الوجود بلونه الباهت

لا مناص فكلُّ الاحتمالات تفضي إلى اللَّاشيء، في معادلةٍ غير عادلة على الإطلاق، تبعثر كياناتنا في الأفق ثمَّ ترميها كقشرةٍ جوفاء خاليةٍ من الشَّكلِ والمعنى لتنمسخ بواقعٍ واهنٍ وهلامي لا حِراك فيه.

“وجودٌ خافتٌ من بعيد”

هكذا أنا دائماً، أنتظر أيَّ شيءٍ جديد يلوِّح لي من الأفق، أيَّة إيماءةٍ تقول لي: “اَنْزِلْ ثقل الماضي عن أكتافك، وسِرْ إلى الأمام علَّك تحتفي بحياة أشبهَ بالحياة”.

لم أعرف لغة الفوضى يوماً ولم أئْتَلِفْها، بل كانت أصواتي الدَّاخليَّة تنخر جسدي بسكين مُسنَّنٍ ومُحدَّب الرَّأس، يفتكّه على مهل ويغرس فيه شِفراته بهدوءٍ وسكينة، حتَّى جعلتني أتمرَّس الشَّيء في عالمٍ كُنهه هو اللَّاشيء، وأتمرَّس خداع النَّفس في محاولةٍ لتعزيتها عبر صنع عوالمَ مفترضة تقينا من بؤس الوجود ورياح الكآبة الجافَّة الَّتي تحتشي القلب، وما زلتُ أمارس طقوس التَّشذيب والتَّلوين لكلِّ البقع المُستعصية؛ أُلوِّنها وأجمِّلها بألوانٍ برَّاقةٍ سريعة الذَّوبان لا تني تتسرَّب إلى مسامات الجلد لتفسِّخها وتفتِّتها كرمادٍ متناثرٍ في كلِّ مكان.

لم يفارقك ثقل التَّظاهر الَّذي حملته على أكتافك لتؤكِّد للعالم برمَّته أنَّك سعيد، وأنَّك تبتسم بوجهٍ بشوش، وتحسُّ بالآخر: “الآخر وجدليَّته (الألم-الحنان، الطَّعنات-التَّسامح، الخداع-الاحتواء) الَّتي تنخر أحشاءك وتخرق جوفك الرَّطب الَّذي لا يستطيع احتمال شدَّة الهلع، ولم يُعَدّ مُسبقاً لمواجهة الكدمات والنُّدوب”.

تزورك الأفكار المعتادة: الجحيم هو نحن، الألم سيِّد الموقف، الحياة تحتاج إلى الشَّكّ، مستنيريّ العالم يدفعون ضرائب باهضة، السَّراب، الصُّراخ، أصوات البؤساء، العالم القميء، الأوجه المُقنَّعة، آلامنا المُضافة، القهر، المسامير المغروسة داخل الجسد، أثقال الماضي، انحطاط الفكر، جشع الإنسان، الفاه المفتوح للهواء؛ الَّذي يفتكَّ كلَّ شيء دون اكتفاء، أوحال المدينة وطينها البنيّ.

تتوقّف في لحظةٍ مّا ثمَّ ترمي كلَّ مفاهيمك وتبعثرها بشكلٍ غير مألوف. تترك حياة الانتظام خلف ظهرك، وتصفع وسواسك القهريَّ بيدك اليمنى لتُسكِتَه عنوةً، فتستغرب من قدرتك على القيام “باللَّامفكَّر به” لتترك جسدك وأحشاءك يتماهون مع العالم بأسره، ولتسمع أصوتاً مُبعثَّرة وُمشوَّشة، فتكتشف أنَّك خرجت من قوقعتك كسلحفاةٍ عجوز عادت إلى شبابها، وكأنَّ المعجزة هي واقعٌ مُعاش أو كأنَّ الآلهة قد أعطتها قدرةً جديدةً لتسير في طرقٍ طويلةٍ ومختزلة تؤدِّي إلى الخيبة والعزاء.

ثمَّة مساحاتٌ من اللَّاوعي تغور في فضاءاتنا وتشتِّت وجودنا الهانئ.

ثمَّة نزيفٌ لا يُمكن للأدب إيقافه أحياناً.

ثمَّة كلماتٌ لا تُقال دائماً، بل تبقى في قعر الرُّوح تاركةً وراءها قروحاً وندوباً لا يُسهل مداواتها على الإطلاق.

14 سبتمبر 2019م

“الغائبون الحاضرون”

  الأيَّام على حالها وزنزانتك، غرفتك، سرُّ الأسرار على حالها أيضاً، تُحاوِل أن تسير خطوة للأمام إلاّ أنَّ الماءَ يمنعُ كيانك ويغسل روحك المُبهمَة والغارقة في اللَّاشيء. قدمك الَّتي تُؤلِمك قليلاً وتنخرك في حركة أشبه بالرَّنَّان، سيور حذاءك الَّذي يبهت في محاولة مساوقةِ الوحدة الرَّماديَّة. تعود بك الذَّاكرة إلى الماضي كأنَّها بساطٌ سحريُّ يحملك بسهولةٍ ويسرٍ إلى أيِّ مكانٍ تريد.

“تفكيكُ الثَّوابت”؛ جملةٌ تقرع رأسك المُدبَّب فيستجيب لها وجهك الشَّائه بكلِّ ما أوتي من وجوم هذا العالم. لا مكان لثوابتنا؛ فلنحطِّمْ الصَّخرة الرَّاكدة في نهر هيروقليطس علّنا نُحسِن لمَّا تبقى من ماء الوجه. تجتاحك كلُّ التَّساؤلات الوجوديَّة من جديد: ما الحُبُّ؟ لماذا نُحِبُّ؟ أين أنتِ رابعة؟ وأين صوفيَّة ابن عربيِّ الَّتي عاقرت كيانك زمناً طويلاً؟ كيف نستطيع أن نكون رثِّين إلى هذه الدَّرجة؟

إنَّ هذا العالم أوسم من قباحتنا، وأسعد من بؤسنا، وأوسع من غُرفنا ومساحاتنا الضَّيقة وعقولنا المُنكَبَّة على ذاتها. تزورك الجمل لتُلوِّح لك بهدوءٍ شديدٍ كنسمةٍ هوائيَّةٍ باردةٍ في إحدى ليالي أيلول، شهرك المُفضَّل، بنغمةٍ هادئة: “ولقد أقول لمن تحرَّش بلهوى عرَّضت نفسك بالبلا فاستهدف”. ثمَّ تسمع نغمةً أخرى مُختلِفة: “وما أبقيت لي من جسمي المُضنى، وقلبي المُدنَف فالوجد باقٍ، والوصالُ مُماطِلي، والصَّبر فانٍ، واللِّقاء مُسوّفي”، فتنصت لهذه النَّغمات مع تنهيدةٍ مُطوَّلة.

الحبُّ؛ مقولتك السِّحريَّة الَّتي طالما اختبرتها إلَّا أنَّها -ككلِّ مفاهيم هذا العالم- لم تكن صالحةً لكلِّ الحالات الوجوديَّة المُعاشَة، ولم تتطابق مع كلِّ المواقف الإنسانيَّة، بل كانت نسبيَّةً وميكرويَّةً في غابة الحياة المُرعِبة والمُفزِعة والمُمتلِئة بالهلع.

يقترب الوقت من تحقيق كلِّ الأشياء، ويقترب الانعتاق من الجحيم؛ الآخر عند سارتر، ويسير بهدوءٍ ومراس. تقفُ للَّحظات لتُكلِّم نفسك، ولترمي السَّلام على سلامك الدَّاخليِّ، ولتفتحُ يداك من نافذةٍ الشُّبَّاك وترمي عبره كلَّ الَّذين خدعوك وأحببتهم، وكلَّ من كانوا مُقنَّعين وسامحتهم، وكلَّ من كانوا ومازالوا يعيثون فساداً ونسمح لهم بالدُّخول إلى عوالمنا ومساحاتنا. تمدُّ بيدك لتلامس هواء العالم الخارجيِّ وتتحسَّس هشاشة وجودنا.

تُحدِّث “منار” فتؤكِّد لك أنَّنا بحاجةٍ ماسةٍ لاختبار حقيقة وجودنا في خضم هذا العبث الوجوديِّ لكثرة ما صار وجودنا هشَّاً. فترمي لك بكتاباتها المُتنوِّعة وتُحدِّثك عن تفاصيل الحياة الَّتي لا تموت؛ تُمسِك مبضعها -وهي تنظر نظرتها الجامحة  والمعتادة للحياة وللاستمرار- لتكشف السِّتار عن كلِّ الَّذين يرحلون دون أن يُدرى بهم، كما جاؤوا بهدوءٍ ودون أيِّ إزعاج.

تعتمرك كلُّ ذكريات الماضي والحاضر، وتستعمِر الشَّخصيَّات والأحداث والأفكار والرُّؤى ذاكرتك الَّتي تفيض بما تحمل للدَّرجة الَّتي أصبحت تتقيَّأ كلَّ ما فيها بابتسامةٍ هادئةٍ ودونَ أيَّة رغبةٍ بمتاع العالم البالِ.

في نهايةِ المطاف، تشدُّ وثاق قلبك بوعودك الَّتي سامرتها واخترتها في سرِّك دون أن يدري بها أحد، واخترتها لتنهي بها نهارك الطَّويل ولتناجي كلَّ المُتطلِّعين في هذا العالم لحلمٍ ما.

18 أغسطس 2019م

*******

  • الصُّورة بعنوان “الرَّاقص الوجوديِّ في السَّماء The Existentialist Dancer in the Sky” للرَّسام الاستراليِّ أشفن هاريزون Ashvin Harrison.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق