دانتي وسارتر وأنا / وائل السوّاح

في اليوم الرابع توقّف التعذيب نهائيا. واختفى مظهر فارس ويوسف العبدو من المشهد. بدل الرجلين كان المقدّم – وقتها – كمال يوسف هو من تولّى التحقيق معي. على مدى أسبوع كان كمال يوسف يستدعيني للتحقيق، ولكن دون طماشة أو دولاب أو إهانة. وكنت أحوّل التحقيق في الأغلب إلى حوار سياسي، وكان يصغي بانتباه، إلى رؤيتنا للأمور في وقتها: ويقاطعني أحيانا ليسأل عن نقطة ما. أكثر ما ارتجّ عليه كان مصطلح “البورجوازية البيروقراطية” الذي استغرقني نحو نصف ساعة لأشرحه له.
بعد نحو ساعة، كنت أعود من جديد إلى زنزانتي، أصاحب الوحدة والقلق والترقّب. كنت أمضي معظم الوقت أسير بخطوات قصيرة في طول الزنانة التي كانت أقلّ من مترين بقليل. أربع خطوات صغيرة متقاربة، أصطدم بعدها بالحائط، فأستدير وأسير عائدا أربع خطوا أخرى. العالم الخارجي يغدو باهتا الآن، كفيلم بالأسود والأيض، بعيدا، متعاليا، وغير حقيقي أحيانا. الصباح موجع دائما. لحظة تفتح عينيك، فتعيد اكتشاف أنك في الزنزانة. لا مشاريع اليوم ولا لقاءات ولا مواعيد. لا مقال تكتبه للراية الحمراء، ولا مشاريع لسهرة مع الأصدقاء في شقّة برج الروس، ولا مواعيد مع غادة، المرأة التي أحبتني كما لم تفعل امرأة قبلها قط.
الزنزانة تضيق أحيانا حتى تطبق على الصدر وتتسع أحيانا أخرى حتى تسع العالم. تضيق خاصة عندما يصبح الحكي ضرورة لك لتتوازن مع نفسك، مع ماضيك وصورتك أمام الآخرين. يصبح الحكي هاجسا. تروح تحكي لنفسك، مع نفسك، تتخيل آخرا وتحكي له. يروح أحمد جمول بعيدا فتحاور جميل عن آخر قصة كتبها، أو تستمع مع عزّام إلى رحمانينوف، أو تستمتع بذلك الحوار العميق الصامت مع جبرا. وحين لا تجد أحدا، تحضر اجتماعا في لجنة العمل، تحاور رفيقا تأخر عن موعده في الزقاق المتفرع من شارع باب توما صوب الحديقة المختبئة بسكون هناك. تأخره أثار فيك قلقا خفيا سرعان ما زال حين رأيته. تسيران معا في الحديقة وتتحدثان عن آخر المعتقلين وآخر المداهمات وآخر الأخبار المتسربة من الداخل وآخر الشهداء وآخر الأنبياء وآخر النساء. وتبتسمان. تشدان على الأيدي بقوة. تريد أن تبث الثقة في نفسه فيبثها فيك. يستدير ويتركك مبتعدا. تتأمل أشجار الحديقة وأزهارها وعصافيرها والمتنزهين. تختفي الأشياء كلها وتدور بك حيطان المنفردة من جديد، فتؤلّف قصيدة تعاتب بها امرأة ما:
سأحكي لسنبلة هاجسي
وابكي لديها
وأحمل داخل صدري قتيلا
يحن إليها
وأعتب حين يجيء المساء
فأبقى وحيدا، أسامر هذا الجدار العجوز
وأزعل منكِ
أقول: انشغلتِ إلى ذلك الحد
لا ترسلين خيالا أنيسا
وطيفا يسامر هذا السجين
ولا ماء عندي فأسكر أحسب أني انتشيت
ولا شيء أفعل غير المسير
أسير أسير
قال لي أبو سامر: “أنت تخليت عن الأدنى لمصلحة الأرقى. لا يجب أن تحزن.” كنت قد أخبرته أنني لم أعد أستطيع كتابة القصة والشعر أكثر. كانت آخر قصة كتبتها سنة 1978 ثم جف القلم وامتهنت الجري من مكان لآخر ومن رفيق لآخر ومن شقة إلى أخرى. أبو سامر رأى السياسة فوق الفن. فرحت كثيرا لملاحظته الذكية، وامتلكني رضى غامر. انتقلت مما دون إلى ما هو خير، كنت أكرر لنفسي كلما حننت إلى الورقة والقلم أكتب فيها سطرا أو سطرين لأخفف وطأة الملاحقة والوحشة وهجران الحبيبة.
دانتي كتب على باب الجحيم ” عن كل أمل تخل أيها الداخل هذا المكان.” دانتي لم يختبر السجن ولم يتخيله. هو تخيل الجحيم وحشر فيه آلافا من البشر الذين لا يتفقون معه. على أن تصويره للجحيم ينطبق بجزء كبير منه على السجن. عن كل أمل تخل! تلك هي كلمة السر في عالم السجن. دوستويفسكي عاش الحبس، وكاد أن يصل إلى حبل المشنقة. وهو أيضا صور السجن باعتباره منزلا للموتى. شريف حتاتة وعبد الرحمن منيف صورا المجموعة في السجن: قهرها وعذابها وسادية السجان. بالنسبة إلي، السجن عمل فردي بامتياز. تدخله برغبتك الفردية، ويمكنك أحيانا أن تخرج منه برغبتك الفردية. إذا قارنت مرحلة التعذيب الجسدي بما تعرض له آخرون، بدا تعذيبي مداعبة. ربما كان ذلك ما يدفعني لأن أتحدث عن السجن كعلاقة فردية بالآخر. في كتابه “الأبواب الموصدة،” يصور سارتر الجحيم كغرفة تحتوي على كراسي وفوتيلات وطاولة وسط. لا نار ولا أجهزة تعذيب. يدخل الغرفة ثلاثة أشخاص. يبدون استخفافهم من هذا الجحيم الذي لا تعذيب فيه. ولكنهم بعد فترة، حين يوقنون أنهم خالدون في هذه الغرفة، لا شيء يحدث ولا أحد يجيء، يحاولون قتل أحدهم الآخر ويحاولون الانتحار، ولكن: هيهات. إنه الجحيم. لا مفر: لا مهرب منه. وإذن، فجحيم سارتر هو الآخرون. لا أدري إلى أي حد تأثرت بسارتر، عندما كتبت قصة عن السجن. غرفة منعزلة أغرب ما فيها أن بابها يمكن فتحه، ولا أحد يحرسك، يراقبك ألا تهرب. ولكنك عاجز عن الهرب. يحاول البطل فتح باب الغرفة، يخرج، يسير بضعة أمتار. تحيط به العتمة واللامكان. وسرعان ما يعود مسرعا إلى رفيقيه الذين لا يتحمل وجودهما ولا يستطيع فراقهما. ثلاثة رجال ملعونون يمضون النهار بلعب الشطرنج وطاولة الزهر وقراءة الصحف القديمة وملاحقة بعضهم بعضا ومحاولة الهروب من بعضهم البعض، وفي الليل، تأتي الأحلام. كل الأحلام التي حلمتها في السجن كانت أحداثها تجري في مسقط رأسي حمص. كأنني ألوذ من الوجع إلى حضن أمي تحكي لي عن جدّي، أبيها، الذي أراد أن يقوص المؤذن عند أذان الفجر لقباحة صوته أو إلى راحة والدي يمررها متخللا بأصابعه شعرات رأسي أو يمدها على جبيني أيان يكون بي مرض أو سقام.
المشكلة أن الوحدة أيضا جحيم. في الزنزانة، لا ينفك هاجس الانتحار يراودك. قالوا لي: “فكر بشخص تحبه إن أوحشك المكان أو اشتد بك التعذيب. تذكرّت كل من أحببت ولكن الإحساس بالعزلة كان يزيد حدة ونفورا. كنت متأكدا من حبهم لي ولكنني كنت أعرف أنهم سيتابعون حياتهم بعد حصة من الوقت، وسيتذكرونني في حفلاتهم فيرفعون نخب المناضل القابع في السجن ثم يتابعون غزلهم وغناءهم ونضالهم: وتصدح أصواتهم بأغنيات فيروز وزياد ومارسيل والشيخ إمام.
وأفضل من كل ذلك كان بعوضة ضلّت طريقها فوجدت نفسها محبوسة في زنزانتي. كان فرحي بها غامرا ورحت أراقبها تنتقل من جدار إلى جدار بفرح حسي غريب. كانت ككلب تدلله سيدة عجوز تعيش وحيدة في الشارع الثالث والأربعين من شوارع نيويورك. ورحت أفكر في تأمين غذاء لها. وحين أدركتُ أن غذاءها الوحيد سيكون دمي لم أتردد في تقديمه لها. لم أشاهدها ترتوي منه، ولكن في الليل حين يهدأ ضجيج القصعات وأوعية الخدمة وأصوات السخرة والسجانين وصرخات المساجين، في الليل حين يهدأ الجميع ويهجعون باستثناء الذين تنزّ جروحهم أو يمضون الليل وقوفا ويمناهم معلقة بسقف المنفردة، في الليل حين يأتي الحلم فيداعب القلب والرئتين وخصلات الشعر، فأجدني أحتسي القهوة في الإيتوال وأدخن سيجارة جيتان فرنسية بدون فلتر وأنظّر في السياسة والتاريخ والأيديولوجيا وفينومينولوجيا الأديان، يهدأ الاضطرام العاصف الفاجر الذي يفترسني طيلة النهار ويمتد الخدر على كامل مساحة الجسد، وتروح نسمات نيسانية تأتي من ناحية القلب فترسل على العقل سكونا وسلاما، عندها، ربما تسللت بعوضتي المدللة إلى مائدة شراييني وراحت تغب من السائل الأحمر القاني الذي يشبه شبيه بنبيذ بوردو المعتق. وما كنت لأردها عما هي فيه لو أنني انتبهت من منامتي ولكنني لم أفق ليلتها. في الليالي أنام بعمق، وحين يأتي الصباح وتبدأ ضجة السخرة وصيحات السجانين الآمرة وقرع المفاتيح العملاقة على الأبواب الحديدية، أفزع من المنام كالملدوغ، وتبدأ الكآبة تمد ذراعها على مساحة العقل، ويتوتر الجسد وتنشد الأعصاب وينمو التوتر والترقب. طق. طق. طق. طق. ينفتح الباب. أخرج قصعتيّ فارغتين ثم أستعيدهما مليئتين بالشاي الفاتر الماسخ الدلع وقليل من اللبنة ورغيفين منفوخين طازجين هما زادي لليوم كله.

عن موقع تلفزيون سوريا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق