“صلاة البحر”.. خالد الحسيني إن استلهم الطفل إيلان / تهامة الجندي

منذ مطلع العام الحالي، شهدت العاصمة البلغارية صوفيا حراكًا ملحوظًا، تبنته هيئات من المجتمع المدني للدفاع عن حق البشر في اللجوء والهجرة والاندماج دونما تمييز، بالتزامن مع التأكيد على ما ينضوي عليه هذا الحق من إثراء للحياة الثقافية وإسهام في الحوار بين الثقافات على المستويين المحلي والدولي، وهو ما عبّرت عنه الحملة التي انطلقت مؤخرًا لجعل “الثالث من تشرين الأول/أكتوبر يومًا أوروبيًا للتذكير بضحايا التهجير القسري وآداب حسن الضيافة”، على غرار ما يجري في إيطاليا منذ عام 2016 بمبادرة من “مجلس الثالث من تشرين الأول”.
لماذا الثالث من تشرين الأول؟ تجيب العريضة التي أًطلقت في الانترنت للتوقيع والمؤازرة بكل اللغات الأوروبية: لأنه يوم المأساة الإنسانية التي نتجت عن غرق قارب قبالة سواحل جزيرة لامبيدوزا الإيطالية العام 2013، أودى بحياة 368 شخصًا من المهاجرين غير الشرعيين، بينهم الكثير من الأطفال والنساء، فيما تشير الإحصائيات إلى أنه منذ ذاك التاريخ وحتى اليوم هناك حوالى 18 ألف مهاجر ولاجئ، إما اختفوا أو غرقوا في عرض البحر الأبيض المتوسط. وكان العام 2016 هو العام الأكثر تراجيدية، حين سجلت مؤشرات الموت أكثر من خمسة آلاف شخص فقدوا أرواحهم غرقًا في البحر، في محاولتهم اليائسة للعبور إلى أوروبا.

وتقول العريضة إن “الأشخاص الذين يفرون من الحرب والاضطهاد غالبًا ما لا يجدون طرقًا قانونية وآمنة لدخول أوروبا، ويضطرون للمجازفة بحيواتهم والخضوع إلى شروط شبكات الاتجار بالبشر، وحين نرفع الصوت للتضامن الشعبي معهم، واقتراح حلول واقعية في كل الجزر والمدن والمناطق الحدودية، حيث الهجرة ظاهرة يومية، نحن نسهم في إنتاج حياة أكثر عدلًا”.

وفي سياق حملة دعم المهجرين قسرًا، دعا “المجلس البلغاري للاجئين والمهاجرين” بالتعاون مع “مؤسسة البلقان للعمل والسياسة الاجتماعية” إلى أمسية أدبية في “مكتبة العاصمة” بصوفيا، حول نص الكاتب الأفغاني الأميركي خالد حسيني “صلاة البحر” الذي يستلهم مأساة غرق الطفل السوري، إيلان الكردي في البحر العام 2015، وهو يحاول الوصول إلى ملاذ آمن، فيما قرأت النص المهاجرة السورية أزهار العمر.

“المجلس البلغاري للاجئين والمهاجرين” منظمة مجتمع مدني تأسست العام 2005 بمبادرة من “لجنة هلسنكي البلغارية” و”الصليب الأحمر البلغاري” و”كاريتاس بلغاريا”، كأرضية للاهتمام بقضايا الهجرة واللجوء والحماية والاندماج، وللربط والتنسيق بين الهيئات العاملة في هذا المجال، الرسمية منها والأهلية لرفع مستوى أدائها وقدراتها، ولإجراء احصائيات دورية حول أعداد اللاجئين والمهاجرين وأماكن توزعهم، والإشكالات التي تواجههم. كما ذكرت مديرة المجلس ومؤسسته السيدة كينا سيبيفا في حوار مع “المدن”.

أضافت سيبيفا أنها بدأت العمل مع اللاجئين منذ 25 عامًا في إطار منظمة الصليب الأحمر ومفوضية الأمم المتحدة للاجئين، قبل أن تتقاعد وتؤسس المجلس، وقالت: “بلغاريا كانت ولا تزال مقصدًا لطالبي اللجوء والمهاجرين، وخلال عملي معهم صادفت الكثير من المآسي البشرية، لكني لم أسمع قط أن أيًا ممن مُنح حقّ اللجوء أو الحماية ارتكب جريمة شنعاء، أو نشر وباء خطيرًا، لا داعي للخوف، نحن البشر متشابهون على الرغم من اختلاف جنسياتنا ومعتقداتنا، متشابهون في حبنا للجمال والطبيعة، وفي رغبتنا بالعيش الآمن والكريم، وحرصنا على أطفالنا وعلى هذه الأرضية المشتركة بإمكاننا أن نبني عالمًا للجميع”.

ممثل “مؤسسة البلقان” ديميتر ماتييف تحدث في بداية الأمسية الأدبية عن صداقاته الجميلة مع الطلاب الأجانب، لا سيما السوريين أثناء دراسته الجامعية، وتناول إسهام المهاجرين في الحياة الثقافية البلغارية منذ القرن التاسع عشر، من مثال الشاعر الراحل بيو يافروف ذي الأصول العربية، وعازفة الكمان التشيكية اليهودية ديانا شنايدرمان التي تقيم وتعمل في صوفيا منذ عقود، وتساءل في ختام حديثه: كيف يمكن للبلغار أن يعادوا اللاجئين والمهاجرين أو يعاملوهم بعنصرية.. وحوالى ثلث سكان بلغاريا هم من المهاجرين في بلاد أخرى؟

أما الكاتب الأفغاني خالد حسيني الذي تمحورت الأمسية الأدبية حول نصه، فهو أيضاً من المهجرين قسريًا. ولد في كابول العام 1965، وقبل أن يتجاوز سنته العاشرة اضطر مع أسرته لمغادرة وطنه أفغانستان عند دخول الجيش السوفياتي. يعيش حالياً في الولايات المتحدة الأميركية، ويشغل منصب سفير النوايا الحسنة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. من أبرز أعماله أدبية “عدّاء الطائرة الورقية” (The Kite Runner)، وكتب نصه “صلاة البحر” (Sea Prayer) تخليدًا لذكرى آلاف اللاجئين الذين هلكوا في البحر، وهم يحاولون النجاة من ويلات الحرب وعذاب السجن، ونُشر النص للمرة الأولى في صحيفة “الغارديان” مرفقًا برسوم الفنان البريطاني دان وليامز العام 2017.

ينقلنا نص “صلاة البحر” إلى مجموعة كبيرة من المهجّرين متعددي الجنسيات، يفترشون رمال شاطئ ينيره ضوء القمر، بانتظار طلوع الفجر، ووصول قارب ينقلهم إلى بر الأمان، بينهم أب يحضن طفله النائم مروان، ويحدثه عن مدينته السورية حمص، عن هوائها العليل، وأحيائها الجميلة، مسجدها وكنيستها، وسوقها الكبير العامر بالعابرين والبائعين والمشترين من كل الطوائف، يحدثه عن طفولته وعن الحياة التي غادرها مرغمًا، وتبدو له الآن “وكأنها حلم، أو شائعة تلاشت وتبخرت في الهواء”.

“في البدء كانت الاحتجاجات، ثم جاء الحصار” يقول الأب لطفله، ويخبره عن السماء التي تمطر قنابل، وعن القتلى والنعوش والجوع. يحدث صغيره النائم في حضنه، وهو يتأمل رموشه الجميلة “مثل خط عربي بديع”، ولا يدري كيف يحمي كنزه الثمين من أخطار الرحلة المرتقبة، فلا بديل لديه سوى أن يحمل سوء طالعه ويرحل إلى مكان آخر، وكل ما يستطيع فعله هو أن يصلي “كي تكون السماء صافية غدًا، ومزاج البحر هادئًا ورحيمًا”.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق