أنطونيو نيجري: صراع الطبقات ليس جولة نقاهة ‫- حوار: إلكساندر لا كروا

 

صوت مهم في الفكر السياسي المعاصر. بالاشتراك مع مايكل هاردت، كتب نصوصًا مارست الكثير من التأثير. يعني ذلك نصوصًا من قبيل «احتلوا وول ستريت». بالنسبة لنا، يوضح أنطونيو نيجري مفاهيمه الكبيرة ويعود بكل صدق إلى التزامه السياسي الذي عرف عنه خلال «سنوات الرصاص».

عدد قليل من الفلاسفة هم من يوحدون إلى هذه الدرجة بين الفكر والعمل، بين الاشتغال على المفاهيم والغرق في نزعة المقاومة السياسية. ولد أنطونيو نيجري في عام 1933م في إيطاليا الفاشية، ودرس أولًا فلسفة القانون عند هيغل، ثم الفينومينولوجيا والشخصانية التي ارتبطت باسم إيمانويل مونيير. بعد الحرب، كأحد أبرز الجامعيين في زمنه، بدأ في التدريس في جامعة بادوا في عمر الخامسة والعشرين. بين عامي (1945– 1955م)، بمناسبة مكوثه لمدة عام في كيبوتس(1) في إسرائيل، أصبح أنطونيو نيجري شيوعيًّا. يتعلق الأمر بالنسبة له بميل حقيقي، لكن أيضًا بعودة إلى الجذور: كان أبوه المتوفى في عام 1936م أحد المؤسسين لمنظمة الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) في ليفورن. منذ ذاك، لم يكفّ أنطونيو نيجري عن العودة إلى الساحة سواء من خلال التظاهرات، وحركة احتلال المصانع، أو من خلال إدارة مؤسسة نظرية تعنى بإعادة قراءة ماركس، دي ميشيفال، وإسبينوزا. وهو يعد أحد وجوه الحركة العمالية الإيطالية العظيمة التي نطلق عليها الأوبيرزم L’OBERAISME التي ولدت في عام 1961م، وصارت قوة سياسية حقيقية وقمعت بقسوة بعد مقتل ألدو مورو (رئيس وزراء الحكومة الإيطالية حينها الذي اختُطف وقُتل من جانب حركة الألوية الحمراء) في عام 1978م. على مدار حياته النضالية، أمضى أنطونيو نيجري ما يقارب عشر السنوات في السجن وتحت الإقامة الجبرية.

في السنة الماضية صدر له كتابان بالفرنسية: «الحشد ASSEMBLY» الذي سبق أن كُتب بالإنجليزية بالتعاون مع مايكل هاردت، متبوعًا بدائرة التأملات، التي كان قد بدأها بكتابه «الإمبراطورية» في عام 2000م وأثارت سجالات حية في الولايات المتحدة حول ما إذا كان هذا العمل يقدم شرعنة فلسفية لحركة احتلال ميدان وول ستريت ولكل حركات احتلال الساحات العامة التي ازدهرت على الكوكب على مدار العقد الماضي. من كتبه أيضًا: «الأشغال الشاقة والمنفى» نُشر بالإيطالية ويعود فيه إلى عصر الاضطرابات المسمى «سنوات الرصاص»، وهو التعبير الذي يفضل نيجري عليه تعبير «سنوات النحاس» وهما كتابان طموحان أحدهما عبارة عن دراسة والآخر سيرة ذاتية. بمناسبة صدورهما نجري مع مؤلفهما هذا الحوار.

● «الحشد» هو كتابكم الخامس الذي أسهمتم في كتابته بالاشتراك مع مايكل هاردت. كيف يمكن أن تصف طريقة عملكما معًا؟

■ أنطونيو نيجري: نبدأ بنقاشات مكثفة تفضي بنا إلى مخطط أولي. ونحن لا نسجل شيئًا من هذه النقاشات. لكننا ندوِّن ملاحظات بأسلوب حرفي. ومن ثم نبدأ بتقاسم «القطعة». كلانا يقرأ، يكتب، يبعث نتفًا من نصوص إلى الآخر الذي يقوم بإعادة كتابتها وتنميتها. نجري مكالمة هاتفية دورية ونتقابل أربع مرات في العام؛ كي نمضي أسبوعًا من العمل الشاق. مايكل هو ثنائي اللغة بالكامل (إنجليزي- إيطالي). بينما أنا لا أتحدث الإنجليزية أمام العامة – للأسف! لكني قادر على قراءتها وكتابتها. وعندما ننتهي من العملية فمن المستحيل أن نميز بين ما يعود إليه وما يعود لي، يتعلق الأمر بعمل بنيناه معًا.

● لا يشبه الأمر الكتب الموقعة من جانب دولوز وفيلكس جاتاري حيث يبدو كما لو أن الأساسي فيها كُتب من جانب الأول…

■ ليس الأمر على هذا النحو، حسب رأيي! لكن فيما يخصني، فأنا لم أعد شخصية جامعية منذ وقت طويل. لقد كنت كذلك حتى عام 1970م، ثم صرت ناشطًا. في السياسة، الكتابة الجماعية هي القاعدة، ناهيك عندما كنا ننتمي إلى حركة سياسية ترفض صورة الزعيم!

● في عيون هيغل، فإن من يغير مسار العالم هم الأفراد الاستثنائيون مثل نابليون. هل غادرنا زمن الرجال العظام؟ هل تكون الأفقية بصدد التغلب على العمودية كما يوحي بذلك «الحشد»؟

■ يجب الاحتراس لكيلا نخلط صورة الرجل العظيم كما يفهمها هيغل مع وظيفة الزعامة leadership. أما هيغل الرجل العظيم فهو من لديه إحساس نقي بمسار التاريخ. لدى التاريخ حركة محددة بهدف. والرجل العظيم هو من يرتبط بالثيولوجيا (دراسة الغايات، وبالجريكتيلوس «الهدف»، واللوغوس «العقل») وهو ما ليس له علاقة بالعمودية والأفقية. على العكس من ذلك، ما يقع في لب «الحشد» هو تشخيص الأزمة العميقة التي تعانيها الزعامة السياسية leadership. في فرنسا، يرى بعض في إيمانويل ماكرون الرجل المنتظر مع أنه لم يستطع أن يؤكد نفسه إلا عقب تفكك الحزب الاشتراكي والجمهوريين، وهما حزبان غير قادرين على أن يجدا لنفسيهما زعامة معقولة. في الولايات المتحدة، لم يُختَرْ رونالد ترمب من جانب الحزب الجمهوري لكنه استفاد من الأزمة في منطق نظام الحزبين. أزمة الزعامة هذه لم نعدّها مايكل وأنا كشيء سلبي لكن كإمكانية لاستكشاف أشكال جديدة من التنظيم. انظر إلى حركة المدافعين عن محيط كاتدرائية نوتردام (ZAD) والمنظمات الداعية للاعتراف بالسود التي لم تعد تملك زعيمًا بوزن مارتن لوثر كينغ. أو النضال النسوي من دون شخصيات قيادية أو احتلال ميدان وول ستريت أو لوس أنديانادوس. جموع تنتشر في كل مكان وتغير علاقات الهيمنة.

تحولات التاريخ الكبيرة
● لم تدع الرجوع إلى الحكم الطغياني يمر في صمت، يتعلق الأمر هنا بكل من فلاديمير بوتين في روسيا، برجب طيب أردوغان في تركيا، وبناريندرا مودي في الهند أو شي جين بينغ في الصين؟

■ لكن هذه الانحرافات السلطوية، إذا وضعنا حالة الصين جانبًا لأنها تمثل واقعًا مختلفًا، هي مرتبطة بأزمة نظام التمثيل الذي ورثناه عن القرن العشرين. إنها لا تجسد عودة إلى النظام الطغياني التقليدي لكن لحظة من عدم الاستقرار المتولدة مع العولمة. أن تصبح الرأسمالية عالمية، فذلك أمر واضح من وجهة النظر المنطقية؛ إذ إن العالم مليء بالمعلومات التي تمر تحت المحيطات، بالتدفقات البشرية، بالسلع، وبالأخبار… العولمة هي واقع لم يجد أحد حتى الآن الوسيلة للتحكم به. هنالك تباين شديد بين عولمة البنى التحتية والأنظمة السياسية الوطنية الآتية من الماضي. لهذا السبب يسم كتاب الإمبراطورية مرحلة داخل الفكر السياسي: إنه يتعلق بتجاوز خطاب العالمية الذي تكرر بواسطة اليسار القديم كي تتم الصياغة الواضحة لسؤال العولمة وإعادة ابتكار الحوكمة التي يتوجب أن ترتبط به… وكل ذلك كي أقول بأنني لا أظن أن بوتين، أو أردوغان، أو مودي يديرون فعلًا هذا العالم على الرغم من وضعهم التسلطي. الرسائل الإلكترونية ورؤوس الأموال والتدفقات البشرية تمضي بسرعة أكبر منهم! تحولات التاريخ الكبيرة تتأتى دائمًا من حركات طبقية وجماهيرية، من الأنسب إذن أن نلاحظ هذه الأخيرة وليس تحركات القادة.

● في إيطاليا، منذ انتخابات 4 مارس، تَشكَّلَ برنامج للتفاهم بين حركة النجوم الخمسة ورابطة الشمال، وأبدى مراقبون عدة تخوفهم من التحالف الشعبي في أوربا. كيف تنظر لهذه الأزمة؟

■ إيطاليا هي بلد عانى دائمًا مشكلاتٍ خطيرةً، وبخاصة مشكلة الانقسام بين الشمال والجنوب. ومن أجل التغلب على مشكلاته لم يتلقّ أية مساعدة من أوربا. بالأحرى فقد أدت النزعة النيوليبرالية إلى تدميره. وإننا لنحصد اليوم النتائج. ما العمل؟ أعتقد أن الحلول السيادية الشعبية، لليمين كما لليسار تنذر ببزوغ قوى مهمة في إيطاليا كما في كامل أوربا إذا لم تتغير سريعًا سياسات الاتحاد الأوربي النيوليبرالية. بيد أنني متشائم بهذا الخصوص.

● مصطلح «الشعب» كان من متطلبات أقصى اليسار وأقصى اليمين. المصطلح المرجعي لماركس هو «البروليتاريا». أما أنت فقد استعملت مفهوم «الجمهور». لماذا؟

■ هذا ليس مفهومًا جديدًا؛ إذ إننا نجده لدى توماس هوبز الذي استخدمه مع التوسع في دلالته السلبية. وكذلك لدى إسبينوزا مع التركيز على دلالته الإيجابية. عرف إسبينوزا الجمهور ككل من الفرديات (مصطلح «الفرد individu» يرتبط بالفردانية individualisme، نيجري وهاردت يفضلان عليه مصطلح «الفردية singularite») وهو الكل الذي لا يستطيع أن يسبره أي مبدأ موحد (كلياني) ولا يشكله الخضوع لسيد. إن مفهوم الجمهور هو مفهوم ديناميكي ومفتوح. هنا حيث نفترض ضمنيًّا أن ما يقابل البروليتاريا البرجوازية وما يقابل الشعب النخبة، يشير الجمهور إلى القدرة على التوكيد العفوي المستقل الذي لا يؤطره شيء ما عدا الدستور المشترك.

● أن تكون فردية، فذلك ما يشكل جزءًا من الجمهور… ألا يتعلق الأمر هنا بطريقة مجردة في فهم العالم الاجتماعي، في الوقت الذي تنشط فيه التوترات الجماعية؟ في نظركم، ألا تمثل المراسي الجماعية أية أهمية؟

■ افترضنا، مايكل وأنا، فهم ما هو اجتماعي. في إطار هذا الفهم، يتوجب تجاوز كل من هويات الجندر والطبقة والعرق أو الأمة. إننا نحيا في لحظة احتضار القرن العشرين. حيث صار مفهوم الحدود مفهومًا إشكاليًّا. انظر حولك. من هم الذين يعملون داخل المكاتب؟ رجال ونساء. متدينون وملحدون. أناس من كل لون من ألوان البشرة. شباب وشيوخ. يجب أن نغادر أماكن العمل وهو ما يحدث هنا. لنضرب مثلًا بالسيارة: إنَّ قطعها تُصنَّع في الصين وفي بولونيا ثم تنتقل إلى فرنسا… قم بزيارة إلى المدرسة التي تلقيت فيها دروسك الأولى في الحي، ستجد في كل فصل منها أطفالًا من كل الأصول. أثار دونالد ترمب رهاب الخوف من الآخر. إنني مستعد للمراهنة بأنه لن يفلح أبدًا في بناء سوره مع المكسيك؛ لأننا لن نستطيع أن نوقف التاريخ كما أننا لن نستطيع أن ننتزع الحرية من الجمهور. ليست الحرية مفهومًا شكليًّا، إنما مفهوم مادي. إن من يريدون أن يشيدوا جدرانًا ضد حرية الجمهور سيُحاصَرون ويُبتَلَعون، عاجلًا أو آجلًا؛ لأنك لن تستطيع أن تضع حاجزًا أمام العولمة.

● في عام 1950م، كان عامل ما لدى رونولت يعرف أنه ينتمي إلى البروليتاريا. فهل ينتمي بائع ما لدى H&M أو موظف ذو مرتبة عالية لدى توتال، في عام 2018م، إلى الجمهور؟

■ ينتمي إلى الجمهور كلُّ من يعمل بشكل إجباري ويعاني العملَ ويوضع موضع سيطرة: الجمهور هو من يعمل تحت سيطرة رأس المال. أما الموظفون من المراتب العالية فالأمر أكثر غموضًا: في يوم أو آخر عليك أن تختار المعسكر الذي تنتمي إليه، أم أن الأمر بخلاف ذلك؟ على أنني سأجيبك على المستوى الفلسفي. عندما يتحدث ماركس عن طبقة عاملة عالمية فيما هو يعيش محاطًا بمجتمع لا يزال مؤلفًا في الأغلب الأعم من مزارعين وحرفيين. حينئذ فإن ما قام به ليس وصفًا سوسيولوجيًّا. إنما اقتراح فرضية سياسية. إذا كان المفهوم الماركسي للطبقة العاملة قد صِيغَ بينما لا تزال الطبقة العاملة قيد الإنشاء. فالأمر نفسه ينطبق على مفهوم الجمهور.

● مفهوم «الحشد» يبدو هو الآخر مثل مشروع. لكن كيف يتشكل الجمهور في «حشد»؟ إذا لم يكن الحشد هو الحزب السياسي ولا النقابة، لكن عبارة عن تجمع عفوي، تحت أية ملامح يمكننا أن نتعرف إليه؟

■ غالبًا ما يولد الحشد عندما يحتل الجمهور مكانًا ما. في خريف عام 2011م، اعتصم المقاومون الذين احتلوا ميدان وول ستريت في محيط بورصة نيويورك. في العام ذاته، احتل عشرات الآلاف ممن تملكهم الغضب ساحة لا بورتا ديل سول في مدريد. في عام (2011- 2012م) احتل المصريون ميدان التحرير. منطقة نوتردام دي لاند (ZAD) احتُلت في المدة (2008– 2018م). في كل مرة يحتل فيها الجمهور مكانًا ما تتقابل القوى والكلام الرامي إلى المساواة ينطلق. تسعى الحشود إلى أن تكون منظمة ولكن من دون تراتبية، من دون نخبة متعالية. فهي تحاول أن تبني مؤسسة مشتركة. وإنني لأعلم أن العملية هي من قبيل التلمس في الظلام. مفهوم الحشد، كما أستعمله بالشراكة مع مايكل، يشير إلى جموع من دون زعامات تظهر في كل مكان وتهدف إلى ترجمة مؤسساتية لتنفسها.

الربيع العربي ومفهوم الحشود
● يبدو مع ذلك أنك تلقي نظرة أقل تعويلًا على ليلة الوقوف(2).

■ لست حاضرًا فيها، إذن يصعب عليَّ أن أصدر حكمًا. مشكلة فرنسا في رأيي هي مشكلة الضواحي: بقدر ما ستنجح حركة ديمقراطية في باريس في إشراك الضواحي في فعلها فإنها ستبقى موحدة. مما لا شك فيه أن الربيع العربي يتلاءم على نحو أفضل مع مفهوم الحشود. فقد قمعت هذه الحشود بشدة. لا ترغب السلطات الموجودة بهذه الحركات وبدت جاهزة لإثارة حروب أهلية من أجل استئصالها، وهو ما يدل على أن الأمر يتعلق بقوى ديمقراطية تثير الرعب لدى المهيمنين. ومن ثم، لم ينجح الربيع العربي في إيجاد ترجمة مؤسساتية دائمة البقاء، وما قام به المشير السيسي من وضع يده على السلطة في مصر يقدم مثالًا على ذلك. مع ذلك فقد غيرت هذه الحشود مسار التاريخ داخل هذا الإقليم من العالم وهي قد امتلكت فعالية سياسية غير مشكوك فيها.

● في كتابكم «الحشد ASSEMBLY»، تستخدمون على نحو مدهش مفهوم «مقاول ENTREPRENEUR». وإننا لنكتشف أنكم تحلمون بعالم من المقاولين!

■ نعم! لكننا لا نستخدم هذا المصطلح داخل معناه النيوليبرالي! «كلمة مؤسسة هي أجمل وأكثر رحابة من أن نترك أمر الاستمتاع بها إلى الرأسماليين» هل تتذكر مطلع اعترافات جان جاك روسو: «إنني أشكل مؤسسة ليس لها مثال ولن يكون لها آن وجودها على أرض الواقع شبيه…».

ألم تُسَمِّ عربة ستار تريك مؤسسة؟ الأكثر جدية، إنني مع مايكل اهتممنا بواقع أن المقاول الشومبيتاري، المجدد، صار نادر الوجود. من الآن فصاعدًا، هنالك على نحو أساسي مديرون يتلقون الأوامر من المساهمين للقيام بعمليات. بالتوازي مع ذلك، عرف تنظيم العمل تطورًا عميقًا. ظاهرة أساسية من ظواهر عصرنا تتمثل في أن العمال صاروا مالكين لأدوات إنتاجهم. يملكون أجهزة تسجيلهم، كمبيوتراتهم، هواتفهم النقالة، تطبيقاتهم. إعادة تملك أدوات الإنتاج هذا يمر عبر التقاطع (إنسان- آلة). تخيل مصنعًا من القرن التاسع عشر يغادر عماله كل مساء مع مصهر الحديد والأدوات. أحرار في حمل أدواتهم هذه معهم أينما شاؤوا… ألن يضعف هذا من وضعية أصحاب العمل؟ هذا هو ما نحياه. هذا يفسر لنا لماذا المعارضة التقليدية بين الموظفين وأصحاب العمل هي بصدد التغيير: لم يعد لدى الموظفين حاجة لأرباب العمل. حتى التجديد هو منتج مشترك كما تظهره بين ظواهر أخرى ظاهرة المصدر المفتوح. كانت وحدات الإنتاج فيما مضى هي المصانع، أما من الآن فصاعدًا فهي المدن حيث يحيا الجمهور. مقاولون جدد يظهرون فيها، ويعلون من قيمة العمل المستقل والحي، وليس العمل الذي فيه تبعية. فضلًا عن هذا والمؤسسات التقليدية تعرف ذلك؛ إذ إنها أكثر تراتبية وأكثر انغلاقًا بحيث يبتعد الشباب ويذهبون للعمل في مكان آخر وبطرائق أخرى…

● من الممكن إذن التفكير في المقاولة من دون الملكية الخاصة وتخيل مؤسسة شيوعية؟

■ ينقل عن لينين هذا المأثور الشهير: «الشيوعية هي مجالس السوفييت مضافًا إليها الكهرباء» اليوم ليست لدينا مجالس سوفييت لكنْ لدينا حشود. ولم تعد الكهرباء في طليعة اهتماماتنا لكن المسارات المعلوماتية والصحن اللاقط. هذا يفسر لماذا نحن قادرون أن نعيد صياغة المأثور في ضوء ذوق اليوم: الشيوعية هي الحشود مضافًا لهم الثورة الرقمية.

● منذ ظهور كتابكم «الإمبراطورية» في عام 2000م، وأعمالكم غدت شهيرة في الولايات المتحدة، البلد الذي لم تحقق فيه الشيوعية أي حضور مع ذلك؛ كيف تفسرون حظكم الأميركي هذا؟

■ كتُبنا كان لها حظ وفير، على أنها لا تتضمن أي مديح للولايات المتحدة الأميركية. إنها تتعلق بالعكس بتحليل متماسك بما فيه الكفاية للحروب الأميركية ولسياستها المالية. مع ذلك، فإنني مستمر في الاعتقاد أنه حتى تحت إدارة دونالد ترمب وضده، فإن الولايات المتحدة بلد أحد موتوراته المحركة البحث عن الديمقراطية. وبالتالي فقد حققنا نجاحًا في المطبوعات الثقافية والمناهج والجامعات، لكن ذلك لم يمتد ليشمل وسائل الإعلام المهيمنة.

● في إيطاليا، على العكس من ذلك، يبقى استقبال الناس لكتبك مشوبًا بالتعقيد.

■ كتبي نشرت لدى ريزولي وتناقش في إيطاليا، لا يسعني الحديث عن إقصاء.

● لا، لكن في إطار الرأي العام ما زلتم تستقبلون بوصفكم «المايسترو السيئ».

■ من الصواب أن وسائل الإعلام رسمت مع الوقت صورة لشخص سيئ، أستاذ فاجر. ربما يعود السبب إلى أنه داخل المجتمع الإيطالي المحافظ، من غير المقبول أن ينحاز أستاذ جامعي إلى العمال وإلى حركات الشباب. ألصقت بي وسائل الإعلام صورة الزعيم السري للألوية الحمراء. لو كنت قد رفعت قضية تشنيع في كل مرة يدعي فيها شخص ما أنني أنتمي إلى الألوية الحمراء، لصرت غنيًّا.

● نشرة الأخبار التلفزيونية مارست الكثير من التنفير أيضًا..

■ خلال سنوات، ظهر وجهي في نشرة الأخبار التلفزيونية كل مساء – في صورة مخيفة بالأحمر والأسود! وكنت أحضر في هذه النشرات كخصم عام. كان ذلك سحل حقيقي! يتوجب انتظار بعض الوقت وبواسطة عمل المؤرخين ستظهر لوحة متوازنة عن ذلك العصر. في فرنسا لزمكم أكثر من ثلاثين عامًا قبل أن تتمكنوا من أن تصنعوا من الحرب الجزائرية موضوعًا للتاريخ. في إيطاليا مضى على ذلك إلى الآن أربعون عامًا وأنا أنتظر أن يلقى الضوء على المعارك السياسية لأعوام السبعينيات. لكن ذلك سينتهي بالحدوث.

عبء العدالة وتجرع السم
● ما القضايا التي رُفعت ضدك عندما تعرضت للسجن في عام 1979؟

■ العصيان ضد الحكومة. التآمر في الهجوم على الدومورو الذي راح ضحيته 17 قتيلًا. أكثر من ذلك فقد اتهمت باختطاف زميل ثري كي أحوز على فدية من عائلته، وهي التهمة التي تعد أكثر دناءة بين التهم كلها. لقد بقيت أربع سنوات ونصف السنة في سجن الاستئناف بانتظار الدعوى التي لم تأتِ أبدًا بما أن الملف خلا من الأدلة. فضلًا عن ذلك فإن قضايا الاتهام قد سقطت منذ ذلك الوقت. في عام 1983م كنت لا أزال في السجن من دون حكم، اخترت نائبًا عن الحزب الراديكالي. خرجت من السجن بفضل الحصانة البرلمانية ونُفيت إلى فرنسا بالضبط قبل أن ترفع هذه الحصانة عن طريق تصويت النواب. المعسكر المواجه لم يسامحني قط. لقد أرادوا أن ينتزعوا مني حريتي لوقت طويل، لكن انتخابي ومن ثم مغادرتي سمحا لي بالهرب من الفخ. بعضهم أنَّبني على الهرب. لقد أحببت أن أعرف من خانني في أثناء مدة النفي. هل وضع زملاء آخرون في السجن أيضًا من غير وجه حق؟ وكما هي حالة سقراط، فقد كبرت متقبلًا عبء العدالة ومتجرعًا السم.

● لنحاول إعادة بناء مسار هذه الأوقات المضطربة للقارئ الفرنسي. في عام 1961م وُلدت الأوبيرزم الإيطالية حول مجلة كاديرني روسي. في عام 1969م، انفصلت الحركة إلى تيارين: بوتيرا أوبيرايو («السلطة العمالية») التي تابعتم مسارها واللوتا كونتينيا («المعركة مستمرة») التي تبعها الكاتب إري دي لوكا. ما كان مبرر هذا الانقسام؟

■ لم أعرف إري في ذلك الوقت: كان يشكل جزءًا من تيار لوتا كونتينيا («المعركة مستمرة») وليس قياديًّا في التنظيم. مع ذلك، أحب كثيرًا اقتراحه بأن نتحدث عن «سنوات النحاس» أحرى من الحديث عن «سنوات الرصاص» النحاس معدن نبيل وقابل للطرق. خلال سنوات السبعينيات، امتلكت السياسة الإيطالية تأثيرًا. وقد بدا أن تحولًا في أشكال السيطرة أمر ممكن وهو ما دفعنا لخوض المعركة. كان لوتا كونتينيا يتألف من كاثوليكيين وطلاب. أما بوتيرا أوبرايو الذي صار الحركة العمالية المستقلة في عام 1973 فقد كان حشدًا من العمال. كان ذلك هو الاختلاف. كان المثقفون الذين ينتمون إلى حركة الأوبيرزم يطورون منهجًا أكثر خصوبة. «البحث»: يتعلق الأمر بإشراك العمال في الميدان بصياغة خطابات نظرية حول الاستغلال.

● هل كنت تعارض وظيفة العنف في ذلك الوقت؟

■ يخيل لي أن مفهوم العنف تعوزه بعض التمييزات الأساسية. العنف هو كل حياة يهدمها العمل والبؤس. القنبلة الأولى التي انفجرت في البيتزا فونتانا في ميلان في الثاني عشر من ديسمبر 1969م مخلفة 16 قتيلًا و88 جريحًا وضعها الفاشيست الإيطاليون الذين يعملون لحساب الوكالة السرية للحكومة، وهو يعد فعل عنف. البوليس الذي أطلق النار على المتظاهرين اقترف فعل عنف. العمال الذين يخربون مصنعهم كي يفضحون شروط العمل الجائرة يمارسون عنفًا. اختطاف رب العمل هو ممارسة للعنف. هجوم فاشي مثل ذلك الهجوم على محطة بولون في الثاني من أغسطس 1980م والممول من جانب الخدمات السرية الحكومية الذي تسبب في 85 قتيلًا و200 جريح هو ممارسة للعنف. في الواقع يحضر العنف دائمًا داخل علاقات الهيمنة. فصراع الطبقات ليس مرحلة نقاهة! إنها التزام، محاولة لوضع نهاية للاستغلال، وهو ما يعرض لتحمل القمع البوليسي والفاشي. مع ذلك هنالك اختلاف رائع بين المقاومة والإرهاب.

● عندما نقرأ أعمالك ينتابنا الانطباع بأنك بصدد مراجعة المفاهيم المفتاحية لماركس بغرض إعادة نشرها في القرن الحادي والعشرين. هكذا فإنكم تستبدلون بمصطلح «البروليتاريا» مصطلح «الجمهور»، وبـ«الرأسمالية» «الإمبراطورية»، وبـ«المصنع» «المدينة»، وبـ«الحزب» «الحشد»، وبـ«المقاوم» «المقاول»… هل من أسلوب لتلخيص طموحكم الفلسفي الذي يتغذى على التجربة؟

■ نعم، لكن تغييرات المصطلح تعزز من أن الرأسمال والحكومة هما خصما العاملين، وأن العاملين يكافحون من أجل تحقيق الشيوعية. أريد أن أضيف أنني أظل مقروءًا من جانب حركة الأوبيرزم الإيطالي. هنالك مثقفون وفلاسفة موهوبون أسهموا في هذه الحركة مثل ماريو تورنتي (مولود 1931م) وألبرتو اسور روز (مولود 1933)، وماسيمو كاكسياري (مولود 1944م)، ولوسيانو فيراري برافو (1940- 2000م) وكثيرون غيرهم. جهد المطالعة والتأليف المبذول من جانب هؤلاء المؤلفين معتبر. لدينا تأويلنا الخاص بالماركسية الذي ليس له علاقة بالتقليد السوفييتي، بما أننا غادرنا منذ وقت طويل عملية التأمل حول العمل وقمنا بالعودة بشكل ثابت إلى أمكنة العمل. إنني إذن أحد الممثلين الأكثر بروزًا للعيان اليوم داخل التيار الفكري. ويدين عملي الفلسفي كثيرًا لقوة ما هو جماعي.

● بمَ تختلف المقاولة الاجتماعية والسياسية، كما تستدعيها أمانيكم، عن حركة المقاولين الذاتيين، وعن «المؤسسة الحرة» وعن تبادل الاستضافة أو عن مشجعي ستار آب؟ ألا تصيغون مديحًا شديد الماكرونية للمقاولة الرقمية؟

■ التيارات التي تذكرونها لها اللازمة نفسها. وكلٌّ يصرخ بها: «أنا مقاول نفسي!» على العكس من ذلك، المقاول الذي نتطلع إليه يسعى إلى خلق ما هو مشترك. إلى تأسيس ما هو مشترك. إنه مقصد جمالي، سياسي وإيكولوجي. لا يتعلق الأمر إذن بالركض وراء النجاح والمصلحة. المنظمات غير الحكومية (ONG) التي تأتي لمساعدة المهاجرين تندرج ضمن هذا الميل؛ لكي لا نقتبس مثالًا بعينه.

______________________________________________________________________________________________________

الهوامش:

1.نشر الحوار في مجلة الفلسفة.

2. كيبوتس (مستوطنة زراعية وعسكرية): هو تجمع سكني تعاوني يضم جماعة من المزارعين أو العمال اليهود الذين يعيشون ويعملون معًا، ويبلغ عدهم ما بين 40 و1500 عضو. ويعد الكيبوتس من أهم المؤسسات التي تستند إليها الحركة الصهيونية في فلسطين (قبل 1948م) أو إسرائيل (بعد تأسيسها).

3. ليلة الوقوف: سلسلة من الأحداث في الأماكن العامة في فرنسا، التي بدأت 31 مارس 2016م بعد مظاهرة ضد قانون العمل واستمرت على وجه الخصوص في ساحة الجمهورية…

مجلة الفيصل

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق