عن الوجه العربي لباريس… اللغة الأم نبع الأمان / مها حسن

ترنحت في طريقي إلى الحمام، بعد أن نهضت عن طاولتي في بهو الفندق الواسع، نسيت لبعض الوقت أنني في باريس.
لدى مغادرتي الفندق، بدأ المطر يتساقط بغزارة، وقد حلّ الظلام، ليغادر ذهني المكان أكثر، وأجدني وسط الشارع، وقد ضللت الطريق، بعد أن تركتني ألما..
طال حديثنا قرابة ساعتين. ساعتان من الكلام المكثّف عن الأدب واللغة والهويات والحروب.. ساعتان باللغة العربية، التي بنت سداً مباغتاً، في نهاية اللقاء، بيني وبين باريس، لأقول لنفسي في تلك اللحظة، وأنا أجرب السير في عدة طرقات ملتوية لا أعرف إلى أين ستفضي بي: يا إلهي، أما من طريقة لأضغط على زر ما، فينتقل هذا المكان إلى القاهرة أو بيروت أو حلب!
ربما زاد من إحساسي بالضياع، نظرة النادل الذي تركته بعد ظهيرة هذا اليوم. إذ ظلت تلك النظرة عالقة في مخيلتي. حين هممت بمغادرة المقهى، وقلت للنادل إنني مسافرة ولا أعرف متى أعود ثانية.
صوّب لي نظرة استجداء غامضة، كأنه يطلب مني ألا أتخلى عنه. في ثلاثة أيام فقط، صرت قريبة من عالم النادل.
في تلك الظهيرة، كنت جالسة على مقهى رصيف في شارع ديكارت، أتحدث على الهاتف بالعربية، وقد وضعت ثمن الشاي على الطاولة، كعادتي حيث أدفع مبكراً، لأغادر حين أرغب دون انتظار وصول النادل، لكنه ترك النقود على الطاولة، وغاب وعاد عدة مرات مبتسما لي، متوقفا أمامي، وأنا لا أزال أحل قضايا مهنية عبر الهاتف، وكأنه يتحين الفرصة لأنتهي من مكالمتي.. أشرت له بأن يأخذ ثمن الشاي الذي تركته على الطاولة، فعل ذلك مرغما، لم يكن هذا ما يشغله.
عاد إلي بشاي جديد، وقال لي بالعربية إنه ضيافة منه. وتوقف قبالتي وراح يتحدث إلي، كأسير صامت لم يتحدث إلى أحد منذ سنوات.
قال إنه مغتبط بشكل كبير لأنه يسمع اللهجة العربية المشرقية، وإنه كان ينصت إلى حديثي على الهاتف متهللاً بالفرح. في الحقيقة لم أفهم سبب سعادته، لأن المتحدثين بالعربية في باريس ليسوا قلة.
كانت اللغة العربية مفتاحنا إلى أحاديث تراكمت وتشعبت، لتعبّر عن الوحدة الوجودية المغمّسة بقلق التهم الجاهزة، وهكذا صار موعدي في المقهى، بمثابة زيارة لصديق ينتظرني بلهفة وفرح.
على مدار ثلاثة أيام، صار تواجدي ثابتاً بين الساعة الثانية والثالثة، لأجلس على “تراس” المقهى المطل على ساحة مفتوحة، مستمتعة بالشمس النادرة في هذا الطقس الباريسي الأميل إلى البرد والمطر في مثل هذه الأيام من شهر أكتوبر.
قبل مروري على المقهى الباريسي، صار لي موعدي الثابت أيضاً لتناول الغداء في شارع موفتار، الذي يؤدي في نهايته إلى شارع ديكارت، حيث مقهاي، بعد عدة أمتار أقطعها مستمتعة بالشارع المليء بالمحال والمقاهي والباعة والزبائن..
على الغداء، يكون قد حل موعدي مع جمال، صاحب المطعم السوري، حيث أستمع إلى حكايات زبائنه، وكأنني جالسة في باب توما في دمشق أو الروضة في بيروت.
لدى جمال، أشاهد نشرة الأخبار وأقرأ ما فاتني من أخبار النهار في الشريط الإخباري، حيث يفتح صاحب المطعم التلفاز على المحطات العربية، ويحدث لي أن أتحاور مع بعض أصحابه القادمين من مدن سورية. التقيت في اليوم الأخير لي في المطعم، بأحد القادمين من حلب. شاب كان يقيم في مساكن هنانو..

“ملأتني باريس بحنان غامض، لم أشعر به يوماً، وأنا أعيش فيها لأكثر من ثلاثة عشر عاماً”
كنت أسير من عند جمال السوري، إلى عبد العزيز التونسي، وأنا أحمل عالماً عربياً من الأصوات والوجوه والملامح. عالم يرافقني في شوارع باريس، عبر شوارع دوبونتون، سونسييه، إيبه دو بوا وغيرها.. عالم عربي في رأسي، وصور فرنسية قبالتي، كأنني أعيش فيلماً مدبلجاً من لغة إلى أخرى.
في هذا الصباح، صعد رجل وابنه الصغير في الباص، ولم ينتبه إلى وجود مقعد فارغ قبالتي، فأشرت للرجل، ليأتي الصغير ويرتاح من الوقوف. وحين همّ الطفل على ضغط زر الطلب للنزول، تدخلت وأنا أشرح للصغير وظيفة هذا الزر الذي يضيء لدى السائق، ولا يجب أن نضغط عليه إلا حين نريد أن ننزل. قال الأب بأن ابنه لا يفهم الفرنسية، وخطر في بالي أن أقول على الفور: العربية؟ فقال نعم، ورحت أشرح للصبي المبدأ ذاته، وهو ينظر إليّ بامتعاض. أخبرني والده بأن اليوم هو أول مرة يذهب فيها “حسن” إلى المدرسة، لذلك فهو غير سعيد.. ورحنا نثرثر بالعربية، والد حسن وأنا، ناسية أنني في باريس!
الغرباء
متنقلة بين هذه الأماكن الناطقة بالعربية، ملتقية بالعديد من الصديقات والأصدقاء العرب، من سوريين وعراقيين ومغاربة يقيمون في باريس، متحدثة بكثافة باللغة العربية. أنا القادمة من مدينة تطل على المحيط الأطلنطي، لا يوجد فيها عرب ولا تتاح لي متعة التحدث بهذه اللغة التي تغمرني بالعاطفة والتفكير معاً. أعيش في مدينة لا يعرف أغلب سكانها أين تقع سورية، لولا الأحداث التي وضعت بلدي في مقدمات نشرات الأخبار، أجدني أتناول الطعام السوري، في بيوت سورية، وفي مطاعم عربية أتناول أطباقاً مشرقية ومغربية، وأتحدث إلى العالم بالعربية، حتى أنني أثناء خروجي من مقهى مسجد باريس، ذلك المقهى المزدحم دائماً، خاصة في المساء، بزبائن فرنسيين أكثر من العرب، لأرى على بعد خطوات أمامي شاباً يستفسر عن مكان ما، فيهز الرجل الآخر، الذي توجه له الشاب بالسؤال، رأسه باستعلاء رافضاً الجواب، لأقترب منه، مغمورة بدفء المكان المغمّس بنكهة الشرق، فأعرض مساعدتي على الشاب الذي لم يكن يريد سوى معرفة أقرب محطة مترو، كانت على بعد أمتار منا، أشرت له طبعاً إلى المحطة، وأنا أمسك نفسي كي لا أسأله من أي بلد هو؟ كان الشاب خجولاً مرتبكاً مقتضب الكلام، تحدثت إليه بالفرنسية، وأنا متأكدة أنه عربي واصل للتو إلى باريس، بل كنت شبه متأكدة أنه سوري هارب من الموت. تهلل وجه الشاب وإحساس النجاة طغى على وجهه. من النادر ألا يعرف المارون في المكان موقع محطة المترو، خمّنت أن الرجل المتعالي، رفض مجرد سماع السؤال، الأمر الذي زاد في ارتباك الشاب الغريب، الذي اندفعت لأخبره على طريقتي، أنه يوجد دائماً في الطريق، من يرانا ويشعر بنا..

“كأن باريس أدركت أننا شعوب منهكة من الحروب، ونحتاج لدفء صغير، دفء اللغة العربية”
رأيته ينزل درجات المترو، بينما تابعت طريقي لأتوجه صوب السان ميشيل، وأنا أشعر أننا جميعاً، جمال وصحبه ونادل المقهى وحسن ووالده وكل الصديقات والأصدقاء العرب في باريس، ننتمي جميعاً إلى كتلة كبيرة اسمها الغرباء، نحيا في مدينة كبيرة، تمنحنا قسماً من حضنها الدافئ، وتقبل أن ندندن لها أغانينا بلغاتنا الأخرى.
قبل وصولي إلى ساحة سان ميشيل، في بولفار سان جرمان، رأيت كاتبة عربية تنتظر شخصاً ما أمام مقهى، توقفت لأتحدث معها سريعاً قبل الالتحاق بموعدي مع سيدتين سوريتين.
تحدثت اللغة العربية في هذه الأيام القليلة، كما لو أنني أعيش في مدينة عربية.
ملأتني باريس بحنان غامض، لم أشعر به يوماً، وأنا أعيش فيها لأكثر من ثلاثة عشر عاماً. كأن باريس أدركت، أننا شعوب منهكة من الحروب، ونحتاج لدفء صغير، دفء اللغة العربية، في شوارع العالم الغربي الكبير.
ليوم واحد من العام، أو لأسبوع واحد، استطاعت باريس أن تلبس وجهاً عربياً، متضامنة مع هذا الاغتراب الذي نحمله في ضلوعنا، مهما أتقنا لغات أخرى، لأن اللغة الأم، تبقى نبع الحنان والأمان.. فهمت للتو نظرة عبد العزيز، فاقد الأمان، كأن الأمان هو اللغة. تعلّق بي النادل، لأنني كنت رمز اللغة الأم لعدة أيام.

عن ملحق ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق