يهوديات العراق حين امتلكن الأغنية.. والحياة الأبدية والحزن العاشورائي / حسن الساحلي

في ختام مهرجان “عراقيات”، الذي استضافته “دار النمر” بالتعاون مع مؤسسة روزا لوكسمبورغ (تنسيق رشا صلاح)، قدم الكاتب العراقي سامر المشعل تأريخا مقتضباً للأغنية العراقية خلال القرن الماضي، بحضور الملحن كوكب حمزة الذي ساهم من منفاه خلال السبعينات بظهور الأغنية العراقية الجديدة التي، أعقبت “مرحلتها التأسيسية”.

هناك طرق لا تنتهي لإخبار قصة هذه الموسيقى المختلفة في كثير من عناصرها عن الموسيقى العربية، مع ذلك يبدأ العراقيون بالطريقة نفسها: الحديث عن الحقبة السومرية التي، شهدت ظهور أول أغنية معروفة وأول آلة موسيقية هي القيثارة، بطريقة شبيهة لتباهي اللبنانيين بإنجازات الحضارة الفينيقية. ويخبرنا سامر المشعل، الكاتب والناقد الموسيقي، أن تلك الحضارة طوّرت أنظمة موسيقية شبيهة بالسلم الموسيقي، وبأن مدينة سومر استضافت أول معهد موسيقي في العالم، كان يرتاده الأمراء والطبقات العليا. من الطقوس الملفتة التي كانت موجودة يومها: غسل اليد قبل استعمال الآلات الموسيقية، ما يؤكد السياق الديني والروحاني الذي استعملت ضمنه هذه الأدوات. بالإضافة إلى عادة دفن الموتى مع آلات موسيقية “تسليهم في الحياة الأبدية”.

يؤكد المشعل أن هذا الربط بالحقبة السومرية ليس عشوائياً: فهناك أنواع غنائية ريفية اليوم في الأهوار وجنوب العراق، تستعمل طريقة النظم ذاتها التي كانت متّبعة يومها (الشطر الأول يتغير والعجز ثابت)، والمثال الأوضح أغنية حضيري أبو عزيز “يا عنيدي يا يابا” التي تتقاطع بشكل واضح مع قصيدة سومرية موجهة لأحد الآلهة.

بعد الحديث عن الحقبة السومرية، ينتقل المشعل مباشرة إلى بداية القرن العشرين، وتحديداً إلى أحد أول سفراء العراق الصوفيين في الخارج، الملا عثمان الموصلي، الذي تقول سيرته الكثير عن الأغنية العراقية: اكتسب ثقافته المبكرة من أجواء منزل احد وجهاء الموصل محمود العمري، الذي عرف باهتمامه بالثقافة واستضافته بشكل دائم أدباء وموسيقيين ومغنيين، وهو تقليد أخذته النخب العراقية عن الأتراك خلال القرن التاسع عشر.

تعلم الموصلي الموسيقى على يد أستاذ متخصص، قبل أن ينتقل للدراسة في اسطنبول، ويصبح قريباً من السلطان عبد الحميد الثاني الذي أعجب بصوته (كان يقرأ الأناشيد بالتركية والفارسية). يخبر كامل الخلعي أن الموصلي زار مصر أيضاً والتقى بأبرز مغنّي ذلك الزمن، مثل عبده الحامولي ومحمد عثمان، كما يروي المشعل أنه في مرحلة لاحقة التقى سيد درويش في الشام والموصل، ويقال إن الأخير زاره خصيصاً في مسقط رأسه كي يأخذ منه ألحاناً لأغانيه، حيث كان يحوّل كلام الموشحات من ديني إلى دنيوي – عاطفي من دون أن يغير الخطوط الأساسية للألحان.

من أبرز الأغاني التي أخذها درويش عن الموصلي (وفق المشعل): “زوروني كل سنة مرة” التي كانت موشحاً بعنوان “زر قبر الحبيب مرة”، و”طلعت يا محلا نورها” (“بهوى المختار المهدي”)، و”أسمر بشامة” (كانت “أحمد أتانا وبحسنه سبانا”)، من دون أن ننسى ما يحفظه كثر من الناس خطأً باسم “فوق النخل” التي غناها لاحقاً ناظم الغزالي، والأصل الصحيح للأغنية “فوق إلنا خل”.
Video Player
ينتقل المشعل إلى فن المقام العراقي ورائده محمد القبانجي (من مغنّي المقام الآخرين نذكر رشيد القدرجي، ناظم الغزالي، حسين الأعظمي) هنا أيضاً يظهر التقاطع بين الديني والدنيوي، فهذا الفن يجد أصوله في التقاليد الإنشادية التي حافظت على التقاليد المقامية لقرون طويلة. ومن المعروف ان تعليمه صعب لمن لا يملك خلفية دينية (ينتمي القابنجي إلى المدرسة الزيدانية في الغناء التي كرسها احمد الزيدان وكان منشداً دينياً أغلب حياته، قبل تحوله للغناء الدنيوي).

يتألف المقام عادةً من خمسة عناصر، هي التحرير الذي يكون بمثابة تقسيم غنائي يحضّر المغني للتطريب، “القطع والأوصال” التي تشهد انتقالاً إلى مقام آخر ثم عودة للمقام الأصلي، الجلسة أو القرار الذي ينتهي عادة بهبوط سلّمي يوصل إلى “الميانة” (الجواب)، قبل أن ينتهي المقام بالتسليم. تختلف المقامات العراقية عن المقامات العربية بشكل عام، حيث توجد سبعة مقامات رئيسة، وعدد آخر من المقامات الفرعية. تختلف المقامات الرئيسة عن الفرعية بامتلاكها مسارات لحنية ثابتة لا يفترض الإبتعاد عنها، وعدم فسحها المجال لكثير من الحرية.

عرف القابنجي بكتابته المقامات وربما أبرزها مقام له هو اللامي الذي سمعه منه عبد الوهاب خلال زيارة الأول إلى مصر في العام 1932 مترئساً الوفد العراقي إلى المؤتمر الموسيقي الأول في القاهرة، وهي احدى أولى المناسبات التي يخرج فيها المقام العراقي إلى الخارج. كتب عبد الوهاب أغنيتين على مقام اللامي، بعد هذه الزيارة هي “يلي زرعتو البرتقال” و”أنا والعذاب وهواك”.
Video Player
خلال الأربعينات والخمسينات، تسيّد الغناءَ العراقيَّ يهودٌ عرب، نساء بشكل خاص، وكان هؤلاء طوال عقود سابقة يشكلون البنية التحتية للأغنية العراقية. السبب يكمن في سهولة عمل المرأة اليهودية بهذا الفن، مقارنة بالمرأة المسلمة. وكانت الملاهي الليلية قد أصبحت جزءاً رئيساً من المشهد الفني في بغداد، بعدما كان نموذج المقهى هو المتسيّد على المشهد لفترة طويلة. يعيد المشعل بداية الملهى إلى مجيء الإنكليز إلى العراق في العالم 1917، وقد احتج العراقيون يومها على افتتاح هذه الأمكنة، منتقدين رقص النساء وظهورهن في المجال العام، لكن بعد فترة “استأنس العراقيون” وفق كلمات المشعل، وبدأوا بتأسيس ملاهي خاصة بهم، من بينها ملهى “الهلال” الذي غنّت فيه أم كلثوم أغنية سليمة مراد “قلبك صخر جلمود” (قامت الأخيرة بتعليم أم كلثوم الأغنية بسبب صعوبة اللهجة العراقية، وتعتبر الأغنية أول عمل تؤديه أم كلثوم بغير لهجتها).

يقول المشعل أن الخمسينات هي العصر الذهبي للصوت النسائي الذي كان متسيّداً المشهد: زهرة حسين، لميعة توفيق، أحلام وهبة، مائدة نزهت، سليمة مراد. ومن المعروف أن المغنيات اللبنانيات والسوريات أيضاً كنّ يذهبن للغناء في الملاهي العراقية يومها، مثل فايزة أحمد، راوية، شهرزاد، نهوند، نورهان. انفتح الغناء العراقي خلال هذه الفترة أيضاً على الأغنية الريفية التي لم يعد الملحنون يترفعون عنها كما في السابق، ما أدى إلى تفاعل بين مطربي الريف والملحنين المدينيين.
Video Player
من ابرز ملحني تلك الحقبة، الأخوان اليهوديان داوود وصالح الكويتي، اذ قدما نموذجا شبيهاً بالأخوين رحباني في لبنان، ويعتبران من أبرز مؤسسي الأغنية العراقية الحديثة، أتيا من خلفية فنيّة تتراوح بين الخليجي واليمني المتأثر بالإيقاعات الهندية، مشبّعة بالتقاليد الموسيقية العراقية الغربية والكويتية. قدما عدداً كبيراً من الأعمال التي لا نزال نسمعها على لسان الأجيال الجديدة اليوم. أحد أحفادهما أصبح مغنياً في إسرائيل، وتمتلك أغانيه تفاعلاً كبيراً من العراقيين بشكل عام، من أسبابه شعور عام بالذنب بسبب الطريقة التي عومل بها الموسيقيون اليهود الذين هجروا إلى إسرائيل قسراً، رغم كل ما قدموه للأغنية العراقية (يذكر المشعل أنه مع بداية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل واجه الوسط الموسيقي والإذاعة العراقية مشكلة عدم وجود عازفين عراقيين يجيدون العزف على الآلات التي كان يعزف عليها اليهود، ما اضطر السلطات تأجيل تهجير بعض الموسيقيين بينما ينقلون ما يعرفون لغيرهم). ومن المعروف أن صدام حسين قد منع في إحدى الفترات حتى ذكر أسماء المغنيين العراقيين اليهود (باستثناء سليمة مراد التي تحولت إلى الإسلام).

يعتبر الحزن والأسى احدى السمات الأساسية للغناء العراقي، وبشكل خاص الريفي منه. وهناك بعض الأنماط مثل الأبوذية تبدو لمن لا يفهم كلامها، شبيهة بالبكاء. لم يكن غريباً خلال الستينات والسبيعنات رؤية أحد الأشخاص يجهش بالبكاء خلال استماعه الى الراديو، أو أن تجد تقاطعاً لحنياً بين ندبية حسينية وأغنية معروفة. يذكر المشعل أسباباً عديدة لذلك، من بينها معاناة العراقيين من الإحتلال الدائم لبلادهم خلال الألفية السابقة، وتأثير الطقوس العاشورائية المتغلغلة في التراث الغنائي العراقي. يعيد المشعل بعض هذه الطقوس إلى السومريين والبابليين الذين كتبوا مناحات وأدوا طقوس عزاء جماعية، أصبحت راسخة في الذاكرة الشعبية، قبل أن تنتقل -وفقه- إلى المسيحيين (جمعة الآلام) والمسلمين الشيعة (عاشوراء).

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق