حلم عابر ومثقفون عابرون / ‫- فيصل دراج

«مدينة أقرب إلى الحلم، لا سلطة تراقب الناس، ولا مخبرون يحفرون في قلوب البشر، ضيقة واسعة، ومحاصرة مفتوحة». كلمات قالها الروائي غالب هلسا، ونحن نمشي في زقاق، قطعت عنه الكهرباء، في مدينة بيروت. كانت الحرب التي عطّلت السلطة لا تزال قائمة، وغالب قادمًا من بغداد التي رُحِّل إليها من القاهرة عام 1976م عاش فيها ثلاث سنوات.

لم أكن التقيت غالبًا، الذي بدا طفلًا كبيرًا، نسي لغته الأولى واعتنق اللهجة المصرية. كنت قرأت روايته الأولى «الضحك» التي ترجم فيها الاغتراب أكثر من مرة، وروايته «الخماسين» التي وصفت معتقلًا سياسيًّا، استجار من التعذيب بالسماء، وأطلق صراخًا نفذ من الجدران والنوافذ ومرّ بساحة السجن وتسلق الهواء مستعطفًا قمرًا ساطعًا في ليلة باردة. لم أكن أذكر غالبًا، قبل أن أراه، وبعد أن رأيته، إلا تذكّرت «سجينه المعذب» الذي ضاقت به الأرض وانفتح على الفضاء. سألته بعد اللقاء عن سجينه، أجاب: عرفته شخصيًّا، خرج من المعتقل ودخل في صمت طويل، لازمه حيث ذهب.

كان لهلسا وجه طفولي مليء، حافظ على قسماته الأولى، وشعر أقرب إلى الحمرة، ومشية مندفعة تصدم الهواء وتتطلع إلى فوق، يدعمها كتفان عريضان يلازمهما، صيفًا وشتاء، معطفٌ لا يتغيّر.. له صوت هادئ لا يرتفع إلا مصادفة، وسيجارة عصية على الانطفاء، وجهه البشوش وجملته الأليفة: «نشرب القهوة معًا!!»، التي تتبعها بعد ابتسامة عابرة، إشارة إلى الروائي الفرنسي أندريه بلزاك، الذي «قتلته أربع مئة ألف فنجان من القهوة»، كما لو كان غالب قاسم بلزاك كتابة الرواية والتآلف مع الموت في آن.

دخل الجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة، وحافظ على براءة لا تغيب، وعرف السجن وشغف بالسياسة واختلف إلى منافٍ عربية متعددة، ولم يغادره وجهه الطفولي. ولعل هذه الطفولة المستقرة زرعت فيه محبة للناس وخشية منهم، يؤثر الصمت ويخاصمهم كتابة ويوغل في الخصام ولا يتجاوز الكتابة، حال موقفه من جبرا إبراهيم جبرا وحنا مينة و«أدب المقاومة»، وهو الذي مايز بين «الأدب الثوري» و«الثورة في الأب»؛ إذ الأول شعارات تذوي قبل غروب الشمس وفي الثاني عمل في الأشكال وسجال مع النصوص المبدعة.

غالب هلسا مشاء يوغل في التذكار

كان في تجواله الطويل، وهو مشّاء بامتياز، يوغل في التذكار، يبدأ بماعين حيث ولد عام 1932م، ويتوقف ويذكر أمه بجملة مبتورة، ويمر على امرأة جميلة العينين، لاعبته طفلًا، وغازلها شابًّا، وحلم بها كهلًا، كأنها امرأة الأحلام يراها القلب ولا تبصرها العينان. وقد يوغل في الحديث عن بيت مهجور عبث فيه صبيًّا، ويمر على بائع مصري بسيط يساهر النيل ويسهر معه غالب ويتساهران مستذكرين فتاة جامعية تجلس نهارًا وحيدة على شاطئ النيل، ربما كان في الفتاة المستوحدة شيء من شخصية «نادية»، التي داعبها في روايته «الضحك».

أفسح للذكريات مكانًا في روايته «البكاء على الأطلال»، واستدعى في مجموعته «وديع والقديسة ميلادة وآخرون» طفلًا فضوليًّا يمتعه الكلام ويتأذى من الصمت. كان يبدو، إن بسط يديه على ركبتيه ونظر إلى البعيد، إنسانًا من ذكريات يحلم بما كان ويجعل حاضره حضنًا لما تولّى مناجيًا «سلطانة»، عنوان روايته الأثيرة، الشابة الفاتنة التي تصد الزمن. كان يمشي معنا ويعد بأنه سيعيش «مئة وعشرين عامًا»، وهو الذي لم يبلغ الستين، توفي في 18/12/1989م. ربما عذوبة الذكريات هي التي دعته إلى أن يقول بشجن ذات مرة: حين أرجع إلى أمي أصبح شابًّا.

ومع أن الذي تسكنه طفولته يرغب عن المخاطرة، كان غالبًا عاشقًا لمواقع الخطر مؤمنًا، ربما، أن الموت لا يحسم الأطفال. كان يمر ببيتي، خلال الهجوم الإسرائيلي الواسع على بيروت صيف 1982م، في عز الظهيرة، مرتديًا معطفه، يمسح عرقه ويطلب ماء ويردّد بلهجته المصرية: الطقس حرّ قوي. إذا سألته: أين كان؟ استكمل عفويته، وأجاب: «أتفقد الشوارع، فارغة تمامًا، خوفًا من الطائرات»، ويتهيأ للخروج قائلًا: «أريد أن أتفقد الرفاق المرابطين على البحر». وكان رفاقه «شعراء» مقاتلين، لا يعرفون عن السلاح إلى القليل، اختاروا هامش الحياة وندّدوا «بالقيادة الرسمية»، أشرف معهم على «مجلة الرصيف» التي تثني على الحرية وتسخر من الانصياع. لست أدري إن كان يتفقّد أمكنة الخطر أم يفتقد طمأنينة تساوي بين الحياة والموت. والأرجح أنه كان يحدّق في الطائرات المغيرة ويحاور قلبه هازئًا بعالم آثم لا سبيل إلى إصلاحه.

ما ذكرتُ غالبًا إلا وذكرت روائيًّا عراقيًّا أَلِفَ البساطة والمنفى يُدعَى: غائب طعمة فرمان. حين زار بيروت عام 1981م أردنا، أنا وسعد الله ونوس، أن نجري معه مقابلة لصحيفة السفير كان سعد الله مسؤولًا عن قسمها الأدبي، فوجئ الرجل وقال مدهوشًا: «مقابلة معي، معي أنا، هل أنا جدير بلقاء أدبي، ناقد ومسرحي كبير؟». التف بأعضائه وبدا خجلًا، كأنه لم يكتب رواية: «النخلة والجيران»، التي حظيت بتقدير كبير، قبل زمن، ولا رواية «خمسة أصوات»، التي احتفى بها الفلسطيني غسان كنفاني، ولا أنجز ترجمة رائقة لأعمال أنطون تشيخوف وغيره من الأدباء الروس. كان أديبًا حقيقيًّا، تصرفت حياته به ولم يتصرف بها كما أراد، وسلبه المنفى المتواتر سهولة الكلام.

طلب قبل الحوار أكثر من كوب ماء، ومسح نظارته وقال: «جاهز عيني، بس أبغي أن لا تكون الأسئلة صعبة». بدا بأناقته الرسمية عجوزًا يدخل مسابقة لم يتهيّأ لها. سأله أحدنا: كيف تقرأ علاقة الأيديولوجيا ببنية العمل الروائي؟ أذعره السؤال وأجاب بعد حيرة: «أيديولوجيا، أيديولوجيا! أن لا أفهم الكلمات الكبيرة، أكتب ما تهمس بي روحي وأترك قلمي يكتب كما يريد». كان قد أصدر حديثًا عن دار الآداب روايته «ظلال على النافذة»، استعاد فيها بغداد قديمة ورسم «ظلالها»، مدركًا أن المنفى أقام بينها وبينه ستارًا كثيفًا. سأله سعد الله: «كيف تكتب عن مدينة لم ترَها منذ زمن؟» أجاب: لا أصف وجوه البشر وضوضاء الشوارع إنما أكتب، أولًا، عن روح المدينة التي تسكن روحي، وتخاطب الأرواح خاصة أن بعض الذين عرفتهم ما زال على قيد الحياة، ولا يبخل علي بالرسائل والصور. غابت عني أشياء كثيرة، أكتفي اليوم بالشميم». اختلج صوت العراقي الطريد وطلب «ما يبلّ به الريق».

كان الرجل يتذكّر، وقد وهن بصره، يدرك أن مواقع الصبا خالطتها الأطلال، ويسكب على الأطلال ألوانًا معتمة. وكإنسان مرت به غفوة قال: «أكتب عن أصوات بغداد كما استقرت في الذاكرة، لا أتخيل الأطلال، بل عما أرغب أن يظل هناك». نسي، ربما، أن وراء الرغبة المقموعة يتمادى الاغتراب، وأن تصوير العسل لا يجلب الحلاوة إلى الفم. سألته: «كيف تكون روائيًّا واقعيًّا، وتتمسك بماضٍ اجتاحه التحوّل؟». غضب عندها وقال: «إن كل الأدب الكبير أدبٌ عن الزمن المفقود». لكنه ما لبث أن ابتسم مستسلمًا وقال: «ربما لم أعد واقعيًّا، كما كنت، ربما دفعني المنفى إلى واقعية جديدة. انتظرا، على أية حال، روايتي القادمة: «المشتهى والمؤجّل». لم يدرك أن المشتهى هو المؤجّل، وأن المؤجّل يوافيه الأجل قبل أن يصل، وأن الضباب سيكون بطل رواية قادمة دعاها: «المركب».

سألناه عن شخصيات أحبها في روايتين قديمتين «النخلة والجيران» و«القربان». أجاب: «العجوز الخبازة التي توقظ الديكة قبل أن تستيقظ ماتت في الواقع، ولم تمت في الذاكرة»، أما الحائرون في الرواية الثانية فحيرتهم القديمة أهون من حيرتي القائمة. لا يوجد عندي أبطال منتصرون والأدب الصادق موضوعه الخيبة». ترجم كلام «غائب» شقاء منفى متوالد، وضع رغباته خارجه، وطوّح بخارجه إلى مكان مجهول وعبّر، في الحالين، عن اغتراب ينهش جسد الإنسان المغترب. كان غالب هلسا كلما التقى أنثى في بيروت عاجلها بدعوة خجولة: «إيه رأيك في فنجان قهوة»، وكان غائب يشرب قهوته وحيدًا.

تقاسم غائب وغالب أطيافًا بغدادية وهدوءًا متواضعًا، على خلاف الروائي الجزائري الطاهر وطّار، الذي يبدأ مبتسمًا ويخلّف وراءه رمادًا. التقيت الأخير مع غالب في «دار ابن رشد» ـ كانت في نهاية كورنيش المزرعة ـ لصاحبها السوري سليمان صبح الناحل البشوش الذي ينسى الأسماء ويستعيض عنها جميعًا بكلمة «هذا الواحد». ويطلق ضحكة صاخبة. سلم غالب وانصرف، وترك وطّار يتحدث عن روايته «الحب والموت في الزمن الحراشي»، ويسلم مخطوطته للناشر السوري، ويتابع الحديث بعربية فصحى مبرأة من اللهجة الجزائرية.

قال وطّار: إن روايته الجديدة جزء ثانٍ لروايته: «اللاز» التي حظيت بانتشار واسع، واستكمال لروايتيه: «الحوات والقصر»، وهي أسطورة شعبية و«الزلزال» التي ناصرت «الثورة الزراعية» وانتصرت لها، وامتداد لمجموعته القصصية «الشهداء يعودون هذا الأسبوع». حاورته بعد قراءة روايته الجديدة، بدا ممتلئًا بذاته فخورًا بما أنجز، يتقبّل المديح بمسرّة، ولا يقبل النقد إلا على مضض.

سألته هل يعتبر «اللاز»، ويعني «الآس» عند لاعبي الورق، بطلًا إيجابيًّا، بلغة ذاك الزمان، أجاب مسرعًا: بكل تأكيد. قلت: لكنه لم ينتصر وظهر مهزومًا بين مهزومين، ردّ قائلًا: «إن ما يبدو مهزومًا في لحظة، يرجع منتصرًا بعد حين، ومثال ذلك ظاهر في روايتي «الزلزال»، التي سجّلت انتصار الثورة الزراعية وهزيمة الأعداء الطبقيين هزيمة أخيرة». لم أدرِ، حينها، إن كان يتحدث باسم «حتمية تاريخية مجردة»، أم باسم سلطة سياسية حاكمة، ترى في انتصارها الذاتي نصرًا للجزائريين جميعًا. بدا الروائي مقتنعًا بما يقول، موقظًا في ذهني أسئلة عن الفارق بين الوهم والتخييل، وعن سطوة «الأيديولوجيا الحزبية»، التي تسبغ على المتوهم أبعادًا حقيقية، وتلك الحتمية التي كانت، في ذاك الزمان، «فلوكلورًا» يرضي قدرية فقيرة.

دفعتني «إيمانيّته الذاتية» إلى مواجهته بنرجسيته المفرطة الساخرة في روايته إلى جانب «الحب والموت في الزمن الحرّاشي»، التي كتب فيها أن «التاريخ سيعطي اسمه مكانًا إلى جانب أراغون وإيلوار وماركس وأنجلس….». قلت له: هذا استكبار لا يجوز، فأجاب محتدًّا: «يجب أن تقرأ روايتي من وجهة نظري، ونظر الجزائريين جميعًا، لا من وجهة نظر برجوازية…». تساءلت في سري حينها: إن كان الانتساب إلى السلطة يفضي إلى العماء؟ وهل في هذا الانتساب ما يمحو المسافة بين روائي ومسؤول بيروقراطي محوّط بالعسكر والعسس؟ وهل هناك من مثقف حقيقي لا تلازمه الكآبة والشعور بالإخفاق؟ بعد إخفاق «الزلزال الوهمي» واقتراب الجزائر من حرب أهلية جاء وطّار برواية جديدة: «الشمعة والدهليز»، خلع فيها تفاؤله واكتفى بضباب الفكر والكتابة.

يُفسد اختراع الواقع النظرَ والكتابةَ، ويملي على المثقف معادلات فاسدة الحلول، ويزيحه من عزلة نبيلة إلى عراء عالي الضجيج، ابتعد منه الروائي السوري حيدر حيدر، الذي عاش في الجزائر وعرف أهلها، وأدرج ما عاش وما عرف في رواية متشائمة المنظور: «وليمة لأعشاب البحر»، أغلقت صفحاتها بوحش أسطوري الأذى يدعى: السلطة القامعة. اختار حيدر، المثقف الساخر العصبي الطباع، أُنس البحر ليلًا، وامتلأ بصمته وضجيجه، وأدرك أن في الصمت حقيقة، وأن الائتلاف معه يستقدم ما هو حقيقي. بعيدًا من الغبطة كان، يلتف بعزلته ويسعى إلى تجويد الكتابة، وينتقل من كتاب إلى آخر موسعًا حواره الذاتي. ويكرر جملة عن الفقد والاغتراب: «ذهب الذين أحبهم، وبقيت مثل السيف فردًا». ولم يكن الفرد الذي يشبه السيف، إلا صديقًا كريمًا وروائيًّا حالمًا يمشي وراء كتابة، لا تشبه غيرها، كما كان يقول.

عاد حيدر، بعد سنوات إلى قريته وبنى مسكنًا بسيطًا على البحر، وعاجل الموت غالب هلسا في دمشق، ودفن غائب فرمان في ضواحي موسكو، واستقر وطّار في أرض بلاده. لكلٍّ كان حلمه وطبعه، والطبائع تتغير، والأحلام تتحوّل إلى أثير.

عن مجلة الفيصل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق