الأدب وسؤال الحرية / سهيل فتياني

شكّل سؤال الحرية أحد الأسئلة الأساسية في الفكر الإنساني منذ نشأته وصولًا إلى تشكله في العصر الحديث. وقد احتل حيّزًا واسعا لدى الدارسين في الحقول والتخصصات المختلفة. ويأتي الاهتمام بالحرية لكونها شرطا جوهريا وضرورة ملحة للوجود الإنساني في مستوييه الفردي والجماعي.

يعد مفهوم الحرية من المفاهيم الإشكالية، فهو يحيل إلى دلالات متشابكة وحقول متنوعة؛ لذا نشهد لها جملة واسعة من التعريفات تختلف باختلاف التخصص، وطبيعة المنهج، والموقف الأيدولوجي. ومن هذه التعريفات: أنها “تلك الملكة الخاصة التي يتميز بها الكائن العاقل من حيث هو موجود عاقل يصدر في أفعاله عن إرادته هو، لا عن أي إرادة غريبة عنه”. وعرفها بعض الفلاسفة بأنها “قدرة الإنسان على القيام بفعل أو عدم القيام به بمقتضى إرادته”. كما أوردها (كانط) في تعريفه للتنوير الذي يعني “تحرر الإنسان من الوصاية القائمة بداخله، وهذه الوصاية تعني عجز الإنسان عن الاستفادة من قدرته على الإدراك والفهم دون توجيه من أحد”. ويرى (فولتير) أن الحرية تتمثل في ألّا يخضع المرء إلا للقوانين، ويذهب إلى “أن يكون المرء حرا، وأن يكون مساويا للجميع، فتلك هي الحياة الحقة، حياة الإنسان الطبيعية، وكل حياة أخرى دونها لا تعدو كونها خدعة حقيرة، ملهاة رديئة يؤدي فيها أحدهم شخصية السيد والآخر شخصية العبد”.

ينطوي مفهوم الحرية على دلالات متعددة، ويمثل مجالا معرفيا متشابكا تشترك في تشكيله معارف شتى: اجتماعية وسياسية وسيكولوجية وأخلاقية وميتافيزيقية. تقوم الحرية الاجتماعية على غياب الإلزام الاجتماعي عن الفرد. وتتجلى الحرية السياسية في ممارسة الفرد لحقوقه السياسية كاملة، فيما تظهر الحرية السيكولوجية في الاستقلال التام عن البواعث والمبررات الداخلية الغريبة عن الفرد. وتقوم الحرية الأخلاقية على الاختيار بين الخير والشر. أما الحرية بالمعنى الميتافيزيقي فتقابل الجبرية، وتتمثل في القدرة على الفعل.

ولا تبتعد هذه التعريفات عن دلالتها في التراث العربي؛ إذ تدل على معنيين مترادفين، الأول: بمعنى الاستطاعة أو القدرة، والثاني: بمعنى الإرادة. وقد اعتنى الفلاسفة والمتكلمون المسلمون بمشكلة الحرية. ونجد أصداءها بوضوح لدى المعتزلة؛ فقد أسهموا في بلورة تصور فكري ديني أساسه العقل، وكرسوا مفهوم الحرية الإنسانية؛ فذهبوا إلى أن الإنسان حر في أفعاله، وخالق لها، ومسؤول عنها.

والناظر في جلّ المذاهب والتيارات الفكرية والأدبية والنقدية الحديثة يستشف حضور فكرة الحرية. ومن أبرز هذه المذاهب: الليبرالية، فهي تركز على الحرية الفردية، وترى أن الإنسان كامل الحرية في اختيار فكره ومعتقده، وأنه يخرج إلى هذه الحياة فردا حراً له الحق في أن يحيا حراً كامل الاختيار.

وتعد الوجودية من المذاهب الفكرية التي أولتها اهتماما بارزا، وتذهب إلى أن الحرية ليست مجرد صفة للوجود الإنساني، بل هي قوام هذا الوجود، كما تنظر إليها على أنها جوهر الحياة الإنسانية، وترى بأن الإنسان في حريته خالق لقيمه، يقول سارتر: ” أنا حر حرية مطلقة، ومسؤول مسؤولية مطلقة عن موقفي” كما أنها تنظر إلى حرية الأدب بوصفه نوعا من الحرية.

تعد الحركة الرومانسية، على الصعيد الفني، من أبرز الحركات الأدبية التي اعتنت بالحرية، فقد وجدت في الشروط والمعايير الكلاسيكية الصارمة تقييدا لحرية الإبداع، فدعت إلى الحرية الفردية، والعدالة الاجتماعية، والوعي بالذات وبإمكاناتها فقامت بأول محاولة جادة لتحرير الفن من القيود.

وسارت السريالية على خطى الرومانسية في عنايتها بالحرية، فنادت بوجودها في سائر النشاطات الإنسانية، بما في ذلك الكتابة، فهي ترى فيها فعل حرية. واعتبرت الشعر الحقيقي جزءا من كل قوة تعمل على تحرير الإنسان كما ساوت بين حرية الإنسان وحرية الشعر، ورأت بأن عبودية الشعر توازي عبودية الإنسان، فإذا كان أهم مخاوف الإنسان، خوفه من فقدان حريته، فالأمر نفسه ينطبق على الشعر، إذ عانى، عبر تاريخه الطويل، من عدم امتلاك حريته بصورة كافية؛ لذلك كله هدفت السريالية إلى تحرير الفن من جميع القواعد والقوانين المفروضة عليه، وإلى منح الفنان حرية مطلقة في التعبير عن تجربته.

أما المناهج الشكلية واللسانية، فقد اعتنت بالحرية ممارسة؛ فعنيت بتحرير الأدب والنقد من القيود التي فرضتها المناهج الخارجية، وعمدت إلى الانشغال بالنص بمعزل عن المؤثرات التاريخية والاجتماعية.

إذا انتقلنا إلى الفكر العربي الحديث وجدنا حضور سؤال الحرية، مع تشكل النهضة العربية وبروز الوعي بضرورة التحرر السياسي والثقافي، بتأثير من الفكر الليبرالي والتنوير الأوروبي وازداد هذا الحضور بتأثير التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع العربي. ونجد تجلياته عند مفكري النهضة والتنوير العرب على شتى توجهاتهم ومرجعياتهم. وقد حاولوا وضع تحديد لها، فعرفها الطهطاوي بأنها “رخصة العمل المباح من دون مانع غير مباح ولا معارض محظور، فحقوق جميع أهالي المملكة المتمدنة تعود إلى الحرية، فتتصف المملكة بأنها مملكة حاصلة على حريتها، ويتصف كل فرد من أفراد الهيئة بأنه حر”.

وقد أجمعوا على أهمية الحرية، فهي، عند الطهطاوي، أساس من أسس التمدن، كما أنها” الوسيلة العظمى في إسعاد أهالي الممالك”. وقد اقتفت الأجيال اللاحقة من المفكرين أثر رواد النهضة في اعتنائهم بالحرية، فيذهب (جبران) إلى أن ” الحياة بغير حرية كجسم بلا روح، والحرية بغير الفكر كالروح المشوشة. الحياة والحرية والفكر ثلاثة أقانيم في ذات واحدة أزلية لا تزول ولا تضمحل”.

وقد تزامن ذلك مع اهتمام النقاد العرب بمسألة الحرية، فكانوا على وعي تام بأهميتها وضرورتها. نجد ذلك عند الجيل الأول من النقاد مثل: أديب إسحق، وقسطاكي الحمصي، وروحي الخالدي، إذ دعوا إلى التحرر من المعاير التقليدية والمفهوم الشائع. وقد استمر الوعي بهذه الأهمية عند الأجيال النقدية اللاحقة، بتزايد حاجة الثقافة العربية إلى الحرية والوعي بها، وتنامي الانفتاح على مصادر الحرية في الغرب.

عن موقع عربي 21

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق