عراب جيل البيت لورنس فيرلينغيتي يحتفل بمئة عام من الإبداع والالتزام / الحبيب الواعي

في 24 مارس الماضي احتفلت مكتبة سيتي لايتس وكل محبي السلام وحركة جيل البيت بعيد ميلاد لورنس فيرلينغيتي المئة. استضافت مكتبة City Lights حفلًا مجانيًّا مفتوحًا للجميع، وعرضت الأروقة الفنية صوره ولوحاته، وأعلن عمدة سان فرانسيسكو London Breed يوم 24 مارس يومًا يخلد الشاعر لورنس فيرلينغيتي، كما نُظمت أيضًا أنشطة ثقافية وفنية موازية في مدينة نيويورك لتحتفل به. وعلى الرغم من أنه اختار أن يتغيب (فقد انسحب من احتفالات أعياد الميلاد قبل بضع سنوات)، فإنه سيتلقى بطاقات التهنئة والهدايا من خلال سكرتيرة مكتبته. أرسلت رسالة تهنئتي مرفوقة بقصائد ترجمتها إلى اللغة العربية من خلال صديقي الشاعر نيلي شيركوفسكي الذي أشرف على قراءة شعرية بمكتبة سيتي لايتس حضرها كل من جاك هيرشمن ومايكل مكلور وبريندا هيلمن. انتهى عيد الميلاد بعد ظهر يوم الأحد نحو الساعة 6 مساءً، لكن الاحتفالات بفيرلينغيتي استمرت، ففي يوم الإثنين الموافق 25 مارس، عُرض فلم كريس فيلفر الوثائقي المعنون «فيرلينغيتي»، واستمر معرض لوحاته «لورنس فيرلينغيتي: 100 عام بدون شبكة»، حتى 7 من إبريل في رواق رينا برانستين بسان فرانسيسكو.

من يكون لورنس فيرلينغيتي؟
شاعر ورسام وفاعل مدني أميركي وشريك مؤسس لـمكتبة ودار نشر City Lights. ألف العديد من الدواوين الشعرية والترجمات، كما كتب في الرواية والمسرح والنقد، وهو أيضًا أحد مؤسسي الحركة الأدبية المشهورة Beat Generation في سان فرانسيسكو في منتصف الخمسينيات. ولد لورانس فيرلينغيتي في 24 مارس 1919م، في يونكرز بولاية نيويورك، لأب إيطالي مهاجر وأمّ فرنسية- برتغالية، توفي أبوه قبل ولادته وفُصل عن والدته بعد وقت وجيز بسبب مشاكلها النفسية، ترعرع في كنف خالته إميلي مونسانتو في منطقة الألزاس بفرنسا. في عام 1924م، عاد مع خالته إلى برونكسفيل بنيويورك حيث تربى مع أطفال أسرة بيسلاند الذين كانت تدرسهم، وفي عام 1925م اختفت خالته عن الأنظار تاركة فيرلينغيتي تحت مسؤولية عائلة بيسلاند. درس بمدرسة مقاطعة ريفرسايد، المدرسة العمومية بالبرونكس والثانوية التأهيلية الخاصة مونت هيرمون بماساسوسيتش، ثم التحق بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الصحافة عام 1941م، وهناك بدأ الكتابة كصحافي حيث نشر مقالات عن الألعاب الرياضية في الصحيفة اليومية Tar Heel، ونشر أول قصصه القصيرة في مجلة كارولينا التي كان ينشر فيها الكاتب المعروف توماس وولف.

عقب الهجوم الياباني على بيرل هاربور في عام 1942م التحق فيرلينغيتي بالبحرية الأميركية حيث عمل ضابطًا، وفي أثناء الهجوم على نورماندي كُلِّف بمهمة مطاردة الغواصات. زار فيرلينغيتي مدينة ناغازاكي اليابانية بعد ستة أسابيع من إسقاط القنبلة الذرية عليها، وكانت تجربة مؤلمة جعلته يهتم بالسياسة والسلم؛ إذ أصبح داعية للسلام.

بعد الخدمة العسكرية (1941- 1945م)، استغل فيرلينغيتي مشروع قانون G.I الذي يساند العائدين من الخدمة العسكرية للتركيز على الدراسة حيث حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة كولومبيا عام 1947م والدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون عام 1950م، وفي العام التالي تزوج من سيلبي كيربي سميث التي التقاها على متن سفينة في طريقه إلى فرنسا قبل سنوات. بعد الدراسة بفرنسا عادا معًا إلى سان فرانسيسكو حيث ظلا معًا حتى طلاقهم عام 1976م. رُزقا بولدينِ: جولي، ولورينزو.

مكتبة سيتي لايتس وحركة جيل البيت
ليست مكتبة سيتي لايتس مجرد مبنى مكون من طابقين يقع في مدينة سان فرانسيسكو فهي تحضر في مخيلة زوارها أو من سمع بها حول العالم بوصفها محجًّا لعدد كبير من الكتاب والفنانين والموسيقيين والناشطين المدنيين الذين عملوا وشاركوا في تظاهرات ثقافية واحتفلوا هناك بعضهم مع بعض في أوقات مختلفة من حياتهم. عقب عودته إلى سان فرانسيسكو عام 1951م، وبعد وقت قصير من وصوله، أسس فيرلينغيتي بمعية صديقه بيتر مارتن مجلة سيتي لايتس وبدأ في الإعداد لمشروع مكتبة تشبه المكتبة الباريسية (Shakespeare and Company) التي أسسها صديقه جورج ويتمان. انتهى من المشروع بعد عامين، وأطلق على المكتبة اسم سيتي لايتس-على غرار فلم شارلي شابلن الذي يحمل الاسم نفسه – التي سرعان ما أصبحت دارًا للنشر ومركزًا لثورة أدبية، وتقع الآن في شارع كولومبوس في الحي الصيني قرب حدود نورث بيتش في سان فرانسيسكو. منذ البداية، كانت المكتبة محجًّا يجتمع فيه الفنانون الطلائعيون، بمن في ذلك الشعراء والرسامون والكتاب الذين ينتمون لحركة جيل البيت، مثل: جاك كيرواك، وألن غينسبرغ، وويليام بورغاس.

أصدرت سيتي دواوين شعرية لصاحبها ولشعراء آخرين أمثال: دينيس ليفيرتوف، وغريغوري كورسو، وويليام كارلوس ويليامز إضافة إلى أعمال نيل كاسدي وتشارلز بوكوفسكي وبوب كوفمان وغيرهم، كما نشرت ديوان ألن غينسبرغ المعنون بـ«عواء وقصائد أخرى» عام 1956م، الذي استولت عليه الجمارك الأميركية، وأسفر عن اعتقال فيرلينغيتي بتهمة نشر الفحش. استمرت المحاكمة لأشهر عدة وكان غينسبرغ يكتب معربًا عن قلقه، ويتابع مجريات المحاكمة من طنجة حيث كان يساعد وليام بوروز في تحرير «الغداء العاري»، وكان يقضي وقته مع فرانسيس بيكون وبول بولز. في أثناء المحاكمة، التي جُنِّد لها مساعدون قانونيون من اتحاد الحريات المدنية الأميركية، برئت ذمة فيرلينغيتي على أساس حرية التعبير، وهو ما شكَّل سابقة قانونية مهمة نزعت الرقابة على الأعمال المثيرة للجدل في الولايات المتحدة، وأكسبت فيرلينغيتي في نهاية المطاف شهرة حول العالم كمدافع عن حرية التعبير. بعد هذا الحادث، رُفعتِ الرقابة على أعمال أدبية أخرى مشابهة حيث تمكَّن بارني روسيت، ناشر جروف برس من نشر «عاشق السيدة شاتيرلي»، ورواية هنري ميلر «تروبيكس»، وأعمال جان جيني (فيرلينغيتي لجريدة الغارديان).

أسفل درج المكتبة تطالعك ورقة كتب عليها بخط عريض: «كُتُب لا قنابل»، وأما على الجدران فقد علقت عبارات مختلفة: «مكان للاجتماعات الأدبية»، و«مرحبًا تفضل بالجلوس واقرأ» يتذكر فيرلينغيتي كيف بدأت تَفِدُ حافلات مليئة بأتباع ومحبِّي حركة البيت على مكتبة «سيتي لايتس» في الستينيات في محاولة لتقفِّي أثر أدباء أمثال: كيرواك وغينسبرغ ومايكل ماكلور وبوروز وسنايدر. أطلقت سيتي لايتس سلسلة «شعراء الجيب» التي ستعرف نجاحًا كبيرًا في وقت لاحق، ونشرت أكثر من مئتي عنوان، كما تبنَّت منشوراتها أفكارًا تقدمية ومبتكرة، تعارض بها القوة المحافظة والرقابة.

في الطابق الثاني، تقع «غرفة الشعر» – حيث لا يوجد الشعر وحده فحسب- يلفت نظر الزائر جناح كُتب أعلاه Beat Literature، «عواء» بالطبعات القديمة والجديدة وبأغلفة متعددة، وهو الأمر ذاته بخصوص «على الطريق» لجاك كيرواك، و«الوليمة العارية» لوليام بوروز، و«جزيرة السلاحف» لغاري سنايدر، و«المطر القديم» لبوب كوفمان، و«مختارات من شعر روبرت كريلي» و«الأعمال الشعرية» لفليب ويلن، وعدد آخر من العناوين للكتاب الطلائعيين الذي قاوموا المؤسسات الاجتماعية والعنصرية والثقافة التقليدية لأميركا.

من المستحيل فصل حياة فيرلينغيتي عن تاريخ سيتي لايتس، وتأثيره فيها والتأثير الذي مارسته على الأجيال القادمة من القُرَّاء والمبدعين. إضافة إلى نشره لأعماله، قضى فيرلينغيتي حياته الطويلة في تكريس وقته الثمين لتشجيع الكتابة والقراءة، وشحذ موهبة الشعراء وكتاب النثر، والتعريف بهم حول العالم.

مواقفه السياسية
بعد مدة وجيزة من استقراره في سان فرانسيسكو عام 1950م، التقى فيرلينغيتي الشاعرَ كينيث ريكسروث الذي أثرت مفاهيمه عن الفوضوية في توجه فيرلينغيتي السياسي. كان هذا الأخير يعترف بأنه يؤمن بفلسفة الفوضوية، وتربطه علاقات مع الفوضويين الآخرين في نورث بيتش، وكان يبيع الصحف الفوضوية الإيطالية في مكتبة سيتي لايتس. كان فوضويًّا في قرارة نفسه، وكان يعترف بأن العالم سيحتاج إلى «قديسين» يسكنونه حتى تُطَبَّق الفوضوية البحتة عمليًّا، ومن ثم فهو يتبنى أفكار الاشتراكية الديمقراطية على الطراز الإسكندنافي، وكان موقفه شديد الانتقاد للحكومة وللسياسة الخارجية لأميركا والأنظمة الدكتاتورية وللمؤسسات الرسمية. كان ينبذ الاستبداد والحرب، بدءًا بحرب فيتنام إلى الحرب على العراق، مثله مثل شعراء حركة Beat Generation؛ لذلك أصبح رمزًا للمثقف المناهض للثقافة السائدة والداعي لحرية التعبير، وكان يحث الشعراء على الانخراط في الحياة السياسية والثقافية للبلد. تقوم نظرته للكتابة الإبداعية على الإيمان بالتغيير من خلال العمل الفني والكلمة الملتزمة، ويعتقد أن الشعر يجب أن يكتب للجماهير الشعبية، وليس فقط للنخبة المتعلمة، وبَيَّنَ ذلك في كتابه «الشعر كَفَنٍّ ثوري».

يتحدى عمل فيرلينغيتي التعريف البسيط للفن ودور الفنان في العالم كما وضح في قصيدته المعنونة بـ«البيان الشعبي، رقم 1»: «أيها الشعراء، اخرجوا من غرفكم، افتحوا نوافذكم، افتحوا أبوابكم، لقد سجنتم مدة طويلة… الشعر ينقل الجمهور/ إلى أماكن أسمى/ من أماكن أخرى يمكن للعجلات أن تحملهم إليه».

ويتضح موقفه هذا الذي يخرج بالشعر من حيز النظرية إلى التطبيق في مجموعة من الأحداث التاريخية التي شارك فيها، نذكر منها مثلًا مشاركته المميزة في الرابع عشر من يناير عام 1967م في «تجمع القبائل» الذي جذب عشرات الآلاف من الأشخاص وكان بداية انطلاق «صيف الحب» في سان فرانسيسكو لنشر قيم الحب والسلام والوعي البيئي. في عام 1968م، وقّع على وثيقة «الاحتجاج الضريبي للكتاب والمحررين»، وتعهد برفض دفع الضرائب احتجاجًا على حرب فيتنام كما شارك في الاحتجاجات المنادية بحفظ الحقوق المدنية وفي الاعتصامات ضد التجنيد الإجباري، وأصبح مهتمًّا بالحركات الثورية في بلدان أخرى أيضًا، حيث سافر إلى المكسيك وكوبا وروسيا ونيكاراغوا في لحظات سياسية مهمة لتقديم دعمه.

وفي عام 1998م، حث فيرلينغيتي، في خطابه الافتتاحي بصفته الشاعر الحائز على جائزة سان فرانسيسكو للشعر، سكان سان فرانسيسكو على التصويت لإزالة جزء من الطريق السريع المركزي المتضرر من الزلزال واستبدال شارع آخر به. «ما الذي يدمر شعر المدينة؟ السيارات تدمره، وتدمر أكثر من الشعر. في جميع أنحاء أميركا، في جميع أنحاء أوربا في الواقع، المدن والبلدات تتعرض للهجوم من السيارات، يجري تدميرها بواسطة ثقافة السيارات. لكن المدن تتعلم تدريجيًّا ألا تضطر إلى ترك مثل ذلك يحدث لها، شاهدوا إمباركاديرو الجميلة!… يمكن إسقاط الطريق السريع للأبد إذا قمتم بالتصويت لصالح الاقتراح «إ» في اقتراع نوفمبر». وكانت النتيجة بناء شارع أوكتافيا. وفي مارس 2012م، ساند حركة إنقاذ Gold Dust Lounge، وهي حانة تاريخية تعود إلى حقبة «التهافت على الذهب» في سان فرانسيسكو.

غير أن عراب «جيل البيت» يعترف لنا في الأخير بشيء يود تحقيقه: «إنّ ندمي الكبير هو أنّني لم أستطع أن أكون الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأميركية، حتى أمنحها وجهًا جديدًا. أما مصدر فخري الأكبر، فهو قيامي بنشر أعمال ألن غينسبرغ في دار «سيتي لايتس». لقد كان ذلك ثورة شعرية حقيقية».

شعره
تكمن إحدى سمات شعر فيرلينغيتي في سهولته، وغالبًا ما تكون أسطره الشعرية بسيطة، وتعبر عن أفكار واضحة بلغة مباشرة، إضافة إلى ميزة الغنائية وخيال واسع تجد فيه الفكاهة مرتعها. فيرلينغيتي يسعى دائمًا إلى أن يفهم القراءُ لبَّ قصيدته منذ القراءة الأولى، ويفضل ألا يبين عن أي تعقيد فكري، ولذلك فهو في الحقيقة يعبر عن اشمئزازه من الأكاديميين الذين يظهرون النخبوية أو التميز عن الأجيال القادمة من الشعراء، يقول: «الحقيقة لا توجد فقط لِلقِلَّة المقدسة». يميز القصيدة عند فيرلينغيتي أنها حرة وبعيدة من الالتزام بوزنٍ أو إيقاعٍ ثابتين، أو حتى وقفات المقاطع أحيانًا، وتتبعثر فيها الكلمات، حتى إن الهامش يصل منتصف السطر أحيانًا لتغليب الإلقاء، كما يختلف فيها طول الجمل، فتكون أحيانًا قصيرةً بمفرداتٍ بسيطة وحادة، مستمدة من التجربة اليومية كما في قصيدته «كلب»: «الكلب يقفز حرًّا عبر الشارع/ والأشياء التي يراها/ أصغر منه/ سمك في ورق الجرائد/ نمل في الحفر/ دجاجات في الحي الصيني/ رؤوسها على بعد بلوك». إن خصائص الشعرية هذه عند فيرلينغيتي تتقاطع مع موسيقا الـ Bebop Jazz، من حيث السرعة وتغير الإيقاع، بل اختفاؤه أحيانًا، ليترك المجال للارتجال، وليس ذلك على سبيل المصادفة، بل بفعل التأثر المتبادل بين الشعر والموسيقا، ولأن فيرلينغيتي كان يفضّل الشعر ملقًى مع موسيقا الجاز، بوصفها مرافقًا مثاليًّا لنشر الكلمة وجعلها في متناول الجميع.

وعلى غرار رسائل Rilke إلى شاعر شاب، كثيرًا ما يوجه فيرلينغيتي خطابه للكتاب الشباب مستخدمًا ضمير المخاطب (أي يخاطب القارئ «أنت»)، كما يفعل في قصيدته الطويلة «الشعر كفَنٍّ ثوري»، التي تلخِّص نظرته وفلسفته في الكتابة والشعر، مقدِّمًا تعليمات من قبيل:

إن كنت تريد أن تصبح شاعرًا، ألِّفْ أعمالًا قادرة على الاستجابة لتحديات الأوقات الصعبة.

إن كنْتَ تُريدُ أن تُصبحَ شَاعِرًا كبيرًا، جَرِّبْ كُلَّ أَنْواعِ الشِّعْرِيَّاتِ، النَّحْوِياتِ الإِيرُوسيةِ الضَّاريَةِ، دِيَانَاتِ الشَّطحِ، التدفُّقاتِ الوَثَنيَّةِ المجنونة، الخِطَابَاتِ العُمُوميَّةِ البَاذِخَةِ، الخَرْبَشَاتِ الأوتوماتيكية، الإِدْرَاكاتِ السُّوريَالية، تَموُّجَاتِ الوَعْي، الأَصْواتِ المَوْجُودَةِ، الصَّرخاتِ والاعتراضاتِ، واخْلُقْ صَوْتَكَ القَاطِعَ كالنَّصْلِ، صَوْتَكَ التَّحْتَانِي، صَوْتَكَ، الصَّوْتَ الذي لَكَ.

إِنْ كُنْتَ تَقُولُ عن نَفْسِكَ: إِنَّكَ شَاعِر، لا تَبْقَ بِغَبَاءٍ على كُرْسيِّكَ. ليْسَ الشِّعْرُ نَشَاطًا مقيمًا، ولاَ أَريكَةً تُتَّخَذُ. انْهَضْ وأَظْهِرْ لَهُمْ ما تَسْتَطِيعُ أَنْ تفْعَلَهُ.

تحدى الرأسمالية التي تَتنَكَّرُ للديمقراطية.

اخترع لغة جديدة يستطيع أي شخص فهمها.

اقرأ بين سطور الخطاب البشري.

قاوم كثيرًا، وأطِعْ قليلًا.

حرِّرْ سرًّا أي كائن تراه في قفص.

كن شاعرًا، وليس بائعًا متجولًا. لا تُلَبِّ الرغبات،

لا تَتَنَازَلْ، خُصُوصًا لِجَمْهور محتمل،

ولاَ لِلقُرَّاءِ أو المحررين أو النَّاشِرِينَ.

اخْرُجْ مِنْ خِزَانَتِكَ. إِنَّ الجَوَّ مُعْتِمٌ في دَاخِلِهَا.

تَجَرَّأْ وكُنْ مُحَارِبًا شِعْريًّا غَيْرَ عَنِيفٍ، بَطَلًا مُضَادًّا.

لَطِّفْ صَوْتَكَ اللِّطِيفَ جِدًّا بإِشْفَاقٍ.

اسْتَخْلِصِ النَّبيذَ الجَديدَ مِنْ أَعْنَابِ الغَضَب.

تَذَكَّرْ أَنَّ الرِّجَالَ والنِّسَاءَ كَائِنَاتٌ انْتِشَائِيةٌ بِشَكْلٍ لا نِهَائيٍّ، مُتَوجِّعَةٌ بشَكْلٍ لا نهَائي.

ارْفَعِ السَّتَائِرَ، افْتَحِ المَصَارِيعَ والنَّوافِذَ، ارْفَع السَّقْفَ، فُكَّ ثُقُوبَ الأَبْوَاب، ولَكِنْ لاَ تَرْمِ اللَّوَالِبَ.

لاَ تُدَمِّرِ العَالَمَ إِذَا لَمْ يَكُن لَدَيْكَ شَيْءٌ أَفْضَلُ تُبَادِلُهُ.

ليست كل قصائد فيرلينغيتي تدور حول النضال والعدالة الاجتماعية فهو يميل في الواقع في كثير من أعماله إلى الحديث عن الفن والحياة اليومية: مظاهر الحب في الحديقة العامة؛ تمثال يثير إعجابه؛ صباح سان فرانسيسكو ومباريات البيسبول وكلب يتجول في الحي الصيني ويرى السمك في ورق الصحف والدجاج معلق في النوافذ رأسًا على عقب. يلاحظ القاري أن شعر فيرلينغيتي يقبل الانفتاح ويبحث دائمًا عن الإلهام. شعر فيرلينغيتي يقترض في كثير من الأحيان من موسيقا الجاز والأساطير اليونانية والحكايات الشعبية واللوحات والرياضة والثقافة الشعبية والفلسفة، ويحتوي على العديد من القصص التي تدور حول شبابه ودروس الشعر والرسم في أثناء إقامته بأوربا.

جوائز وتكريمات
يواصل فيرلينغيتي إنتاجه الأدبي والفني حتى الوقت الحاضر، وقد أصدر قريبًا كتابًا بعنوان «الطفل الصغير» يجمع بين التخييل والسيرة الذاتية، ولا يزال يتلقى العديد من الجوائز والتكريمات. من عام 1998م إلى عام 2000م، حصل فيرلينغيتي على لقب الشاعر سان فرانسيسكو، وفي عام 2003م انتُخب عضوًا للأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، وفي عام 2012م رفض جائزة يانوس بانيونيوس الدولية للشعر، وهي جائزة تزيد قيمتها على 60.000 دولار؛ لأن الجائزة مُموَّلة جزئيًّا من الحكومة الهنغارية، التي كان فيرلينغيتي ينتقدها بسبب ميولاتها الاستبدادية. حصل كذلك على جائزة نقاد الكتاب الوطنية، إيفان ساندروف، لمساهمة في الفنون والآداب الأميركية، وميدالية روبرت فروست التذكارية، والجائزة الأدبية للمؤسسة الوطنية للكتاب، التي تُمنَح لمؤلف قدم «خدمة مميزة للمجتمع الأدبي الأميركي»، وفي عام 2007م عُيِّن قائدًا لنقابة الفنون والآداب الفرنسية.

من أهم مؤلفاته «كوني آيلاند»، التي ترجمت إلى تسع لغات وبِيعَ منها أكثر من مليون نسخة، و«الحب في زمن الغضب»، و«صور عالم لم يعد»، و«هذه أنهاري»، و«المعنى الخفي للأشياء»، و«أحييك في بداية حياة عظيمة: رسائل فيرلينغيتي وغينسبرغ»، و«الحياة التي لا تنتهي»، و«ما الشعر»، و«أميريكوس، الكتاب الأول»، و«كيف ترسم ضوء الشمس»، و«طفل صغير» إضافة إلى أعماله الفنية من لوحات ورسومات.

إن التفكير في شخص فيرلينغيتي وطول عمره، بوصفه شاعرًا ومواطنًا وبانيًا للعلاقات يمنحنا شعورًا بالاطمئنان. إذا اتصلت بـ City Lights Publishing اليوم، فستسمع صوت فيرلينغيتي يجيب قائلًا: «مرحبًا بك بأدب في City Lights Bookstore!». يدرك فيرلينغيتي أن التغيير يستغرق وقتًا وأنه مرتبط بالتعلم من التاريخ، وبناء المجتمع، والانفتاح على الإبداع والإلهام الذي يمكن أن يأتي من أي مكان: من السير الذاتية، وآلات الرسائل، والألعاب الرياضية، والشراكات بين المبدعين. يقضي فيرلينغيتي معظم وقته في كوخه محاطًا بالطبيعة الجميلة ومتأملًا حياة الكائنات في هدوء تام، بعيدًا من صخب المدينة بسياراتها ومصانعها التي لا تتوقف.

نماذج من قصائد لورنس فيرلينغيتي
ترجمة الحبيب الواعي

قيادة سيارة من الورق المقوى من دون رخصة(1)

بينما هو يقود سيارة من الورق المقوى من دون رخصة

في نهاية القرن

التقى أبي أمي مصادفةً

في أثناء جولة سريعة في جزيرة كوني

بعد أن تجسس بعضهما على بعض في أثناء الأكل

في مدرسة داخلية فرنسية قريبة

وبعد أن قرر أبي هناك وفي الحين

أنها تناسبه تمامًا

تبعها إلى

مدينة الملاهي في ذلك المساء

حيث اللقاء الطائش

للحمهما العابر على العجلات

جذبهما معًا إلى الأبد

والآن أنا في المقعد الخلفي

لأزليتهما

أسعى لاحتضانهما

راكبو الأمواج هم أيضًا شعراء(2)

راكبو الأمواج هم أيضًا شعراء

إن نظرت إليهم بهذه الطريقة

على الأقل في الجزء الغربي من الغرب

هم أيضًا يبحثون

عن الموجة المثالية

بإيقاع مثالي سام

هم أيضا يبحثون عن النور الأزلي

في نهاية أنبوب الزمن

هم أيضا سيحلقون

من خلال عين الإبرة

هم أيضا واقعيين

ويعرفون الموجة القاتلة عندما يرونها

هؤلاء ليسوا رعاعا متخيلين

يبحرون من خلال الفضاء المعلوماتي

هم بحارة يعرفون

أن البحر يغضب مثل الحياة

ويمكن أن يكون وحشا قاسيا

حين يشاء

ويحطم قصيدة صيفك الذي لا ينتهي

فوق الصخور غير المتوازنة للثروة الفاحشة

العالم مكان جميل(3)

العالم مكان جميل

لتولد فيه

إن كنت لا تهتم بأن تكون السعادة

دائما كثيرا من المرح

إن كنت لا تمانع لمسة من الجحيم

من وقت لآخر

تماما عندما يكون كل شيء على ما يرام

لأنه حتى في الجنة

فهم لا يغنون

كل الوقت

العالم مكان جميل

لتولد فيه

إذا كنت لا تهتم بموت بعض الناس

كل الوقت أو ربما فقط يجوعون

بعض الوقت

وهو ليس أمرًا سيئًا جدًّا

إذا لم يكن يتعلق بك

أووه، العالم مكان جميل

لتولد فيه

إن كنت لا تهتم كثيرًا

بعدد قليل من العقول الميتة

في أعلى المناصب

أو قنبلة أو اثنتين تنفجران

من حين لآخر

في وجهك المضطرب

أو ما شابه من بذاءات

يكون مجتمعنا الاستهلاكي

فريسة لها برجاله المميزين

ورجاله المنقرضين

وكهنته

وشرطة الدورية الآخرين

ومختلف أشكال التمييز العنصري

والتحقيقات الكونغريسية

وأنواع مرض الإمساك الأخرى

التي يرثها

جسدنا الأحمق

نعم العالم هو أفضل مكان للجميع

لكثير من الأمور مثل

خلق مشهد المتعة

خلق مشهد الحب

وخلق مشهد الحزن

وغناء أغانٍ خافتة

وخلق الإلهام

والتجوال

والنظر إلى الأشياء كلها

وشم رائحة الأزهار

وضرب التماثيل على مؤخرتها

حتى التفكير

وتقبيل الناس

وإنجاب الأطفال وارتداء السراويل

والتلويح بالقبعات

والرقص

والذهاب للسباحة في الأنهار

في أثناء النزهات

في منتصف الصيف

وعمومًا مجرد «الاستمتاع بالحياة»

نعم

ولكن بالضبط في منتصف ذلك

يأتي مبتسمًا

مجهز الجنازات

كلب(4)

الكلب يجري بِحُـرِّية في الشارع

ويرى الواقع

والأشياء التي يراها

أكبر من نفسه

والأشياء التي يراها

هي واقعُهُ

السكارى في الممرَّات

أقمار فوق الأشجار

الكلب يجري بحرية عابرًا الشارع

والأشياء التي يراها

أصغر من نفسه:

سمك على الصحف

نمل في الثقوب

دجاج في نوافذ الحي الصيني

رؤوسها على بعد بلوك

الكلب يجري بِحُرِّية في الشارع

والأشياء التي يشمُّها

تشبه رائحته

الكلب يجري بحرية في الشارع

مارًّا بجانب بِرك ورُضَّع

قطط وسيجارات

مكاتب المراهنة ورجال الشرطة

هو لا يكره رجال الشرطة

هو فقط لا يستسيغهم

ويمرُّ بجانبهم

ويمرُّ بجانب الأبقار الميتة المعلقة كلها

أمام سوق اللحوم بسان فرانسيسكو

يفضل بالأحرى أن يأكل بقرة طازجة

على أن يأكل شُـرطيًّا فظًّا

على الرغم من أن أحدهما يكفيه

ويمرُّ بجانب مصنع روميو رافيولي

وبجانب برج كويت

وبجانب عضو الكونغرس دويل

من اللجنة اللاأميركية

إنه يخاف من برج كويت

لكنه لا يخاف من عضو الكونغرس دويل

على الرغم من أن ما يسمعه مُثبّط جدًّا للعزيمة

ومُحبط جدًّا

وسخيف جدًّا

لكلب حزين ويافع مُتلهّف

لكلب رزين مثله

ولكنه يملك عالمه الحر ليعيش فيه

براغيثه ليأكلها

لن يدعهم يُكمِّمون فمه

عضو الكونغرس دويل هو مجرد

صنبور لإطفاء الحريق

في نظره

الكلب يجري بِحُرِّية في الشارع

وله حياة الكلب الخاصة به ليعيشها

كي يفكر

ويمعن التفكير

في اللمس والتذوق واختبار كلّ شيء

ويحقق في كل شيء

من دون أن يستفيد من شهادة الزور

واقعيٌّ حقيقيّ

ذو قصة حقيقية ليرويها

وذيلٌ حقيقيّ ليرويها به

كلبٌ حقيقيٌّ حيّ

ينبح من أجل الديمقراطية

يشارك في المشاريع الحرة الحقيقية

بشيء يقوله

عن الوجود

بشيء يقوله

عن الواقع

وكيفية رؤيته

وكيفية الاستماع إليه

برأسه يتأرجح من جهة إلى أخرى

في زوايا الشوارع

كما لو أنّ شخصًا ما

سيأخذ صورته

لتوضع على فيكتور ريكوردز

مُصيخًا السمع إلى

صوت سيِّدِهِ

ويبدو

مثل علامة استفهام حية

عليّ

الحاكي الكبير

للوجود المحير

بقرنه الأجوف العجيب

الذي يبدو دائمًا

على وشك أن يصدر

جَوابًا مُؤكّدًا

عن كل شيء

______________________________________________________________________________________________________

الهوامش:

1. (1997) مترجمة من ديوان ” عربة القلب البعيدة”.

2. (1997) من ديوان ” عربة القلب البعيدة”.

3. مترجمة من ديوان «جزيرة كوني ذهنية» (1958م) .

4. مترجمة من ديوان «جزيرة كوني ذهنية» (1958م).

عن مجلة الفيصل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق