الكثير من الرواقيّة؛ القليل من القلق!

 

«ولا يهولنّك أبولو، وألف أبولو، مادام أنّ العمر واحد، والسّاعة آتية، ولن يفلت أحد ممّا قدّر له ! »

هوميروس، الإلياذة

«غلب القدر الحذر»

ابن المقفع، كليلة ودمنة

«إنّ الخير والشرّ يصيبان الإنسان دون أن يتوقع»

غوته، فاوست

 

الرواقيّة Stoicism [*] من المدارس الفلسفيّة الكبيرة والعميقة، الّتي ازدهرت في المرحلة الهلينستيّة Hellenistic philosophy  من تاريخ الفلسفة. والمرحلة الهلينستيّة عرفت تراجعاً للفكر اليونانيّ الأصيل في مقابل نمو الحكمة الشرقيّة الّتي أثّرت على الفلسفة اليونانيّة الخالصة. ولأنّ الأفكار الفلسفيّة لا تموت بسهولة؛ بل يمكن أن نقول بأنّها كطائر العنقاء الّذي يتجدّد باستمرار، فإنّ الرّواقيّة كمجموعة من الأفكار والمعتقدات بدأت تنتشر في الوقت الرّاهن، باعتبارها حلاً لمشكلات نفسيّة كثيرة مثل القلق والتّوتر وانعدام الأمان النّاتج عن الحياة الحديثة الّتي يصعب التّحكم فيها. فما الّذي يمكن أن تأتي به الرواقيّة كحلول أمام مشكلة القلق؟ وهل الرّواقيّة علاج أم أنّها فنٌّ للعيش وأسلوب حياة يقوم على خضوع العقل للطّبيعة؟

بداية؛ نشير إلى أنّ هناك مجموعة من الأفكار الرّائجة الّتي لا يعرف مصدرها وأصلها. وبعض هذه الأفكار يكون مصدرها فلسفياً، رغم أنّنا نصادفها في تعاليم الدّين أو في الأمثال أو حتّى في الثّقافات الشعبيّة … والرواقيّة من الفلسفات القديمة الّتي تسللت حكمتها إلى الثّقافات الشعبيّة، ولهذا؛ فإنّنا نصادف الكثير من الأمثال الّتي تتقاطع مع نصائح الرواقيين عن الرّضا وقبول القدر والاستسلام له ..إلخ. ويعدّ الفيلسوف اليوناني زينون الرواقي Zeno of Citium  مؤسّساً للمدرسة الرواقيّة، لكن أهمّ من أعطى الشّهرة للرواقيّة هم ممثلوها الرّومان، لأنّ مؤسسي الرواقيّة الأوائل لم يبقى من كتابتهم سوى بعض الشّذرات، في حين أنّ الكتابات الرواقيّة في العهد الروماني وصلت إلينا كاملة[1]. ومن بين أشهر أسماء ذلك العصر نجد الإمبراطور ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius والعبد أبكتاتوس Epictetus الّذي تبع خطوات سقراط، فلم يكتب شيئاً، وترك أتباعه ينقلون حكمته [2]. وقد غزت الرواقيّة العالم الروماني القديم ــ فكما تقدّم كان أحد أباطرتها رواقياً ــ وأثرت تعاليمها على الفيلسوفين الكبيرين أفلوطين وبوثيوس.

يقول المخرج الألمعي وودي آلن في عبارة دالة ومضحكة: ” إذا أردت أن تُضحك الربّ، فأعلمه بمشاريعك المستقبليّة! ” لماذ؟ لأنّه لا يوجد مشروع ثابت ومحدّد، سينتهي كما خططنا له دون أي مشكلة أو كما نشتهي. إنّ من يضع المشاريع والخطط للحياة ليس البشر الفانون، بل القدر المحتوم. ولهذا؛ من الممكن أن نخطط لأمر مّا، غير أنّه من الممكن أيضاً أن نجد أنفسنا في ورطة لم تخطر على بالنا أبداً، فيغدو تخطيطنا مجرّد عبث لا فائدة منه. الأمثلة على هذا كثيرة؛ فمادام الإنسان لا يعرف تاريخ وفاته، فإنّه قد يتوفّى بمجرّد ما أن يُعلم الربّ بمشروعه الضّخم والكبير!

وعليه، لو استحضرنا أحد الرواقيين الأوائل وأخبرناه بما يقوم به المتخصّصون في التّدريب  Coaching من جلسات تهدف إلى جعل البعض يثقون في قدرتهم على النّجاح، لما توقف عن الضّحك والسّخرية منهم، لأنّه ليس دائماً ” كلّ من جد وجد “، أو ” من زرع حصد”، بل الأمور في أحيان كثيرة تذهب كما قال الشّاعر العباسي  ” بما لا تشتهي السّفن “. وهكذا، كيف نتأقلم مع واقع ذهب بنا إلى حيث لا نشتهي؟ هنا تأتي حلول الرواقيّة المتمثلة بضرورة عدم التّشبث برغباتنا وأهدافنا، لأنّها ليست كلّ الحياة، بل الهدف الّذي ننشده يحجب عنا حقيقة الحياة، ويبعث فينا القلق والتّوتر والضّغوطات. ومن هنا، فإنّه يتوجّب علينا ألاّ نتحمّس لأهدافنا، وأن نعيش منفتحين على جميع الاحتمالات مادمنا نعيش في الطّبيعة الّتي ترسم خططها دون أن تسألنا عمّا نريده. وهكذا، فالإنسان الرّواقي ينبغي عليه أن يعيش داخل الطّبيعة وخارجها، في الوقت ذاته. فالإنسان الكامل أو الحكيم عند الرواقيين هو الّذي يعلم أنّ كلّ شيء في الطبيعة إنّما يقع بالإرادة الإلهية أو بالقدر، ولذا ما عليه سوى أن يلائم شعوره الدّاخلي مع هذه القوانين، ويعمل بمذهب الشّاعر الجاهلي هدبة بن الخشرم الّذي قال: “ولست بمفراح إذا الدّهر سرّني // ولا جازع من صرفه المُتقلب”.

يعيشُ الفرد متوجّساً وخائفاً من المرض الّذي قد يفتك به في أي لحظة، كما ينشد الكثيرون الأمان في مجتمعات العنف والجريمة، والتّفكير الرّواقي يعلمنا أن نقول ” لن يصيبنا شيء، وحتّى لو أصابنا خطرٌ مّا، فعلينا أن نقبله بكلّ رضا، وأن نتعلّم من الخبرة الجديدة الّتي أصابتنا رغم آلمها وصدمتها”. فإذا ابتلي الفرد الرواقي بمرض أو أصابته مصيبة رحّب بها لعلمه أنّها مقدرة عليه، لكن إذا كانت المصيبة أكبر من أن تحتمل، وأضحت الحياة معها غير مطابقة للحقيقة، فإنّ الرّواقي يُقبل على الانتحار بكلّ شجاعة. أمّا فيما خلا هذه الشّدائد ” فإنّه يصمد ولا يخاف ولا يرجو ولا يأسف أو يندم، بل يرتفع بنفسه فوق كلّ شيء، ويحتفظ بحرّيته وينعم بفضيلته “[3]. هذا التّفكير الرّواقي يتناقض مع هواجسنا المعاصرة، ومع خوفنا من المرض، وقلقنا اليوميّ من حوادث السّير أو من قطّاع الطرق واللّصوص، وحتّى من الموت الّذي يقبل عليه الرواقي بكلّ شجاعة عندما لا يكون هناك مفرٌ منه.

في الختام؛ نسجّل ثلاث أفكار:

أوّلاً: صحيح أنّ هناك نوع من العلاج النّفسي يقوم على تغيير قناعات الأشخاص الخاطئة الّتي تجلب إليهم الهلع والخوف من أمور معينة ومحدّدة، لكن من الصّحيح أيضاً أنّ المرض النّفسي لا ينفع معه تغيير القناعات، بل إنّه كالأمراض الجسديّة الّتي تحتاج للأدوية وللمسكنات، ومن هنا، فإنّ الرواقيّة لا يمكنها أن تكون علاجاً في حالات كثيرة، إلاّ لمن فسدت أفكاره عن الحياة، بمعنى أنّها تربيّة أخلاقيّة أكثر من كونها علاجاً، تربيّة على التّحكم بالانفعالات المخالفة للطبيعة، لأنّ الانفعالات لا تقوم على أساس عقلي، والمبالغة فيها تؤدي إلى اضطراب النّفس والتّوتر.

ثانياً: الواقع أنّ الحياة المعاصرة تفرض علينا نمطاً من العيش يؤدي، لا محالة، إلى بعض الاضطرابات النّفسيّة، تماماً كما تؤدّي التّغذية غير الصحيّة إلى أمراض كثيرة. ولعلّه يراد من الرواقيّة أن تأخذ مكان الدّين؛ وربّما هذا ما أدى إلى ازدهارها في عصر تراجع فيه الاعتقاد الدّيني التّقليدي، وعوض هذا التّراجع المعتقدات الفلسفيّة المختلفة كالأبيقوريّة والرواقيّة ..إلخ. ومن هنا نفهم لماذا يهتمّ البعض بالحديث عن الفلسفة كعلاج؛ أي باعتبار الفلسفة بديلاً عن الدّين في اضفاء المعنى والمعقوليّة على الحياة، والأهم من هذا كلّه، التّصالح مع القدر وعدم الاعتراض عليه.

ثالثاً: الرواقيّة فلسفة قبول القدر بحلوه ومرّه، نجد صداها يتكرّر في الأثر: ” لا تحزن على ما فاتك ولا تفرح بما آتاك “، لكن من ينطلق من الفكرة اليونانيّة الأصيلة المتمثّلة في كون الإنسان لا يصبح إنساناً إلّا إذا وقف في وجه القدر، فإنّه لن يرى في الرواقية سوى استسلاماً للقدر من أجل الحصول على السكينة، وبالتّالي؛ فإنّها تتشارك مع الصوفيّة في جوانب عديدة، ممّا يجعلها هروباً من الواقع وانسحاباً منه، وقبولاً لما لا يجب قبوله.

*********

المراجع والحواشي:

* سميت الرواقيّة بهذا الاسم نسبة إلى المكان اّلذي نشأت فيه، الّذي كان رواقاً يجتمع فيه الشّعراء. يطلق على الرواقيين اسم ” أصحاب المظلّة ” أيضاً.

1 ـ يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانيّة، مؤسسة هنداوي للتّعليم والثّقافة، طبعة سنة 2012، ص: 276.

2 ـ هناك أسماء كثيرة وشهيرة تنتمي للمدرسة الرواقيّة مثل كليانثس وسينيكا الصغير وغيرهما.

2 ـ يوسف كرم، مرجع سابق، ص: 274.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق