اللاّمبالاة المستمرّة بالألم: النكران المتجدّد لحقوق الإنسان / رجاء بن سلامة

” إنّني رأيت غولا، وهذا يعني أنّ الغول موجود.”

هذا مثال على المصادرة على المطلوب المسمّاة بالفرنسيّة Pétition de principe. وهي نوع من المغالطة تكون فيها المقدّمة والنّتيجة المطلوب إثباتها من نفس القبيل، ويكرّر فيها الخطاب نفسه في نوع من الإصرار المتغاضي عن الواقع. فمن يستدلّ على وجود الغول رغم عدم وجوده يريد أن ينقذ الاعتقاد بوجوده أو هو متمسّك بوهم وجوده، حتّى وإن كان الواقع يقول عكس ذلك، بل ولأنّ الواقع يقول عكس ذلك. وهذا هو معنى الإنكار، الذي كثيرا ما يكون مصاحبا للوثوقيّة. ففي الإنكار والوثوقيّة تصبح الفكرة أهمّ من التّجربة، وينفصل الفكر عن الواقع، ليكذّبه، و ليقيم مملكته العقائديّة، ويحيطها بالقلاع والحصون.

هذه المصادرة على المطلوب هي في رأينا الشّكل الحجاجيّ الذي يقوم عليه خطاب السّيّد قيس سعيّد، المترشّح إلى الدّور الثاني من الانتخابات الرّئاسيّة. وفي ما يلي ثلاثة أمثلة عليها، تهمّ قضايا الحرّيّات والمساواة، نستقيها من تصريحاته ولقاءاته المنشورة على الأنترنيت :

1-الرّجال ينفقون على النّساء، ولذلك فالعدالة تقتضي أن يرثوا أكثر منهنّ.

المصادرة الأولى المتكرّرة في خطابات السيّد قيس سعيّد تقوم على اعتبار “العدالة” بديلا عن المساواة في العلاقات بين الرّجال والنّساء. هكذا نفترض بنيتها الاستدلاليّة : الرّجال ينفقون على النّساء، إذن فالرّجال يجب أن يرثوا أكثر من النّساء. وإذن فالعدالة أفضل من “المساواة الشّكليّة”.

والوظيفة التي تؤدّيها هذه المغالطة هي إنقاذ المرجعيّة الدّينيّة الفقهيّة في بعدين اثنين من أبعادها :

-بعد سياسيّ متعلّق بالمنظومة الجندريّة الفقهيّة الإسلاميّة التي يحكمها مبدأ تشريعيّ أساسيّ هو قيام-أو قوامة- الرّجال على النساء.

-بعد معرفيّ منهجيّ هو القول بقطعيّة آيات المواريث، وعدم جواز إلغاء العمل بها أو إعادة تأويلها.

وليس هذا الإنقاذ للمرجعيّة الدّينيّة الفقهيّة ممكنا إلاّ بفضل أنواع من الإنكار، نذكر منها :

-إنكار الواقع الاجتماعيّ التّونسيّ الذي تعمل فيه النّساء وينفقن. فهو واقع لم يعد خاضعا لمبدإ القوامة وإن استمرّت فيه اللاّمساواة في مجالات منها الميراث (انظر في ذلك رسالة سناء بن عاشور المفتوحة إلى قيس سعيّد والمنشورة بصحيفة المغرب يوم 24 سبتمبر 2019). وقد قرأ المشرّع التّونسيّ حسابا لهذه النّقلة النّوعيّة في الواقع، إلى حدّ ما، عندما أعاد صياغة الفصل 23 من مجلّة الأحوال الشّخصيّة  بمقتضى القانون عدد 74 لسنة 1993 المؤرّخ في 12 جويلية 1993 فأصبح يقرّ بأنّ “على  الزوجة أن تساهم في الإنفاق على الأسرة إن كان لها مال.”

فما يطرحه السيّد قيس سعيّد يقع دون مجلّة الأحوال الشّخصيّة نفسها.

-إنكار أولويّة المساواة الطّبيعيّة التي لا يمكن بناء أيّ عدالة دونها، والتي ينصّ عليها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، الصّادر سنة 1948، فهو يعلن منذ فصله الأوّل مبدأ المساواة التّامّة بين كلّ البشر بقطع النّظر عن محدّدات منها ما سمّي آنذاك “الجنس”. والعدالة التوزيعيّة التي تراعي وضع مختلف الأفراد لا تكون ممكنة إلاّ بافتراض هذه المساواة. أمّا العدالة التي تتجاهل المساواة الأصليّة فلا يمكن أن تكون سوى تمييز مقنّع.

-إنكار إمكانيّات تحرير النّصّ القرآنيّ من التّفسير اللّفظيّ، كما هو الشّأن عند الطّاهر الحدّاد الذي قال بسنّة التّدرّج، وميّز بين “ما جاء به الإسلام” و”ما جاء من أجله”.

-إنكار مستجدّات البحث في اللّسانيّات والعلوم الإنسانيّة التي تبيّن بشتّى الطّرق استحالة وجود نصّ قطعيّ الدّلالة، لا لوجود المشترك والملتبس في اللّغة فحسب، بل لانفصال النّصّ عن ظروف قوله نهائيّا، ولوجود متقبّلين مختلفين له وسياقات متغيّرة لتقبّله.

2- المساواة هي بين المواطنين والمواطنات، ولذلك فإنّها لا تكون داخل العائلة.

والمصادرة الثّانية على المطلوب تتعلّق بالحدود التي يفرضها الأستاذ سعيّد على المواطنة، وبنيتها كالتّالي حسب رأينا : المساواة بين المواطنين والمواطنات، ولذلك فإنّها لا تكون داخل العائلة. أي أنّ المرأة في بيتها ليست مواطنة بل بنت أو زوجة فحسب.

وهذه المعادلة تهدف أيضا إلى إنقاذ المرجعيّة الدّينيّة الفقهيّة القائمة على المراتبيّة واللاّمساواة، مع إنكار البعد السّياسيّ، أي بعد السّلطة داخل الأسرة، وهو بعد يمكن أن ينتج العنف والألم. إنّ هذه المعادلة التي تخلي الأسرة من المواطنة والمساواة تؤسّس لفضاء أسريّ غير خاضع لسلطة القانون، وتبعا لذلك فهو يحمي “العنف الأهليّ” كما يحمي التّمييز داخل الأسرة. إنّها تحمي نتيجة أخرى من نتائج قيام الرّجل على المرأة، هي ضرورة طاعة المرأة زوجها وجواز تأديبه إياها تأديبا قد يصل إلى الضّرب. وهذا ما تنصّ عليه الآية 34 من سورة النساء.

3-المثليّون شواذّ يضرّون بقيم المجتمع، ولذلك فلا يمكن إلغاء تجريم المثليّة.

تنبع هذه المغالطة من أسطورة كتابيّة هي أسطورة قوم لوط، وتحاول حماية المركزيّة التّغايريّة التي أصبحت تهدّدها مطالب التّحرّر الفرديّ في البلدان الدّيمقراطيّة. وتقوم في المقابل على إنكار مستجدّات الأبحاث الطّبّيّة والنّفسيّة، والطّبّيّة النّفسيّة التي أخرجت المثليّة الجنسيّة، تدريجيّا ومنذ ثلاثينات القرن العشرين من دائرة المرض والشّذوذ. فالتّحليل النّفسيّ يعتبر هذه المثليّة ناتجة عن سيناريوهات أوديبيّة وتماهيات مخصوصة مع الأب أو الأمّ. إضافة إلى أنّ تعرّض الطّفل إلى الاغتصاب يمكن أن يكون عاملا إضافيّا محدّدا لهذا الاختيار. وكلّ هذا يعني أنّ المثليّة ليست قرارا يتّخذه المثليّ بإرادته، وليست مرضا ينتقل بالعدوى، ولا يمكن أن تلحق ضررا بالمجتمع، إلاّ إذا تخيّلنا مجتمعا مثاليّا كخليّة النّحل، لا وجود فيه للاّشعور والرّغبة ولا فرادة فيه للأفراد، أو لا وجود فيه للعلاقات الجنسيّة أصلا.

ويتناقض هنا السّيّد قيس سعيّد لأنّه يرفض تسييس المجال الخاصّ عندما يتعلّق الأمر بالمساواة داخل الأسرة بين الرّجل والمرأة، لكنّه لا يرفض هذا التّسييس، ولا يرفض تدخّل الدّولة عندما يتعلّق الأمر بالحياة الحميمة، وبأجساد المثليّين. فلا بأس أن تكون الدّولة هنا عينا تراقب، ويدا تفحص، وتنتهك حرمة الأجساد، وكأنّ الكرامة التي يردّد ذكرها السّيّد سعيّد في تغنّيه، عن حقّ، بثورة “الشّباب” لا تنسحب على هذا النّوع من الشّباب والمواطنين.

إنّ أستاذ القانون الدّستوريّ المترشّح لرئاسة الجمهوريّة يعلن ولا شكّ احترامه لحقوق الإنسان وللاتّفاقيّات الدّوليّة. لكنّه في الوقت نفسه يعود بنا إلى ما قبل الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، بما أنّه يعوّض المساواة، واضحة الدّلالة، بمفهوم أقلّ وضوحا هو العدالة، التي يمكن أن تكون صفة زوج يعدل بين زوجاته، أوصفة سيّد يرفق بعبده، فلا يضطرّه إلى الإباق والعصيان. ويغضّ الطرف عن إمكانيّات العنف في الفضاء الأسريّ الذي تقف المواطنة والمساواة عند عتبته، ويرفض الاعتراف للمثليّين بالحقّ في الكرامة. ويستنبط كونيّة من نوع خاصّ، تنحني إلى الخصوصيّة : “البعد الكوني لحقوق الإنسان يجب أن يحترم قيم المجتمع”.

هكذا يزدوج خطاب السيّد سعيّد، لأنّه يريد وضع قدم في نظام الدّيمقراطيّة وقدم في نظام الشّريعة، حتّى وإن عوّض الشّريعة بمطلقات مثل “المجتمع”. وهو في وضعيّته هذه لا يختلف عن الإسلاميّين، ولا عمّن يمثّلون الثّورة المضادّة ويسخرون من حقوق الإنسان، ومن “ثورة البرويطة”. والأهمّ من كلّ هذا، أنّه بإنكار المساواة والحرّيّات الفرديّة يكرّس “الألم اللامشروع” النّاتج عن الظّلم والهيمنة والدّونيّة والوصم : ألم المرأة التي يسرق المجتمع قوّة عملها ولا يعترف لها بالمساواة التّامّة، وألم ضحايا العنف الصّامت والتّمييز تداخل مجال الأسرة، وألم المختلفين المتعرّضين إلى انتهاك الحرمة والكيان.

عن صحيفة المغرب التونسية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق