وكفر الشّيخ

 

أخبرنا فقيه الحيّ أنّ إماطة الأذى عن الطّريق صدقة، وأنّ الله يمهل ولا يهمل، كما أخبرنا كذلك قصّة تلك المرأة الّتي حبست هرّة حتّى ماتت فكانت سببا في دخولها جهنّم. أخبرنا فقيه الحيّ عن الثّعبان الأقرع وعن أهوال القبور والكثير الكثير من المواعظ…. خصوصا تلك الّتي تجمّد الدّم في عروقنا، أو تلك الحكايات الّتي يرويها على مسامعنا ببراعته المعهودة فنتابعه في اندهاش وهو يحكي ويحكي…أحيانا بنبرة حادّة مخيفة وأحيانا أخرى بنبرة هادئة مغرية، كنّا صغار  حينها وكنّا نحبّ شيخنا حبّا ممزوجا بخوف، بالرّغم من أنّه يقسو علينا في كثير من الأحيان…كان الفقيه مهابا محبوبا ومخيفا في نفس الوقت، وكنّا نحسده لأنّنا على يقين تامّ أنّه من المبشرين بالجنّة، وأنّ مقعده ينتظره هناك في جنّات الفردوس مع الصّديقين والشّهداء والصّالحين، لكن!! تأتي بعد ذلك البراكين… ذات مساء خميس مشؤوم سقط شيخنا من فوق عرشه العالي وتحطّمت قداسته تماما كانكسار الجرّة على صخر جندل، حينما ضبط شيخنا الجليل متلبسا يغتصب الطّفلة نوال بنت السعديّة الوافدة الجديدة الّتي استقرّت في قريتنا منذ شهر تقريبا، خلف أسوار حديقة منزل الحاج علي المهجور، في جوّ جنائزيّ وفي مشهد تسوده الكآبة الممزوجة بالأسى والأسف على مصير بطلنا الفقيه، الّذي يبكي ويتوسّل وينوح كأرملة فقدت زوجها في ساحة القتال، ولكمات القرويين البسطاء المسعورين تنهال عليه من كلّ حدب وصوب، بعيون طفوليّة بريئة أشفقنا على فقيهنا، ولم نستطع أن نفعل شيئا، قلوبنا تخفق بشدّة من هول المشهد الّذي لم نستطع أن نستوعبه جيّدا وقد خال إلينا أنّ نوال اقترفت ذنبا وعاقبها الفقيه، الّذي لم يخلصه أحد، ولم يشفع له أحد، وهو يردّد في محاولة يائسة: الشّيطان لعنه الله! الشّيطان لعنه الله! في اتّهام صريح للشّيطان، الّذي يحمّله المسؤوليّة الكاملة،  لم يجد الفقيه سوى هذه الكلمات البائسة ليتشبّث بها وهو يعلم حتميّة مصيره المشؤوم، لم يجد من يسأل من الحضور إن كان قمصيه قد قُدَّ  مِن دُبُر ، أم أنّ نوال اللّعينة هي الّتي راودته عن نفسه وهمّت به…بعد أن مرّت سنين طويلة وبعد أن نضجنا بما فيه الكفاية استوعبنا  حقيقة ما حدث بالفعل، وأصبحت نوال في ذاكرتنا رمز التّضحية والفداء، فقد أنقدتنا بالفعل من اغتصاب الفقيه لنا واحدا تلوى الآخر، وندرت نفسها لذلك، وقدّمت ككبش فداء يقي رفاقي من شرّ الفقيه الّذي كان يتربّص بنا، لقد نجونا بأعجوبة من شرّه بفضلها، فسلام عليها يوم ولدت، ويوم اغتصب، وعلى أمّها وعلى النّاس أجمعين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق