إردوغان مهووس باستعادة الأمجاد الغابرة / علي العزير

شغل عبد الرحمن صلاح منصب آخر سفير مصري في تركيا بين عامي 2010 و2013. وشهدت مرحلة توليه المنصب كثيراً من التداعيات في علاقات البلدين اللذين يمثل كل منهما قطباً إقليمياً فاعلاً ومؤثراً على مستوى المنطقة. وكان لتلك التداعيات أن جعلت مهمة السفير صعبة، لكنها أمدت الكاتب الكامن في داخله بالمادة الأولية الضرورية لإنجاز كتابه. هكذا، قرر السفير الذي عانى الإقصاء، وصولاً إلى التهميش، في كثير من مفاصل مهمته، أن يتحول شاهداً، ولاحقاً راوياً.

منح صلاح لكتابه الأول، الصادر عن دار «نهضة مصر»، عنواناً موحياً غير محايد «كنتُ سفيراً لدى السلطان». ومنذ البداية، يميل الكاتب إلى مقاربة جوهر الخلل: ثمة رئيس في تركيا، هو رجب طيب إردوغان، يبدي حرصاً، يكاد يكون مرضياً، على استعادة حلم الخلافة، يوم كان سلاطين بني عثمان يمارسون سطوة وهيمنة بلا حدود على مناطق شاسعة من العالم وشعوبه. الصورة التي اختارها السفير غلافاً لكتابه تطابق العنوان، وتنسجم مع دلالاته: صورة السلطان المعاصر محاطاً بعناصر حرسه المرتدين لثياب العسس في قصور الخلافة… الأمر يكاد يحيل إلى حلم من أحلام اليقظة.

يتألف الكتاب من أربعة عشر فصلاً، ألحقت بها ستة محاور، تشمل المقابلات الصحافية التي أجريت مع الكاتب، وهي تهدف إلى محاولة استيعاب خفايا العلاقات بين مصر وتركيا، وصولاً إلى الأزمة التي عصفت بينهما، فدفعتهما إلى تخفيض مستوى علاقتهما الدبلوماسية لدرجة القائم بالأعمال عام 2013، وهي الحادثة التي منحت عبد الرحمن صلاح لقباً متميزاً: «آخر سفير للقاهرة في إسطنبول». وقد بدأ السفير عمله في تركيا في أواخر عهد الرئيس حسني مبارك، واستمر في الفترة الانتقالية التي تسلم السلطة فيها المجلس العسكري، برئاسة المشير حسين طنطاوي، ليعاصر مرحلة تولي الرئيس محمد مرسي منصب الرئاسة، وليستمر في الفترة الانتقالية الثانية، تحت سلطة المستشار عدلي منصور، قبل أن يغادر السفارة عائداً إلى مصر بعد نشوب الأزمة بين البلدين، في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، أمكن للسنوات الثلاث التي أمضاها عبد الرحمن صلاح سفيراً لبلاده في تركيا أن تكون زاخرة بالأحداث الدالة التي يسعها أن تضيء على كثير من الزوايا المظلمة في العلاقة بين دولتين محوريتين.

يقدم صلاح في كتابه رؤية مراقب للواقع السياسي والشعبي في تركيا: ثمة تناقض لا تخطئه العين، يتجلى في نفور واضح من الغرب «الذي يحيك الدسائس لتركيا»، يقابله انجذاب صارخ نحو العادات والسلوكيات الغربية في كثير من تفاصيل العيش: التدين المجاور للعلمانية المتجذرة، والتعصب للقومية التركية يسير بالتوازي مع حالة انبهار بأنماط الحياة السائدة غرباً.

وفي مجتمع على هذا القدر من التناقض، يقوم حكم سياسي مهجوس باستعادة أمجاد غابرة، ويتكرس حاكم تراوده أحلام السلطنة، فتصير مصر، بما تمثله من مكانة رائدة على مستوى العالم العربي، محط استهداف مفصلي من قبل الحكم التركي، خصوصاً بعد تولي الإخوان المسلمين، بزعامة محمد مرسي، مقاليد السلطة فيها، لتكريس حالة تبعية مصرية لتركيا، وإن كانت مضمرة، أي سيطرة غير مباشرة لإردوغان على محيط عربي شاسع، وهي نقطة انطلاق ملائمة لبعث السلطنة وإحياء مجد السلطان.

يؤرخ الكاتب، بدءاً من السنة الأخيرة من عهد الرئيس مبارك، للعلاقة بين مصر وتركيا، ويكشف أن معبر رفح الذي يفصل بين غزة ومصر كان يشكل محور التناظر. كان مبارك يحرص على تخفيض مستوى المساعدات العينية للقطاع عبر المعبر، حتى لا يتهم من قبل إسرائيل بتسريب الأسلحة، في حين شهدت المدن التركية مظاهرات حاشدة تدعو مصر لفتح المعبر على مصراعيه. وعندما سأل السفير المصري الذي سبق صلاح في تركيا أحد المسؤولين الأتراك ما إذا كانت حكومته تقف خلف تلك المظاهرات، لم يجد الرجل ما يدعوه للتمويه في رده: «يجدر بك أن تحمد الله على أننا لم نقتحم سفارتك»!

في عام 2011، بعد تنحي مبارك عن سدة الرئاسة، وتولي المجلس العسكري، بقيادة المشير حسين طنطاوي، مقاليد السلطة، رأت تركيا أن الفرصة أصبحت سانحة لتحقيق حلم الهيمنة على مصر. فسارع مسؤولون أتراك للتوافد إلى القاهرة، مقدمين أنفسهم كأوصياء على سلطة مرتبكة، وشهد شهر مارس (آذار) من العام نفسه زيارة قام بها الرئيس التركي آنذاك (عبد الله غول) لمصر، مترئساً وفداً تركياً رفيع المستوى، ضم وزير خارجيته أحمد داود أوغلو وآخرين، ليكون بذلك أول رئيس جمهورية يزور القاهرة بعد التحولات المستجدة فيها.

وفي وقت لاحق (سبتمبر | أيلول 2011)، قدم إردوغان إلى مصر، وكان في سلوكه كثير مما يثير الريبة، فقد طرح على طنطاوي مشروع إقامة «مجلس استراتيجي مشترك» بين البلدين، وإقرار حرية تنقل المواطنين من دون تأشيرة. ولم يجد المشير صعوبة في رفض الاقتراح الأول، معللاً موقفه بأنه يتولى سلطات انتقالية لا تتيح له فرض الأمر على الرئيس الذي سيتولى الحكم بعده. أما مسألة التأشيرات، فأحيلت إلى جهاز المخابرات العامة الذي رفضها لدواعٍ أمنية.

الأداء اللوجيستي لإردوغان وفريقه في تلك الزيارة كان باعثاً على الدهشة أيضاً، حيث تم السماح بنشر آليات عسكرية تركية مدرعة للحماية، وهي سابقة لم تشهدها زيارة رسمية من قبل. كذلك تولى الأمن التركي مهمة تفتيش صالة الاستقبال في المطار، حيث منعوا المصريين من الدخول، وتكرر الأمر مع وزير الاتصالات الذي كان عليه أن يرفع صوته حتى أمكنه الدخول إلى دار الأوبرا، حيث كان الرئيس التركي سيلقي كلمة. وفي اليوم التالي، منع الجنود الأتراك وزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا من دخول صالون اجتماعات مجلس الوزراء المصري، حيث كان إردوغان يعقد لقاء مع رئيس الوزراء المصري عصام شرف، فأبدت الوزيرة غضبها، وطالبت الضيف التركي بالاعتذار، لكنه اكتفى بأن دعا مضيفيه المصريين إلى تفهم حرص مرافقيه على حياته. ثمة حادثة مماثلة حصلت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، حيث كان وفد تركي برئاسة إردوغان يزور مصر. وبعد عشاء أعقب جلسة مباحثات، توجه رئيس الوزراء المصري حينها (هشام قنديل) إلى الحمام، حيث كان إردوغان قد سبقه، ففوجئ قنديل حينها بعناصر الأمن التركي يحملونه من ذراعيه ويلقون به خارجاً… وكان كل ما حصل عليه بعد ذلك الموقف المسيء عناقاً من إردوغان، مشفوعاً بكلمة «عفواً» باللغة العربية!

واعتماداً على ثقافته الدبلوماسية، يرصد الكاتب سوء أداء الطاقم السياسي المصري المحيط بالرئيس السابق محمد مرسي، حيث كانوا يحرصون في زياراتهم المتكررة لتركيا على تخطي القواعد المعتمدة في العمل الدبلوماسي، فيتعمدون إقصاء سفير بلادهم عن لقاءاتهم مع المسؤولين الأتراك. وكانوا يصرون على ذلك، رغم سيل البرقيات التي كانت ترسلها السفارة إلى القاهرة، مذكرة بضرورة اعتماد الأصول. لكن زوار إسطنبول من المصريين كانوا يضربون عرض الحائط بكل تلك الأعراف والنواظم، مصرين على عقد لقاءاتهم بصورة منفردة، بعيداً عن السفير والسفارة.
أخبار ذات صلة
إردوغان يعلن بدء عملية عسكرية شرق الفرات «اليوم أو غداً»
إردوغان يعلن بدء عملية عسكرية شرق الفرات «اليوم أو غداً»
وفد أوروبي يبحث في أنقرة ملف الهجرة واللاجئين
وفد أوروبي يبحث في أنقرة ملف الهجرة واللاجئين
قبرص تدين الخطة التركية الجديدة للتنقيب عن الغاز في مياهها
قبرص تدين الخطة التركية الجديدة للتنقيب عن الغاز في مياهها
تركيا تواصل الاستفزاز في شرق المتوسط وتعلن التنقيب في بئر جديدة
تركيا ترسل سفينة تنقيب إلى مياه متنازع عليها قبالة جنوب قبرص
إردوغان يلمح إلى تعديل دستوري لتسهيل فوزه بالرئاسة مجدداً وسط تراجع شعبيته
أنقرة تواصل التلويح بعملية شرق الفرات لتسريع {المنطقة الآمنة}
تركيا تعلن «خريطة طريق متواضعة» للبرنامج الاقتصادي «المتعثر»
التنسيق المصري ـ القبرصي ـ اليوناني شرق المتوسط يثير غضب أنقرة
إمام أوغلو لم يتلق دعوة لحضور اجتماع حكومي حول الزلزال
الانشقاقات تهدد حزب إردوغان
تركيا: إصابة 5 أشخاص بينهم شرطي في هجوم على حافلة

A

A
الرسائل الكاملة للبريطانية لوسي دوف جوردون بالعربية
ترجمها إبراهيم عبد المجيد وتحكي ذكريات عاشتها في مصر
الخميس – 4 صفر 1441 هـ – 03 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14919]

القاهرة: حمدي عابدين
يتضمن كتاب «رسائل من مصر»، للكاتبة البريطانية لوسي دوف جوردون، الذي صدر حديثاً عن «دار الياسمين»، وقام بترجمته الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، مائة وثلاثين رسالة كتبتها الأديبة البريطانية في أثناء وجودها في مصر للشفاء من مرض السل، بين عامي 1862 و1869، الذي توفيت متأثرة به، ودفنت في القاهرة.

في مقدمته للكتاب، يتحدث عبد المجيد عن ليدي لوسي دوف جوردون ليس بوصفها كاتبة ومترجمة كبيرة في تاريخ الأدب الإنجليزي، ولا عن إنجازها العظيم من الكتب رغم سنوات عمرها القليلة (1821 – 1869)، لكنه يركز على الرسائل التي تجاوز عددها مائة وثلاثين رسالة، والتي بعثتها جوردون إلى زوجها ووالدتها وبناتها وابنها. وقد تم نشر جزء منها في حياتها في كتاب بعنوان «رسائل من مصر»، في مايو (أيار) عام 1865، بمقدمة لأمها السيدة أوستِن التي قامت بمراجعته، وكانت مجبرة على حذف ما يشير إلى ضيق ابنتها، وينغص حياتها في مصر. وقد حظيت الرسائل باهتمام ورواج كبير، مما جعل الناشر (دار ماكميلان) يقوم بطباعة الكتاب قبل نهاية العام 3 طبعات. وفي عام 1875، قامت ابنتها جانيت روس، وكانت تعمل مراسلة لصحيفة «التايمز» في القاهرة، بإصدار كتاب يحتوي على «الرسائل الأخيرة من مصر»، وأضافت إليه «رسائل من رأس الرجاء الصالح» التي طُبعت من قبل عام 1864، وقالت روث إنها أرفقت بهذه الطبعة ما سمته «ذكرياتي» التي تحكي فيها عن أمها. ومن هذا الكتاب، ظهرت الطبعة الثانية عام 1876، التي تضمنت رسائل دوف جوردن كما كُتبت، لكن حذفت روس ما يختص بالأمور العائلية التي لا تفيد الجمهور.

ويرصد عبد المجيد حياة لوسي دوف جوردون في مصر، وإقامتها في مدينة الأقصر (جنوب مصر) في «بيت فرنسا»، التابع للسفارة الفرنسية، وحكاياتها عمن التقت بهم، ومن قاموا على خدمتها، ممن تحدثت عنهم في رسائلها، كما يشير إلى أنها كانت تتنقل بين القاهرة والإسكندرية، وإلى لندن أيضاً، فضلاً عن رحلاتها إلى أسوان والنوبة وعودتها.

وخلال فترة وجودها القصيرة في مصر، لاحظت دوف أن الأمراض متفشية بين الأهالي، والطاعون البَقَري ينتشر بين الحيوانات، فقامت بدور الحكيمة للمصريين من أمراض مثل الدوسنتاريا والربو، وغيرهما، وكان علاجها إياهم بالأعشاب. قامت دوف بكل ذلك، رغم وجود أطباء في مصر، لأن المصريين آنذاك كانوا لا يثقون بـ«طبيب الحكومة»؛ الحقيقة أنهم كانوا لا يثقون بأي شيء من قبل الحكومة، وهكذا صارت هي المنقذ الوحيد لهم في الأقصر، وغيرها من البلاد التي كانت تحيط بها، وذاع صيتها فيها.

ولم يواجه أهل الأقصر ما كانت تقوم به دوف تجاه مرضاهم بالدعاء لها بالصحة والسلامة فقط، لكنهم قدموا لها الهدايا من كل شيء، لحم وزبد وخضراوات وفاكهة وبيض وفطير، وكل ما كانوا يملكونه أو يستطيعون فعله… ولم يكن ذلك كل شيء، فقد التقت شخصيات نادرة بينهم، مثل الشيخ يوسف (واعظ مسجد أبو الحجاج)، والدكتور عثمان إبراهيم، والحكيمباشي علي أفندي، وجمع من شيوخ البلد وشيوخ قبائل العبابدة، وهكيكيان بيك الأرمني، الذي يقول عنه الدكتور محمد خاكي إنه وراء دخول زراعة اليوسفي في مصر، وذلك في كتابه «رسائل من مصر – حياة لوسي دوف جوردون في مصر 1862 – 1869» الذي أصدرته هيئة الكتاب المصرية قبل 53 عاماً.

وتتحدث جوردون في رسائلها عن خدمها، ويأتي عمر أبو الحلاوة على رأسهم، وقد كتبت عن علاقتها بالصِبية من العبيد الذين أحبتهم وأحبوها إلى درجة مذهلة، فضلاً عن بحارتها الذين يعملون على «دهبيتها»، بعد أن امتلكت «دهبية – مركب صغيرة». وتحتفي جوردون في رسائلها بالطبيعة المصرية، وتقدمها بوصف فني عالٍ، بتفاصيلها الصغيرة وظواهرها الكبيرة، من زراعة أو عمارة أو غيرهما.

ويشير عبد المجيد إلى أن دوف جوردون ترد في الكتاب على من يقولون إن الشعب المصري لا يدار إلا بالعصا، وتقول إنه ليس هو وحده، لكن أي شعب يمكن أن يدار بالعصا ما دام من يستخدمون العصا لا تتم محاسبتهم، كما ترد على من يقولون إن المسلمين لا يحبون الأقباط بأن هذا لا وجود له، ولم تشاهده.

وتقدم دوف في الرسائل الأدلة الحقيقية والروحية من حكايات واقعية أو أسطورية، كما تجسد قضايا غابت عن كثيرين، وهي أن المصريين هم من دفعوا ثمن التطور الذي قاده الخديوي إسماعيل في البلاد، بعد أن فرض ضرائب باهظة على الرجال والنساء والخفر والأولاد والحمير والأحصنة والجمال والبيع والشراء، في عاصمته الخديوية ذات الطراز الفرنسي، وهو ما جعل الفلاحين يهجرون الأراضي ويعم الخراب البلاد.

وترد الرسائل على من قالوا إن بداية الحياة الديمقراطية كانت بإقامة مجلس للنواب أو دستور للبلاد، بما يفعله الخديوي إسماعيل وجنوده في الناس من سرقة ونهب وضرب وتعذيب يصل إلى حمل الرجال على العمل سُخرة في القناة وغيرها، فضلاً عن الخدمة العسكرية والديون الخارجية، إذ لم يكن أرخص من الإنسان المصري في عهده.

وتقول جوردون في رسائلها إن هذا الحاكم الذي تراه أوروبا مستنيراً خرب البلاد، ولم تتوقع له مستقبلاً جيداً. كما تشير إلى أن المصريين طلبوا منها أن تكون صوتهم في الصحافة الأوروبية، وأن تتدخل إنجلترا وتحكم مصر، وتُخلِّص الشعب من ظلم الأتراك، كما تتحدث عن تمرد قاده درويش اسمه أحمد الطيب، انتهى بخراب لا مثيل له قاده بشكل مباشر الخديوي إسماعيل، وقتل المئات، وبقر جنوده بطون النساء الحوامل، وباعوا الفتيات في أسواق النخاسة، وزجوا بالرجال الذين لم يتم قتلهم إلى العمل سخرة أو المنفي في «فازوغلي» بالسودان، وقد خربوا قُرى كاملة ذكرتها دوف بالاسم، وأشارت إلى عدد الضحايا، وطريقة قتلهم التي كانت أشبه بالتسلية لرجال الباشا.

#وتأخذ دراسة الشرق والغرب مساحة كبيرة من حديث دوف جوردون، فضلاً عن العبادات والأديان والأساطير والحكايات، كما تنتقد من كتبوا عن الشرق عامة، ومصر خاصة، من الرحالة والمكتشفين، وترى أنهم سطحوا الأمور، وتعصبوا ضد المصريين، ولا تستثني أحداً تقريباً غير إدوارد وليم لين. كما يأتي الحديث كثيراً عن بعثات اكتشاف الآثار في ذلك الوقت، وأثريين أجانب مشاهير، مثل بيلزوني ومارييت باشا، وكيف كانت تتم سرقة الآثار أيضاً.

وفي الكتاب كثير من الحكايات عن العبيد الصغار والنساء، كما تحتل المرأة المصرية مكانة تكاد تصل إلى درجة القداسة عندها، في وصفها لسلوكها أو ملابسها أو حفلات زواجها أو جسدها أو رقصها في الحفلات، وقد كتبت ذلك بلغة بسيطة، كما لو كانت تتحدث، حسب وصف جورج ميريديث للرسائل والحكايات التي يبدو كل شيء مجسداً فيها.

وتقدم جوردون في الرسائل صورة إنسانية للحياة الحقيقية لمصر وللمصريين، وتسميهم «العرب»، لكن عبد المجيد حرص على أن يترجم كلمة عربي بكلمة مصري، إلا في فقرات قليلة كانت تتحدث فيها عن البدو، وأثر العرب عليهم منذ دخلوا مصر. ولا يخلو الكتاب من خفة الدم وروح الدعابة التي يتمتع به المصريون، وتمتعت بها هي أيضاً، كما لا يخلو من تصوير الجانب الأسطوري والخيالي من فهم المصريين للحياة.
أخبار ذات صلة
مفاوضات «سد النهضة» تتواصل في الخرطوم… وبيان ختامي اليوم
مفاوضات «سد النهضة» تتواصل في الخرطوم… وبيان ختامي اليوم
مصر: حكم مرتقب بحل حزب «الجماعة الإسلامية» وتصفية أمواله
مصر: حكم مرتقب بحل حزب «الجماعة الإسلامية» وتصفية أمواله
تنظيم «الإخوان» يطالب الكويت بالتوقف عن تسليم عناصره إلى القاهرة
تنظيم «الإخوان» يطالب الكويت بالتوقف عن تسليم عناصره إلى القاهرة
«إشاعات» تطال رواتب الموظفين المؤقتين والمدارس الخاصة بمصر
القاهرة تسلم الخرطوم طالباً سودانياً تم توقيفه في «مظاهرات الجمعة»
مصريون يأملون في خفض الأسعار عقب تعريفة جديدة للوقود
البابا فرنسيس يمنح مصرياً أرفع أوسمة الفاتيكان
منتجات واعدة… من قش الأرز
السيسي يراجع استراتيجية مكافحة الإرهاب مع الجيش
مصر تفرج عن العشرات قُبض عليهم في «مظاهرات الجمعة» …بينهم أجانب
مؤشر مصري: الفتاوى… أهم أدوات حروب الجيل الخامس التي تهدد الدول
تعيين أيمن سليمان مديراً تنفيذياً لـ«صندوق مصر» السيادي

A

A
الوعي الإعلامي في ضوء تطور تقنية المعلومات
دورة جديدة من معرض غوتنبرغ للكتاب
الخميس – 4 صفر 1441 هـ – 03 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14919]

جانب من المعرض
غوتنبرغ (السويد): طالب عبد الأمير
إلى جانب موضوعين رئيسيين، وهما الاحتفاء بأدب كوريا الجنوبية – وهذا تقليد دأب عليه معرض الكتاب في غوتنبرغ غرب السويد، سنوياً، باختيار أدب دولة من الدول ليكون ضيفاً رئيسياً في المعرض – إلى جانب موضوع المساواة، سلط معرض الكتاب في غوتنبرغ، هذا العام، في نسخته الخامسة والثلاثين التي انتهت قبل يومين، الضوء على «الوعي الإعلامي» الذي يعد واحداً من أهم المواضيع الشائكة التي تشهدها المجتمعات كافة، والصناعية منها على وجه الخصوص، والتي تتسارع فيها وتيرة التحولات نحو مجتمع المعلوماتية، أو المجتمع الرقمي، كما تسميه أدبيات هذا العالم الإلكتروني، الذي تتوازى أو تتشابك مساراته مع العالم المادي.
وخصص المعرض إحدى منصاته لمناقشة موضوع مدى إدراك الفرد للمتغيرات المتسارعة، الجارية في البنى المجتمعية، التي تتوغل من خلالها وسائل نشر المعلومات، وتحشر نفسها في حياة الإنسان، دونما استئذان، وبطريقة توحي بالقبول والتفاعل الإيجابي. فيجد المرء نفسه منخرطاً فيها دون تفكير متمعن، فتؤثر على حياته اليومية، وتغير من عاداته وسلوكه الاجتماعي.
وخلال المناقشات في هذه المسألة المهمة والضرورية، طرح مجموعة من تلامذة المدارس أسئلة على عدد من الإعلاميين، لمعرفة آرائهم فيما يجري في مجال الإعلام والمعلوماتية.
وأغلب الأجوبة ركزت على أن الثورة التقنية التي انطلقت منذ عقود، استطاعت أن تقلب المفاهيم التقليدية السائدة في المجتمعات، وتوفر للأفراد إمكانية التواصل، بعضهم مع بعض، بصورة سلسة وخارقة للزمن، عابرة للحدود الجغرافية السياسية، وأن مشاعية استخدام الإنترنت، من قبل الأفراد والمؤسسات وغيرها، منذ أكثر من أكثر من عشرين عاماً، بعد أن كانت تعد أدوات سياسية استخدمت في الصراع الدول المهيمنة، وضعت حجر الأساس لأفكار جديدة، تتحرر بموجبها الجماهير الغفيرة من القيود التي تكبلت بها جراء ممارسات السلطات التعسفية ضدها. فتنطلق في هذا الفضاء الذي لم يعد فيه للحكومات المحلية الدور الواسع في السيطرة على حرية مواطنيها في التعبير.
لكن سرعان ما اصطدمت القضايا المتعلقة بالإنترنت بمصالح القوى العالمية المتحكمة في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي «قوض حلماً في فضاء حر بلا حدود».
كما يشير جاك جولدسميث، وتيم وو، مؤلفا كتاب «Who Controls the Internet? Illusion of Borderless World» (من يحكم الإنترنت؟ أوهام عالم بلا حدود) إلى أن كثيرين، خلال منتصف التسعينات، ظنوا أن الدول لن يتسنى لها التحكم في الآثار المحلية للاتصالات غير المرغوب فيها عبر الإنترنت، تلك التي نشأت خارج حدودها. لكن السنوات الأخيرة أثبتت «أن الحكومات الوطنية لديها كم هائل من الوسائل والطرق التي تتحكم من خلالها باتصالات الإنترنت التي تتم خارج حدودها».
واليوم، تشهد المجتمعات تطورات هائلة ومتسارعة في وسائل الإعلام والاتصالات، أخذ، من خلالها، تدفق المعلومات وغزارتها مَدَيات لم تشهدها المجتمعات من قبل، خلال مسار تطورها ووسائل تقدمها عبر التاريخ. وكنتيجة لذلك بات الإنسان الفرد اليوم محاطاً؛ بل محاصراً بالمعلومات التي لم تعد حكراً على فرد أو فئة دون أخرى؛ بل هي سوق مفتوحة لكل من يود الإدلاء ببضاعته. غير أن الفارق ما زال هو نفسه فيما يتعلق بقدرة من يملك أدوات الوسائل، لجعل هذه الجهة أو تلك بمقدورها التأثير على العقول، وصياغتها بطريقة تبدو مخملية ناعمة.
وتأخذ النقاشات الخاصة والعامة اليوم مساحات واسعة، عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المتعلقة بهذه المسألة التي تحتوي المجتمع بكل مؤسساته وأفراده. فالفرد العادي يستخدم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي كـ«فيسبوك» و«تويتر» وغيرهما، تماماً كما تستخدمه الشركات الأهلية والعامة ومؤسسات الدولة وسلطاتها التقليدية المعروفة؛ لكن المنافسة على التأثير في وعي المتلقي، الذي لم يعد بدوره أحادي الاتجاه، بمعنى أنه لم يعد متلقياً فحسب؛ بل ومرسلاً أو مصدراً للمعلومة بالوقت ذاته، ستكون في النهاية لصالح من يملك أدوات التأثير على الرأي العام، والأساس فيها الدعاية والإعلان بحلته الرقمية الجديدة.
وفيما يتعلق بمعرض الكتاب في غوتنبرغ الذي أنهى أعماله الأحد 29 سبتمبر (أيلول) 2019، فقد ركزت المنصة الخاصة بالوعي الإعلامي، على دور المؤسسات البحثية والتعليمية في إشاعة المعرفة حول المعلوماتية ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، مع التركيز على الشبيبة والناشئة، وحتى الأطفال في المدارس، في إفساح المجال للنقاشات الهادفة إلى خلق إدراك لمغزى التطورات الجارية في تقنية المعلومات في المجتمع، وتأثيراتها على حرية التعبير، التي ستظل بالنسبة للسويد – باعتباره بلداً ديمقراطياً – حجر الأساس في نظامه الاجتماعي. فالمجتمع يتغير، ولكن مبادئ الديمقراطية فيه تبقى، ويبقى دور وسائل الإعلام الجماهيرية: الكتب، والصحف، والإذاعة، والتلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتحولات الرقمية، وغيرها، في التأكيد على تطبيق تلك المبادئ في حرية التكلم والاستماع والكتابة والمشاهدة والتعبير، من خلال حيادية هذه الوسائل، ومراقبة عمل الحكومة، والتحقق من سلامة إدارة السلطات لمهامها، إضافة إلى توفير أماكن في الفضاء العمومي للنقاشات في تلك المتغيرات.
غير أن حرية التعبير ليست خالية من الحدود، كما أن حدودها غير ثابتة، وتتأثر بالتغيرات الحاصلة في السياقات الثقافية والاجتماعية، وهذا ما تفرزه بعض النقاشات الحادة والشديدة في هذا المجال.

عن الشرق الأوسط

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق