مسرّات صغيرة / وائل السوّاح

حين وصلت إلى حمص، بدأت رائحة الألفة وذكريات المودة والعشق الصبياني تتسلّل إلى رئتي فتفسح في المجال لسعادة غامرة تمتلك الكيان والجوانح. كان كل شيء كما تركته قبل عشر سنين. طريق الشام لم يتغير فيه شيء، وكذلك شارع السرايا وحارة الأربعين وقهوة الفرح والساعة الجديدة والساعة القديمة والطلعة الخبيثة التي تتسلّق بهدوء ومكر التلّة الصغيرة التي يقع فيها بيتنا. وتلك النافذة الصغيرة البناء الذي يواجه بيتنا، حيث كانت سهر تطلّ بين الفينة والفينة برأسها ‘لى الحارة، فتطمئن إلى وجود المعجبين هناك، تحت نافذتها بالضبط، ينتظرون لمحة منها.

كلّنا أحبّ سهر – كلّ أولاد الحارة، ولكنّ المنافسة كانت على أشدها بيني وبين محمد الحسامي الذي يكبرني بسنتين. كان محمد، ولسبب ما كنا نسميه “الحجي”، أطول مني وأقوى وأشدّ، وكنت ولدا نحيلا، أميل إلى الخجل. وكان الحجي يستعرض أمام سهر مهارته في قيادة الدراجة ولعب الطابة والمصارعة، بينما كنت أقف تحت شباكها، وبيدي مجلّة سندباد، استبدلتها بعد سنوات بدواوين نزار قباني. أحببناها دهرا، وراقبناها وهي تكبر، ونكبر معها، وتكبر معنا مشاعرنا وتنضج. على أن أيا منا لم يوجّه لها كلمة واحدة، ولم نكتب لها رسالة حب. أنا فعلت: كتبت لها الرسالة إثر الرسالة، ولكنها كانت تظل في درج المكتبة التي تتوسّط ما بين غرفة النوم وغرفة الجلوس في بيتنا. أخذت معي رزمة الرسائل إلى دمشق حين سافرت للدراسة، وبقيت معي، تتنقّل من بيت لبيت، على أن صادرها رجال الأمن فيما صادروا من كتب وصور وقصص وذكريات.

قرعت الجرس، وراحت أصوات الأرجل تتسابق إلى الباب فتفتحه. وراء الباب وقفت أمي. كانت رائحتها نفسها التي عرفتها قبل ست وثلاثين سنة. رائحة من الحنان والحب وملابس البيت المريحة والعرق الأنثوي المخدر انبعثت من ملابس أمي وشعرها آن احتضتني أو حضنت نفسها بين ذراعي. لم يدم ذلك طويلا. تخلصت مني وقادتني إلى الغرفة الداخلية حيث كان أبي جالسا بأعوامه الثمانين، ينتظر عودة الابن الضال، الابن المسكين، المشاكس، العنيد. ما كان يستطيع الوقوف لحظتئذ. لكانت ساقاه خذلتاه إذن وما كان يحب ذلك. إحدى وثمانون عاما قضاها منتصب القامة. لم يحن رأسه قط. لم يحنه لحسني الزعيم ولا لجمال عبد الناصر ولا لعبد الحميد السراج ولا لأيّ من الزبانية الذين جاؤوا بعد ذاك. حين أغلق عبد الناصر جريدته اليومية “الفجر” سنة 1958، وأغلق معها المطبعة، خلع الشمع الأحمر، ووضع كرسيا أمام المطبعة وجلس، ثمّ  صار يبيع أقلاما ودفاتر لتلامذة المدارس. وحين أغلق البعث الجريدة نفسها ثانية سنة 1963، (لم يكره الطغاة الجرائد؟) صار يعلّم التلاميذ اللغة العربية بأجر أربع ليرات للحصة الواحدة ناقصا الضريبة، واستبدل بدخانه نوعين آخرين من السجائر: الريف وبردى. كان يدخن بردى وسعره يوم ذاك خمسة وخمسون قرشا في القهوة، أما في البيت فكان يدخن “الريف” بعشرين قرشا للعلبة سوية مع نصف بطحة العرق ونصف أوقية اللبن، مازته الوحيدة. وحين أضعت ليرة أرسلني بها إلى أبو بدر البقّال لأشتري له باكيت بردى، بقي يومين بدون تدخين. على أنه لم يحنِ رأسه.

وحين زارني في السجن من خلف القضبان، قرّر أن تكون ذلك آخر مرة يراني فيها سجينا. وظل يقاوم المرض والشيخوخة والشوق، حتى تلك اللحظة التي رآني فيها بين ذراعيه، ثم مات. لم يمت لحظتها. ولكن صحته تدهورت بسرعة شديدة، وقضى بعد أشهر من حريتي. كأنه كان يقاوم بانتظار أن يراني بعيدا عن القضبان وغباء السجانين وصلافتهم والطريق الطويلة التي كان على الأهل أن يقطعوها سيرا على الأقدام، صعدا إلى أعلى التلة التي يتربع فوقها السجن.

رميت نفسي في أحضانه، ورحت أتنشق العبق السحري المنبثق من لحيته ويديه، وسمعته يقول: ” أنا فخور بك!”

أول تواصل بعد أشهر المنفردة كان حين انتقلت إلى زنزانة كان يقيم فيها منيف ملحم. جاء العقيد كمال يوصف إلى زنزانتي وسألني إن كنت لا أزال أرغب في الانتقال إلى مكان فيه آخرون. أجبت بحماس: نعم. حملت عوازلي وبطانياتي وقصعاتي وعلبة الحلاوة والسجائر والجرائد التي كنت قرأتها مائة مرة ومضيت إلى عالم من البهجة والسرور: المنفردة 42. حين دخلت زنزانة منيف، عانقته طويلا، وقلت له:

“لا أبالي الآن أن أظل ثلاث سنوات.”

كانت ثلاث سنوات هي أطول مدة قضاها رفاقنا في السجن في المرة الأولى عندما أطلق سراحهم في 4 شباط 1980. لم يخطر ببالي وقتها أنني سأعد عشرا من السنوات قبل أن أصبح خارجا. بيد أن سنواتي العشر تصبح لعبة بالمقارنة بمن قضى خمس عشرة أو عشرين أو ثلاثين، كصديقيّ فارس مراد وعماد شيحة.

انكببنا منيف وأنا على الحديث كالجائعين إلى الطعام. كانت الزنزانة بحجم زنزانتي السابقة، 37، وضعت عازلي قبالة عازله، وبقي بينهما مساحة قليلة تكفي فقط لوضع حذائينا والقصعات وعلب الحلاوة. تحدثنا عن الاعتقال والخارج والتوجه الجديد للحزب. دخّنا. أخبرته عن اكتشافي المذهل في زنزانتي بإضافة الزيت إلى البرغل المسلوق الجاف. أكلنا حلاوة وشربنا الشاي العكر البارد والمرفوع منذ الصباح، بمتعة عند المساء مع سيجارة الحمراء القصيرة. تحدثنا بحنين عن حنان. تذكرنا أدق التفاصيل عنها بمتعة فائقة وشبق أحيانا. كانت حنان تخرجنا سوية من زنزانتا، تأخذنا إلى عوالمها الفرحة، المضيئة، والثرية، تلاعبنا وتسامرنا وتحمينا من أنفسنا، ثمّ تعيدنا إلى الزنزانة، وتمضي هي إلى العالم الحقيقي.

وأطلعني منيف على علبة كبريت حصل عليها من أحد السجانين. كانت تلك ثروة تعادل مُلكا. لإشعال السيجارة في المنفردة، ينبغي أن تكون حذرا وذكيا. اختيار الوقت المناسب والسجان المناسب أمر في غاية الأهمية. فإذا اخترت زمنا عصيبا وكان السجان محمد عاقل أو محمد جمعة، لكان الكابل أقرب إليك من شعلة اللفافة.  تشعل اللفافة وتمج كل نفس منها إلى النهاية، وحين تنتهي تشعل من العقب واحدة جديدة وتمجّها، ثم تفكر في ثالثة، ولكنك تعتقد أن ذلك سيكون كثيرا الآن فتطفئها آسفا لأنك لا تعرف متى يمكنك أن تشعل واحدة جديدة. أما الآن فلدينا علبة كبريت كاملة، أشعرتنا بالأمان والثراء.

في الليلة الأولى لم أنم. كنت جائعا للحديث مع آخر: أي آخر. كنت أخاف أن أفقد ملكة الكلام. وكنت أخاف أن أترك في المنفردة عاما كاملا مثل محمد بدورة، نقيب مهندسي دمشق، الذي كانت زنزانته قبالة زنزانتي. كان يقف في عتمة الزاوية الميتة من الزنزانة المقابلة لزنزانتي. زنزانة 47. لست أنساه: ذلك الرقم المرعب الذي فتح في صدري فجوة للرعب لن تنغلق. كان السجان لسبب ما قد نسي إحكام النافذتين الصغيرتين. اقتربت بفضول من يكتشف قارة جديدة ورعب من يفتح الغرفة الأربعين في قصر الأمير ودفعت النافذة بسبابتي فانفرجت قليلا. أمامي كان يقف في العتمة بوجه أبيض كالح باهت يحاكي وجه الأموات. رفع يده محييا فرددت بالمثل. سألني عن اسمي وسألته عن اسمه: محمد بدورة. انحفر الاسم بالذاكرة، حين سألته بالإشارة وحركة الشفاه كم يوما أمضى في الزنزانة. رفع سبابته يريد أن يقول واحد.  حسبته يقول شهرا، فانتابني انزعاج شديد من فكرة أن يطول بقائي شهرا مثله.  بيد أنه صحّح لي: سنة، فانخلع القلب من مكانه. لم أصدق ولم أستوعب فكرة أن يبقى رجل في الزنزانة عاما كاملا ولا يجن. لم أدر وقتها أنه سيبقى في مكانه أعواما أخرى طوالا، يخرج إلى الحمام ثلاث مرات ويشرب الشاي الماسخ ويأكل الخبز المنفوخ ويكلم الحيطان والخيالات ويسترق السمع إلى أقدام المارين من أمام عالمه المغلق من سجانين ومسجونين. وعلى بعد زنزانتين فقط، كان جاره رياض الترك الذي بقي ثمانية عشر عاما في الزنزانة نفسها، يسامر مرض السكري وآلام الظهر. إذاك كنت قادرا على فعل أي شيء يخرجني من ظلمة القبر تلك بما في ذلك الانتحار.

****

ولكن للحياة مسراتها الصغيرة أيضاً. واحدة منها كانت حين تعرّفت إلى شفيق. عملاق بشاربين أسودين كثين وصوت يلعلع كالبلدوزر. للحظة شعرت بالرهبة من ضخامة حجمه وارتفاع صوته. ولكنني سرعان ما انفرجت أساريري حين علمت أن الرجل كان “شفيق بياع الحلاوة. ذلك أنه كان محاسب السجن، ومن ضمن مهامه أن يبيع المساجين مواد كالصابون والحلاوة وزيت الزيتون والتمر والغيارات الداخلية. كان ذلك مكسبا عظيما. وأهم من الحلاوة أن شفيق كان يعتبر نفسه تاجرا ويعتبرنا زبائن، فلم يكن يضرب أو يصرخ أو يوجه أية إهانة.

فتح علي الباب في الزنزانة وأطلّ عليّ بعملقته وشاربيه الكبيرين وعينيه السوداوين الواسعتين، وسألني:

“بدك شي؟”

كان برفقته اثنين من سجناء السخرة، وهؤلاء كانوا على الأرجح موقوفين عسكريين لأسباب غير سياسية، يدفعان على الأرض سحارتي بلاستيك فيها أشياء ملوّنة جميلة. حين بدا على وجهي الوجوم وعلامات الاستفسار، سألني:

 

“أيمتى إجيت؟”

“أول مبارح،” أجبت بصوت متردّد، فبدأ يعرض عليّ بضائعه.

لا تحتاج إلى طويل وقت لتألف شفيق وتنشأ بينكما علاقة تشبه علاقتك بالسمّان في أسفل بنايتك أو على ناصية الشارع. وبعد فترة سيحكي لك عن أسرته وأطفاله ومصاعب الحياة في دمشق، ويتذكّر بحسرة بساطة قريته وهناءتها.

اشتريت حلاوة وجبنا وزيتا وصابونا وكيسا من السكاكر كان شفيق يسميها “دْرُوبِس”، كاسراً الباء، ماداً إياها بلحن لطيف. وأهم من ذلك كله اشتريت سجائر _ لفافة كاملة من سجائر الحمراء القصيرة. وضعت العلب والأكياس على الأرض بجانب القصعتين وكوز الماء، ورحت أتأملها بفتنة. وحين وضعت قطعة حلاوة في فمي، ذابت على الفور، مخلّفة وراءها طعما ذكّرني بحمص وسحور رمضان، حين كانت أمي توقظني، لآكل لقيمات من الزبدة والحلاوة وجبنة الحلوم. وأولمت لنفسي وليمة كبيرة. كان اكتشاف إضافة الزيت على البرغل الجاسي المسلوق اكتشافا يوازي اكتشاف النار كما كان إضافة جبنة المثلثات إلى مائدة الصباح حدثا في غاية الأهمية واللذة. أما سندويشة الحلاوة في ساعة متأخرة من الليل مع جرعة من الماء فكانت تذكر بسهرة لطيفة في مطعم شامي أصيل.

وحين وضعت قطعة حلاوة في فمي، ذابت على الفور، مخلّفة وراءها طعما ذكّرني بحمص وسحور رمضان، حين كانت أمي توقظني، لآكل لقيمات من الزبدة والحلاوة وجبنة الحلوم

المتعة الأخرى كانت الحمام وارتداء لباس داخلي نظيف بعد أسابيع من القذارة ورائحة العفن المنبعثة من زوايا الجسم. لم يستغرق الحمام أكثر من دقيقتين، ولكن الماء الدافئ كان ينسكب على رأسي وجسمي فيغسل الروح كما يغسل الجسد. كان حنونا غامرا لطيفا وقويا في آن. ظلت رائحة النظافة تنعش روحي الجريح ساعات بعد العودة من الحمام. وكنت احتفظت ببعض الشاي البارد من الصباح في القصعة الصغيرة، فرحت أتلذذ باحتسائه، ثم جاءت السيجارة لتجلو الهم للحظات.

أما أحلى اللحظات في الزنزانة فكانت الجريدة. سألني العقيد كمال قبل أن يأمر بإعادتي إلى الزنزانة إذا ما كنت أرغب بشيء. ترددت لحظات قبل أن أقول: ” أجل. جريدة.” ثم أردفت بسرعة كي لا يعتبر طلبي جريمة: “تشرين أو الثورة.” هزّ العقيد رأسه ولم يجب، ثم أمر الحارس بإعادتي إلى المنفردة. في الطريق، رحت ألوم نفسي لأنني طلبت من العقيد مثل هذا الطلب، فهو أولا لا يليق بمناضل سياسي، كما أنه غير ممكن التحقيق. حين وصلت إلى الزنزانة، انفردت بنفسي ورحت أسير من أول الزنزانة إلى آخر حلم في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. أقطع المائة والتسعين سنتيميترا بأربع خطوات أو خمس ثم أستدير وأؤوب عائدا إلى نقطة البداية. وحين أخذ مني التعب مأخذه، تمددت على العازل ورحت أحلم بحمام جديد. ولا بد أنني غفوت لحظات، لأنني قفزت متنبها حين أدخل السجان المفتاح في القفل ليفتح الباب. لم يكن وقت العشاء قد حان بعد وكان الغداء قد وزع من زمن. أهو التحقيق من جديد؟

فتح الباب وبرز وجه أليف لسجان كان يبتسم دائما كأنه يعتذر عن وجودنا هناك، وقال: “تفضل!” ثم قدم لي كدسة من الجرائد. ولم تكن الثورة وتشرين فقط بل كانت السفير والنهار والأنوار ومجلة المستقبل الباريسية أيضا. وما أنسَ لا أنسَ الإحساس العميق بالغبطة الذي اجتاحني تلك اللحظة. رحت أنظر إلى الجرائد بذهول، وودت لو طرت إلى السجان فقبلته، ولكنني شكرته بحرارة عوضا عن ذلك. ولم أستطع إلا أن أكن العرفان للعقيد كمال الذي أرسل لي ذلك الكنز. وكالبخيل الذي يحرص على متاعه وماله رحت أقنّن بالقراءة، ألا أنهيها كلها ولا أستطيع الحصول على سواها.

وكالبخيل الذي يحرص على متاعه وماله رحت أقنّن بالقراءة، ألا أنهيها كلها ولا أستطيع الحصول على سواها. وكالجائع يقدم له طبق لذيذ، رحت ألتذ بكل كلمة أقرأها

وكالجائع يقدم له طبق لذيذ، رحت ألتذ بكل كلمة أقرأها. قرأت الأخبار والتعليقات وأخبار الثقافة والرياضة والتحقيقات وصفحات الرأي والوفيات وشكر الأطباء والأبراج والإعلانات التجارية والرسمية، ثم جاء دور الكلمات المتقاطعة. لم يكن عندي قلم، فاخترعت واحدا. في يوم سابق أحضروا لنا عنقودا من العنب فيه عشر حبات، فالتهمتها وأبقيت على عودة العنقود أتسلى بها. وتجلّت العبقرية حين مزجت رماد سيجارة بنقطة من الماء فصار حبرا ثم استخدمت العود كالريشة ورحت أحلّ بها الكلمات المتقاطعة والكلمة المفقودة وبعض التسليات الأخرى. كان ذلك اختراعي الوحيد. وهو، على أية حال، لا يقارن بإنجازات الرفاق لاحقا الذين اخترعوا مكتبات لوضع الكتب التي تأتينا من الزيارات وورقا للعب وشطرنجا وطاولة زهر وطاولات صغيرة للقراءة والكتابة، وكل ذلك من بقايا الخبز المعجون بالماء والسكر ليغدو غراء ومن أوراق الجرائد وأغلفة عبوات السجائر. وهو لا يقارن قطعا باختراع القلم، الذي سيقومون به في المهجع، وكان لا يقل أهمية عن اختراع الكتابة قبل أربعة آلاف سنة. وقلمنا اخترعناه من ورق الألمنيوم الذي يغلف السجائر داخل كل علبة. أما الورق فكان الأغلفة الخارجية المشمعة لعلب السجائر. على هذا الورق كتبت قصائدَ وقصصا ومشاريع روايات ومداخلات سياسية ورسائل عشق وصلوات وأدعية ورغبات محرّمة. وعلى هذا الورق كتبت قصصا جمعتها في مجموعتين لم أنشرهما حتى الآن، ولا أحسب أنني سوف أفعل.

على أن السجائر والصحف والحلاوة وزيت الزيتون لها مفعول مؤقت، تعود بعدها الوحدة وفقدان الآخر والرغبة في الحديث تتملكك، فتغرق في كآبة عميقة، وتروح كتسكين لها تبحث عن لحظة حوار مع سجان أنيس أو جار لك في الزنزانة، وقد اكتشفت ضربات المورس الخاصة بالسجن. والمورس الذي ابتدعه السجناء يعتمد على الأبجدية العربية المجموعة في كلمات ثمان: أبجد، هوز، حطي … إلخ. تقرع الجدار عددا من المرّات، وتصمت، ثم تعود لتقرعها عددا آخر. المرّة الأولى تحدّد الكلمة، أبجد هوز، والثانية تسلسل الحرف في الكلمة. لحرف الباء مثلا يجب أن تقرع مرة واحدة (أبجد) ثمّ مرّتين (الباء في أبجد).

بواسطة هذه الشفرة علمت أن أنور السادات مات. واحتفل في داخلي عيد من المسرات. ثم راح سؤال أخلاقي يساورني: أيهما أسوأ السادات أم الأصولي الإرهابي الذي اغتاله؟ وبواسطة هذه الشفرة أيضا سوف نعلم بعد أشهر بالعدوان الإسرائيلي على بيروت وبالمقاومة العجيبة التي أبدتها بيروت. على أن الأهمّ كان قدرتك أحيانا، حين يسعفك الحظ فتجد أن جارك هو أحد رفاقك، على أن تتبادل معه معلومات التحقيق فيساعدك ذلك على المناورة والتخفيف من حدة التعذيب.

حين انتقلت إلى الزنزانة التي جمعتني بمنيف، كانت الجريدة والحلاوة وزيت الزيتون ومورس أبجد هوز جميعها مصادر للبهجة، وخاصّة في الأمسيات، حين كنا نجلس نتسامر، ندخّن، ونشرب الشاي البارد الذي رفعناه من الصباح.

ثمّ ذات صباح، وبعد أن تناولنا إفطارنا، وأشعلنا سيجارتين، ورحنا نحلم بشوارع وسيارات ومقاهي ونساء، فتح باب الزنزانة واسعا، ووقف وراءه أحد السجّانين الذين كان يتلطّف معنا.

ضبوا أغراضكم!” قال السجان.

” إلى أين؟” سألته بتشكّك.

” بعدين بتعرف.”

عن موقع تلفزيون سوريا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق