المقدّس

درس إفتتاحي للسنة الدراسيّة 2017-2018 بكليّة الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس، 9 أكتوبر 2017.

 سيّداتي سادتي، أيّها الحضور

في  توليد معاني المقدّس:

يعرّف معجم المعاني المقدّس كاسم مثل المكان الْمُقَدَّسِ أو بَيْتُ الْمَقْدِسِ. و المُقَدِّسُ هو أيضا أسم فاعل كالرَّاهب. وهو اسم مفعول  كمن قدَّس لشيء مبارك. وهو فعل كقائل: قَدَّسَ الله صلَّى له و قَدَّسَ اللهُ فلانًا طهّره وبارك عليه. قَدَّسَ نزّه وطهّر. و قدَّسَ الكاهن أقام القُدَّاسَ. ويرد في لسان العرب لابن منظور التَّقْدِيسُ: تنزيه اللَّه عز وجل، وهو المتَقَدَّس القُدُّوس المُقَدَّس. ويقال: القُدُّوس، وهو الطهارة.  ولا يختص الله بالطهارة والتبجيل والاحترام ، بل تُطلق  النعوت على من يستحق هذا الوصف من آدميين وأماكن وأفعال. ولكن ما يختص به الله هو التسبيح. فيقال : فلان رجل مقدَّس، ولا يقال : مسبَّح.

ولا يخرج القرآن من هذا المعنى في وصف الله وروح القدس والأمكنة المقدسة.  ففي الله “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ” (البقرة 30) أي حسب المفسرين التقديس هو التعظيم والتطهير من الأدناس والطاعة والصلاة. ثم في روح القدس في عدة آيات كناية عن جبريل ، الرسول المقدَّس المنزه “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ “، (البقرة  87 و المائدة 110والنحل 102). وفي الحديث: إِن رُوحَ القُدُس نَفَث في رُوعِي، يعني جبريل، عليه السلام، لأَنه خُلِق من طهارة. وأخيرا في الأمكنة مخبراً عن موسى ” يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ” (البقرة 21) أي : المطهرة. و اختلف  في  تفسير الآية ” إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً” (طه 12) أذ قيل  أمر بخلع النعلين لأنها من جلد حمار ميت أو نجسة أو أمر  أن يدخل حافيا أو أن يفض بقدمية الأرض المطهرة التي “سميت كذلك لأن الله أخرج منها الكافرين”. قالت أحد تفاسير الشيعة أن سبحانه أراد من موسى أن ينـزع من نفسه الطاغوت الذي يعيقها في سيرها إلى الساحة المقدسة.

ولم تخرج مجموعة كتب الديانات السماوية التي جمعت تحت اسم الكتاب المقدس من نفس الدائرة. منها التوراة التي استعملت الكلمة التي هي من أصل عبري لأول مرة في “الخروج” عندما أمر الرب بعد لقاء موسى بفرعون بترتيبات الخروج من مصر أن يأكل قوم موسى فطيرا سبعة أيام “وتقومون في اليوم الأول  احتفالا مقدّسا، وفي اليوم السابع احتفالا مقدّسا” أو ” محفل قُدْسِ “(“قدش”  حسب النص العبري للتوراة ، الخروج 12، 16) (أعتمد هنا على النص العربي العبري للأبوان أنطون بولس اللغفالي وأنطوان عوكر 2008). وتعاد الكلمة  ومشتاقاتها مئاتا مرة بنفس النسق لتنطبق على  الذوات و الأشياء والأفعال. وتقابلها في الكتاب المقدس لليهود أو العهد القديم حسب المسيحيين في الترجمة الإغريقية أو السبعينية (سبتانت)  كلمة  هاجيوس أوهايروس. hagios ou hieros في اللاتينية  Sanctus(بالانقليزية) holy ,(بالفرنسية)  saint قدّس، وقدّش (بالعبرية). أي  المنزّه من الآفات والمطهر من العيوب.

سيداتي سادتي أيّها الحضور المحترم 

لو كان هو المعنى الوحيد لكفانا عناء البحث في توليد المعاني فيما لا يضيف شيئا ولأنتهي هذا الدرس توا. يمثل في الواقع هذا التحديد جزء من المعنى. أما الجزء الثاني فذلك أنه يحرّم المساس من المقدّس كما يرد محتشما في احدى معاني معجم المعاني في كلمة ” مُقَدِّسُ الْحُرُمَاتِ”.  وهذا هو التحديد الدقيق لكلمة مقدّس باللاتينية التي أعطت الكلمة المعاصرة

 Sacré : Sacer veut dire vénérable et auguste mais aussi infâme et maudit, ce qui est consacré mais aussi ce qui est abominable

مقدّس بعني  ما هو جليل ومهاب ولكن أيضا  ما هو شائن وملعون، هو ما أعدّ لغاية قدسية ولكن أيضا ما هو بشع. فنحن إذن أمام  “ازدواجية متهافتة”  ( Ambivalence contradictoire )، لقد أجمعت كلّ الكتب  بدون استثناء على هذا المعنى. لذلك فالكلمة الوحيدة في العربية التي تعبر عن الثنائية المتناقضة هي  حرم التي تعني  المحرّم والحرمة، ما يحرّم وما يحترم: حَرَمٌ ، حُرْمَةٌ، حِرْمانٌ. ويقابل الحرم الحلّ والحلال. كما يقابل المقدس المدنس.

يتعارض المقدّس مع المدنّس في صيغة المفعول. وهذا اقتباس  حديث. لأن الكلمة  العربية  تحمل مبدئيا مفهوما أخلاقيا. فيقول ابن المنظور في الثياب لَطْخُ الوسخ ونحوه والجمع أَدْناسٌ و في الأَخلاق دَنَّسَ الرجلُ عِرْضَه إِذا فعل ما يَشِينُه. وكصفة مشبّه خليع وفاسق وفاجر. أما المعنى اللاتيني فالمدنس هو ألا ديني؛ ما كان خارج المعبد، يعني ما هو غير معدّ أو غير مسخّر  لغاية قدسية.

Profane  vient du latin profanum : pro veut dire « devant » et fanum « lieu sacré » ou « consacré » à quelque chose de religieux

أدعوكم أن لا تتصوروا أن البشع والنجس والرجس هو المدنس. بل تعمل هذه  النعوت من داخل المقدس. ما هو مدنس محايد،. هو عالمنا اليومي بحلوه ومره ولكن موازي للمقدس. ندين بهذا انقلاب في المعنى  الذي  نحن بصدده الى الأنثروبولوجيا الأديان التي أعطته أكبر أبعاده منذ القرن التاسع عشر. وتلقفت المفهوم لثرائه الفلسفة والثيولوجيا وعلوم النفس وعلم القانون لإثرائه. لذلك أدعوكم  الى امعان النظر في أكثر من وجهة نظر،  ايمانا مني بأن الناس يأمن بأكثر  من  حقيقة و يعيشون في أكثر من عالم. فلنتفسح اذن في عوالم المقدس  لنقول : ليس المقدس ما هو ما هو ديني فقط. ولا يختزل في المنزه المطهر. ولا  هو مفهوما غامضا لا يمكن تحديده كما ادعى البعض وكأن المصلحة العامة أو الأمن العام مفاهيم أكثر وضوحا. ومن يستثني  الإسلام أو أي دينا أو حضارة أو مجتمعا ما من وجود المقدس هو  كمن لم يقرأ كتابا أبدا.

أولا، في بنية المقدّس

سيّداتي سادتي، أيّها الحضور المميّز

لم يكن للمفهوم أي صيت في العلوم الدينية في العصر الوسيط لاستيعاب الدين مفهوم المقدس في ما حلّ وحرّم فلا يوجد كتاب أو حتى مقالة في المقدس كما نفهمهم اليوم. ولكن مع اكتشاف المجتمعات التي لم تعرف الكتابة أو المسمات بدائية تساءل علماء الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر حول كونية الدين أي مبادئ تنطبق حتى على مجتمعات لم تعرف حتى تعدد الآلهة والتي كانت تعتبر في أفضل الحالات “أهل الأهواء والآراء” كما يقول أفضلهم الشهرستاني في خصوص الفلاسفة الدهرية وعبدة الكواكب وديانات الهند.  وأصل الأصول في المادة هو كتاب ديركيام “الأشكال البدائية للحياة الدينية” (1912). يقول الكاتب “الدين هو نظام متضامن من العقائد والممارسات تتعلق بأشياء مقدسة أي منفصلة، ممنوعة، عقائد وممارسات توّحد في جماعة أخلاقية تسمى كنيسة كل من   ينتمي اليها”.

La religion est “un système solidaire de croyances et de pratiques relatives à des choses sacrées, c’est à dire séparées, interdites, croyances et pratiques qui unissent en une même communauté morale, appelée Église, tous ceux qui y adhérent

Durkheim, Les formes élémentaires de la vie religieuse, Paris, PUF, Quadrige, 2008

“أشياء مقدسة أي منفصلة، ممنوعة” هذا هو بيت القصيد. كيف ذلك؟  يتقاطع  في هذا التحديد المقدّس مع الدين بدون التماثل معه. ما يعنينا هو أن المقدس يفصل  فصلا مطلقا عن المدنس . ثم يميز من داخل المقدس بين الواجب والمحرم وبين الطاهر والنجس. ووظيفة المقدس  مزدوجة: هي  اسناد صفاة اليمن  والبخت والمنافع قبالة المريع و البأس والأمراض.

Le sacré est double : d’un côté, il dispense faste, fortune et bienfaits; de l’autre, il est néfaste et produit des malheurs  et des maladies

لمذا ؟ لتنظيم المجتمع، ربط الأفراد ووضع الضوابط.  ان فكرة دركايم هي أنه لا يوجد مقدّس بطبعه وأن عملية التقديس هي فصل أو انتقاء من العالم المدنس أي العادي واليومي ذوات وأشياء وأفعال لرفعها مرتبة القدسية وحمايتها من الدنس. والحماية مزدوجة أيجابا وسلبا، أيجابا عبر واجب  الاحترام وسلبا عبر التحريم.  وتنطبق الحماية على صنفان صنف يحرم المساس به لقداسته وصنف يحرم الاقتراب منه لنجاسته. وهما وجهان لعملة واحدة. لذلك فبنية المقدس تتماهى وبنية القانون الذي من كنهه الأمر والمنع. مع فارق: يتجلى الخضوع  إيجابا للواجب المقدس في الطقوس ( الطوطم و القربان والشعائر). أما القانون ففي  القاعدة  الآمرة المجردة.  وكلاهما في المقابل  ينتظران من المكلف أعمال قد لا تتجسد في الواقع أي ما  يسميه   نكلاس لوهمان في “النظم الاجتماعية”  ما يخص القانون  “انتظارات مفترضة” أي غير متأكدة التجسيم. des attentes contrefactuelles

Niklas Luhmann , Systèmes sociaux. Esquisse d’une théorie générale (traduction par Lukas K. Sosoe), Québec : Presses de l’Université Laval, coll. « Intersophia », 2010. 

فتحريم قتل النفس لقداستها  مثلا لم ولن تضع حدا لقتل النفس حتى بدون حق مهما كانت شدة العقاب من القصاص إلى المؤبد. فالمنع اذن هو انتظار غير متأكد الورود. ورغم ذلك لا تسقط صلوحيه  القاعدة الدينية أو القانونية.

وأوّل منع في علم الانثروبولوجيا  حسب كلود ليفيس ستراوس هو تحريم زنا المحارم. وأول جريمة في اليونان هي التعجرف أو تجاوز الحدودHybris ou démesure ويتجلى ذلك في مسرحية أنتيقونس عندما قررت دفن أخيها حسب الطقوس رغم منع الملك كريون الذي تحدى هكذا الآلهة السفلى التي تدير ما تحت الأرض والتي يرجع لها  الميت بالنظر. ثم قرر قتل  أنتيقونس فانتحر ابن كريون نفسه حبا لها وانتحرت زوجة الملك كريون بدورها وكان ذلك عقاب الآلهة لإفراط الملك في تحديه للآلهة.

كما تتماهى بنية المقدس مع قاعدة المنع في علم النفس. وهذا ما قاله فرويد متأثرا بعلم الاناسة في آخر كتبه “موسى الانسان وديانة التوحيد”.

 (Freud, L’homme Moïse et la religion monothéiste (1939

 رأى فرويد في موسى تجسيدا  لقانون الأب عامة والذي بدوره يخضع لازدواجية المقدس أي ثنائية الاحترام والردع،  بالحرف الواحد في نص فرود ” ما أعدّ لغاية قدسية ولكن أيضا ما هو بشع”. وهي ثنائية غامضة. فالأب هو شخص مهابا ولكنه مخيف ومخصي مما يدفع الابن الى التخلي بشكل مؤلم  عن  دوافعه الكامنة في لا وعيه واخفاء أهما القتل الرمزي للأب والاستئثار بحب الأم.  وأخيرا تتماهى بنية المقدس و ازدواجية المجتمع ذاته  الممزق بين الوحدة والتنوع والذي يتأرجح بين الوفاق والصراع والفردية والتضامن بين نشوة الانتساب للجماعة والانسحاب من الغوغاء.

ثانيا ، في طوبوغرافيا المقدّس

ما هو مجال المقدس؟ يبدوا مشروع تجريم الاتداء على المقدسات الذي تقدمت به النهضة في أوت 2012  أحادي الجانب (أي يختزل المقدس في المحترم)  ومنقوصا (يصف بعض جوانب المقدسات). فهو يضبط المقدسات في “الله سبحانه وتعالى والرسل والكتب السماوية والسنة البنيوية والكعبة الشريفة والمساجد والكنائس والبيع”. ويمنع المساس بها  عبر ” السب أو الشتم أو السخرية أو الاستهزاء أو الازدراء أو الاستنقاص أو التدنيس المادي والمعنوي سواء كان المسّ بالكلمة أو الصورة أو الفعل إلى جانب تشخيص أو تصوير الذات الإلهية والرسل كذلك”.

يرسم  دركايم  مساحات  المقدس في رحاب أوسع وأكثر تعقيدا. وتابعه الكثيرون حذو النعل بالنعل مثل روجي كايوا في “الانسان والمقدس” (1939) و ميرسيا ألياد “المقدس والمدنس” (1957) أعيد نشرهما العديد من المرات.

Roger Caillois, L’homme et le sacré, 1963 ; Mircia Eliade, Le sacré et le profane,1965 (traduction française).

وطبق  جوزاف شلحود  النظرية على العرب

Joseph Chelhod, Les structures du sacré chez les Arabes, Paris, Maisonneuve & Larose, 1986

فالمقدس أما أن  يرفع ويجل مقام ذوات وأشياء وأفعال ويردع المساس بها أو أن  يعتبرها رجسة ودنيئة يجب التعوذ منها. هي نافعة أو ضارة خيرة أو شريرة.  ذوات مادية أو معنوية، آلهة في عالم الاشراك أو ديانات الهند؛ أو الاه واحد مادي كالاه المصريين القدماء أكنتون، أول أله توحيدي في شكل شمس؛ أو أرواح الآباء  لدى المجتمعات البدائية او ملائكة وكواكب لدى الصابئة. وقد تكون الذوات آدمية كالرسل والأنبياء واصحابهم المقربين؛ أو أشخاص عادية يرفع شأنهم  مثل المقيمين بوظائف مقدسة كالسندة والأرباب والأئمة. وأشياء لا تحصى ولا تعد. ما يقال من الكلام لقداسته أو لمقام قائله وما لا يقال من ألفاظ وآراء ؛ ما يرى وما يحجب عن الرؤية  من الالاه الى جسد المرأة. وما يسمع ويحتفى به وما يذم من السماع مثل الملاهي؛ مآكل طيبة وأخرى خبيثة وملابس مخصوصة  ومناكح محللة وأخرى محرمة وأمكنة مقدسة مثل الدير والمعبد والبيت الحرام ؛ والحمى لدى العرب أي فضاء يحجر بيعه ويمنع فيه الزرع  والصيد. ويقتطع المقدس من الأزمنة أوقات دينية  وأشهرا حرما وأيام راحة أسبوعية مثل السبت والأحد والجمعة. وحيوانات تقدس مثل السائبة  أي الناقة التي تضع عسر اناث على التوالي و التي لا يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولا بشرب لبنها الا ضيف. هي سائبة. والبحيرة ابنتها التي تولد في حالة السياب والتي يحرم أكل لحمها للنساء، والوصيلة الشاة التي أبطن خمسة مرات باثنتين في كل مرة والحامي ذاك الفحل من الابل الذي حمى ظهره من الركوب   جزاء لفحولته بعد أن أولد عشر اناث متتابعات. وان ألغى القرآن قدسيّة البحيرة و السائبة والوصيلة والحامي (المائدة، 103) فلإعادة صياغة توزيع المجالات بين المقدس والمدنس.  وتبدأ منظومة الأفعال المباركة بالشعائر وحسب علم الاناسة أو الانثروبولوجيا  أولها  القربان أو النذر أي الذبح ؛ ومنظومة الأعمال الشائنة  تبدأ بما حرّم أصلا.

تعرف الأشياء بالأضداد. فما هو واجب يفترض منع المساس به. فطاعة الله مثلا إيجابا تعني سلبا عدم الاشراك به. وتحريم المآكل الخبيثة يشرع للطيبات وموانع زنا المحارم (بالنسب والرضاعة والمعاشرة) يفتح باب ما سمي في علم الاناسة  بتبادل النسوة بين الذكور والعشائر والجماعات.  وأحيانا يكون الصنف مقدسا ورجسا في نفس الوقت. فإبليس من الجن ومن الملائكة على ظاهر الآية  التي فيها قولان (هو من الجن فقط و هو من الملائكة أيضا ) : “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” ( البقرة،34). “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (الكهف، 50 ). ويتحول المقدس الى مدنس والرجس الى طاهر. والحلال الى حرام.  والعكس صحيح.  كيف ذلك؟

ثالثا، في تقديس التّقليد وعلمنة المقدّس

سيداتي سادتي، أيّها الحضور المبجل

القداسة صفة والتقديس اجراء. وما ينخر القداسة هو عملية إضفاء التقديس على ما لا يستوجب  ومن لا يستحق. وهذا ما حدث مع تقديس التقاليد، ما كان سنة في العصر الكلاسيكي وما سمي تراثا في الإسلام المعاصر. فالأصل تناقض المقدس والتقليد. فالأول  يقطع جذريا مع المدنس في حين أن التقليد (تراديسيان) يمثل امتدادا وتواصلا أي كما يقول شيلس في “التقليد” هي “كل شيء ينتقل من الماضي الى الحاضر ومن جيل الى جيل”.

Edwards Shils, la tradition est « simplement un traditum ; elle est toute chose qui est transmise du passé au présent  et d’une génération à une autre », Shils, Edwards, Tradition, The University of Chicago Press, 1981.

و لكن وكما يقول هبزباون  في “ابتداع التقليد” ان التقليد  لا يعاد تكراره  فقط بل وأيضا ينتج من جديد. ونفس الشيء  ينطبق على المقدس. وهكذا يقدّس التقليد ويقلّد المقدس.

Eric  Hobsbawm & T. T. Tanger, The invention of Tradition, Cambridge, Cambridge University Press, 1983

ونحن في هذا لا نحتاج الى اجترار ولا تكرار. لقد وقع تقديس الأنبياء والصحابة و التابعين وتابعي التابعين وأخيرا المدارس الفقهية. وأله الخليفة وقيد باب الاجتهاد المطلق واقصيت ما سميت بالعلوم الدخيلة. وساد الجهل المقدس على ايادي  العلماء. الكتب كثيرة  و الأسباب عديدة التفاسير مملة ولكن لا أحد على حد علمي  تفطن للسبب من داخل منظومة المقدس: أعني تسرب عدوى المقدس. ان المقدس فعل متعدّ، وعدوى تأتي على الأخضر واليابس. و هذا ما يسميه ديركايم “تسرب العدوى”. فمثلا اذا كان هنالك حيوا ن مقدس.  فمن  يحمل اسم الحيوان (أي طوطمه) هو مقدس أكان فردا أو جماعة. وتنسحب القداسة على طعام العصفور والشجرة التي يحط بها والمكان الذي يلد فيه وهكذا  دواليك. ويضيف ديركايم “هذه العدوى المتسربة تنطبق على الديانات الطوطمية  كما على الديانات الأكثر تطورا”

Cette contagiosité du sacré  “est vraie du totémisme comme des religions plus avancées”

  فمثلا  لو حول مكان ما الى جامع لانسحبت قداسته على المحيط . فتغلق من حوله  الخمارة والملاهي والمظاهر الخليعة. ويأتي باعة الكتب الصفراء والمسك و الملابس الدينية وتتعطل حركة المرور وقت الصلاة وتقف السيارات أينما تشاء. نحن  في الحمى  في الحرم في الفضاء المقدس. ولو قلنا جزافا واستعارة أن هذا الفضاء مقدس لانسحب على الدرس وقائله  و سامعيه. ومن خرج من المحاضرة خرج من التواجد المقدس. فاذا كان الأمر كذلك  فأنا أقترح تحديد العلمنة كعملية تطهير من عدوى  المقدس أي حركة مضادة  تحد من سطوته وتبعد حدوده وتضعه في مكانه “الطبيعي” أي الفضاء الخاص. ولا أتصور نفسي مخطآ لو قلت أن هذا ما يعنيه ماكس فيبرر(قبل مارسال قوشي بأكثر من نصف قرن)  عندما حدد الحداثة بزمن تراجع هيبة الديني  ونهاية هالته و تبخر سحر العالم . والعلمنة هي ما سمته حنى أرانت ب”انسحاب الالاهي من العالم” أي تجذر  الفكر واللمجتمع في العالم (ومنها كلمة علمنة). ولكن  لم تضع  الحد للمقدس.  بل أنشأت مقدسا علمانيا يحمي من أي تشويه رموز مثل الجمهورية والعلم والنشيد الوطني  وقيما مثل حقوق الانسان وبخاصة الحرية. والحق في الحياة مقدس والدفاع عن الوطن مقدس حسب الدستور التونسي. وقد كان  الفيلسوف كانت يقول “القاعدة الأخلاقية مقدّسة” أي تستوجب الاحترام.

سيّداتي سادتي، أيّها الحضور الجليل

انجر عن استحالة الغاء المقدس الديني صدام بين المقدس والمقدس. فاتهم العلمانيون الدينيين بدوس الحرية المقدسة  وتعالت أصوات المنددين بعبدة الطواغيت  ينادون بوضع حد للحرية باسم المقدسات الى حد العنف. وهذ ا ما حدث في تونس بعد الثورة منذ الفلم الوثائقي “لا رب ولا سيد” (جوان 2011) الى اليوم. وفي كل هذه الحالات هنالك صدام بين الحرية والمقدس. وبالتحديد أيهما أولى؟ وان ألغى السلفيون الحرية اطلاقا الا ان  جوهر موقف  الإسلاميين هو أفضلية مزدوجة : أفضلية  هرمية تضع المقدس في أول الترتيب وأفضلية  مقيدة أي تعترف بالحرية شريطة أن لا تتجاوز المقدس. وهذا ما نلمسه منذ أول بيان (5.07.2011) حيث نقرأ ” بأن ما أقدم عليه البعض من إساءة وتعدّ على المقدسات لا علاقة له بحرية التعبير والإبداع و هو سلوك مرفوض لما فيه من مساس خطير بحريّة المعتقد والضمير”. وعلى اثر بث فيلم برسيبوليس الذي اتهم بتجسيد الذات الالاهية  في أكتوبر 2011 يؤكد بيان النهضة (9.10.2011) على ”  التمييز بين حق التعبير والتفكير والابداع والتطاول على العقائد والمقدسات”. وان فشل الطرف الإسلامي في  اصدار قانون يجرم الاعتداء على المقدس ألا أن يبقى الجدل قائم في الفصل السادس من الدستور للحالي : كيف الموازنة بين الحرية واحترام المقدسات؟ وهل الأولوية تفاضلية هرمية، أو مقيدة أو أبجدية (الحرية ألف والمقدس ب أو العكس)؟ وقد تكون الصياغة حسب الأوضاع توقيفا أو تبريرا للعنف.

رابعا، كبش الفداء، الضّحية المطيعة

سيّداتي سادتي، أيّها الحضور المبجل

يبدو ممّا سبق وكأن القداسة سمحة ومتسامحة. والحال أنها تحمل في طياتها بذور العنف. بل هي العنف ذاته. هذه هي نظرية ريني جيرا في كتابي “المقدس والعنف” و”أشياء مختفية منذ نشأة العالم”.

René Girard, Le sacré et la violence, Grasset/Pluriel, 1972 et René Girard, Des choses cachées depuis la fondation du monde, Grasset/Biblio, 1978

يقتبس جيرار أصناف ديركايم : ازدواجية المقدس، تحوله و تسرب العدوى. ويضيف أن دأب المقدس هو العنف الذي يقع امتصاصه عبر القربان. وهو بمثابة  دفع الضرر أو  العقاب  في القانون. في البدئ هنالك تنافس حول المقدس حمايته واحتكاره  يدفع بالمتنافسين للتماهي الى حد التماثل. رغبة في اقتناء ما يمتلكه الغير تتحول الى رغبة في الرغبة. ورهبة من جراء الرغبة.  ويشكل هذا التصعيد في العنف خطرا على دوام الجماعة التي قد تتفكك أوصارها من جراء الصراع. ولكي   تجد مخرجا لتهدئة الغضب  المقدس تتصالح الجماعة مجددا على حساب ضحية رمزية تكون بمثابة كبش فداء يمتص النقمة الجماعية.

كبش الفداء هو ليس ما فدى به الله به ابن إبراهيم كما يتبادر للذهن بل شيئا آخرا. هو كفارة  عن الذنوب. اقتبس جيرار الفكرة من  كتاب اللاويين (الأصحاح السادس عشر :1-10) أين نقرأ أن الله كلم موسى ليكلم هارون لكي يأخذ “تيسين واحد منهم يقدم ذبيحة خطية، والآخر يطلق في البرية” حيا مثقلا بخطايا الشعب وهكذا يطهر إسرائيل من  ذنوب المعصية. هذا ما نقرا. ويضيف  جيرار من وحييه ملامح  كبش الفداء المثالي. عليه أن يكون مشابها ومغايرا، قريبا بعيدا، غريبا أصيلا، عضوا في الجماعة ولكن ضالا لكي ينصب عليه الغضب بدون ندم. هو أما مغال زيادة (هو صاحب جاه، أمير أو ثري…) أو مخلّ نقصانا (وحش، معاق  أو فقير…). هو الداء والدواء،Pharmakonمسؤولا عن الفوضى وإعادة الأمور الى نصابها. ولقد كثرت أكباش الفداء بعد الثورة الى حد الذبح. أولها نادية الفاني صاحبة الفيلم “لا رب ولا سيد”. هي من الصنف المخل. امرة، أمها فرنسية، طويلة القامة ذات ملامح رجولية فقدت شعرها من جراء مرض عضال. كانت محل حملة مخجلة: قيل عنها أنها “الملحدة القرعاء” و “لكي يبصق على هذه الخنزيرة الأقرع مليون مرة” وقع التعليق عليها على صفحة فايس بوك ب35.000 “أحب”.

« Pour qu’il y ait dix millions de crachats sur la tête de cette truie chauve »

وجل الفنانين والمثقفين والنسوة الذين وقع الاعتداء عليهم هم من صنف  المتهمين بالنقصان والشذوذ والهرطقة. نبيل القروي في حادثة الفيلم برسيبوليس هو كبش الفداء الوحيد المغال زيادة (هو قوي وثري). هنالك عنصر أخير من الأهمية بمكان: رضى الضحية. أي أنه يشترط من الكبش فداء أن يقبل الذبح لأنه بدون رضاه  يفقد العنف شرعيته  ويتحول المقتص من حارس المقدس الى مجرم حق عام لأن الحرام وحده لا يكفي لشرعنة القصاص في مجتمع حديث. وهذه أمور رمزية قد حصلت. فنادية الفاني تفاديا لسوء الفهم غيرت عنوان شريطها ليصبح “لائيكية ان شاء الله” وغادرت البلاد نهائيا. واعتذر نبيل القروي  كفارة للشعب التونسي على بث برسيبوليس الذي يصور الذات الالاهية. في المقابل رفض الفنانون في قضية عرض العبدلية  حرفيا أن يكونون أكباش فدا ء  وذلك في ندوة صحفية (15 جوان 2012)

 Ce que nous refusons, c’est que l’on prenne les artistes pour des bouc émissaires dans une quelconque stratégie politique 

خامسا، الانسان المقدس والاقصاء المزدوج

 سيّداتي سادتي، أيّها الحضور المكرّم

 يحيلنا نموذج كبش الفداء  الى “الانسان المقدس” كما نظر له جيورجي أقمبان.

 Giorgio Agamben, État d’exception, Homo sacer, Paris, Éditions du Seuil, 2003

الانسان المقدس هو ليس من قدسته الحداثة في ذاته أو عبر حقوق لا “ينال من جوهرها” كما ورد في الفصل التاسع والأربعين   (49) من الدستور التونسي الا لسبب كذا وكذا. من هو اذن ؟ يرجع أقنبان الى الأصل اللاتيني لكلمة “مقدس” أي مهاب ولكن أيضا شائن، ما أعدّ لقربان ولكن بشع. وكانت روما البدائية تقدم قربان من البشر. والانسان المقدس أي مبدئيا موصول لغاية دينية. هو رجل حر  أي ليس بعبد حوكم عليه بالإعدام لجريمة ما من طرف الشعب منتصب كمحكمة. ومن يغتاله لا يعتبر مجرم. وفي الأن نفسه لا يصلح هذا الرجل لأن يقتل حسب الطقوس كأن يقدم كقربان للآلة. فهو مرشح للاغتيال ولكن لا يقبل كقربان. ولا ينتسب الى منظومة القانون الا في إمكانية اغتياله.

“En droit romain archaïque, l'”homo sacer” est un homme libre que le peuple a condamné à mort pour un crime. Première loi du tribunat : “Si quelqu’un tue un homme qui a été déclaré sacré par plébiscite, il ne sera pas considéré comme homicide”. Cet homme ne peut donc pas être mis à mort dans les formes rituelles, mais il peut être tué. Il n’est pas sacrifiable, mais il est tuable. Sa vie reste incluse dans l’ordre juridique, mais uniquement dans sa possibilité d’être tué”.

 

وهي مفارقة أصلا.  فهو في وضع استثناءي محل فرز مزدج. هو مقصى  من العدالة الإنسانية ومن  العدالة الدينية. فهو هكذا ما بعد الثنائية مقدس مدنس، ديني دنيوي، طاهر نجس. وفرضية أقانبتن أن  الانسان المقدس يتماثل  والسلطة السيدة  اليوم  . هي تملي القانون بدون  أن تخضع  له.  ويسمي أقنبان هذا الوضع  “دولة الطواري” أي مؤسسة تشرع  في حالة طواري دائمة. وقد اقتبس الفكرة من كارل شميت مفكر مخضرم ومحل جدل والذي يبدأ كتابه “أثلووجيا  سياسية” بهذه الجملة :” السيد هو الذي يقرر حالة الطواري””Est souverain celui qui décide de la situation d’exception”

(Karl Schmitt, Théologie politique (1922, réédition 1988).

ويقول أتيان باليبار وهو مفكر يساري في تقديمه لأحد كتب شميت أنّها “دولة القانون ولكن أيضا دولة القوة، دولة اندماج الأفراد والمجموعات في “جماعة المواطنين” ولكن أيضا دولة اقصاء المتمردين والغير عاديين  والمنحرفين والأجانب”.

« Etat de droit, mais aussi Etat de police, Etat d’intégration des individus et des groupes à la “communauté des citoyens”, mais aussi Etat d’exclusion des rebelles, des anormaux, des déviants, des étrangers », Etienne Balibar,  préface à C. Schmitt, Le Léviathan dans la doctrine de l’État de Thomas Hobbes. Sens et échec d’un symbole politique, Seuil, 2002.

قد يبدو الطرح مبالغا فيه. ولكن المبتدئون وحدهم يرون أن النظرية  تعكس الواقع. يقول ليو ستروس في “القانون الطبيعي والتاريخ”   (1962) ان  النظرية السياسية تبنى على أساس حالة قصوى نادرة وغير واقعية. ففرضية كبش الفداء هي “الكل ضد الواحد” خلافا لفرضية هوبس “الكل ضد الكل” وروسو” الواحد للكل”. وفرضية أقنبان أن المشرع يعمل أصلا من خارج القانون. ولذلك يتماثل الشارع والقدوس. والأمثلة على الرجل المقدس نادرة خلافا لكبش الفداء لأنه محل اقصاء مزدوج من الدنيا والدين. هو في ألا مكان في منطقة رمادية غامضة. مثل المقدس. هنالك بالطبع وجوها مزدوجة في الثقافة الفقهية ولكن لا تأدي المعنى. فالخنثى له صفتي الرجل والمرأة والعبد ملك للحر وانسان، والمرأة أقل من الرجل وأكثر من العبد، ورجل الكتاب أفضل من الكافر وصاغر لدى المسلم. ويبقى المنافق مسلما ظاهرا والزنديق مضمرا الكفر. كلها خارجة عن السياق لأنها ثنائية غير اقصائية وحتى إيجابية في احدى جوانبها. كما أن الكافر المشرك والملحد والدهري وغيرها وجوه وحيدة الجانب جاثمة خارجة عن جدلية الاقصاء المزدوج.  نحن نبحث على أصناف ينسحب عليها الاقصاء المزدوج. مثل من لا تقبل توبته دنيا ودينا أو مرتكب الكبيرة عند الخوارج وشاتم الرسول عند المالكي القاضي عياض والحنبلي ابن تيمية. والغريب الغريب في داره وفي غربته ماضيا وحاضرا.

يبدو لي أن المرتد هو أقرب الانسان المقدس.  لا يهمنا انه لا يقتل حسب القران بل حسب حديث، المحدثين وحدهم يعتبرونه ضعيفا. هذا ليس بفك. المرتد هو بمثابة الانسان المقدس يقبع في حالة رمادية محل أخذ ورد، تخفيفا وتشديدا. فلا عاد مسلما ولا هو كافرا نهائيا (ما دامت توبته مقبولة) ولا هو أهل ذمة. بل حالته في الأثناء في بعض الفصول أسوأ من المشرك والحربي والذمي. فمثلا فلا يجوز مهادنته ولا مصالحته (ويجوزان مع أهل الحرب) ولا تجوز ردته بجزية أو عهد ولا تؤكل ذبيحته ولا تنكح منه امرأة ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا في مقابر الكافرين ولا يرثه لا مسلم ولا كافر.  وذهب الاقصاء الى الحد اخراج هذا الوحش الأدمي هذا الذئب المذؤوب من الآدمية. فجوّز البعض اكل لحمه عند الضرورة. نعم. فان كان الرجل المقدس الروماني مرشحا للاغتيال دون ان يصلح للنذر فان المرتد يقتل ويأكل. ترد المسألة في حكم الضرورة كأكل النجس من الميتة والخنزير لسد الرمق لا للشبع. ونقرأ في كتاب الأطعمة على مذهب الشافعية من “كتاب المجموع شرح المذهب للشيرازي” للإمام النووي شرح النووي (ت 1277) ما يلي : “قال المصنف وان وجد مرتدا أو من وجب قتله في الزنا  جاز له أن يأكله لأن قتله مستحق”. ويضيف النووي فيما يخص المضطر ” قال أصحابنا يجوز له قتل الحربي والمرتد وأكلهما بلا خلاف”.

سيّداتي سادتي، أيّها الحضور المقدّس

سادسا، سرّ المقدّس

لقد تشوفنا المقدس في بنيته المزدوجة (1) وتجلياته الطبوغرافية (2) وتحولاته من تقديس التقليد الى علمنة المقدس وتقديسها هي بدورها لذاتها (3). ووصل حد الانبهار بالمقدس الى حد العنف وكأن المقدس متعطشا للدم عبر كبش الفداء (4) والانسان المقدس الروماني (5). و لم أحل بعد لغز المقدس: أي ما هو اذن سر جاذبية المقدس؟ أجاب ريدلف  أطوا متأثرا دينيا بالبروتستانتي لوثر وفلسفيا بكانت  في كتابه  “المقدس”

Rudolph Otto, Das Heilege (1917), traduction Le sacré Payot/petite bibliothèque, 2001

يقول أطوا أن المقدس مكون من عنصرين الأول عقلاني  محض أي غير حسي  يتجلى في فكرتي المطلق والكمال. أما العنصر الا عقلاني فهو ” شيء آخر اطلاقا” هو شعور بالرهبة والرعب والخوف يتلبس بالمرء الى حد البهتة  والورع. وهو في الآن نفسه شعورا بالجاذبية والانبهار والتحمس والنشوة الى حد الرقص في الحضرة.  ويسمي الأول “لغز الخوف” والثاني “لغز الانبهار”. Le mysterium tremendum et le mysterium fascinans

ويوحدان بين الغضب المقدس والحب في ما يسميه أطوا “معرفة الله المسبقة  للألوهية”.

Le mysterium tremendum et le mysterium fascinans  : un sentiment de  de quelque chose d’autre (ganze andere) exerce en même temps « un attrait particulier qui captive, fascine et forme avec l’élément répulsif du tremendum une étrange harmonie et contraste ».  Leur synthèse est « une connaissance a priori du divin » qui associe la sainte colère à l’amour.

وهذا السحر ذو المنحى المسياني هو البشارة في ذات الميسح الذي يضع حدا لمنطق كبش الفداء  (وفي هذا يلتقي ريدلف أطو و مرسياء الياد و ريني جيرار) و الذي يعبر عليه جبران خليل جبران  بهذه الأبيات:

بالنور تنزل آيات
حكمها المرهوب
مثالها من ضميري
في مقدس محجوب

هنالك حل ثاني لسر المقدس.  ما وراء الديني والدنيوي، غير ديني طبعا وغير علماني بمعنى أنه لا يقدس العلمانية. هو بعبارة أخرى تصوف الحادي بدون الاه. يقول الكاتب جورج بطاي: المقدس ينهج داخلي “كوحش يتألم جوعا”. ويضيف في “المؤامرة المقدسة ” مدخل العدد الأول من مجلة “آسيفال” (أي بدون رأس) (1936): “نحن متدينين بشراسة وبما أن حياتنا هي ادانة كل ما هو معترف به اليوم، هنالك مطلب ملح داخلي يريد منا أن نكون حتميين”

 

« NOUS SOMMES FAROUCHEMENT RELIGIEUX et, dans la mesure où notre existence est la condamnation de tout ce qui est reconnu aujourd’hui, une exigence intérieure veut que nous soyons également impérieux »

(Georges Bataille, prélude au premier numéro d’Acéphale (1936

وتلقف هذا ا الشعور للتدين بلا دين ثلاث سنوات بعد روجي كايوا الذي كان أسس مع جورج بطاي “معهد علم الاجتماع” المعنى  بمظاهر المقدس والتي سيسميها لاحقا ميرسيا الياد “تمظهر المقدس”  المعبر عليه بكلمة من وحيه ولكن من أصل يوناني مركبة بين المقدس وما يظهر(Hiérophanie) ويقول كايوا في “الانسان والمقدس”  ما يخص هذ الشعور الغريب أن ما كتبه يعبر عن “مقدس فاعل، لا يسأل، حتمي، آكل”un sacré actif, indiscuté, impérieux, dévorant  قبالة النزعة لتفسير الظواهر علميا وببرودة.

يدين هؤولاء للفيلسوف الألماني هايدقر  الذي وضع المقدس في موقع أرقى من الدين قائلا في “مقاربات هالدرلين” : ” ليس المقدس مقدسا لأنه  الاهي، بل  الالاهي  هو الاهي لأنه مقدسا حسب نظامه

» Le Sacré n’est pas sacré parce que divin ; c’est plutôt parce que selon son ordre il est sacré que le divin est divin », Heidegger, Approche de Hölderlin, Paris, Gallimard, 196

كان ذلك في معرض تفسيره لأبيات الشاعر العبقري هردرلين

كنت اتمناه، أراه آت! ها هو اليوم

وما رأيته هو أن يكون المقدّس كلمتي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق