روائع بيكاسو وديغاس وفان غوغ وسيزان وآخرين تتربّع على عرش “غوغنهايم”

تميّزت مقتنيات عائلة تانهاوزر “Thannhauser” الألمانية الثريّة، بمجموعة لوحات فنيّة لرسّامين روّاد في العالم، من وزن فان غوغ وبيكاسو. لكنّ هذه الثّروة الإبداعيّة الّتي انتقلت من الأب هاينريش إلى الورثة، خصوصاً ابنه جوستن، قد أصبحت فيما بعد في عهدة متحفGuggenheim ، في نيويورك. هذه المجموعة القيّمة أصبحت الآن في متناول متذوّقي الفنّ التشكيليّ وروّاد المعارض، حيث حطّت رحالها في مدينة إكس أون بروفانس الفرنسيّة، على جدران متحف Hôtel de Caumont، لتنتقل بعد ذلك إلى مدينة ميلانو الإيطالية، حيث تزّين جدران متحف Palazzo Reale.

كان في متناول زائر ذلك القصر التاريخيّ الشّهير في جنوب فرنسا (أوتيل دو كومون) ما يقرب عن خمسين عملاً رئيسياً من مجموعة تانهاوزر، من روائع الانطباعيّة وما بعد الانطباعيّة والطليعيّة منذ أوائل القرن العشرين. تمّ عرضها بالتّعاون مع مؤسّسة Guggenheim   في نيويورك، الّتي ورثت عائلة تانهاوزر المعروفة بتجارة الأعمال الفنيّة، بعدما قرّر الإبن جوستين وزوجته هيلد في الستينات من القرن الماضي، منح هذه الأعمال للمؤسّسة المذكورة الّتي أسّسها سولومون غوغينهايم في العام 1937. شكّلت هذه المنحة الثّمينة نواة قويّة لمتحف غوغنهايم في المدينة الأميركية الثانية.

أصبح المتحف الأميركي الّذي تملكه عائلة ألمانيّة الأصل، غنيّا بمقتنياته من الأعمال العالميّة البارزة الّتي كانت بدورها لعائلة أخرى ألمانيّة الأصل. لذلك حفل هذا المتحف بلوحات مشهورة لكلّ من بيكاسو، ديغاس، مانيه، فان غوغ، سيزان، براغ وغيرهم.

ترافق هذه الأعمال الرئيسيّة لهذه المجموعة المرموقة لوحات غوغنهايم الأخرى الّتي من دون أن تكون من تراث تانهاوزر، كانت جزءًا من المجموعة. لقد ركّز متحف غوغنهايم بشكل خاصّ على الفنّ التجريدي، في أوائل الستينيات من القرن الماضي، إذ ليس هناك سوى أمثلة قليلة من أعمال القرن التّاسع عشر، مثل لوحات جورج سورات الحاضرة في هذا المعرض، إلى نساء إدوارد مانيه وشخصيات بيير أوغست رينوار، المرسومة بالحيوية والنّضارة. هؤلاء الفنّانون يضفون اهتماماً على تطوّر الأعراف والهياكل الاجتماعيّة للثّقافة الفرنسيّة في نهاية القرن.

 

  

 

بالنسبة لإبن مدينة إكس، الفنّان بول سيزان، أثّرت هذه الهدية بشكل كبير متحف غوغنهايم، الّذي لم يكن لديه سوى لوحة واحدة لسيزان بعنوان “الرّجل مكتوف الذراعين”، “L’Homme aux bras croisés”، (1899). هذه اللّوحة كان جيمس جونسون سويني، مدير المتحف، قد حصل عليها في العام 1954، مقابل مبلغ كبير في ذلك الوقت قدره 97000 دولار. اللاّفت أيضاً أن تعود مع هذه المجموعة، لوحة Bibémus (تمثل مقالع للحجارة) لأوّل مرّة بعد أكثر من قرن ونصف، إلى مدينة إكس “مسقط رأسها”، والّتي رسمها سيزان بين العامين 1894-1895. فنّان سانت فكتوار، (كما هو معروف عنه بسبب رسمه أكثر من ثمانين لوحة للجبل نفسه من جهات متعدّدة) يتجاوز أي تمثيل تقليديّ للفضاء فيما يظلّ يائساً وقد رسم المناظر الطبيعيّة حول مدينة إكس من محاجر بيبيموس إلى جبل سانت فكتوار. استأجر سيزان حظيرة من العام 1895 إلى العام 1899 واستمتع بالعمل في البيئة المنعزلة لمقالع الحجارة في تلك المنطقة الواقعة عند سفوح الجبل. الألوان المشرقة في المنطقة، خاصّةً الحجر الرملي الأحمر والتّضاريس الصخريّة أضفت على الأسلوب الهندسيّ للفنّان بعداً جمالياً طبيعياً.  تتميّز هذه المرحلة في إكس بشكل طبيعي بعودة العديد من لوحات سيزان بما في ذلك Environs du Jas de Bouffan (حوالي 1885-1887).

رسم إدوار مانيه (1832-1883)، المرأة بالزّيت على قماش (بقياس 93 × 71.6 سنتيمترا)، العام 1876، وكان عنوانها “أمام المرآة”. هي رسم لعارضة أزياء شهيرة كانت عشيقة وريث العرش الهولندي. تتمتّع هذه اللّوحة الحميمة للغاية بجاذبيّة خاصّة من خلال الفستان الّذي ترتديه. لعلّ مانيه، مثل معاصريه الإنطباعيين، أراد تصوير جميع جوانب الحياة الحديثة، بما في ذلك العالم الخاصّ من الملذّات الحسيّة. تظهر اللّوحة بأسلوب عصريّ للغاية، حيث تكشف النّقاب عن ضربات فرشاة حرّة فضفاضة، ممّا يخلق انطباعًا بوجود صورة عابرة.

لم يكن التمثال غائبًا عن هذه البانوراما، وبجانب أريستيد مايلول، على وجه الخصوص تماثيل ديغا، الّتي عُرض حتّى ذلك الحين منها نحتاً واحدًا فقط خلال حياته. 

البدء من ميونيخ

تبدأ قصّة هذه المجموعة منذ بداية القرن العشرين، عندما افتتح هاينريش تانهاوزر في نوفمبر 1909، معرضه الحديث في قصر أركو، وسط مدينة ميونيخ الألمانيّة. يومها أعلن أنّه “سيكون مهتماً بكلّ ما هو جديد وقوي وأصلي: بكلّ معنى الكلمة”. كان في هذا المعرض الافتتاحيّ نحو مائتي عمل للرسّامين الفرنسيين والألمان، بما في ذلك خمسة وخمسين لوحة إنطباعيّة، والّتي تمّ جمعها بمساعدة رودولف ماير-ريفستال في باريس.

 

في العام 1929، حصل تانهاوزر من التاجر النرويجي Walther Halvorsen على أكثر من ستين منحوتة لهذا الفنّان. من بين 263 عملاً، هناك أيضاً مونتانيس سان ريمي (1889) للفنّان فنسنت فان غوغ. رسمها خلال فترة نقاهته، وقال أنّه يعيد رؤيته الذاتيّة لمنظر بروفنسال مع لمسات سميكة ونابضة بالحياة. هذا العمل إلى جانب لوحته الأخرى Snowy Landscape (1888)، الّتي عُرضت للمرّة الأخيرة في فرنسا، في معرض Thannhauser Gallery خلال الأعوام 1937-1940.

كان بيكاسو في التّاسعة عشرة من عمره عندما رسم “لو مولان دو لا غاليت” (1900). إنّه أهمّ عمل يقوم به أثناء إقامته الأولى في باريس، حيث جاء لزيارة المعرض العالمي. يعكس العمل إفتتان بيكاسو الشّاب بالأجواء البوهيميّة في اللّيل الباريسيّ. نلاحظ التّأثير الرئيسي لهنري تولوز لوتريك من خلال اختيار الموضوع والتّكوين. يتمّ وضع الأرقام على اليسار واليمين في إطار خارج الحقل ممّا يعزّز انطباعًا باللّحظة، مثل الصّورة. بعد ذلك، تطوّر أسلوب بيكاسو سريعًا من فترة طبيعيّة إلى فترة حزن زرقاء، تليها الفترة الورديّة، قبل أن يتطوّر، مع جورج براك، والخطوط الهندسيّة والتّحلل إلى صبغات مسطّحة ومكعبة.

يُظهر The Van Gogh Viaduct نفقًا بجوار Quai d’Asnieres (يُعرف الآن باسم Asnieres-sur-Seine)، وهي ضاحية باريسيّة حيث كان يزور غالبًا صديقه، الفنّان إميل برنارد. امرأة تمشي في الظّل تحت الجسر، مرسومة إلى الجانب الآخر بتوهّج مرئي بالكاد. يمكن رؤية المواقد فوق جسر السّكك الحديد، وتحيط به النّباتات المورّقة. خلال هذه الفترة، تتأثّر تقنية فان غوغ بعمق بمعارض الفنّانين الفرنسيين المتعلّقة بالإنطباعيّة وما بعد الإنطباعيّة. في العام 2018، تعهّدت مؤسّسةGuggenheim بترميم العمل الّذي يستعيد مستويات الألوان الأصليّة، والّذي عُرض في باريس في معرض تانهاوزر أواخر الثلاثينيات.

في العام 1910، قدّم معرض ميونيخ أيضًا جناحاً رئيسيًا لـ Gauguin، شمل 26 عملًا، بما فيها لوحة Haere Mai (1891)، الّتي رسمها في تاهيتي في العام 1891، هذه اللّوحة تعكس المثاليّة الرومانسيّة لجنة نقية وغير وسيطة تغوي العديد من الأوروبيين في نهاية القرن التّاسع عشر.

Kandinsky هو فنّان رئيسي لتاريخ Guggenheim الّذي يملك أكثر من 150 عملاً له. ترك كاندينسكي مسقط رأسه روسيا في سنّ الثلاثين لدراسة الرّسم في ميونيخ، أحد المراكز الثقافيّة في أوروبا في ذلك الوقت. ركّز غوغنهايم على جمع أعمال الفنّان الّتي توضّح جميع فترات إنتاجه. تمّ عرض مجموعة جبال غوغنهايم الزرقاء (1908-1909) في غاليري تانهاوزر في ميونيخ خلال معرض “بلو كافاليير” الأوّل. يرمز الزّخرف في هذه اللّوحة إلى حملة الفنّان ضدّ القيم الجماليّة التقليديّة ورغبته في خلق مستقبل طوباوي أفضل من خلال القوّة التحويليّة للفنّ.

بحثا عن القيم الغنائيّة والرمزيّة والروحيّة

إلى جانب الأعضاء المؤسّسين للحركة وبالرّوح العالميّة الّتي تميّزها، يكشف المعرض أيضًا عن الأعمال العامّة الألمانيةّ لفنانين فرنسيين مثل روبرت ديلوناي وهنري روسو (كان الأخير قد توفي بالفعل في ذلك الوقت) من غيرها من الفنّانين الأوروبيين الحديثين.

في العام 1914، أقام Thannhauser أيضًا أوّل معرض رئيسي في ألمانيا من قِبل Paul Klee، وهو فنّان سويسري.

في العام 1911، نظّم Moderne Galerie de Thannhauser في ميونيخ أوّل معرض ألماني جماعي.

من باريس إلى نيويورك

في الثّلاثينيات من القرن الماضي، أثّر صعود النازيّة والأزمة الاقتصاديّة على أعمال العديد من تجّار الفنّ. أغلق غاليري Thannhauser في برلين في العام 1937 وانتقل جوستن مع عائلته إلى باريس، حيث أقام في سكن ساحر في شارع Miromesnil، مزينة بأعمال مونيه وديغا وبراك.

بعد اندلاع الحرب العالميّة الثّانية، استقرّ تانهاوزر أخيراً في نيويورك في العام 1941. على الرّغم من أنّ اللّوحات الّتي بقيت في ألمانيا قد دُمّرت خلال غارة جويّة ونهب المنزل الباريسي أثناء الاحتلال، وغيرها من أعمال المجموعة الّتي يدّخرها.

هذه هي حالة تسعين عملاً تمّ إيداعها في متحف Stedelijk في أمستردام، بالإضافة إلى تسع لوحات مُعارة منذ العام 1938 لمعرض متنقل في أميركا اللاتينيّة وأمريكا الشماليّة.

بعد وفاة زوجته الأولى، كاثي، في العام 1960، تزوّج جوستن من هيلد بريويتش. في هذه المناسبة، يقدّم بابلو بيكاسو للزوجين لوحة “لوبستر والقطّة”، في العام 1965. يشير العمل المنجز بروح الدّعابة إلى استمرار حياة القرن الثّامن عشر أثناء اللّعب مع موضوع اللّوحة الّتي تمثّل مواجهة حقيقيّة. قطّة ذات فرو بني داكن، على اليمين، في مواجهة متوترة مع جراد البحر الأزرق اللاّمع على اليسار.

بفضل تراث Thannhauser، يدخل أكثر من ثلاثين عملاً من أعمال بيكاسو إلى مجموعات غوغنهايم. خلال فترة خمسة وستين عاماً، تشهد على الصّداقة بين الرّجلين، والإعجاب الّذي أبداه جوستن لعمل هذا الفنّان وأيضًا جرأته كمجمع له وقدرته على تجديد ذائقة حياته دائمًا، مع مرور الوقت.

تتوافق ثلاث صور نسائيّة مهيبة مع ثلاث فترات مختلفة جدًّا ومراحل أسلوب عمل بيكاسو، مستوحاة من ثلاثة من الفنّانين (فرناندي أوليفييه وأولغا خوخلوفا وماري تيريز والتر)، تُظهر هذه الأعمال مجموعة متنوّعة في أسلوبها، لعلّه الرّسم بحريّة وفق مراجع متنوّعة مثل الفنّ القديم والحديث والطليعي.

وهكذا، في حين أنّ الجانب النّحتي للمرأة في كرسي بذراعين (1922) مستوحى من التّماثيل القديمة، فرناندي في مانتيا سوداء (1905)، يتمّ تحرير اللّون من أيّ قيد في الرّسم. مثال ذلك المرأة ذات الشّعر الأصفر، في العام 1931. في هذه الصّورة من ماري تيريز والتر، تبدو الخطوط العريضة المنحنية والمساحات الزّاهية الملوّنة علامة تجدد جذري في لوحة بيكاسو.

 

60 سنة في خدمة الطليعيّة

بعد خمسة وعشرين عامًا في نيويورك تقاعد جوستن وهيلدا تانهاوزر عام 1971، في برن، حيث توفي جوستن في سويسرا، في 26 ديسمبر، عن عمر يناهز 84 عامًا.

دخلت مجموعة Thannhauser رسميًّا مجموعة Guggenheim في العام 1978، في حين تبرّعت Hilde Thannhauser برسمتين أخرتين في العام 1984 وتركت عشرة أعمال أخرى تخليداً لذكرى زوجها في العام 1991. هذه الأعمال عُرضت في معرض متحف سمّيت باسم متبرعيها الّذين أشادوا بالدّور الّذي تلعبه هذه العائلة في الدّفاع عن الفنّانين الطّليعين وترويجهم لأكثر من نصف قرن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق