كيف لهذه الحرقة المكتومة في تجاويف القلب والدّماغ أن تجد طريقها في محرقة اللّسان؟ وكيف يمكن للغصّة المحبوسة بعنف في الأعماق أن تنطلق في مسالك المعنى حتّى أفوز ببعض الرّاحة والنّوم العميق؟ وكيف لهذا الجسد الأبويّ الدّخيل الّذي تلبس جسدي، فمسخه كشيء عفن منذ الولادة، أن يحول بيني وبين جسدي الّذي أنا في أمس الحاجة إليه وأنا عارية على حافة العالم بين الصّمود والانهيار؟

أتذكّر الآن كيف كنت ممدّدة في تلك الغرفة المظلمة ومقيّدة اليدين والرّجلين، فبعد أن قاومت في البداية عمليّة الاغتصاب الّتي حاول واحد من كلاب الأمن ممارستها في حقّي، اضطرّ الكلب الوحشي أن يستعين بصديقه لطرحي أرضا ثمّ تقييدي على سرير عسكري. لم يكن مطلوبا من جسدي أن يقاوم الألم أو التّعذيب ليثبت صموده وتحدّيه للسجّان الجلاّد، لم أكن معنيّة بأسطورة بطولة عدم الانهيار أو السّقوط والحفاظ على ماء الوجه والكرامة وفحولة الرّجال الّتي تفتخر بها الذّكورة في وجه الجلّاد، حيث السّجين يراهن على صمود إرادة جسده وما يسندها من قيم ومبادئ ومعتقدات، وهو يسدّ جميع الكوى والشّقوق والثّغرات الّتي يمكن أن يمرّ منها المحقّق، أو الجلاّد. أن تكون امرأة في سجن ثقافة الرّجال فأنت عارٌ وعارٍ أصلا من كرامة شرف الإنسان. في تلك الغرفة الملعونة والمدانة بكلّ اللّغات اكتشفت أنا وجسدي عمق تفكّك الرّوابط والأوصال بيننا، منذ ما قبل تاريخي كنت مجرّد أجزاء مبعثرة.. اكتشفت أنّنا ثلاثة أنا وجسدي والمحتل: جسد جماعتي ومجتمعي الّذي سلبني حقّ كرامة الانسان في الوجود والصّمود ومقاومة الظّلم والطّغيان. آه كيف أمكن لهذا الجسد المتخيّل ثقافيا واجتماعيا أن يسيطر عليّ بهذا الشّكل المرعب كعذاب أليم، ويجعلني أنهار بسرعة فائقة وأنا أنزف من الأعماق تحت وطأة ضغط هذا المحتلّ الّذي سلخ عنّي إنسانيتي حين سلبني من جسدي كنافذة على تماس عالم الانسان؟ لم يكن عذابي نابعا من ألم جسدي الّذي يمكن أن يسقط بفعل التّعذيب، لم أكن أملك هذا الخيار في خوض تجربة العناد والتّحدي، بكلمة واحدة اكتشفت بأنّ جسدي لم يكن ملكا لي، بل كنّا غرباء أنا وجسدي بين يدي الجلاّد، ومحتلّ جماعتي ومجتمعي، هما وجهان لعملة واحدة، لا يختلف فيها الطّغيان عن ظلم ذوي القربى. اكتشفت أنّ المقهورة المسحوقة مثلي يمكن بسهولة أن تتعرّض لسحقّ مضاعف إلى أبعد الحدود.. اكتشفت أنّ الّتي لا تملك جسدا لا يمكن أن تكون ثائرة، أو بالأحرى أن ترفع صوتها في الشّارع حرّة انسان. عانيت لحظة الاغتصاب من عذاب مؤلم رهيب كان يأتيني من صور ذهنيّة تملأ شاشة دماغي وهي تشدّ على القلب بقسوة الحقد والعدوان، نظرات العائلة والأهل والأصدقاء…، هي شفرات حلاقة لا تكفّ عن حز جوفي الحيّ دون أن تكترث لما تخلّفه من عذابات النّزيف المروّع.. طعنات شرف جسد جماعتي ومجتمعي تضرب بعنف وهي تستنكر عودتي حيّة نتنة كخرقة مدنّسة، لا كما عاد الرّجال بزغاريد فحولة الرّجال المندسّة في السّنة استلاب حريّة جسد إرادة النّساء، كان عذاب عبوديّة جسدي الملغى من دائرة الانسان، أقوى من اغتصاب هذه الوحوش الّتي أدركت هشاشتي وهي تطل من فتحة عاريّة لكرامة فحولة الرّجال، ليس من أجل الخنوع والخضوع والمذلّة، بل لسحقّي كليا من تماس وجودي في العالم. إعدام هو أبشع من الإعدام.

الكلمات لزجة ملتبسة كاتمة جافّة قاسيّة، وبرودتها خانقة مؤلمة حياديّة بما يشابه تواطؤ لا أخلاقي في فعل الجريمة والاغتصاب. هل ذكوريّة مّا تتخفّى وراء عسر العبارة والمعنى وأنا أدفع الحمم خارج جوفي المحرقة إلى الصّفحة البيضاء، لكنّها سرعان ما ترتد نحو الأعماق بعنف الانحدار كما لو كانت المحنة صخرة سيزيف ترفض الانفصال النّفسي للمتخيّل الثّقافي الاجتماعي عن ظهر قلبي المتعب الحزين. ما أبعدني عن الكتابة، وما أقربني من عنف التّرحال لاسترداد حريّة جسدي المغتصب من عنف شرّ المحتلّ باسم الشّرف الرّفيع للعفّة ومكارم الأخلاق في صون عرض فحولة رجال جماعتي ومجتمعي..

لو كنتم مكاني لعرفتم أنّني لست من عاشقات التّنظير والكلام الفجّ المحنط الحقير، ولا من هواة إطلاق العنان للخيال النهاب لروح الحقيقة والإنسان، ولقدرتم حجم شرّ المأساة، ورأيتم بأمّ أعينكم الكمّ الهائل من العذاب الّذي أتشرّبه لحظة الذّكرى الآن، كما لو أنّ ما حدث بالأمس البعيد يحدث الآن فوق سرير الكتابة الأبيض هذا، العدو الشّرس، الذي لا يسمح لي بحقّ الاغتسال الرّوحي من دنس أغلال وموانع ومحرّمات جسد جماعتي ومجتمعي الّذي سهل انهيارنا وانكسارنا وأسهم في سحقنا.. لو عرفتم كيف يقتل المعنى الإنسان، ويدفع به إلى حافّة النّبذ والمنفى، و الجنون والانتحار، لعرفتم معنى عسر ولادة الإنسان على صفحة بيضاء لكتابة تنزف ألم الانسان.

هكذا كادت أن تنتحر ابتهال بعد أن تعرضنا للاغتصاب…

في هذا المكان القذر المجهول عشت ورأيت كيف يقتل المعنى الإنسان، وينجز ما يعجز عنه تعذيب الجلاّد. كانت ابتهال  طالبة جامعيّة، فتاة في مقتبل العمر، شجاعة وجميلة بسحرها الأخّاذ، قاومت مثلنا الجوع والعطش والإذلال، تحمّلت بعض ألوان التّبخيس والحطّ من كرامة الانسان، كما صمدت في وجه التّعذيب النّفسيّ والجسديّ البشع الّذي طال قيمة حرمة الأجساد. في الأيّام الأولى كانت جرأتها تسبق أصواتنا في مقاومة ضباع الأمن وهي تصرخ” حريّة وبس.. حريّة وبس” . لكن حين تكرّر الاغتصاب انكفأت على نفسها مثلنا نصارع ألم عذابات معنى شرف وكرامة فحولة الرّجال،  ونجابه رعب وشراسة التّعذيب الّذي ينزله بنا متخيّل جسد جماعتنا ومجتمعنا، كنّا مجرّد جثث جوفاء وبلهاء ونحن نرى بعجز تامّ كيف تسلّل الجلاّد عبر معنى ممرّات شرف فحولة قهر النّساء إلى عمق نواتنا الّتي أفزعت إرهاب الطّغيان. جاءنا الانكسار من شقوق في ذواتنا لم تكن في الحسبان.

بعد أن حشرونا لأوّل مرّة في تلك الغرفة الملعونة بعد سلسلة من الضّربات بالعصي والكرابيج قصد  زرع الخوف في نفوسنا، وبث الرّعب في قلوبنا أخذت ابتهال بناصية الكلام في محاولة منها أن تبعدنا عن الاستجابة أو الإنصات لأجسادنا وما وقع فيها من آلام وكدمات، كلماتها كانت قويّة، حيث منعت ولادة العذاب في أعماقنا الّذي أرادته كلاب الأمن. قالت وهي تشدّ على الكلمات بثقة عالية في النّفس وهي تتفرسنا بنظرات حادّة فيها الكثير من الصّرامة والتّحدي:

  • أوّل شيء أن نتجاهل وضعنا الجديد كمعتقلات…

صمتت طويلا، ربّما خانها مبنى الكلمات، أو كأنّها تبحث عن طريقة أعمق نفاذا لصلب الهدف من الكلام، في الوقت الّذي كانت فيه عيوننا تطاردها بأسئلة متباينة الحدّة والشّدة متسائلة عن الغرض من هذا الكلام الّذي انبثق فجأة كحبل انقاذ يقوي عزمنا ووحدة تماسكنا، ثمّ أضافت:

  • علينا أن نخلق تعارفا بسيطا، نتبادل فيه الأسماء وكلّ المعلومات الشخصيّة..

فتحرّكت وهي تحاول أن تبتسم لشدّ الانتباه وخلق حالة من التّقبل الإيجابيّ لدينا، فقالت:

  • أوّلا لا ينبغي أن نشعر بالعزلة، كما لو أنّ كلّ واحدة منّا لها عالمها الخاصّ. نحن الآن في وضعيّة واحدة، وعلينا أن نلتحم ببعضنا أكثر فأكثر، لذلك أرى بأنّ التّعرف على أسماء بعضنا يمنحنا قوّة أكبر، ثمّ ثانيا لا نعرف كيف سيكون مصيرنا، وما الّذي سيحدث هنا اليوم أو غدا لكلّ واحدة منّا، لذلك أرى أنّ من الأفضل أن لا تبقى الواحدة منّا مجهولة في صورة أقرب إلى مفقودة.

هكذا انخرطنا في تواصل وتفاعل أخوي، كما لو كنّا نتعرّف على مناطق مجهولة من ذواتنا الحميمة، أشعرنا ذلك بنوع من الحرارة والدّفء الانسانيّ، الشّيء الّذي أسهم في خلق الطّمأنينة والثّقة الكاملة بخطوتنا الشّجاعة في رفض ثقافة القهر وسطوة قدر إلى الأبد. ورغم التّجويع والعطش الّذي مورس في حقّنا لثلاثة أيّام متواصلة، فقد قامت كلّ من ابتهال ولينا وأمل بأدوار جميلة لم تسمح لعقدة الذّنب بالتّسرب إلى دواخلنا، وذلك من خلال  حكي تجارب مختلفة حول مشاركة النّساء في المقاومة والنّضال إلى جانب الرّجال. فتحدّثت لينا وأمل عن وقائع رائعة من تاريخ النّساء في التّصدي للهمجيّة والاستعمار والظّلم والاستبداد…

لكن حين شرعت ابتهال في الحكي لم تكن فقط آذاننا هي الّتي تحسن الإنصات، بل كلّ حواسنا تكثّفت كلّها كإصغاء الكينونة ينبع من أعماق النّفس منفتحا عبر مسامات الجسد في نوع من الانجذاب أقرب إلى التّوحد الصّوفي النّادر. قالت وهي توزّع بسمتها علينا بسخاء جميل:

تاريخ البشر أثبت عظمة النّساء في مختلف المجالات من الفنّ إلى السّياسة…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق