هل هناك صناعة كِتاب في العالم العربي؟ (1) / عماد الدين موسى

الكِتاب قد يكون أداة لإنتاج معرفةٍ زائفةٍ للتسلُّط على العقل، وطريقة تفكيره، فيؤسِّس لغياب حضاري، وقد يكون ضرباً من الحفر المعرفي يؤسِّس لثقافة النقد والاستيعاب. هذه أحياناً يتم خلطها عند أصحاب دور النشر، هذه الدور التي تحولت إلى مؤسَّسات أغلبها غايتها الربح، طالما أنَّ للكتاب سوقاً، مُنتَجاً ومُستهلكاً. فمن كتب تروِّج للسحر والشعوذة والجن، إلى كتب تروِّج للجنس والحظ، إلى كتب تحتفي بالعلوم الإنسانية من رياضيات وفلسفة وطب وأدب وموسيقى وقانون. إلا أنها جميعاً مُنتَجٌ القصدُ والغايةُ منه الربح عندَ صُنَّاعه، هذا عدا السطو على طباعة كتب ذات حظوة علمية أو أدبية.
وبموازاة ذلك، نرى العديد من المعارض المحلية والعربية والدولية للكتاب، وما يرافقها من نشاطات ثقافية، وحفلات توقيع، وبيع الكتب من مؤلفيها.
في هذا الملف، نستقصي آراء كتاب ومثقفين، جنباً إلى جنب مع آراء أصحاب دور النشر، حول صناعة الكتاب، بوصفهم صنّاعه ورُسل ثقافة ومعرفة، يؤسِّسون وينشرون المعارف والعلوم، ما يُشكِّل خيالنا الثقافي والاجتماعي ويبلوره. هنا، الجزء الأول:

محمد طه العثمان (مدير دار موزاييك):
تمويل ذاتي
في موزاييك، نعمل بتمويل ذاتي منذ تاريخ تأسيسها وحتى الآن، ونهدف إلى نشر كل ما هو عالي المستوى، من حيث المحتوى والمضمون في كافة المجالات (الأدبية والعلمية والأبحاث والدراسات)، من دون التحيّز إلى نوع معين من هذه المجالات. ونعتمد في تقييم الأعمال

“الموضوع المالي يشكل عائقاً أساسياً في تطوير وتبني الكتاب”
المقدمة إلينا على لجنة من الكتّاب والباحثين حسب نوعية الكتاب المقدم، وعلى ضوء القراءة والمراجعة للكتاب المقدم يتم قبول الكتاب، أو رفضه، ويحوّل بعد ذلك إلى التدقيق اللغوي، ويتم العمل على إخراجه فنياً، ومن ثم طباعته. وغالباً ما يتم طباعة الأعمال المقبولة على نفقة الدار، ولا سيما الأعمال الفكرية، أو الروايات، بشتى مجالاتها، المترجمة منها، أو العربية. أما الشعر، فيتحمل الشاعر جزءاً من نفقة الطباعة.
يتم الإعلان عن الكتاب في المرحلة الأولى بعد الموافقة على طباعته وتصميم الغلاف الخاص في مواقع التواصل الاجتماعي. في أغلب الأحيان تقوم الدار بحفل توقيع للكاتب يكون ضمن معرض، أو ضمن ندوة حوارية، أو أمسية أدبية (حسب مضمون العمل) تهدف إلى لقاء الكاتب بالجمهور، وتفاعلهم حول العمل، أو الكتاب المنجز. في الفترة الحالية، تتم هذه النشاطات في مدينة إسطنبول، كون مقر دار نشر موزاييك فيها.
تواجه دار موزاييك صعوبات ومعوقات أهمها عدم القدرة على تبني كل ما يصل إليها من كتب وأبحاث وترجمات، لأن الموضوع المالي يشكل عائقاً أساسياً في تطوير وتبني كل هذه الأعمال.

وجدي الأهدل (كاتب يمني):
حقوق الملكيّة الفكريّة
لكي يتحول (الِكتاب) إلى مصدر دخل جيد لشريحة من المجتمع لا بد من تشديد قوانين حقوق الملكية الفكرية، وتجريم الطبعات غير القانونية، ومحاربة قرصنة الكتب وطرحها رقمياً بدون مقابل. هذه هي الخطوة الأولى التي تحفظ لدور النشر حقوقها المادية والمعنوية.
الخطوة الثانية هي إلزام دور النشر بتوظيف لجان قراءة، بحيث لا يُجاز أيّ كتاب علمي، أو

“المفقود في عالمنا العربي وكالات أدبية” مهمتها تحصيل الحقوق المادية والمعنوية للمؤلف العربي”
أدبي، للنشر، إلا بعد موافقة نخبة من الخبراء كُل في مجاله، والهدف من هذا الإجراء هو حماية القارئ من الغث.
الخطوة الثالثة هي إلزام دور النشر بتوظيف “محرر أدبي”، والهدف من هذه الوظيفة هي التجويد والإتقان.
الخطوة الرابعة، وهي المفقودة تماماً في عالمنا العربي، أن تنشأ “وكالات أدبية”، والهدف من هذه الوكالات هو تحصيل الحقوق المادية والمعنوية للمؤلف العربي.
وفي حال نجحنا في القيام بهذه الخطوات الأربع، فإنه يمكن أن نشهد ازدهاراً حقيقياً لصناعة الكتاب العربي.
وكما نلاحظ فإن البداية – الخطوة الأولى – تقع على عاتق الحكومات العربية التي يجب أن تطبق قوانين حقوق الملكية الفكرية بصرامة، كما هو معمول به في الدول المتطورة التي تحمي حقوق المبدعين والمخترعين. والخطوتان الثانية والثالثة تتعلقان بدور النشر، وأقترح أن توضع قوانين تنظم عملية النشر، وأن يُسحب ترخيص دور النشر التي تخلو من وظائف لجان القراءة ووظيفة المحرر الأدبي.
والخطوة الأخيرة – الوكالات الأدبية – تتعلق بتطور المجتمع، حيث نفترض أن يظهر هذا النوع من الوظائف كنتيجة لقوة القوانين التي تفرضها الدول لحماية حقوق الملكية الفكرية، فيتضاعف المردود الاقتصادي لشريحة المؤلفين، وتتعدد مواردهم، ما يستدعي التعاقد مع وكالات أدبية مختصة تتابع وتستقطع المستحقات المالية لهؤلاء المؤلفين.
مي عاشور (مُترجمة مصرية):
مرحلة ركود
لا أحد يقفز من قمة جبل إلى أخرى، فعليه أن ينزل أولاً إلى أسفل، ثم يتسلق مجدداً. ونحن الآن نقف أسفل الجبل، ونحاول الصعود. وهذا ما كنا عليه، وما نمر به الآن.
لا يمكن أن ننسى دور الحضارة العربية، وما أضافته. يمكن أن نذكر أنفسنا دائماً بذلك، ونحن نعلم أننا في مرحلة ركود، وفي الوقت نفسه لا يمكن ألا نكون منصفين، ونتغافل عن المحاولات الموجودة في المجالات الثقافية المختلفة. ولكنني ذكرت من قبل أننا في حلقة متصلة غير منفصلة؛ بمعنى أنه لا سبيل لازدهار الثقافة في عصور مظلمة، هناك محاولات قد تترك

“هنالك ناشرون محترمون هدفهم ثقافي حقيقي، وآخرون يتعاملون مع الثقافة على أنها تجارة”
أثراً كبيراً في ما بعد. وفي الوطن العربي، هنالك محاولات لصناعة الكتب، ولكن تصير المحاولات أكثر فاعلية عندما تصبح اتجاهاً سائداً للدول نفسها، ويمكننا أن نأخذ الصين كمثال على ما أقصده، ففي الصين هناك صناعة ضخمة للكتاب، مدعومة من الحكومة، تشمل الترجمة والتأليف، وتدعم الحكومة الحركة الثقافية في داخل الصين وخارجها. بالطبع، لدى الصين تطلعات لانتشار ثقافي واسع، ولكن ترسخ فن صناعة الكتب في الصين منذ أن قررت الصين الصعود. ويمكن لمس ذلك الآن من خلال المؤتمرات، ومعارض الكتب المختلفة، والورش، البرامج الثقافية المتبادلة بين الصين ومعظم دول العالم.
هناك ناشرون محترمون هدفهم ثقافي حقيقي، وآخرون يتعاملون مع الثقافة على أنها تجارة. حفظ حقوق المترجم، أو الكاتب، وتقديرها، يتوقف على نظرة الناشر للثقافة. ببساطة، سيتعامل الناشر الحقيقي مع المؤلف والمترجم بطريقة مختلفة تماماً، ويقدره معنوياً أولاً، ويضمن له حقوقه كاملة، وسيكون التعامل بينهما سلساً، وهدفهما واحداً، أما الناشر التاجر فسيتعامل مع النشر والكتابة والترجمة والطباعة والبيع، وكل شيء، على أنها صفقات ربحية لا غير، وسينظر إلى المادة، لا الثقافة، ولا المحتوى المقدم إلى القارئ.
هنالك تحديات كثيرة تواجه المترجم والكاتب، وأكبر تحد يقابل المثقف بشكل عام هو عدم تغيير مساره الفكري وخضوعه للسائد أو الرائج. ومرة أخرى، لا يمكن فصل التحديات المختلفة عن أرض الواقع، والشكوى ستبدو ساذجة، لأن معناها عدم إدراك الواقع الذي نعيشه. ولكن يمكنني أن أقول إن هناك مترجمين وكتاباً وناشرين حقيقيين يحاولون الوقوف أمام تيار جارف، وعاصفة تطيح بكل شيء، لأنهم يؤمنون بما يقومون به، رغم شراسة التيار المعاكس، وظلام الواقع، وقسوة الظروف.
عز الدين بوركة (شاعر وباحث جمالي مغربي):
الصناعة المعطوبة
لا يخرج أبداً مفهوم “صناعة الكتاب” عن صناعة الأفلام والمسلسلات، وحتى الأبطال الرياضيين والنجوم، لأن الأمر كله يدور – بشكل من الأشكال – ضمن السلسلة التسويقية نفسها، بكل ما تتطلبه من مهارة وإعداد. فأي حديث عن صناعة الكتاب يتطلب بالضرورة

“يصعب علينا الحديث عن صناعة الكتاب في العالم العربي بالمعنى المراد من المفهوم”
استحضار الآليات الكلية التي تعمل ضمن هذه الصناعة، بدءاً من الكاتب نفسه وصولاً إلى المتلقي، مروراً بدار النشر، وما تستدعيه من وجود موظفين يهتمون بتنقيح الكتاب وتصفيفه وإخراجه وتسويقه، وحتى مختاري العناوين، قبل بلوغ دار التوزيع التي عليها أن تهتم بتوزيعه ليصل إلى أقصى عدد من القراء الممكنين. بالتالي، فصناعة الكتاب هي عملية تجارية كبرى تتطلب حضوراً مكثفاً لفاعلين في سلسلة الإنتاج في ما بعد الكتابة… إلا أنه وفي ظل الحديث عن العالم العربي وما يعرفه من “هشاشة” نشر وتوزيع الكتب، يصعب علينا الحديث عن صناعة الكتاب بالمعنى المراد من المفهوم.
يدخل اليوم الكتاب ضمن سلسلة الاستهلاك العالمية، ولهذا نجد دور نشر عالمية تبحث بكل الطرق عن استمالة القارئ وجذبه لاقتناء منشوراتها، وكما تعتمد على آليات اشتغال تختلف من دار إلى أخرى، فإنها تتحد في كونها تسعى بالقدر المستطاع إلى إبراز كُتابها عبر آليات إعلامية وتسويقية، لا تختلف عما يقوم به صناع النجوم السينمائية، بل، وفي إطار التسويق المتوسع، تبحث هذه الدور عن ترجمة مؤلفات الكتاب المتعاقدين معها إلى القدر الأكبر من اللغات الحية. إذ إن صناعة الكِتاب تدخل في باب الصناعة الثقافية والترويج لثقافة البلاد عبر الترجمة والانفتاح على الثقافات الأخرى. وبالتالي، فالمؤلف ليس إلا حلقة أولية ضمن الصناعة الثقافية والأدبية والمعرفية، كأني به منبع المواد الخام التي تسعى “المؤسسات” لتسويقها وبيعها وترويجها. فيغدو الكاتب موظفا مهمته محددة ومهمة ضمن سلسلة الإنتاج الكبرى.
تكاد تكون “صناعة الكتاب” في عالمنا العربي “معطلة” و”معطوبة”، يتخللها خلل كبير، لا على مستوى النشر، ولا على مستوى التوزيع، كما التسويق والترويج. لهذا فهي تواجه صعوبات كبرى وكثيرة، تعرقل حماسة الكُتاب لنشر إبداعاتهم وأفكارهم ورؤاهم، في ظل عدم القدرة حتى على طبع مؤلفاتهم على الأقل. فرغم وجود مؤسسات عربية رسمية تسيرها وزارات الثقافة، أو هيئات حكومية، لا يزال أمر صناعة الكتاب يشوبه عطب مهول. يرجع الأمر في أساسه إلى غياب إرادة حقيقية لتوزيع ونشر الكتاب، وأيضاً لتبخيس دور الكاتب في الصناعة الثقافية للبلاد، كما غياب تام لأي متابعة صارمة لتوزيع المؤلفات التي يتم دعمها من لدن المؤسسات الرسمية للدولة. هذا بالإضافة إلى غياب تام لاستراتيجية فعالة من قبل القائمين على الشأن الثقافي لبناء أجيال واعية بأهمية الكتاب واقتنائه وقراءته. فحينما تكون آخر حلقة في سلسلة الصناعة تشوبها أعطاب تختل بالتالي السلسلة بالكامل، إذ يجد الناشر نفسه أمام عدم جدوى نشر الكتب بالشكل الكبير، ويجد الموزع نفسه مضطراً للتعامل مع أنواع من الكتب دون غيرها.
وجاء في “تقرير التنمية البشرية”، الذي نشرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “اليونيسكو” عام 2003، أن المواطن العربي يقرأ في السنة أقل من كتاب بكثير، فكل 80 شخصاً عربياً يقرأون كتاباً واحداً في السنة. لهذا ليس من الغريب أن نجد كتب الطبخ توضع في الرفوف جنباً إلى جانب الكتب الفكرية والروايات. ووصل الأمر بدور نشر معينة إلى التخلي النهائي عن نشر نوع من المؤلفات الأدبية، كالشعر نموذجاً.
إلى جانب هذا الأمر، يغيب بشكل تام لدى الدور النشر العربية الوعي بأهمية التسويق للكتاب، بكل ما تتطلب الكلمة من آليات فعلية، إذ نجد كثيراً من دور النشر لا تسعى سوى نحو الدعم الذي تتحصل عليه لنشر المؤلفات، بينما لا يتحصل الكاتب عن أي إيرادات ومستحقات في حالات كثيرة ومتعددة.
يتطلب الأمر بالتالي عملية فعالة، ورؤية حقيقية، لبناء أجيال قارئة ومهتمة باقتناء الكتاب، لنستطيع إحداث “صناعة الكتاب” بكل ما تتطلبه من شروط تسويقية وتجارية، يكون كل الأطراف المكونين للسلسلة مستفيدين، وبالتالي نكون قد خطونا خطوة هامة نحو “صناعة ثقافية” تهتم بالمؤلف والقارئ العربي.

أشرف عويس (ناشر مصري، مدير دار النسيم):
أزمة حقيقية ومسؤولية مشتركة
الحديث عن أزمة النشر ومشكلاته لا يحتاج كثيراً إلى تقسيمات ما بين مؤسسات نشر حكومية، ومؤسسات نشر خاصة. هذا التقسيم (في رأيي) ما هو إلا مجرد توزيع شكلي لمسؤوليات مشتركة عن أزمات ومشكلات حقيقية نحن في الأساس شركاء في أسباب حدوثها، وشركاء في تحمل نتائجها أيضاً، شئنا أم أبينا، وعلينا أن نكون شركاء بحق في البحث عن حلول لهذه الأزمات، لأنها لن تحل مطلقا – أؤكد.. لن تحل مطلقاً – إذا تم تقسيم الأمر إلى قسمين، وبحث كل منا عن حلول لنفسه في جزيرته الخاصة. فنحن من البداية للنهاية نتحدث عن واقع ثقافي مشترك يسهم فيه كل منا بقدر معيّن، سواء كان منتمياً للعمل في مؤسسة رسمية تابعة للدولة، أو في مؤسسة خاصة.
فالمؤلفون مشتركون، وكثير منهم له إصدارات تم نشر بعضها في مؤسسات النشر الرسمية، وبعضها الآخر تم نشره في مؤسسات نشر خاصة.
والقارئ واحد يتابع ما يصدر من هنا، أو من هناك، وينتقي منه ما يناسب ذائقته.
والعاملون في المجال أيضاً تربطهم صداقات وعلاقات وثيقة. فأنا على سبيل المثال بوصفي مؤسس ومدير دار نشر خاصة (دار النسيم للنشر) تربطني صداقة وطيدة ومعرفة بالمسؤولين عن النشر في هيئة الكتاب، وفي المجلس الأعلى للثقافة، وفي المركز القومي للترجمة، وفي الهيئة العامة لقصور الثقافة، وفي المركز القومي لثقافة الطفل.
ولهذا يصبح من غير المنطقي أن يتم تقسيم المشكلة بشكل حاد إلى قسمين. بالطبع، مؤسسات النشر الرسمية لها آليات تحكمها تختلف عن الآليات التي تحكم دور النشر الخاصة. ونصيب المؤسسات الخاصة من الروتين والبيروقراطية أقل بكثير من المؤسسات الرسمية. لكن هذه

“من غير المنطقي أن يتم تقسيم المشكلة بشكل حاد إلى قسمين: دور النشر الخاصة، ودور النشر الرسمية الحكومية”
أمور ربما تؤثر على أسلوب العمل وطريقة الأداء، لكن يظل جوهر المشكلة واحداً، ويظل السعي نحو خلق بيئة ثقافية جيدة، وتقديم كتاب ناجح ومؤثر هدفاً مشتركاً لكلا المؤسستين.
وعند الحديث عن دور النشر الخاصة في ما يتعلق بأزمة النشر ومشكلاته ومستقبله، ستجد نفسك مضطرّاً لعمل مقارنة مبدئية بين مؤسسات النشر الرسمية، ومؤسسات النشر غير الرسمية. وبنظرة أولية، سنجد أننا في دولة عريقة وكبيرة، مثل مصر، لا نملك في هذا المجال إلا مؤسستين فقط معنيتين بالنشر بشكل أساسي، حيث يمثل هذا النشاط جوهر الفلسفة التي أنشئت من أجله كل مؤسسة منهما، وهما:
1 ــ الهيئة المصرية العامة للكتاب: المؤسسة المعنية بنشر الإصدارات والمؤلفات المكتوبة باللغة العربية.
2 ــ المركز القومي للترجمة: المؤسسة المعنية بنشر الترجمات من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية.
بينما يمثل نشاط النشر جزءاً من مهام عدد من المؤسسات الأخرى:
1 ــ الهيئة العامة لقصور الثقافة، ممثلة في إدارة النشر.
2 ــ المجلس الأعلى للثقافة، ممثلاً في إدارة التحرير والنشر.
3 ــ المركز القومي لثقافة الطفل، ممثلاً في نشاط النشر.
4 ــ المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، ممثلاً في نشاط النشر.
5 ــ مكتبة الإسكندرية، ممثلة في قطاع النشر.
وكلنا يعلم ما تعانيه هذه المؤسسات الرسمية من غياب الرؤية في كثير مما تصدره من مطبوعات، فالمسألة لدينا تحدث على عكس المفترض تماماً. فالطبيعي أن تضع كل مؤسسة رؤية لتوجهها، وخطة لما يمكن أن تقدمه من مطبوعات، بما يخدم هذه الرؤية، ويحقق الهدف منها. بينما ما يحدث أن المطبوعات تصدر وفق ما يرد إلى هذه المؤسسات، ويتم الانتقاء منه وفق رؤية هيئة التحرير لكل سلسلة، التي تعمل وكأنها جزيرة منعزلة عن السلاسل الأخرى. وتكون النتيجة النهائية صدور مطبوعات تغيب عنها الفلسفة العامة والرؤية الواعية، ناهيك عن سياسة التوزيع السيئة لهذه الإصدارات، لدرجة أن كثيراً منها لا يستطيع القارئ العادي الوصول إليه والحصول على نسخة منه.
ودور النشر الخاصة التي نجت من المأزق السابق بقدرتها على الانتقاء، والرفض أو القبول، ووضع فلسفة عامة لإصداراتها تتحكم فيها بشكل أكبر، لديها هي الأخرى مآزق خاصة بها تتمثل في التمويل وتكلفة إنتاج الكتب العالية، ومحاولة خلق توازن بين إنتاج كتاب جيد من ناحيتي الشكل والمضمون يمكنه في الوقت ذاته أن يحقق ربحاً عند طرحه في السوق كسلعة من خلال مكاتب البيع. وهو أمر ضروري لهذه المؤسسات حتى تستطيع الاستمرار في ظل حالة تراجع عامة لوضع الثقافة المصرية، وفي ظل حالة متفاقمة من ضعف وسوء التوزيع.
لذا يصبح من المهم جداً البحث في جذور المشكلة بالأساس: كيف بدأت؟ وما الأسباب التي أدت إلى حدوثها؟ حتى يمكننا بشكل عملي الوصول إلى حلول عملية يمكن تطبيقها لإيجاد مخرج مناسب للتغلب على المشكلة، بدلاً من التحدث بشكل نظري فضفاض تنتهي فعاليته بمجرد الانتهاء من الحديث عنه.

عن ملحق ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق