غسلت حريّتي فذبحتهم جميعا (ج2)

تحركت قليلا ثمّ غيّرت وضعها، كما لو كانت تريد إثارة كلّ حواسنا للإنصات، عند ذلك فاجأتنا بسؤال ما كانت تنتظر له جوابا، إذ جعلته مجرّد عتبة لسرد حكايتها..

ربّما ولا واحدة من كنّ تعرف   دوميتيلا باريوس شانغارا تلك المرأة الفقيرة العاديّة من بوليفيا الّتي كانت تعيش زوجة لأحد العمّال المنجميين، وبسبب تاريخها الشخصيّ والاجتماعيّ كفتاة مقهورة كافحت من أجل  أخواتها الصّغيرات بعد موت أمّها، وانعدام حسّ المسؤوليّة العمليّة الّتي ميّزت أبا ذكوريا عنيفا متسلّطا ومدمنا على الكحول رغم وعيه ونضاله السّياسيّ النظريّ المتميّز، حيث ظلّ الرّجل سجين تناقضات كبيرة بين مبادئه وواقع ممارساته الحياتيّة، خاصّة تجاه بناته. ونتيجة هذا الوضع الأسريّ والاجتماعيّ استطاعت دوميتيلا بعد زواجها من أحد العمال المنجميين، أن تكون لنفسها شخصيّة قويّة لها استعدادات نفسيّة وعقليّة على مستوى الوعيّ للانخراط في النّضال الّذي كانت تخوضه زوجات العمّال اللّواتي وجدن أنفسهنّ معنيات بالصّراع الاجتماعيّ السّياسيّ، أي بالصّراع بين الفقراء والأغنياء، بمعنى بين العمّال وربّ العمل. إذ بعد سلسلة من المعارك الّتي خاضها العمّال أزواجهن اضطرت النّساء في إحدى المرّات بعد هجوم السّلطة على العمّال واعتقال الكثير منهم أن تنزلنّ إلى الشّارع وتنظمنّ أنفسهنّ داخل إطار سمي بـ ” لجنة ربات البيوت” واستطعن من خلال وعيهنّ بواقع الاضطهاد المزدوج الّذي تعيش تحت عنف عذاباته المرأة البوليفيّة أن يقدمنّ دعما فاعلا للعمّال المنجميين أدّى إلى انتزاع مكتسبات كبيرة، الشّيء الّذي منح شرعيّة نضاليّة واجتماعيّة لنضال النّساء ولجنة ربّات البيوت كإطار تنظيميّ. داخل هذا التّنظيم النسائيّ تطوّرت دوميتيلا  كامرأة مناضلة إلى أن استطاعت ان تكون قائدة من وسط المعارك وأشكال الدّعم والكفاح الّذي خاضته لجنة ربات البيوت اللّواتي لم يقبلن بالواقع السّلبي لمعنى مجرّد اعتبار المرأة ربّة بيت فقط. وقد تعرّضت هذه المرأة العظيمة لسلسلة من التّهديدات والاعتقالات إلى جانب الاختطاف في سجون مجهولة متحملة الاستفزازات والتّعذيب والتّحرش الجنسيّ. قد يبدو غريبا وغاية في الخيال وصعب التّصديق لو قلت. لكنّ المسكينة اضطرت أن تضع مولودها في سجن مجهول وفي ظروف لا إنسانيّة تجاهلها فيها حتّى الموت الّذي كان يمكن أن يكون رحيما ويخلّصها من قهر الفاشيّة الّتي كانت تحكم بوليفيا وهي الفاشيّة نفسها الّتي قتلت الثّائر الكبير جيفارا. وبفضل صمودها وتغلّبها على كلّ المحن الّتي فرضتها مأساة الشّر الفاشيّ في حقّها وحقّ العمّال المنجميين والشّعب البوليفي، استطاعت دوميتيلا أن تسمع للعالم واقع المرأة في ظلّ الأنظمة الديكتاتوريّة الأبويّة والفاشيّة الهمجيّة، حيث شاركت في النّدوة العالميّة للنّساء الّتي نظمتها الأمم المتّحدة بالمكسيك. وكان لصوتها تأثيرا عظيما في كلّ الحاضرات وكلّ المتابعين.

إذن لا شيء ينقصنا لنكون نحن أيضا في مستوى هذه المرأة الّتي كانت سخيّة بكلّ شيء من أجل الكرامة والحريّة والعدالة. فأغلبنا متعلّمات وعلى وعي بالمذّلة والقهر والظلم والفساد الّذي يفرضه نظام الأبد في حقّنا.. وهذه المعركة ليست من شأن الرّجال فقط.

كانت ابتهال تحكي بتقمّص نفسيّ وجسديّ واضح في نبرة صوتها وقسمات وجهها تعبّر في كلّ لحظة عن تحوّلات صعبة كانت تحدث في جوفها ونحن نراها تخرج من حالة نفسيّة صعبة وفيها الكثير من الحزن والألم، لتدخل في حالة نفسيّة أخرى أكثر تعقيدا وتركيبا، هل كانت بتلك الطّريقة في الحكي تريد أن تشدّ انتباهنا ممّا يسهّل مرور عمليّة التّأثير بالشّكل المطلوب والفعّال، أم أنّها كانت بحرارة المحبّة والصّدق الإنسانيّ تتفاعل مع شخصيّة دوميتيلا وترجو من قلبها كما توضّح عينيها ذلك أن نتماسك ونلتحم من خلال اعتبار الخوف عدونا الأكبر.. لذلك بعد أن تنهّدت وأخذت نفسا لا يخلو من عذاب الألم قالت:

هل تعرفن ما الّذي قاله الكاتب المعروف إدواردو غاليانو كشهادة في حقّ دوميتيلا: “أتذكّر أنّه خلال تجمّع عمّالي، منذ زمن، ثلاثين سنة، نهضت سيّدة، وسط الرّجال وتساءلت عن عدوّنا الرّئيس. ارتفعت أصوات مجيبة: الإمبرياليّة، الأوليغارشيّة، البيروقراطيّة … لكن هي دوميتيلا شانغارا أكّدت: لا، يا رفاقي. عدونا الرّئيس هو الخوف، ونحمله بداخلنا”، يقول غاليانو ” كانت لي الفرصة لسماعها ولم أنساها مطلقا”. وهذا ما أكّده كاتبنا الكبير عبد الرّحمن منيف في أدبه الرّوائي حيث يرى بأنّ القهر والظلم والفساد والاستبداد والجلّاد…، كلّ هذا الزّبل المرعب ولد من الخوف، أي من داخلنا. لذلك علينا اعتباره عدونا الرّئيسي.

في هذه اللّحظة تدخلت الطّبيبة فدوى لتؤكّد ما قالته إبتهال..

شكرا لك حبيبتي إبتهال.. شكرا لذاكرتك الجميلة،  أنا شخصيا قرأت عن تجربة هذه السّيدة العظيمة من خلال كتابها “دعوني أتكلّم” وقد لخصت فيه كفاحها البطولي ضدّ القهر والفاشيّة والاستغلال البشع…

في لحظة صغيرة في الزّمن كومض البرق فوجئنا بأولاد الكلب يقتحمون غرفتنا وهم يجلدوننا بأحزمتهم العسكريّة، ونحن في يومنا الثّالث من التّجويع القسريّ، مجرّد أجساد منهكة لا نقوى على تحمّل ضرباتهم الهمجيّة مع سيل من الشّتائم البذيئة الّتي تفوح منها العنصريّة البغيضة المعبّرة عن قمّة الكراهيّة الّتي تغلي في قلوب هذه الحثالة القذرة الّتي اجتافت القهر والاضطهاد إلى درجة صارت أدوات تافهة منحطّة لتأبيد شرّ المأساة الّتي أنتجها النّظام الدّموي. أولاد الكلب الاجرب المنحوس، عبيد المختل المخبول كانوا يتنصتون علينا، لذلك تركّز معظم جنونهم على ابتهال..

– آخر زمان هذا حتّى القحبة تفهم وتحكي سياسة.. فاشيّة، نضال، صمود، الله ليوفقك .. مومس يا بنت الشرموطة.

وبعد أن اشبعونا ضربا بشكل ساديّ جرّ واحد منهم إبتهال من قدمها وهي تصرخ وتشتم:

-أولاد الكلب، جبناء تعتدون على نساء.

ردّوا عليها بشكل جماعي وعيونهم تقدح شرّا:

-تريدين حريّة وبس.. اللّيلة تشبعين الحريّة يا عاهرة

لم ننم في تلك اللّيلة، صرخنا، رفعنا أصواتنا، خبطنا على الباب بعشرات الضّربات بالأيدي والأرجل إلى أن هدّنا التّعب. ونتيجة الإنهاك والجوع والعطش وكم هائل من الأسئلة الملعونة  التّي هبطت مع ظلمة اللّيل البهيم ممزوجة بالحزن والألم والحقد، ساد صمت قاتل كمديّة تحز القلب، لأنّهم أخذوا ابتهال إلى مكان آخر ولا نعرف ما الّذي يفكّر فيه أولاد الكلب، خاصّة وأنّ عيونهم وضرباتهم على أماكن معيّنة من أجسادنا بالإضافة إلى الكلمات السّوقيّة البذيئة جعلتنا في حيرة وقلق مشوب بالعشرات من الأسئلة الرّهيبة حول مصير ابتهال.

في صباح اليوم التّالي خبّطنا بقوّة على الباب، فلم يتأخر أولاد أسد علي وفي الحروب نعامة

-إرهابيات، عاهرات.. ماذا تردن يا سلالة الكفر والنّفاق..

في هذه اللّحظة تدخلت أمل بذكاء وهدوء متصنّعة الخنوع والطّاعة الأقرب إلى الاحترام.

-حرام هذا الظّلم في حقّ نساء أقرب إلى عائلاتكم، فكيف تعاملون أمّهاتكم وأخواتكم…

قاطعها بعصبيّة مع قهقهة طافحة بالسّخريّة:

-نحن بناتنا محترمات وعفيفات أبا عن جدّ…

لم تتركه يستمتع بتفاهاته المنحطة، حيث فاجأته:

-أتركنا من هذا الموّال فنحن نعرف بعضنا ومن فينا خان حقّ الجار ذي القربى، وملح الطّعام، لو أنكم رجال بحقّ وحقيقي ما اعتديتم على حريمات بالضّرب والجوع… وخلينا نشوف البنت ابتهال..

كما لو فاجأه كلام أمل إذ ارتبك القرد الأجرب هذا الضّابط الملعون الّذي كان مرافقا بأربعة من كلابه، فخاطبها باستعلاء خبيث، كمن يبحث عن سدّ الاهتزاز النّفسي الّذي يجوّفه من الدّاخل:

-ابتهال شبعانة حريّة والحبل على الجرار .. والدّور على كلّ واحدة تصدّع رؤوسنا بالصّمود وحريّة والنّضال.. وكلام فاضي ما وراءه إلا كسر الرّأس.

في ذلك اليوم المشؤوم .. وكلّ الأيّام هنا لا تحمل غير القلق والحزن والحيرة وآلاف الأسئلة الّتي جعلت ثورتنا مظلوميات طوائف وثأر وانتقام وأحقاد بعضها واقعي والكثير متخيّل سياسة نظام لكسر وحدة الشّعب… وبعد الّذي حدث من تعذيب وتنكيل وعزل انفرادي لابتهال، كانت الحياة تبدو لي مجرّد أكذوبة كبيرة  لا تستحقّ كلّ هذا الرّعب والخوف من الذّات والآخر الّذي ولده الانسان في نفسه إلى درجة تسبب في توّحش الإنسان، وأدّى إلى ولادة القهر والاستبداد في صورة إله اعتلى السّماء ظلا للطاغية الحاكم الأرضيّ، الجالس على كرسي الهدر واستباحة حرمة وقيمة الإنسان.. في ذلك اليوم كانت الحياة في غاية التّفاهة، والتّقزز المقرف.

في صباح هذا اليوم كان أوّل لقاء لنا بالخالة فردوس حيث قدّمت لنا بعض الطّعام والماء بأمر من الضّابط الأجرب. كان لقاء صامتا تولاه حكي العيون مع الخالة فردوس. طرحت عيوننا الكثير من الأسئلة الحارقة على الخالة فردوس، وكانت عيونها طافحة باللّوعة المفعمة بالألم والعذاب الرّهيب. . عيون تسكنها الرّغبة الجارفة في القتل والانتقام. في لحظة مدبرة وعيون الكلاب تراقبنا تعمّدت أن أطلب مزيدا من الماء، لأجعل الخالة تكشف لنا عن اسمها، قلت لها وأنا أعانق عيونها بمحبّة الطّفلة الّتي  ترفض فكّ الاشتباك بحنان الأم..

-ماء يا خالة… تمدّد صوتي فاتحا ذراعيه يستجدي قلب الأم ليفكّ صمت اللّسان. وبتلقائيّة قالت وهي تمدني بإناء الماء ..

-خالة فردوس…

وقبل أن ينشر الصّمت غسيلة القذر بالرّعب والخوف قلت كأنّي أبحث عن شيء ضاع منّي

-كيف حال ابتهال.. البنت الّتي اخذوها البارحة..

فهمت كلامي وردّت عيونها وتقاسيم وجهها بالموازاة مع لسانها باقتضاب مشحون بألم الحقد العاجز عن رغبة الانتقام.

-إنّها في غرفة معزولة تفترسها الكلاب.

كما يقف الإنسان أمام مصاب جلل مفاجئ لم يكن في الحسبان، أو عندما يتلقى خبرا مفجعا مروّعا أقرب إلى الصّدمة التّي تتجاوز قدرة وطاقة الإنسان على التّقبل والتّحمل، وكما تهبط حلكة اللّيل في ليالي الشّتاء المسكونة بعويل البرد القارس والأحزان الثّقيلة الموجعة للقلب والدّماغ، هكذا نزل علينا كلام الخالة فردوس، فأصابنا نوع من الخرس الذّاهل الأقرب إلى قنابل تنفجر في الدّاخل بعد أن عجزت عن الانفجار في وجه الأعداء. عندها انفجرت لينا بسيل عارم من الشّتائم في وجه الكلاب، ثمّ قالت وهي تشير بيدها بكلّ وضوح مستهدفة بشكل خاصّ الضّابط المسؤول:

-أتحدّاك أن تملك قوّة الحقّ وراحة الضّمير والقناعة بنبل ما تفعل لو استطعت أن تحكي لأمّك، زوجتك، أخواتك، أو أبنائك بطولة ما تفعل من حرام أنت وكلابك في حقّ نساء عزل.. عندما تعود إلى حضنهم اِحك لهنّ ولهم عن وطنيتك الشّريفة في قهر واغتصاب النّساء.. كما لو أنّكم تأتون زنا المحارم… اِحك أيّها الوغد بصدق وفخر ولا تخشى عقدة الذّنب والتّأثيم.. اٍحك مرفوع الرّأس مع الكثير من ماء الوجه الّذي يحفظ كرامة حثالة مثلك يستلذون تعذيب نساء عزل.. اِحك لو كنت رجلا حقّا أيّها الصّحابي الجليل عن غزواتك هذه، وما اختطفت من سبايا جيران لك كانوا مثل أهلك…

هكذا استرسلت لينا في الكلام الأقرب إلى الصّراخ المؤلم الحادّ، دون توقف مع كم هائل من الشّتائم العنيفة، فانسحبوا بإشارة من الضّابط، ورؤوسهم مكسورة كمن تلقى ضربات موجعة في النّقاط الحساسة لشقوق الشّر في أدوات النّظام الدمويّ  المقنّع  بحماية الوطن والدّين الحقّ للطّائفة الكريمة…

ما الّذي جعلني أتخلّى عن الصّمت وأنشر هذا الغسيل القذر، كما لو كنت أستجدي النّاس على قارعة الطّريق لعلّي أثير شفقة وعطف المارّة طمعا في الغفران المبين؟ ولماذا هذا الجنون الأهوج  في رغبة التّعري والفضيحة وإسقاط كلّ موانع وطابوهات أخلاق العفّة والشّرف والكرامة الكاذبة لشرّ أمّة أخرجت للنّاس تأمر بالقتل والخراب وسفك دماء الأهل باسم الرّافضة والناصبة أدوات الإرهاب الفاشي؟ وهل هناك عند القارئ ما يكفي من مطايا في اللّغة والتّأويل لتنزيل الألم والعذاب بما يكفي للهجرة إلى الإنسانيّة، وخرق سقف الصّناديق الضّيقة العفنة للذّكورة الأبويّة؟ وكيف للكتابة أن تطمئن للذّاكرة وآليات اشتغالها في البتر والتّجزيء والانتقاء في الحكيّ؟ وما الّذي يمكن أن يطهّره السّرد العاري أمام جراح الرّوح المحروقة بثقافة الأهل، وببراميل وكيماوي النّظام الفاشيّ؟

ضدّ الصّمت والذّاكرة الشفويّة البلهاء، والتّعتيم واللّعب في الماء العكر من قبل مزوّري التّاريخ البشريّ، ضدّ هذا وذاك فكّرت في الكلام ليس فقط ليعرف النّاس، بل أيضا فضحا وتوثيقا لما حدث، حتّى لا يتكرّر ما جرى في حقّ الأجيال القادمة. وللوضوح أقول:  لقد كتبت لنفسي أوّلا رغبة في شحذ القلق، وخلق اضطراب الفكر في نفسي قبل الآخرين ضدّ عدوى مذلّة تطبيع المهانة والظلم والخنوع .. كتبت كما لو كنت أقوم بحز جسدي أمام جمهور يشهد ويشاهد منتجة فنيّة من ألم دمّ الإنسان الحيّ..

وهل حقّا نملك هذا الجمهور الفنّي في التّفاعل الانسانيّ؟

لست متأكدة من ذلك لكنّي لا أملك خيارا آخر لتوثيق الجريمة التّي كانت جاهزة بمختلف الأشكال، منذ الولادة وهي تتناسل في رحم ظلم ذوي القربى والطّغيان إلى أن أتى إله الأبد على ما كان في الأذهان من وهم حريّة امرأة صدّقت أنّها يمكن أن تكون إنسانا. ما كنت لاقترب من لهيب الكتابة لولا قناعتي بأنّها شكل آخر لعيش تجربة الألم أفقا وطريقة لتخطي عذاباته المترسبة في النّفس والجسد. ليس سهلا أن يضع الإنسان نفسه في مرجل الكتابة، فهي ليست ترفا باذخا فاحشا، بل حزا في القلب والجسد لتجاوز رعب الصّدمة القابعة تحت الجلد وفي الأعماق. أكتب كما لو كنت أقول لنفسي” أنا أكتب، إذا أنا موجودة”.

ما هذه المازوشيّة في تعذيب الذّات وأنا أتألّم من عسر مخاض ولادة الكتابة في التّعبير عن  شرّ المأساة الّتي خلفها إله الأبد في حقّ الأطفال والشّباب والنّساء، الصّغار والعجزة الكبار. وفي كشفه للمعنى البذيء للشّرف العفن في جماعتي ومجتمعي الّذي كان عونا للسّفاح في تدمير حياة العشرات من النّساء بين الجنون والانتحار. أكتب كما لو كنت أغتسل بالنّار، أضع آليات اشتغال الكتابة الشّبيهة بالمعلاق الحديديّ تحت الجلد، وفي جوف الذّاكرة والقلب والدّماغ، يضطرب الفكر والجسد والنّفس وأنا أسمو وأترفّع عن الألم، كما لو كنت أعيد ترتيب كينونتي من جديد متخطية ألم معنى الشّرف والعرض المتلبس لجسدي والمترسب داخل طفولتي وما قبل تاريخي الشّخصي. هل قيل آخر الدّواء الكيّ؟ هكذا أجدني داخل معراج جهنّم الكتابة كلّما نضج عمقي وجلدي، ما قبل تاريخي، إلّا وبدلّته نفسا وجسدا لأذوق كينونة ولادتي من جديد، كما لو كنت أخلق نفسي بعيدا عن آدميّة الأرض في نزول وحي ذكر القهر، من الأب للرّب، ومن شيخ العشيرة للمفتي. أكتب لأسترد بصري وسط هذا العمى ..أكتب لأراني أنا نفسي.. أعانق نفسي وذاتي بصدر حنون، هل هكذا يولد تاريخ الإنسان ويتلاشى الحيوان الآدمي فينا؟ ورغم المحرقة الّتي تكويني بحممها الرّهيبة تشملني فرحة عارمة أن أكون الآن قابلة ولادة نفسي في قطع الحبل السّري الّذي كان يربطني بجماعتي ومجتمعي وأنا أتخلّص من أدران القبيلة والعرق والطّائفة وعصبيّة الدين.

إنّه لأمر مرعب أن يختبئ القاتل في معنى شرف المقتول، ويدفع بك إلى الجنون أو الانتحار…

ما تزال صرخات  المعذّبين والمعذّبات من النّساء والشباب بشكل ساديّ وحشيّ تطاردني أينما حللت وارتحلت، ليس من أجل انتزاع اعترافات مّا، أو لزرع المهانة والمذلّة والخنوع والطّاعة العمياء، بل لسحق الإنسان وتحطيم وجوده الفرديّ. هكذا كانوا يتلذّذون بعذابنا وهم يقهقهون في تنافس محموم، حول جودة الاتّقان بتفان تفاهة الشّر، بحبّ الظّهور في حسن الولاء المزعوم للطّائفة والدّين، وللخالد الأبد الّذي أحرق البلد ووالد وما ولد. هكذا مرّت الأيّام الأولى في التّفنن في ضربنا والسّخريّة والاستهزاء من أصلنا وفصلنا. ووصمنا بأبشع النّعوت والصّفات، لم يتركوا كلمة بذيئة ولغة سوقيّة سافلة إلّا استعملوها في حقّنا. كما لو كانوا يهيئون أنفسهم، ضمائرهم لتبرير شرعيّة الاعتداء علينا، لذلك كانوا دون شعور منهم يخاتلون دواخلهم بنفينا وإقصائنا إلى درجة رمينا، في مزبلة الشّر والشّيطان، خارج دائرة الإنسان. لم يكن ذلك ليتطلّب منهم الكثير من الأفكار والزّمان ففي مظان الدّين وطوائف المذاهب وتاريخ اعتلاء سلطة الأمر الواقع ما يجعلنا في نظرهم مجرّد سبايا أو جواري متعة من سلالة الأعداء الكفّار. هل كنّا في دار غفلون أو في قيلولة ساهيات وساهون؟

في الأسبوع الثّاني كانوا ينفردون بامرأتين فيبدأ التّهديد بالتّعري والاغتصاب العلنيّ، علت أصواتنا، اشتد الصّراخ، ورافقه الضّرب العنيف خاصّة على الأرداف، إلى درجة الإنهاك، فاختلط الشّتم بالبكاء، والجنون الهستيري برغبة الانتحار. عندما وجدت سعاد نفسها عارية، التفتت يمينا وشمالا، خبطت فجأة رأسها  بالجدار حتّى تزلزلت الجدران كالرّعد المفزع الّذي تلاه برق لامع مضيء حرّك قلق الخوف الدّفين في داخل كلاب الأمن، تراجعوا خطوة إلى الوراء، لكن سرعان ما حفّزتهم عدوانيتهم المكبوتة على تبادل فيما بينهم، بساديّة يسكنها الخوف المزمن، قهقهات السّخريّة والتّشفي. لكن سرعان ما تملكهم ذعر بائس، مشوب بخيبة فحولة الرّجولة في التّحدي والظّفر ضدّ امرأة مقيّدة اليدين والقدمين، حين انفجرت من رأسها الدّماء، خاصّة وهي تنحني فتحت عينها بكلّ اتّساع مخيف، وكأنّها كانت تريد أن تودّع صور محنتها في قلوبهم آليّة للتّدمير الذّاتي لعقدة الذّنب. وربّما بسبب تلك النّظرة القاسية إلى درجة التّحدي والتّهديد بالثّأر والانتقام، علت أصوات ضباع الأمن بالشّتم والسّب وكلام التّشفي البذيء خوفا من صحوة عذاب ضمير الإنسان في جوفهم الميّت.

-إرهابيّة، إنتحاريّة، كافرة، قحبة ملعونة…

كنت أرقب كلّ الّذي جرى أمامي مقيّدة فوق سرير عسكري والعصابة في فمي وضعوها تفاديا لشتائمي اللاّذعة وأنا أستهدف نقاط ضعفهم وهشاشة رجولتهم في الاعتداء على نساء  هنّ أشبه بالأمّهات والأخوات…

-لو كنتم رجال بحقّ ما اعتديتم على حريمات..

-قحبات مو حريمات ولا آني غلطان..

-واضح من طيزك

فتقدّم واحد منهم لاغتصاب الجثّة الهامدة، فاضحا نفسه بما يعذبه في الأعماق من خوف رهيب. هكذا بقوّة العنف وتحت وقع التّعذيب كانوا يغتصبوننا حين يحلو لهم ذلك. إنهارت أغلب النّساء. لم يكن في الأعماق ما يحصّننا ضدّ هذا الاجرام الشّنيع، الكثير منّا أصيب بالانهيار في حالة أشبه بالتّبلّد أو فقدان الذّاكرة والانفصال عن الأجساد في نوع من الانشطار.  شعور مؤلم يرتج في جوف نفسي كالحمم حافرا أخاديد العذاب الأليم، وأنا لا أجد في ما يشكلني ما يسند كتفي ويوجّه خطواتي في محرقة الإبادة هذه. ما أبشع أن يكون الإنسان أعزلا في تاريخه الشّخصيّ الثقافيّ والاجتماعيّ، لم نجد سندا، جدارا، شجرة، ظلاّ، ننزع فيه رعبنا ونعيد ترتيب هويّتنا المبعثرة الآن بين أيدي هؤلاء الكلاب، حتّى نتمكّن من تحدّي ألم الطّغيان الوحشيّ الّذي غرز سيفه في دواخل الأعماق. كلّ جدار في داخلنا لجأنا إليه، احتمينا به، أو لمسناه كتفا لنا في محنة الوحوش الأوغاد، كان حارقا بنار لهيب شرف وكرامة عرض الرّجال المهدور، كان أكثر عداء من رعب الجلّاد. كنّا وحدنا مع أجسادنا توأمين نعيش ألم العذاب ونشهد الجريمة. حين عدنا إلى ذواتنا واستنجدنا بما خطّه فيها الآباء والأجداد لم نجد غير عذاب المذلّة وقهر فحولة الرّجال. لم يهزمنا تعذيب كلاب الأمن ورعب الطّغيان، بقدر ما هزمنا الأباء/ الآلهة بجهنم خديعة شرف كرامة عرض الرّجال.

يضحكون، يقهقهون، يكركرون وبسخرية مفتعلة، كما لو كانوا يتّقون شيئا رهيبا يشبه ضربات الضّمير، في تأكيد شرعيّة الذّبح الحلال للإنسان. لم نكن نصدّق أنّ أبناء البلد، وبعضهم كان من المدينة نفسها، أقرب إلى الجيران، يمكن أن يفترسوا كالوحوش لحمهم الحيّ بما يتجاوز فعل سلوك الحيوان في الصّراع من أجل السّيطرة والبقاء. منذ البداية سلخوا عنّا إنسانيتنا حين قال إبراهيم، الكلب الأجرب، الّذي عرفت اسمه فيما بعد، من خلال المناداة على بعضهم في الإشراف على التّعذيب والمراقبة والاغتصاب، العريض الكتفين، الحليق الرّأس، الهمجي النّظرات، البذيء اللّسان، ذا الوجه المقزّز الباعث على  الغثيان، كما لو خلفته قصور لواط العباسيين في الشّام:

-أبو سمير هذه المرّة صيد ثمين.. حريمات الإرهابيين

وبسرعة الضّوء حضر العشرات من الشّباب، يبتسمون، يتلمظون، ينقلون نظراتهم، كما لو أنّهم أمام مخلوقات غريبة نزلت من كوكب مجهول.  وبين اللّمس والغمز تبادلوا صور متخيلات مكبوت وحشيتهم  النّائمة في غار حراء الفتنة الملعونة لأهل الإسلام. كنّا نعتقد أنّنا نقتحم عالم الحريّة ضدّ طغيان النّظام كشعب واحد، فإذا بنا بين أيدي جيراننا غنيمة سبايا يحملن لعنة الطّائفة الإرهابيّة. يدقّقون في أسئلة النّسب والأهل، حتّى لا يخطئوا في حقّ الدّماء كما قال أبو سمير أثناء الفرز والتّحقّيق:

-يا شباب ما بدي وصي أحد فيكم.. خوضوا وجرّبوا، الإرهاب إرهاب، والدّماء العزيزة عند الله لا تخطئوها، أهلنا ما نريد أحد يغلط فيهم.

 

ملحوظة: الفصل الأوّل من مسودّة رواية … 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق