في إشكال الإسلام السياسي في «المجتمعات» السورية / حمود حمود

لا تروم هذه العجالة التنبؤ بأيّ قول فصل في الشكل الذي ستكونه مسارات الضباب الأصولي الذي يسود سوريا اليوم، بمقدار الإشارة سريعاً إلى أهم إشكال ربما ستواجهه مستقبلاً (وربما تواجهه الآن)، ما يمثل أحد العوائق في إعادة بناء هوية سوريا جامعة. الإشكال لا يرتبط بالحركات الراديكالية نفسها فحسب (منها تلك الإسلامية المسلحة وتلك الإسلامويات التي ساعدت إيران في خلقها)، بل بمدى «تبييء» الوباء الأصولي داخل «المجتمعات» السورية واستطالته فيها، ومن ثم احتمال الخطورة التي يمكن أنْ يواجهها أي مشروع وطني مستقبلي، وتتمثل في قابلية إعادة إنتاج فكر أصولي من عمق حواضن الثقافات السورية. أو بصيغة أخرى: إلى أيّ مدى استطاع هذا الوباء الأصولي تخريب البنى الهيكلية للمجتمعات السورية؟ هل يمكن الحديث بالفعل -بعد أنْ جرّبت سوريا كافة أشكال الإسلام السياسي (وأخرى جديدة تماماً عليها)- عن حواضن ثقافية سورية لديها استعداد سياسي-ديني ذاتي في توليد إسلامويات سياسية مستقبلية، حتى وإنْ قُضِي على الأشكال الحالية؟

ربما من المهم التأكيد بداية أنّ أحد أشكال تعقد أوجه «الإسلامات» السياسية مرتبط بنيوياً بتعقد فسيفساء المجتمعات السورية نفسها ومدى استجابتها لهذه التيارات؛ أي إنه لا يمكن الحديث عن مستقبل أيّ وجه من أوجه هذه «الإسلامات» من غير الأخذ بعين الدرس والنقد الحاضنة السوسيولوجية له، وبخاصة حينما يدعي وجه إسلام سياسي ما تمثيل هذه الحاضنة (طبعاً مع عدم إغفال القوى الخارجية، إقليمية كانت أم دولية، الداعمة للحركات الإسلاموية، كما هو حال «إسلاميي أردوغان» أو «إسلاميي خامنئي»). وربما يلاحظ القارئ هنا أنّ الحديث في هذا السياق هو عن «مجتمعات» لا عن «مجتمع» سوري توحده هوية أنثروبولوجية وسوسيولوجية واحدة، وهو الأمر الذي يعكسه التنوع ذاته في داخل الحركة الإسلامية. والحال أنه ثمة خطأ منهاجي كبير تقع فيه الأبحاث التي تتناول سوريا، دعك من اللغة الصحافية، في تنميط الشعب السوري وكأنه كتلة متجانسة وتتجاهل عن عمد التعقيدات الأفقية التي تتخلله والصور المختلفة التي ينتجها، لا بل أحياناً، في أحسن الحالات، في تصويره وكأنه يعبر عن «كتل هوياتية» من الطوائف مرسومة بأيادي قدرية، وكأنّ مصيرنا أننا طوائف وسنبقى طوائف (هكذا!).

لا شك في أنّ بعضاً من الأقلام الغربية يساهم في هذا الخطأ المنهاجي (ولا أفضل الآن الخوض به)؛ بيد أنّ العامل الأهم في هذا التنميط (مثلاً في تصوير السُنّة السوريين وكأنهم «سُنّة بالدم») هم الإسلاميون أنفسهم، وتحديداً الإخوان المسلمين، والسُّلطات الحاكمة للبعث السوري وما أفرزته من سياسات طائفية- تلك السياسات التي غدت اليوم تمارس علناً من غير خجل.

في ما يخص الإخوان المسلمين (بصرف النظر الآن عن التشكيلات السنية والشيعية الأخرى الهائلة)، فإننا نعلم أنّ أحد أهم عُقدهم في سوريا تتمثل في «إشكالية التمثيل» للشارع الاجتماعي السني خلفهم التي ما زالوا إلى الآن يلعبون على وترها. بيد أنّ المراقب لمسارهم في سوريا يدرك حجم صفعات الفشل الكبيرة التي كانوا يتلقونها من داخل هذا الشارع نفسه. لنتذكر مثلاً فقط الانتخابات التي خاضوها قبل انقلاب البعث 1963. فعلى الرغم من أنّ الإخوان كانوا في حينها شبه الوجه الوحيد الذي يمثل «الحركة الإسلامية» سورياً، إلا أنّ الشارع السني لم يعطهم كلّ ثقته. لقد خاض الإخوان السوريون في حياتهم كلها أربع انتخابات برلمانية، وفي هذه الانتخابات كلها لم تتجاوز مقاعدهم عدد أصابع اليد (سنة 1947: 3 من أصل 136 مقعدا= 2.2%؛ سنة 1949: 3 من أصل 114 مقعدا= 2.6%؛ سنة 1954: 5 من أصل 141 مقعدا= 3.5%؛ وأخيراً سنة 1961، وهي الفترة الذهبية لإخوان سورية في ظل حكومة معروف الدواليبي، الداعم لهم، والداعمون له: 10 من أصل 173 مقعدا= 5.8%). ربما يعدّ الإخوان أنّ حيازتهم على بعض المقاعد قد مثل انتصاراً رمزياً لهم، بيد أنه حقيقة فشل تاريخي كبير (حالة الإخوان المصريين حالة مختلفة تماماً عن نظيرتها السورية)، ليس أقله لأنّ «إخوان دمشق» كانوا الوجه الإسلامي المسيس شبه الوحيد على الساحة السنية، وليس أقله أيضاً لأنهم لطالما يفترون أنهم يمثلون الإسلام السوري. وإذا كان صعودهم للبرلمان قد أتى في أعز مراحلهم التاريخية (وحينها كان «السلاح» غائباً وليس الوسيلة للوصول إلى السلطة)، فما بالنا اليوم مع صعود ألف تنظيم وتنظيم، وكلّ هؤلاء ينافسون الإخوان على الإسلام ويدعي ملكيته للشارع الإسلامي السني (أو كما يقال: كلهم يدعي وصالاً بليلى، وليلى لا تقر لهم بذاك!).

وإذا كان صعود هذه التنظيمات الإسلامية يمثل عقبة أداء اليوم أمام مشروع إخوان دمشق، إلا أنه أيضاً يظهر لنا إشكالاً كبيراً يتعلق بالتشوّه الوطني الذي يطال الاجتماع السوري. وبغض النظر الآن عن جدل ما إذا كانت المجتمعات السورية بذاتها متدينة أم لا، خصبة في إنتاج الإسلام السياسي أم لا، بيد أنّ الخطر الفعلي الذي يتجسد أمامنا هو في «التبييئ» المديد لهذه التنظيمات داخل هذه المجتمعات. وعلى الرغم من ذهاب بعض الباحثين إلى أنّ مسألة الاستعداد الديني الاجتماعي ترتبط دينياً وسوسيولوجياً بصعود الإسلام السياسي، إلا أنني أقلل من أهميتها في المثال السوري الراهن (وأشدّدُ على كلمة «الراهن»). ليست كل تلك التفريخات الإسلامية التي صعدت في ظل الانتفاضة السورية هي الجواب المباشر على تدين المجتمعات السورية، بمقدار ما هي «صناعة»، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، فُرضت عليها؛ هذا فضلاً عن أنّ معظم التنظيمات الإسلاموية السنية قد مثلت رؤوس أموال سياسية لقوى خارجية تحاول فرضه على الخطابات السورية (إنني لا أنكر طبعاً وجود خصوبة كبرى لدينا في استقبال والتفاعل مع رؤوس الأموال السياسية هذه، الأمر الذي أسكت بالفعل الأصوات الوطنية العلمانية، ومن ثم خلو الساحة فقط لـ«صوت الجهاد» ومشاريع زينب والحسين والبغدادي…الخ). وهنا لا يغيب عن ذهننا، كم أنّ أجزاء من «المعارضات» السورية، ومنذ البداية، قد ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة، لا في السكوت على ظهور التنظيمات الإسلامية فحسب، بل أيضاً في «تنميط» الحراك الشعبي وأسلمته، بحجة أنّ هذه الأسلمة هي شيء «طبيعي» تأتي استجابة لـ«دواخلنا الإسلامية»، طالما أنّ المجتمع السوري هو بـ«الدم» مجتمع متدين، وهو الأمر الذي تقاطع بالفعل بنيوياً مع ما يطلبه الأصوليون أنفسهم؛ حيث إنّ هؤلاء يقولون أيضاً أنّ المجتمع السوري هو مجتمع متدين، وهو الأمر الذي يشكل «خزاناً رمزياً» لهم.

طبعاً إنّ مسألة تخريب الإسلاميين للشارع الاجتماعي السني، تحديداً في ظل تأزمنا الراهن، أيضاً يمكن قوله، لكن بأشكال أخرى تماماً، في ظل ما يشهده الشارع العلوي من «تشييع» سياسي تقوده إيران من خلال حزب الله ونظام الأسد. (وهذا يمكن تناوله في سياق آخر). وإنْ دل هذا على شيء، فإنما يدل على تأزم حقيقي تعيشه مجتمعاتنا ومدى تعقيد صور الإسلام السياسي داخلها. وإذا كان يصح أنّ نجاح التنظيمات الإسلاموية يعتمد «خارجياً» على مستقبل مصالح القوى الإقليمية والدولية الداعمة لها، فإنه من الآكيد أيضاً أنّ دوامها واستطالتها بل ترسخها ثقافياً «داخل» الحواضن السورية، ومع غياب أي مشروع وطني حقيقي، سيعني بالفعل أننا سنكون أمام خطورة أنْ تغدو الخطابات السورية نفسها ليست قادرة على «استيراد» الإسلام السياسي فحسب، بل أيضاً على «تصديره».

عن موقع بروكار برس

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق