” كراهية المرأة ” كفرجة واستعراض

 

في القرن الحادي والعشرين أضحت الأفلام الإباحيّة مبرراً لممارسة العنف الجنسيّ بحجة التّمثيل والإبداع [1]. فالملاحظ أنّ الجنس في الأفلام الإباحيّة يُصوّر كمعركة تُنتهك فيها كرامة المرأة؛ وقلّما يتوجّه النّقد العلميّ والنّسوي لهذه الأفلام أو لهذه الصناعة الّتي تلقى رواجاً واسعاً، ويتمّ استهلاك بضاعتها بشكل كبير.

إنّ في الأفلام الإباحيّة موقفا انتقاميا وعدوانيا من المرأة، وحتّى وإن قبلت الممثلات المشتغلات في هذه الصناعة أدواراً تنتهك كرامتهنّ، بدعوى أنّهنّ يدافعن عن الجنس وعن الحرّيّة الجنسيّة أو عن مذهب الهيدونيّة واللّذة  Hedonism، فإنّ هذا لا يلغي أنّهنّ يساهمن في تعميم صورة المرأة الخاضعة لنزوات الرّجل ولرغباته؛ فالمرأة في أغلب الأفلام الإباحيّة تتصرّف وفق ما يرغب به الرّجل ووفق ما يطلبه، وتكون حرّيتها مستلبة ورغباتها لا تخرج عن رغبة شريكها الذّكر العدوانيّ الّذي تسعى لإرضائه بكلّ الطرق الممكنة.

يخطر في ذهن من يصادف الأفلام الإباحيّة لأوّل مرّة السّؤال التّالي: كيف يُسمح بتصوير هذه الأفلام وبعرضها في السينما وفي القنوات التّلفزيونيّة وعلى مواقع الأنترنيت؟ لعلّ البعض يؤنبه ضميره عند مشاهدة الأفلام الإباحيّة، والبعض الآخر قد يستمتع بها؛ على الرّغم من القيم السلبيّة الّّتي تحملها عن المرأة وعن الجنس.

لا شكّ أنّ الجيل الأكثر إدماناً للإباحيّة هو جيل الألفيّة Millennials ( مواليد 1982 إلى 1995 ) والجيل الّذي يليه ” جيل زد ” Generation Z ( مواليد 1994 إلى 2010) [2]، فجيل الألفيّة نشأ مع انتشار القنوات التّلفزيونيّة في أواخر القرن العشرين، الّتي كانت تعرض مواداً إباحيّة محتشمة بعض الشّيء مقارنة بالمواد الّتي تُعرض في هذا القرن على المواقع الإلكترونيّة، والّتي من السّهل أن نصادفها في كلّ بحث نقوم به.

وإذا كان جيل الألفيّة باستطاعته أن يفرق بين المشاهد الإباحيّة العنيفة، وغيرها من المشاهد، فإنّ أغلب شباب ” جيل زد ” شاهدوا الأفلام الإباحيّة الفظيعة الّتي تزدري النّساء وتعاملهنّ معاملة احتقاريّة في سنّ مبكرة جدّاً [3]، لأنّهم أكثر الأجيال استخداماً للأنترنيت وللهواتف الذكيّة الّتي يصعب ممارسة الرقابة عليها، وبالتّالي؛ حدث عند بعضهم تطبيع مع العنف الجنسيّ، وأصبحوا ينظرون لما يعرض في الأفلام الإباحيّة بكونه عادياً، وتشكل في وعيهم تصوّر خاطئ عن الجنس، لاسيّما وأنّ الدول العربيّة لا تُدرس التّربيّة الجنسيّة في مدارسها، وهذا ما يجعل المصدر الوحيد للثّقافة الجنسيّة هو هذه الأفلام الإباحيّة.

إنّ الإباحيّة من الطابوهات الّتي نتجنب نقدها ومناقشتها في الفضاء العموميّ، بل نجد أنّها تتلقى دعماً فكرياً كبيراً باعتبارها وجهاً للحرّيّة الجنسيّة وللتعدديّة والثقافة الجنسيّة، ونادراً ما يتمّ نقد الصور الّتي تطرحها والقيم الّتي تنشرها، وهي قيم سلبية تتمثّل في اللاّمساواة بين الجنسين والتّمييز والعدوان. وقد تسللت هذه القيم السلبيّة للضّمائر وللعادات وللأعراف، فلم يعد المتلقي يرى بشاعتها وفظاعتها؛ إذ في هذا القرن حدث تطبيع مع الإباحيّة، فأضحت من الأمور العاديّة والمعلنة، بل وأضحى من ينتقدها رجعياً ويمينياً متعصباً. والواقع أنّ من يدافع عن الأفلام الإباحيّة وعن الصّور الّتي تقدّمها لا يمكن أن نضعه إلاّ ضمن من يقف بجانب المغتصبين والجلاّدين والسّاديين وتجّار البشر.

لقد أصبح العالم إباحياً بحجة الحرّيّة الجنسيّة، غير أنّ الحرّيّة الجنسيّة لا يمكن أن تعني  الميسوجينيّة Misogyny [4] أو كره النّساء واستعبادهنّ واعتبارهنّ مجرّد أدوات جنسيّة. ثمّ إنّها لا يمكن أن تكون إشباعاً لكلّ التخيّلات الجنسيّة، لأنّ بعض هذه التّخيلات مرضيّة كالبيدوفيلياPedophilia  مثلاً أو البهيميّة Zoophilia. ولو افترضنا بوجود حرّيّة جنسيّة في الأفلام الإباحيّة، فإنّها حرّيّة الرّجل فقط، بينما المرأة تكون خاضعة له ومسلوبة الحريّة؛ فهل هذا هو معنى الحرّيّة الجنسيّة؟ إنّه معنى لا يستقيم في نظرنا.

سنة 1978 نشرت مجلّة هوسلر Hustler الإباحيّة في غلافها صورة شهيرة لإمرأة تسحقها  المفْرَمَة (= آلة طحن اللّحم)؛ لعلّ هذه الصّورة تختزل ما تقدّمه الأفلام الإباحيّة، الّتي لا تكفّ عن تحويل النّكت والهوام المرضي والخيال إلى صناعة وواقع، وتجعل من المرأة شيئاً من الأشياء الاستهلاكيّة كاللّحم المفروم.

يتجلّى تطرّف الأفلام الإباحيّة في بعض الأنواع الفنيّة الّتي تنتجها، وهي أنواع تصنف ضمن المازوشيّة والسّاديّة Sadomasochism ، والهدف منها الاستمتاع بإذلال المرأة بطرق مرضيّة. يُبرر هذا الإذلال بالبحث عن الجديد أو بالدّعابة، وما هو في الحقيقة إلاّ مظهر من مظاهر كراهية المرأة والغضب والعدوان. ولا يظهر هذا العدوان فقط في الضّرب والبصق وشدّ الشّعر ..إلخ، بل في الكلمات وفي الألفاظ المهينة للمرأة وفي عناوين هذه الأفلام.

إنّ مبدأ الأفلام الإباحيةّ يقوم على تدمير المرأة، وكلّما كانت المرأة جميلة كلّما كان تدميرها أكثر دلالة وأكثر متعة، وعادة ما يتمّ التّركيز على أنّ الممثلة أو المرأة هي الّتي تلعب الدور الرئيسيّ في هذه الأفلام ، وبالتّالي؛ فإنّها البطلة، ولهذا فنجمات ” البورنو”  يأخذن الشّهرة ويظهرن على  أغلفت المجلاّت ويحصدن الجوائز، في حين يظهر دور الرّجل ثانوياً، أو كجسد فقط، بلا وجه، مهمّته التّدمير وممارسة العنف. والواقع أنّ الغرض من التّركيز على الممثلات باعتبارهنّ “نجمات” هو حجب حقيقة ما يتعرضنّ له من ممارسات غير إنسانيّة.

قد يعترّض البعض عمّا ذكرناه بالقول إنّ ما يُعرض في الأفلام الإباحيّة مجرّد تمثيل وخيال، وأنّه لا يُعبر بالضّرورة عن واقع المرأة. لكن؛ هل يوجد فقط هذا النّوع من الخيال؟ هل هناك ممثلة شهيرة لم تمثل دور المُغْتصَبة الّتي يُنتهك جسدها، بل وتستمتع بهذا الانتهاك؟ فهل هذا هو الجنس الوحيد الموجود الأكثر شعبية وتداولاً وصناعة؟ إّن ما تقدّمه الأفلام الإباحيّة ليس خيالاً، بل حقيقة؛ لأنّ كلّ ما يعرض فيها يمكن أن يُمارس في الواقع.

في الختام، أمام الأفلام الإباحيّة نقف موقف المصدومين لا من حيث انتهاك كرامة المرأة فحسب، بل ومن الاحتفال والابتهاج بهذا الانتهاك. ونحن هنا لا نفكر في المنع والرّقابة أمام مثل هذ الأفلام، لأنّ الرّقابة انتهاك لحريّة التّعبير، ولكن نذهب مع أطروحة الكاتب غابرييل نونييس إيرفاس المتمثلة بضرورة الحكم على ما يقدّم في الأفلام الإباحيّة انطلاقاً من معايير حقوق الإنسان الكونيّة. والواقع أنّنا حين نتأمّل ما يعرض في الأفلام الإباحيّة، نجد أنّه مناقض لمبادئ حقوق الإنسان؛ بل أكثر من هذا، إنّ ما يعرض يمكن أن يصنّف ضمن الجرائم الّتي يعاقب عليها القانون رغم وجود عنصر الرضا، ونرى أنّه من العدميّة المطلقة ومن اللإنسانيّة أن يتمّ تصوير أفلام تبتهج بالاغتصاب وبالتّعذيب وبكره المرأة.

******

حواشي:

1 ـ استوحينا عنوان هذا المقال وبعض الأفكار الّتي وردت فيه من مقال للكاتب غابرييل نونييس نشر بتاريخ 23 يونيو 2016 على موقع El estado mental. وهذا دليل على أنّ الأصوات الّتي تنتقد الإباحيّة والصور النّمطيّة الّتي تقدّمها عن الجنس توجد حتّى في الغرب.

2 ـ قد لا يتّفق علماء الاجتماع على هذه التقسيمات للأجيال، إلاّ أنّ المقصود بها ارتباط هذه الأجيال بالتقنية وبالأنترنيت وبوسائل التّواصل الاجتماعي.

3 ـ هناك دراسات علميّة جاء فيها أنّ الأطفال في سنّ أقل من عشر سنوات صادفوا الكثير من المواد الإباحيّة على الأنترنيت.

4 ـ الميسوجينيّة هي كلمة يونانيّة قديمة تعني احتقار النّساء، وقد اتّهم الكثير من الفلاسفة بالميسوجينية مثل شوبنهاور ونيتشه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق