يا ستّ الدنيا يا بيروت / وائل السواح

يكنّ السوريون، في معظمهم، علاقة مودّة وإعجاب وبعض الحسد للبنان واللبنانيين، وهم يراقبون اليوم انتفاضة جيرانهم بفخر ويضعون أيديهم على قلوبهم خشية الفشل أو تغيير مسار الانتفاضة، كما حدث في بلادهم. وللسوريين مصلحة كبيرة بما يجري في لبنان، ويعود ذلك إلى أسباب تاريخية وأخرى سياسية راهنة.

العرب عموما، والسوريون خصوصا، مدينون للبنان بجملة من الأشياء التي أسست شخصيتهم الثقافية والفنية. فمن بيروت، انتشرت الموجة الأولى من التنوير الثقافي والفكري والأدبي. وسار في سبعينات القرن الماضي قول مفاده أن القاهرة تكتب وبيروت تطبع بغداد تقرأ.

بعض هذا القول صحيح على الأقل، فبيروت كانت عاصمة الطباعة والنشر لأهم الكتب التي صدرت في القرن الماضي باللغة العربية. ومن بيروت تعلّم جيل كامل من السياسيين والمثقفين العرب، أو عمّق معرفته بأهم النظريات السياسية والفكرية والفلسفية وأحدثها. من بيروت تعلّم جيلنا الفلسفة الماركسية بمدارسها الحديثة، ألتوسير وغارودي وإريك فروم وهربرت ماركوز، وبواسطتها استطعنا مفارقة الفكر السوفياتي الذي كان طاغيا على الشباب اليساري، وقرأنا ماركس وتروتسكي وإيريك فروم وإسحاق دويتشر، واكتشفنا عالما ماركسيا بعيدا عن لينين وسوسلوف والعلماء السوفيات ومنشورات دار التقدم.

وفي الوقت الذي كان الأدب الماركسي-اللينيني-الستاليني قد بلغ أوجه في ظل حكم بريجنيف للكرملين، وهيمنة «العلماء» السوفيات على الفكر اليساري في العالم عموماً والعالم العربي خصوصاً، نشرت بيروت مقالات لأمثال المفكرين السوريين البارزين الياس مرقص وياسين الحافظ، كما نشرت عنهما وعن فكرهما، مفسحةً في المجال أمام رؤية مختلفة للفكر الماركسي قادت كثراً من أبناء جيلي إلى الخروج عن قيود الأحزاب البكداشية التي كانت مهيمنة على الفكر اليساري في الخمسينات والستينات ومنتصف السبعينات. وبدأنا نرى في رياض الترك وعمر قشاش صاحبي رؤية مشروعة وليسا مجرد «خائنين» للحزب وللاتحاد السوفياتي «العظيم».

وإلى بيروت لجأ كلّ المضطهدين السوريين الهاربين من الانقلابات العسكرية والأجهزة الأمنية والملاحقة بسبب الانتماء السياسي أو التفكير المخالف لتفكير السلطة. في صبيحة 8 آذار 1963، هرب إلى بيروت جملة من السياسيين والصحافيين والمفكرين السوريين، بينهم خالد العظم وأكرم الحوراني وهاني السباعي. وإليها أيضا لجأ المثقف السوري المرهف جورج طرابيشي، ورئس تحرير “دراسات عربية” التي لعبت دورا هائلا في تشكيل وعي جيل بأكمله من السوريين.

وبيروت هي المدينة العربية الوحيدة التي استمرت فيها تقاليد الصحافة الحرّة حيّة، كما كانت إبان عصرها الذهبي في مصر ما قبل جمال عبد الناصر وسوريا ما قبل عهد حزب البعث، وظلّت تنشر الفكر الحرّ والرأي الحرّ. وفي بيروت تعلّمنا أن مهنة الصحافي ليست التصفيق للحاكم ولعق حذائه وإنما نقده وتعريته. من الصحافة اللبنانية تعلّم جيلي التحليل السياسي ودور الصحافة في توجيه السياسة. كنا نقرأ عمود ميشيل أبو جودة اليومي “من حقيبة النهار” فنُشْدَه كيف يمكنه وضع خطة عمل سياسية في أقل من 400 كلمة. وقرأنا سعيد فريحة وعموده الماتع “جعبة الصياد”، بأسلوبه الذي اعتُبِر مدرسة خاصة بصاحبها من سماتها خلق الضحك – حتى من المؤلم – والسخرية التي تمسّ برفق فلا تجرح أو تؤذي، وقدرة مميزة على التركيز على تفاصيل الحياة الصغيرة لينقلنا منها إلى الرئيسي المركزي. وقرأنا افتتاحيات سليم اللوزي في مجلته “الحوادث” التي كان ينتقد فيها دور النظام السوري في لبنان، ودفع حياته ثمنا لمواقفه، حين أمر حافظ الأسد باغتياله وتكسير أصابع يده اليمنى.

ليست بيروت مدينة اللبنانيين فحسب، بل كانت على الدوام مدينة المثقفين والسياسيين والكتاب والفنانين العرب. في بيروت، أبدع أدونيس أجمل قصائده وكتب أهمّ مؤلفاته. ولولا بيروت لبقي محمود درويش يكتب قصائد مثل “سجّل أنا عربي”. بيروت هي من أعطته “مديح الظل العالي” وأعطته “تفاحة للبحر. نرجسة الرخام/ فراشة حجرية. بيروت”. وفي بيروت عاش وأبدع الشاعر السوري نزار قبّاني، وقد ألجأه حزب البعث الحاكم إلى لبنان. وفي بيروت أمضى الشعر العراقي بلند حيدري أخصب سنيّ عمره، وأصدر أهم دواوينه، وخصّها بواحد منها هو ديوان “إلى بيروت مع تحياتي”. وفي بيروت عاش الروائي السوري حيدر حيدر وفيها كتب “وليمة لأعشاب البحر”، وفيها عاش صادق جلال العظم وعلّم في جامعاتها ونشر كتابه الذي هزّ البحر العربي الراكد “نقد الفكر الديني”، وفيها تعرّض للمحاكمة وتمّت تبرئته. وفي شوارعها تشرّد الفيلسوف التونسي العفيف الأخضر، وفيها ترجم نسخته الشهيرة للبيان الشيوعي. وطبعت بيروت أو وزّعت كتب محمد عابد الجابري وعبد الله العروي ومحمد أركون.

ولكن بيروت ليست مدينة للفكر فحسب، بل هي مدينة للفنّ الجميل الذي يجتاح مسامّات الجلد إلى الروح والعقل. وهي مدينة المقاهي الجميلة والمطاعم النبيلة والمسارح الراقية.

وأهم من هذا وذاك، ظلّت بيروت العاصمة الشعبية الوحيد تقريبا التي لم تتراجع عن دعم الثورة السورية. وبغض الطرف عن المواقف المخزية للحكومة اللبنانية والإساءة المستمرّة التي وجهتها للسوريين في لبنان وتسليم عشرات المطلوبين سياسيا للنظام السوري، فإن أغلب البيروتيين استمرّوا في تأييد الثورة السورية حين تراجع الجميع عن تأييدها. وبيروت، ممثلة بكثيرين، منهم حازم صاغية وحازم الأمين وديانا مقلّد وحسام عيتاني وأحمد بيضون وزياد ماجد، حافظت على البحث في ركام الثورة السورية عن السمين والأصيل والنبيل، نافضين عنه غبار الأصولية والألاعيب الإقليمية.

لذلك كلّه، ولغيره طبعا، يعدّ السوريون الانتفاضة اللبنانية انتفاضتهم، والحلم اللبناني حلمهم، وهي تذكّرهم بثورتهم في أيامها الأولى، حين خرجت تطالب بالمبادئ نفسها: محاربة الفساد وردّ الكرامة المسلوبة. وكما قال السوريون، يقول اللبنانيون اليوم: “الكلّ يعني الكلّ”. ولذلك يتابعون أحداثها يوما بيوم ويرون فيها حلم ثورتهم الذي لم يتحقّق.

لم يخطئ نزار قبّاني حين سمّى بيروت “ستّ الدنيا”. يا ستّ الدنيا، يا بيروت.

عن موقع بروكار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق