الأحمق والجبان والشرير / وائل السوّاح

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن حال الأتراك والأكراد في الحرب الأخيرة بينهما كحال “ولدين صغيرين يلعبان في الساحة، عليك أن تتركهما يتقاتلان قليلا قبل أن تفصل بينهما.” قال ذلك وهو يهلّل للاتفاقية التي توصل إليها إردوغان مع نائب الرئيس مايك بنس ووزير خارجيته مايك بومبيو في أنقرة قبل أيام.

لا يفتأ الرئيس ترامب يفاجئ متابعي أخباره بالنزول دركا آخر. وهو في الحدث السوري الأخير، يشبه رجلا أشعل حريقا ثم أوهم الناس أنه يطفئها، ثمّ طالبهم بتقديم الشكر له، دون أن يتورّع عن إهانة أي أحد، بدون استثناء.

في التاسع من هذه الشهر أرسل رسالة إلى الرئيس إردوغان، حسبتُها في البداية، وحسب مع كثيرون، أنها ملفّقة، هدّد فيها بلغة أبعد ما تكون عن التهذيب والدبلوماسية بتدمير اقتصاد تركيا، ونصح إردوغان بأن يقوم بأشياء جيّدة، وإلا فـ “سوف ينظر إليك كشيطان إذا لم تحدث الأشياء الجيدة. لا تكن رجلا صلبا، لا تكن أحمق!”

وقال في رسالته: “أنت لا تريد أن تكون مسؤولاً عن ذبح الآلاف من الناس، وأنا لا أريد أن أكون مسؤولاً عن تدمير الاقتصاد التركي، وسأفعل! وكنت أعطيتك بالفعل عينة صغيرة (أثناء أزمة) بالقس برونسون.”

ولكنّ إهانته للآخرين لا تقف عند حدود الخارج، بل هي في الداخل أسوأ وأقسى، فهو يهين خصومه السياسيين (وحلفاءه أحيانا) بعبارات شخصية تمسّ كرامتهم. وكان آخر ضحاياها رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي التي وصفها في وجهها قبل أيام بأنها سياسية من الدرجة الثالثة، حين اجتمع معه لتناقشه في قراره حول سوريا.

ووصف ترامب الاتفاق الأخير الذي جرى التوصّل إليه في شمال سوريا بأنه “إنجاز عظيم، سينقذ ملايين الأرواح وحلفاءنا الأكراد”. وأضاف، “حقّقنا كل ما يمكن أن نحلم به فيما يتعلق بالوضع شمالي سوريا، الوضع الآن يجعل الجميع سعداء، ويمكننا الآن إعادة جنودنا إلى الوطن مع بقاء قدرتنا على احتواء تنظيم داعش”.

وقْف إطلاق النار هو دون شكّ أمر حسن، ولكن جوهر الاتفاق لا يزيد عن الإقرار بما بالأمر الواقع، ومساعدة تركيا على أن تحقّق ما تريده، بدون إراقة مزيد من الدماء. وهذا بالتأكيد ليس “كلّ ما يمكن أن نحلم به”.  فبغض الطرف عما ورد في الاتفاق من كلام استعراضي للاستهلاك والدعاية، بما في ذلك عبارات من مثل “دعم حياة الإنسان وحقوق الإنسان، وحماية المجتمعات الدينية والعرقية” وأيضا “ضمان سلامة ورفاهية سكان جميع المراكز السكانية في المنطقة الآمنة التي تسيطر عليها القوات التركية (المنطقة الآمنة)،” وعدم التسبّب في ” أي ضرر للمدنيين والبنية التحتية المدنية،” وأخيرا الالتزام “بالوحدة السياسية والسلامة الإقليمية لسوريا والعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والتي تهدف إلى إنهاء النزاع السوري وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254، بغض النظر عن كلّ ذلك، فإن جوهر القضية ليس هنا. جوهر القضية في نقطة أساسية واحدة أن الاتفاقية ستجبر الكرد على الانسحاب من المناطق التي تحتلها تركيا الآن (أي المنطقة الآمنة) وأن ترامب سوف يلغي العقوبات التي فرضها قبل أيام على تركيا.

تركيا سوف تجمع الأسلحة الثقيلة من وحدات حماية الشعب وتعطيل تحصيناتهم وجميع مواقع القتال الأخرى. وستنفذ القوات المسلحة التركية المنطقة الآمنة في المقام الأول، وسيزيد الجانبان تعاونهما في جميع أبعاد تنفيذه. بالمقابل، سيقوم الجانب التركي بإيقاف عملية نبع السلام “مؤقتاً” للسماح بسحب وحدات حماية الشعب من المنطقة خلال 120 ساعة. وسيتم إيقاف العملية كليّاً عند الانتهاء من هذا الانسحاب.

بدت على الرئيس ترامب مظاهر بهجة غامرة حين أعلن عن الاتفاق، وكعادته حين يكون سعيدا، فهو ينسب كلّ فضل لنفسه، ويريد أن يكون الآخرون سعيدين معه، لذلك سمعناه يقول بصوت أشبه بالصراخ إن “الأكراد سعداء بالاتفاق.

حسنا، ليس الجميع، فمن أعرفهم من الكرد السوريين حزينون على ما آلت إليه الأمور، وهم وإن كانوا لا يكنّون كبير إعجاب بحزب الاتحاد الديمقراطي الانفصالي، فإنهم غير سعيدين قطعا بتوغل الأتراك في مناطق يعتبرونها مناطقهم، وبحماية وضمان أمريكيين. وقد يكون الجميع مرتاحا لوقف القتال، تماما كما يرتاح محموم بخفض حرارته حيت يأخذ حبة أسبرين، ولكن ماذا عن المرض نفسه.

وقلّة من الأمريكيين سعداء بالاتفاق، وهم ثلّة المنافحين عن الرئيس ترامب الذين يصفّقون لكلّ ما يقوله أو يفعله. أغلبية الأمريكيين في الواقع كانوا ضدّ الانسحاب الأمريكي من المنطقة باعتبار أنه “طعنة في الظهر” ومقدّمة لاستعادة داعش نفوذها.

يشبه الرئيس ترامب متنمرا في مدرسة ابتدائية لم عتد أن يواجهه أحد، ثمّ حين يواجهه أحد التلامذة الحمقى، يُظهر جبنه الحقيقي.

وعلى أي حال، فوراء الأحمق والجبان، ثمّة شرّير يصفق سعادة لكلّ ما يجري، وهو يرى كيف تؤول كلّ الأمور إليه في النهاية. إنه رئيس النظام السوري الذي سارع إلى عقد اتفاقية حماية مع الكرد وإرسال قواته إلى مناطق كانت قبل أيام محرّمة عليه على الحدود السورية التركية. كما أنه استعاد (ومن ورائه حلفاؤه الروس والإيرانيون) السيطرة على الأراضي الشاسعة الغنية بالنفط على الحدود مع العراق. ومن شأن ذلك أن يخفّف من الضيق الذي يعانيه هذا النظام الشرير وأن يوسع ما يسمى “الهلال الشيعي” للنفوذ الإيراني الممتد من طهران إلى لبنان، مما سيعيد خلط الأوراق من جديد حول مجمل الأمور تقريبا.

ومع ذلك ثمّة سؤال يؤرقني حقيقة: كيف استطاعت القوّات التركية اجتياح منطقة بعرض عشرات الكيلومترات وامتداد المئات في هذ الفترة القصيرة؟ وحين أحاول أن أبحث عن جواب، لا أستطيع أن أمنع نفسي من مقارنة ذلك الانهيار السريع بصمود حلب الشرقية أوحيّ الوعر في حمص مثلا. ولا أعتقد أن الجواب على ذلك ممكن حاليا على الأقل.

عن العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق