” ببجي الخِلافة ” في عصر ما بعد الحداثة

يبدو أنَّ عصر الوسائط الديجيتال هو الواقع الطّاغي بلا منازعٍ. إذ تتضاعف فيه دلالة الأحداث بصورة مذهلةٍ، وتتعلّق إفرازاتُّها بالذّاكرة وبالعيون الّتي تشاهد. وسيكون القول الفلسفي لما بعد الحداثة ليس تنظيراً ميتافيزيقياً بقدر ما يلتقط أفكاره حيّةً من عالمنا الرّاهن. عالمٌ جاءته الخلافة لدى الدواعش بشحمها ولحمها التراثي الغابر، أتت بالصّراعات الدمويّة حول الدّين والسّياسة والمجتمع، حول الطّوائف والأحزاب، حول الجماعات والتّنظيمات، حول النّصوص والفتاوى، حول الدولة والخليفة وشروطه وهيئته ورسمه، حول الإيمان والكفر، حول دار الحرب ودار السلام.

وتلك الأشباح الرمزيّة باسم الشّريعة دٌمجت تحت رحى الخلافة الإسلاميّة الديجيتال. فبعض التّصورات الدينيّة تمثّل قبوراً طائرة من واقع الوسائط السّارية فيها وقد حانت الفرصةُ لمن يملأها خلال مرحلةٍ إلى أخرى. لا يفهم ذلك سوى صُنَّاعُ لاهوت العولمة المسلَّحة ولاعبيها، هؤلاء البارعون في حياكة الأفكار وتطريز العبارات وقصف أظافر الدّول والمجتمعات وتجهيز أرض المعارك لابتلاع ما يواجهون.

بأيّة معايير سنتّفق أو لن نتفق، لم تكن خلافةُ أبي بكر البغدادي إلاَّ نموذجاً جامعاً لضحايا التّصورات الهُلامية الّتي يعتنقها الاسلاميون. وما أكثر التّصورات القاتلة الّتي يفرزها تاريخ “السّياسة الشّرعية” حتّى غطّت مناحي الحياة. فالذهنيّة الّتي ترعاها لا تمتلك تراثاً عقلانياً ولا تاريخاً نقدياً ولا استفهامياً للأعمال والأزمنة والرّجال. الخيال الّذي يجمعها بالحياة ليس خيالاً عادياً، بل هو شقيق الأساطير تلاعُباً بالعالم والكون لأجل ما يُؤمن. وقد بات الدّين في آفاق العالم الاسلامي راكضاً خلف تصوّرات عنيفة ركضَ الوحوش في البريّة. كلّ يوم يخرج خليفةٌ(من العدم) انتظاراً لتنصيبه على كرسي السّلطة وليس عليه الخروج من منصبه، كلّ يوم يُعلن تنظيم ما عبّر أحراش المجتمعات إقامة دولة الاسلام ولا يدري أيَّ إسلام يريد!! ولا يكفّ سواه عن منازعته راية الخلافة تحت أسنة الرّماح ذاهباً مع الحروب إلى أقصى حدٍّ.

وها هو ترامب- خليفةٌ من نوع آخر- يُدخل البغدادي قبراً، نفقاً على حدّ قوله. يقول ترامب: أثناء مطاردته دخل البغدادي نفقاً مسدوداً من الطّرف المقابل، حُشر فيه وهو يدري أنّه لن يوصله إلى ما يريد وكان ينازع مصيره وهو يصرخ باكياً مخافةَ الموت…”. إنَّ خليفة الدواعش وضع نفسه بهذا المأزق مثلما وضع أتباعه ووضع مجتمعات المنطقة في نفق الخلافة المظلم. فالأخيرةُ لا تُوصل الشّعوب إلى أي منفذٍ للهروب على العصر. العصر الحيّ الأكثر تطوراً غدا ضيقاً كأنبوب في فم الخليفة. كلّ أنفاق الخلافة اللاهوتية لا تؤدي إلى شيء، فصائل الاسلام السّياسيّ منذ جماعة الإخوان وفروعها المنشقّة عنها رفعت الاعلان نفسه(الخلافة) ولكنّها لم تجن سوى الخبال السّياسي.

أتت الخلافة كألعاب قتاليّة بمثابة المذبح الّذي يُنحر عليه المسلمون وغير المسلمين. وقد حوّلت دار الإسلام بشكل ساخرٍ إلى دار حرب بامتياز. وبكلام ترامب الاعلاميّ يُظهر المسألة كأنّها ملعب افتراضي بحدود التّاريخ والجغرافيا. فالكلمات الأولى الّتي نطقها تعليقاً على قتل البغدادي، هي” أنَّ الولايات المتحدة قضت على أكبر إرهابي في العالم”. وهي كلمات مؤسّسة باعتبار أمريكا أعظم قوّة في المشهد ولن تتنازل عن ذلك طالما تحارب أعداء من هذا الصنف. وبالتّالي حينما تقتل شخصاً، فلن يكون شخصاً عادياً، هو خليفة(يا لهول هذه الكلمة اللّعبة في التّاريخ)، رأس أكبر تنظيم إرهابي.

داعش بلغت شأواً كبيراً في الارهاب تفهمه أمريكا جيّداً، كان تنظيم القاعدة تنظيماً وظيفياً عابراً للدّول والقارات، وغير مستقر في مساحة بعينها وله كامل الأهميّة من واقع الضربات الخاطفة الّتي يقوم بها، ثمّ يأتي دور الوسائط الإلكترونيّة للنّفخ في الأحداث لصالح القوى الحربيّة على الأرض. والقاعدة ظلّت صورة مرعبة من جهة الأخيلة الشبحيّة العالقة بها. أمَّا داعش كما يقول ترامب، فهو الّذي أسّس دولة ملموسةً وجمع مجاهدي العالم من كلّ صوب وحدب وكانت له قوّة حربيّة قاتلة على جبهات القتال وأراد اجتياح لا منطقة والعراق والشّام فحسب إنّما العالم بأجمعه.

كان البغدادي يلمّ تحت عمامته السّوداء ولحيته المحناة مساحة بعمر حضارات وثقافات ودول غارقة في الزّمن، صورته لا تتوانى عن دفع مجاهدين من أقاصي العالم وأدناه. جمعت الأوروبيين والشّرقيين والشّعوب الصّفراء والحمراء، هؤلاء نطقوا لاهوتاً جهادياً رهن أوامره. نسب إلى  “قبيلة قريش” كاستحقاق أخير مزيّف  لمن يكون خليفة في زمن ما بعد الحداثة. ثمّ غدت الدّولة الداعشيّة أضخم تكتّل قريشي راهن، كانت تأمل أن تظلّ سارية إلى قادم السّنوات. ولو أطلقنا العنان للخيال لأدركنا أنّ أراضي تنظيم الدولة الاسلاميّة لم تكن إلاّ ساحة مقابر بحرفيّة الكلمة على غرار التّصورات الّتي تنتجها. في كلِّ ثانية، في كلّ برهة يتمّ حفر القبور ونحر المرتدّين والكفّار وتقطيع الأجساد ودفن الجثث. كانت دولة الدّواعش بالنّهار عمليات” كَّر وفرّ وقتال”، وباللّيل عبارة عن مواخير لسبايا المجاهدين على جبهات القتال. إذ انتصبت الخلافة لدى التّنظيمات الاسلاميّة على أعتاب الحضارة المعاصرة كخيمةٍ للدّعارة باسم الجهاد وإنزال الفاحشة ببنات الكفّار!!

لكن من الّذي صنع ” الخليفة الديجيتال”؟ من الّذي سلّحه؟ من الّذي أمدّه بالخرائط والأموال والعتاد اللّوجيستي؟ من الّذي سمح له بالتّمدد كالثّعبان ما بين نهري الفرات وبردى، ما بين الفرس والرّوم، ما بين العرب والتّرك. جميع ذلك لا يهم … المهمّ أن ينظر المشاهدون فيرون صورة ترامب على الوسائط الإلكترونيّة وقد ازدادت حجماً وقوّة وحدّة في الملامح والعبارات. اخترقت كافّة الحقائق وصغرت تجاهها أيّة أفعال أخرى ولو كانت أفعال القتل والدّمار. إنّ الملاعب السياسيّة في عالم الافتراض أكثر رعباً ممّا نتوقّع ولن تكون أقلّ تأثيراً ومعاودة وتكراراً من ذي قبل. من هو الخليفة الديجيتال القادم؟ من الّذي سيصمّم حركاته ومساره التّاريخي الجهادي؟!

الانتظار(انتظار ظهور ترامب) له دور لا يقاوم من جهة تضخيم الحدث، حيث أعلن البيت الأبيض- عقب شيوع أخبار مقتل البغدادي-  عن خطاب وشيك للرّئيس يوضّح الملابسات ويتلقى الأسئلة حول العمليّة. لم يتسائل أحد ما إذا كان الخليفة الأكبر قد قتل حقاً أم لا؟ ولم يشكك أحد سوى روسياً في واقعة القتل، حيث أشارت إلى كون المنطقة (قرية باريشا بإدلب) تحت مراقبتها طوال الوقت وتدرك حجم تحرّكات الجهاديين فيها. وأنَّه على أمريكا أن تقدّم الدّليل على صحّة ما تقول!!

كان المسرح الافتراضي أمامنا وعبر شاشات التّلفاز في أوج بريقه الإعلامي وعلى أعلى مستويات التّخييل والإيهام. قوى سياسيّة تتناحر في جوف أدمغتنا(روسيا وأمريكا والغرب إجمالاً)، بينما نحن أصحاب المنطقة العربيّة لا نعلم شيئاً، أي شيء، عمّا يحدث أوحدث. مثلما لم يكن لنا أيُّ قرار في إدارة  الخلافة الديجيتال، فلقد نشأت وتعملقت وتسلّقت وزحفت وتضخّمت في عقول أتباعها وأعدائها راهناً كما تضخّمت طوال التّاريخ ونُسجت حولها الأساطير دون معرفة بحقيقتها وما هو حجمها الفعلي في تاريخ الاسلام وما إذا كانت من أصول الديانة أم لا؟!

شهد “مسرح ترامب” مصطلحات من قبيل: مات البغدادي كـ” الكلب والجبان”. فالخليفة أصبح كلباً على مرأى ومسمع من المتفاعلين الافتراضيين. وكم كانت الكلاب تعوي باسم الخلافة حتّى يحين التّخلص منها حدث ذلك بالموصل ونينوى وصلاح الدين في العراق، هل كلاب التّنظيمات الإرهابيّة تدرك هذا الدّور القميء؟ كيف يُوصف صاحب المكانة المقدّسة بدور كلبي إلى هذا الحدّ؟! معنى هذا أنّ الكلاب الارهابيّة يتمّ رعايتها وحمايتها لتأدية الأدوار المنتظرة. أي أنَّ ترامب يوصف رعاياه الإرهابيين بما يليق بهم في احتفال حربيّ بقتلهم. سياسات الكلاب إحدى حيل الخلافة المعاصرة وسط واقع لا يملك أصحابها منه شيئاً سوى القتال والانتحار. ففي الحقيقة لا يستطيع أي تنظيم إرهابي إنشاء دولته لا أقول جماعته -على تلك الخريطة- إلاّ بموافقة القوى العولميّة كأمريكا وروسيا. الإرهابيون هم أظافر تحلّ محلّ القوى المهيمنة في أقاليم الصّراع الثقافيّ والحضاريّ والاقتصاديّ.

ذلك في مقابل “الكلاب الوفية” على حدّ قول ترامب، كلاب القوّات الأمريكيّة الّتي ساهمت في اغتيال البغدادي. فحينما سئل ترامب عن ضحايا العمليّة، كان رده أنّ جنودنا بخير لم يُصب منهم أحد، كانت هناك فقط بعض الإصابات في الكلاب الّتي طاردته. أي كما يفهم ضمناً أنّ كلاباً مدرّبة ووفيّة تطاردُ كلباً متمرّداً وخارجاً عن قبضة أمريكا ولابدّ من الإجهاز عليه.

وهذه التيّمة في ألعاب الخلافة تمسك بتلابيب عبارة ترامب في وصفه للعمليّة بكونها “فيلماً رائعاً”. عبارة بالغة الخطورة، فهي عقدة الدراما في خطاب أمريكا وما تفعله بالإرهاب وبالمنطقة العربيّة لا مجرّد كشف ملابسات مقتل زعيم داعش. إنّ البيت الأبيض لا يختلف في كثير ولا قليل عن ” سينما هوليوود”، الشّاشة العولميّة واحدة، وأفلام الأكشن action films تتماثل حرفياً، وليس لنا نحن العرب إلاَّ التّصديق، حيث كان النّفق واحداً بالنسبة للبغدادي وللشّعوب العربيّة الإسلاميّة. النّفق هو القبر الّذي احتوى الخليفة كما مثّل الارهاب نفق العالم  العربيّ وقبره كذلك.

عند هذه النّقطة اختلطت حركة الأوراق ولن يفرزها ويفكّ خيوطها سوى لعبة Player Unknown’s Battlegrounds وترجمتها الحرفية(ساحات معارك اللاّعبين المجهولين) واختصارها (ببجيPUBG ). وهي لعبة تفهمنا معنى الخلافة الديجيتال الّتي تلاعب بها ترامب وأشركنا في خيوطها، ونحن  بدورنا- دون وعي ولا قدرة لمعرفة أبعادها- اندمجنا داخل ساحات المعارك المجهولة وما زلنا.

حيث يتمّ اللّعب – ضمن قواعد الـ” ببجي”- بأسلوب التّصويب من منظور الشّخص الأوّل أو الثّالث، وقد يصل عدد اللاّعبين إلى مائة لاعب كلّ منهم يهدف لأنْ يكون هو النّاجي الأخير. ويمكن للاّعبين الاختيار بين الخوادم(نظام بوظائف تلبّي الطّلبات الواردة من أيّة حواسيب على الشّبكة) والّتي يكون فيها اللاّعب وحده(فكرة الذّئاب المنفردة) وليس ضمن فريق معيّن، أو اختيار الخوادم الّتي تسمح للمشاركة بشخصين في الفريق أو أربعة(فكرة التّنظيمات). في كلّ الحالات، يعدّ آخر شخص أو فريق باقٍ على قيد الحياة هو من يفوز بالمباراة. حيث كانت أمريكا هي القوّة النّاجية الوحيدة من تلك اللّعبة في ساحة الاسلام السّياسيّ. وظلّت تصوِّب بأوراق الخلافة لدى الجماعات الإرهابيّة ولم يكن البغدادي(ومنصبه الرّمزي الخليفة) إلاَّ مجرّد هدف استراتيجيّ مزدوج.

إنّ لعبة “ببجي الخلافة” الإسلاميّة لها وجهان… أوّلاً: اصطياد جماعات الاسلام السّياسيّ الّتي تجري ورائها. أي تجميعها من شريان ودروب العالم العربيّ باسم الدّين. ألاَ تطلبون خلافة على مناج النبوّة؟!! إذن فلتدخلوا هذه اللّعبة في السّياسة وبأسلحة حقيقيّة هذه المرّة. فلتكن داعش هي الجوكر حتّى يتمّ التّصويب عليها بجوار لاعبين محلّيين وتنظيميين آخرين. وبعد أنْ يبقى الدّواعش لهم الغلبة في التّصويب والقتل، يتمّ فسح المجال لهم لتدمير المجتمعات ونهب الثّروات وإشاعة الفوضى وبثّ المخاوف، وبعد أن يظنّ اللاّعبون الأضعف قدرة التّنظيم على السّيطرة، يكون النّاجي الأخير(أمريكا) هو القادر على قتل الجُوكر( القشاش) في نهاية الأمر(عملية قتل البغدادي).

 ثانياً: حرق المراحل وإيغال أمريكا في المجتمعات العربيّة والهيمنة على ثرواتها وإدارة الخيال السياسيّ والأحداث لأجل مصالحها. وبالتّالي سيكون اللاّعب المحلي(الخلافة) مغذياً لخيال الإسلام السّياسيّ وحاشداً لآفاق المجتمعات العربيّة باتّجاه التّخلص منها بالوقت نفسه. لكنّ أمريكا هي الرّابح الوحيد حيث النّفط والثّروات والجباية العولميّة وتجارة الحروب والدّماء الرّابحة. فأسواقها تخلط بين الـ” ببجي PUBG” والاستهلاك الّذي بلا حدود. وبالتّالي تغدو الحروب ضرباً من اللّعب على الذّخيرة الرمزيّة المتمثلة في الدّين والثّقافة والتّخلص منهما بجانب ذلك. الأمر بالنهاية هو كيف تتحوّل الخلافة إلى جهاز سياسيّ حربيّ أشبه بالحزام النّاسف الّذي يدمّر أصحابه ويحقّق أكبر قدر من المكاسب!!

هكذا تمّ اصطياد البغدادي داخل ببجي الخلافة بهذا المنطق، لقد كانت العمليّة فلماً رائعاً.  حتّى أنّ سيّدة البيت الأبيض الأولى -على لسان ترامب- قالت هذا شيء مذهل لم أره من قبل. ولم تذهب الكلمات دون أن تجر وعينا الهشّ نحو ما تريد أمريكا،  يا لهذه الرّوعة في القتال والطهرانيّة في الهدف. كالـ” ببجي” تماماً حين تضع اللاّعبين والمتابعين مراقبين يشملهم الحياد المجاني والزّائف متجاهلين من يدير حلبة اللّعب والقتال.

لعب ترامب على هذا الوتر وقد أشرك العالم العربيّ كلّه في ببجي الخلافة، لقد أشار مراراً: يجب عليكم ألاّ تأبهوا بمقتل البغدادي، فقد أحرق العديد من الضّحايا وذبح المعارضين لدولته وقتل الغربيين ودمّر المدن وشرّد الأيزيديين والكرد. وهؤلاء جزء من الـ” ببجي”، لكنّ اللاّعب الأمريكي أجهز عليهم مبكراً، حتّى يظفر هو باللاّعب القاتل(داعش) الّذي أجَّل نهايته كي تكون عولميّة.

أيضاً أخذ ترامب يخاطب العرب بأنَّ البغدادي هو من أذلّ المجتمعات العربيّة والإسلاميّة الّتي حلّت فيها خلافته وأسامها سوء العذاب(حرق الطيّار الأردني، ذبح المصريين الأقباط بليبيا). وهو بهذا يمارس حلْباً للدّول العربيّة الثريّة على طريقة الممالك والأمارات الّتي اعتبرها” بقرة حلوباً” في وقت قريب. وهذا جزء من ببجي سياسي تكون الخلافة فيها “ورقة ابتزاز” اقتصادي تجعل أمريكا مخلصاً منتظراً على الدّوام من الإرهاب الّذي ساهمت هي في صنعه(من ذقنه وافتل له كما يقول المثل الشعبي). أمريكا تمارس دور المبتزّ المتزلّف والقاتل بالوقت عينه، وهو  التّطهر والاغتسال الكوني من الجرائم وبمساحيق وأدوات من أرض المعارك نفسها.

ولم يكتف ترامب بهذا إنّما أوعز إلى أتباع داعش بالمكايدة والتّشفي والنّكاية والسّخرية. فالجائزة للمقاتل الأخير(أمريكا) بينما التّشفي والوبال من نصيب المشاهدين وإن رأوا عجلهم(كلبهم الأكبر) يذبح أمام الأنظار. نوّه ترامب أنّ البغدادي كان مذعوراً مرعوباً ولم يكن زعيما ينادي بالاستشهاد والجهاد كما يروّج أتباعه. ولا تخفى الإغاظة بأنّ الدّواعش كانوا يتّبعون سراباً ولا يمشون وراء قائد شجاع وصنديد.  ليتساءل المتلقي: هل يكون الخليفة كلباً نابحاً بهذه الطّريقة وقد مات مختنقاً نتيجة جُبنه إزاء كلاب الجنود الأمريكيين؟!. خليفة لا يقوى على الالتزام بما قال في حثّ أتباعه مراراً على الجهاد والاستشهاد بشجاعة وأنّ لهم الجنّة والحور العين.

وليس هذا فقط بل أشار ترامب إلى أنَّ أمريكا احتفظت بأشلاءٍ من جسد الخليفة، جزء من عار الخلافة لتحليل DNA))، وربّما أمريكا تعبر: لن يكون جسد الخلافة حيّا إلاّ ويكنس المجتمعات الّتي ينزرع فيها، وسيكون ميّتاً لدينا كوثيقة بيولوجية يظفر بها النّاجي الوحيد، الفائز الوحيد. وبينما نحن منشغلون بهول العمليّة وحدودها الخياليّة، يذكر ترامب أنَّ جنوده ظفروا كذلك بآلاف الوثائق والخرائط من موقعها مرتبطة بخطط داعش في المستقبل وكيف سيرسم تواجده على الأرض. ولذلك لم يفُت ترامب التّحذير بأنّ خلفاء البغدادي المحتملين تحت أعين القناص الأمريكي وسيأتي دورهم الغبي في اللّعبة نفسها، فلم تنته ببجي الخلافة بعد، لأنَّ اللاّعبين المرسوم التّخلص منهم بعد أداء أدوارهم سيأخذون قريباً أوضاعهم وستتكرّر الألعاب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق