“سوبرمان عربي”: الرّبيع بلونٍ آخر

عندما تُعيد امرأة كتابة التّاريخ الذّكوريّ لتستعيدَ صوتها وجسدها وتاريخَ أسلافها، تحدثُ الولادة وتنطلقُ الشّرارة. عندما تعيدُ امرأة كتابة التّاريخ فتملأ فجواته وهوامشه بحال أنوثتها الفاعِلة، يمكننا فقط حينها أن “نكون” وأن نصبحَ على مُستقبلٍ أفضل. عندما تعيدُ كتابة التّاريخ لتحتضنَ أولادنا المُستقبليين وأرواحَ مَنْ قُتلوا على مَذبح الذّكورية الدّنِس؛ لتجمعَ دموعَ الأمّهات في مجاري الأرض، حينها فقط سنصبحُ على وطن – – عندما نؤمِن أنّ “حقوق الإنسان إنسانيّة وعالميّة وليستْ حِكراً على أحد” (حدّاد، سوبرمان عربي 40). ما لم تتحرّر المرأة فتبعثَ فينا الحياة بدلاً من عبادة الموت وأبالسته وطقوسه الدَّمويّة العنيفة، كيفَ لنا أن نتحدّثَ عن التّغيير والمواطنة؟ هذا باختصار ما يتضمّنه كتاب “سوبرمان عربي” للأديبة والباحِثة جمانة حدّاد المُفكّرة الّتي لا تعرفُ الصَّمت أمام واقع الظّلم والتّمييز والعنف المُمنهَج بحقّ المرأة. حكايةُ امرأة ساخطة على البطريركيّة وأتباعها من النّساء والرّجال. امرأة لا تحتمل المعايير المزدوجة للمنظومة الذكوريّة الّتي اختزلت المرأة في ضِلع وأصبحَ بحكمها الرّجل هو “الحاكِم بأمر الله” والوصي على شؤونها والعارِف برغباتها ومشاعرها وأفكارها. امرأة تبحثُ في البدايات وما قبل البدايات وتعبثُ بها هازئة بالمُسلَّمات والأعراف فتقول:

“في البدء كانت الفوضى، فأوجدت الخوف. ثمّ كان الخوف، فأوجد الله. ثمّ أوجد الله مفهوم الخطيئة. ثمّ أوجد مفهوم الخطيئة الرّجل الذّكوري. ثمّ أوجد الرّجل الذّكوري المرأة الوديعة الطيّعة. ثمّ أوجدت المرأة الوديعة الطيّعة أسلوب المَكر. أوجد المَكر الأقنعة الواقية. ثمّ أوجدت الأقنعة الواقية فكرة المعركة بين الجنسين (…). ومن ثمّ عدنا إلى الفوضى من جديد.” (حدّاد، سوبرمان عربي 31-32)

هُنا في “سوبرمان عربي” ترسِمُ سِفرها الخاصّ – سِفر البحث عن الذّات – دونَ خجلٍ أو خوف من أن نراها كما هي دونَ أقنعة. هو سِفر وسَفرٌ معاً؛ سِفرُ إعادة تشكيل وتكوين الذّات وسَفَرٌ نتجاوزُ من خلاله عَين المُراقب والرقيب وحواجز التفتيش. في هذا السِّفر راحتْ تَشقُّ طريقها بأدواتِها هي وأدوات مَن سبقنَها إلى النّضال من أجل المساواة والحُريّة والكرامة الإنسانيّة. هذه ليستْ المرّة الأولى الّتي أتجوّلُ فيها فوق جسورٍ شيّدها قلمُ جُمانة حدّاد الحُرّ الّذي لا يعرف المُساومة، بل إنّنا التقينا سابقاً في مَحطّات عديدة ورأيتها بتجلّيات مُختلفة أوّلها في كتاب “هكذا قتلتُ شهرزاد” (2010)، ثمّ في “الجنس الثّالث” (2015)  و”بنت الخيّاطة” (2019) وأخيراً في “سوبرمان عربي” (2014). هذا الأخير هو رسالة مفتوحة موجّهة إلى كلّ إنسان يَحلم بزوال البطريركيّة النّظام الذّكوري الاستبدادي الّذي يقوم على الفوقيّة الذكوريّة والتّمييز الجّندري. ترى حدّاد في شخصيّة “سوبرمان” الرّجال والنّساء البطريركيين والبطريركيّات الّذين يُعيقون تطوّر وتقدّم مُجتمعاتنا نحو فجر المدنيّة والعلمانيّة بعيداً عن ثقافة السّواد وقبورها والسّاكنين فيها. “سوبرمان عربي” هو مخطوطة إنسانويّة حداثويّة تدعونا من خلالها الكاتبة إلى عيشِ الحاضِر الحداثوي بكلِّ أبعاده التحرّرية وذلك بالتخلّص من تبعيّتنا لكلّ ما هو ماضوي بما في ذلك مؤسّساتنا الدّينية والعادات والتّقاليد الاجتماعيّة البالية (وعلى رأسها “الشّرف” المُرتبط إلى اليوم بالبكارة). وهو أيضاً مساحة حُرّة للتّفكير بصوتٍ مُرتفع بعدَ أن حطّمت حدّاد جميع الأقفال وتجاوزت الخطوط الحمراء وذلك بتعرية الثّالوث المُحرّم المُتمثّل بالدّين والجّنس والسّياسة. شعرتُ بالسّرور والغبطة أثناء قراءتي “سوبرمان عربي” لمعرفتي أنّه ثمّة امرأة أخرى تفكّر بما أفكّر وأنّي لستُ الوحيدة الّتي تحلمُ بسقوط البطريركيّة وأنظمتها الفاشيّة الديكتاتوريّة ومؤسّساتها الذّكوريّة. هل سيتحقق الحُلم؟ هل تسقطُ البطريركيّة ونحنُ على قيد الحياة؟ كلّما سمعتُ طبولَ الحرب تُقرع في هذه المنطقة وغيرها من العالم أقول لنفسي: ها هي البطريركيّة تتهالك وتطحنُ نفسها بنفسها! ها هي آلة الحرب الذّكوريّة تسحقُ نفسها بسواعدِ أبنائها! إنّه العدّ العكسي … ولكن، كم من الضّحايا سيتطلّب الأمر؟ ماذا سيكونُ شكل الفجر الجديد وبأيّة هيئة سيأتي؟ هل ستتضمّن الإنسانويّة الجديدة أسلوبَ عيشٍ مُختلف يحترمُ أشكالَ الحياة الأخرى على هذا الكوكب؟ وهل تفنى الدّيانات الإبراهيميّة من تلقاء نفسها فورَ وصولنا أو ربّما صعودنا إلى الوعي الكوني المسيحاني؟ وهل سيحدثُ أن نرى الحَمَلَ يعيشُ جنباً إلى جنب مع الأسد؟ أميلُ إلى الاعتقاد أنَّ أحلامنا وأفكارنا لا تموتُ بعد أن نغادرَ الجّسد المادّي لأنّها الإرث الّذي يبقى منّا في خزينة الوعي الكوني؛ أفكارنا السِّرية وربّما اللاّمُفكّر بها وأحلامنا غير المُتحققة تسبحُ جميعها في فضاء الوعي الكوني على شكل أمواج من الطّاقة لا تموت ولا تفنى بل تتحوّل من صورة إلى أخرى ومن شكل إلى آخر (آينشتاين). هي بمثابة ذخائر نستلمها من الكون ونسلّمها بدورنا لغيرنا إلى أن يتحقّق من خلالنا ما هو مطلوبٌ منّا: الكرامة للجميع. المساواة للجميع. السّلام للجميع. رأيتُ بين كلمات حدّاد وسمعتُ بين ذبذباتها أصواتَ الكثيرات ممّن سبقونا إلى النّضال النّسوي من أمثال فيرجينيا وولف، سيمون دي بوفوار، كيت ميليت، جوليا كريستيفا، نوال السّعداوي وغيرهنّ. في “سوبرمان عربي”، تسافرون مع حدّاد إلى البدايات ما قبل “سِفر التكوين” لنرسمَ بدايات جديدة علّنا نتحكّم بعجلة الحاضِر بعيداً عن المُسلّمات والغيبيّات  فنستعيدَ إنسانيتنا الضّائعة رغمَ واقع القوانين البطريركيّة الجائرة. ليس لكتاب “سوبرمان عربي” من خاتمة لأنّ البطريركيّة لم تنته بعد وأعتقد أنّه لن يكون الكتاب الأخير الّذي يفضح بشاعة وفداحة المُمارسات البطريركيّة ضدّ المرأة والرّجل معاً وسيكتب الكثيرون من النّسويون والنّسويات عن هذه المنظومة الخبيثة  إلى أن تتلاشى من الوجود وتحدثُ البداية الّتي نرجو وننتظر. ولذا اختارت الكاتبة أن تضعَ بريدها الإلكتروني في نهاية الكتاب تاركةً البابَ مفتوحاً للقرّاء لكي يشاركوها أفكارهم وهُمومهم ومَشاكلهم وتَجاربهم وأحْلامهم ومغامراتهم في ظلّ نظامٍ يختزلُ الإنسان بشكل أعضائه(ها) التناسليّة. هنا أريدُ أن أضمَّ صوتي إلى صوت حدّاد لأقول لها ولكلّ أنثى عانت وتُعاني من المعايير البطريركيّة المُزدوجة، إلى كلّ أنثى تُقتلُ يوميّاً باسم “الشّرف”، إلى كلّ أمّ قَتلت أو هَدّدت ابنتها باسم “الشّرف”، إلى جميع الرّجال والنّساء المُستلبين والمُستلبات الضحايا والقتلة في نفس الوقت أقول:

جسدي مُلكي. ليسَ هيكلاً ولا مُلكاً لأحد. لطالما همستُ هذا لنفسي مَرّاتٍ ومرّات إلى أن تمكّنتُ من المُجاهرة به عَلانيةً. جسدي مُلكي. ليسَ هيكلاً لأحد رغم ما تمّ حشره في رأسي من موروثات اجتماعيّة ودينيّة. كنتُ دائماً استمعُ إليه ينتفض رافضاً صكوك المُلكيّة تلك الّتي فُرضَتْ عليه من باب الدّفاع عن الله ورجولة آدام الضائعة والمَخصيّة في عالمنا “العربي”. جسدي مُلكي ولا أريدُ أن أكونَ على خانة أحدهم – الزّوجة الصّالحة المُطيعة المنسوبة إلى فُلان أو المرأة الصّالحة المُطيعة ابنة فُلان وكم حلمتُ وأحلمُ إلى الآن بالتّخلّص من خانة والدي. أن أكون أنا فقط دون قيود وقوالب تزجُّ بي في ساحة المعركة أو الصّراع الجنسيّ وثنائياتها الخانقة. جسدي مُلكي أمنحه وقت أشاء لمن أشاء. جسدي الكانفا الخاصّة بي أرسمُ عليها ما أشاء بالألوان الّتي أشاء. عرفتُ دوماً أنّ المارِدَ سيستيقظ من المِصباح لكنّه كان يتحيّن الفرصة المُناسبة للنّهوض من سُباته الطويل للانقضاض، لينفض عنه الغبار غبار القرون الوسطى وأسطورة حِزام العُذريّة أو ما يدعونه “الشّرف”. كانَ لقاءنا الأوّل – وربّما لم يكن الأوّل – غايةً في الغرَابة لأنّي اكتشفتُ وجودَ ’المِصباح‘ مُصادفةً بعدَ قراءتي لمسرحيّة للكاتبة البريطانيّة كاريل تشرتشل Caryl Churchill  بعنوان السّحابة التّاسعة Cloud Nine . كنتُ وقتها في السّنة الأولى من برنامج الماجستير في جامعة دمشق عام 2007 قبل أن أسافر للدّراسة في بريطانيا ولمّحت لنا دكتورة المسرح حينها  بأنّ مسرحيّة تشرتشل هامّة إلاّ أنّها لم تكن تنوي تدريسها أو إدراجها في برنامج الماجستير لأنّ المسرحيّة لا تتناسب مع ثقافة بلدنا لما تبيحه هذه المسرحيّة من محظورات فهي بمضمونها السّياسي-الجّنسي من العيار الثّقيل. كانت الدكتورة تريدنا أن نقرأ المسرحيّة ولكنّها بسبب الخوف والضّوابط والأعراف لم تستطع تدريسها. ولأنّ التفّاحة المُحرّمة حلوة قرأتُ المسرحيّة وكانَ ما كان. فركتُ ’المِصباح‘ بالطّبع. نفضتُ غبار الأسلاف عنه دونَ تردّد. ورأيتُ الجِّني يخرجُ قائلاً: “شبّيك لبّيك. أحسنتِ. تابعي. أنا لكِ وحدكِ.” للحديث تتمّة. تأتي المُفارقة الحضاريّة والثقافيّة والزّمنية أنّه عند انتقالي إلى بريطانيا لنيل درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة مانشستر عام 2009، كان الأسبوع الأوّل من العام الدّراسي المعروف باسم orientation week عبارة عن أسبوع تحضيري احتفالي وثقافي يتضمّن كافّة أنواع النّقابات والهيئات والاتّحادات والمؤسّسات الّتي تريد استقطاب الطلبة إليها من خلال توزيع المنشورات والدعايات والهدايا. من بين هذه العروض كانوا يقدّمون “الواقي الذكري condom” مجّاناً على الطلبة داخل الحرم الجامعي من باب التوعية الجنسيّة والتّرويج للجنس الآمن للحدّ من انتقال الأمراض الجنسيّة بينما يخافُ أساتذتنا الجامعيّون إلى اليوم من التكلّم في الجنس أو تدريس مسرحيّة أو قصيدة تتناول مواضيع إيروتيكيّة جنسيّة. فالتّعريف أو الخوض بقضايا الميول الجنسيّة أو الحريّة الجنسيّة أو التنوّع الجنسي لا يزال إلى يومنا هذا مِن المَحظورات أو ربّما يُعدّ تَرَف فِكري في بلد دمّره ويدمّره كلّ من التطرّف الدّيني وآلة الحرب اللّعينة. يؤسفني القول إنّ الصّحة والسّلامة الجنسيّة لا بل العمليّة التدريسيّة نفسها لم تسلم من شياطين العقل المُتديّن المُتطرّف إلى أن أصبح التّحليل والتّفكير في اللامُفكّر به أدوات  في أيدي الظلاميّن والقروسطيّن وأصبحَ هؤلاء يُملونَ علينا ما يَصلحُ تدريسه وما لا يَصلُح. إلى أن يأتي الرّبيع ونرسمَ الواقع بألوان لا تشبه روائح مَحاكمَ التّفتيش…

*******

المَراجع:

حدّاد جمانة: سوبرمان عربي، ترجمة: نور الأسعد، بيروت، دار السّاقي، 2014.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق