الشّعر والتّحليل النّفسي عند علي زيعور

ستّ معاينات يعرضها المعلّم علي زيعور في كتاب “حقول التحليل النفسي والصحّة العقليّة كما الروحيّة والحضاريّة[2]، ويقدّم خلاصة تحليلاته ورؤاه. سنقف في هذه المقالة عند الجلسة الثالثة من المعاينة الثالثة التي تحمل عنوان “الغريزي والغوري والمثالي والأخلاقي داخل قطاعات الجهاز النفسي للشِّعر والفنّ والأدب”.

يحدّد المعلّم بدايةً أنّ علم الغوريات هو من طرائق علم اللاوعي الذي يصبو إلى مقاربة المتضادّات المتكافئات بُغية قراءة طبيبيّة ومعاينة تشخيصيّة. فنفس الشاعر أو الفنّان أو الأديب تحلّ كلّها في شعره أو فنّه أو أدبه، وهو ما يمكن أن يرشد المحلّل النفسي إلى اكتشاف المطمور وغير المعلن أو ما في لا وعيه.

فالشعر والعلم والفلسفة عند علي زيعور بنْية كلّيّة، ولكلٍّ خطابه، إلّا أنّ أرقى أنواع الشعر هو الشعر الفلسفي لأنّه الأرقى إنسانويّة وحداثانيّة بل ورشدانيّة. والشاعر الفيلسوف هو الأقرب إلى المطلق والألوهي في الشعر، فيكون رمزًا للتحرّر كما الانعتاق والإعتاق من النكوص إلى أحضان الشعر المعهود، إلى الأصول، إلى التجارب التأسيسيّة، إلى الفردوس المفقود، وغير ذلك. كما أنّ لغة الشعر الفلسفي تستطيع احتواء المعاني أو المفاهيم كلّها.

والشعر، في تجربته واختصاصه، قطاع رفضه القلِقون على الذات العربيّة المعاصرة بسبب الانهزام الحضاري، وفشل العقل الاستراتيجي الذي أحدثه الرئيس العُصابي والسلطة الفصاميّة. فالمدرسة العربيّة الراهنة في النقد، أي النقدانيّة، أوجدت فصلًا بين أيديولوجيا المنتج والمنتوج، بين الواضع والنصّ.

والشاعر المتفلسف، عنده، هو شاعر صوفيّ كينوني وعالميني قوامه العرفانيّات والعقلانيّات والمعنى المتضمّن، الخِيلي والرمازي، الاستعاري وتأويل العالم الموضوعي واللغة والمشكلة المعرفيّة نفسها. ويرى في التصوّف، كما الشعر، قولًا أو فلسفة تتوق إلى تقديم أجوبة عن سؤال الأسئلة في المصير، ومن ثمّ عن الحال والمآل لمأساة الإنسان.

كما ويتغذّى الشعر العربي، بحسب النظريّة العربيّة الراهنة في الشعر والنقد الأدبي، بأثمار العلوم المجتمعيّة الإنسانيّة أو التاريخيّة أو الإنسانيّات، وبالدم أو الروحيّة وماء الحياة المعاصرة، وبمتخيّل وفضاءات وأنفاس الشعر العرفاني الكموني، العالمي، المسكوني.

فيبرز في مقامات الشعر بحسب الجهاز النفسي والمواضعة التحليلنفسيّة مقامان؛ الأوّل هو مقام الهذا، وهو في القصيدة، وفي الشخصيّة أو في المنزل وحتّى في الحضارة، قطاع الغزل؛ وحيث يتكلّم الغريزي والطبيعي، والموروث الجسدي العضوي، والخزّان والجنس. أمّا المقام الآخر، فهو مقام الأنا والوعي والحضور والذات الفاعلة داخل صِنافة المـَواضعيّة في الشعريات أو الشخصيّة الشعريّة.

كما ويتفسّر الوعي واللاوعي، أو الأنا والأنا الأعلى أو الذات والذات المثالية تبعًا لمنهجين هما: المنهج التحليلنفسي ومنهج التطورانية أو النفساني والسلوكي. داخل جهاز الشعر، تكون العلاقة بين الوعي واللاوعي علاقة بين البادي المعلَن والمعبَّر عنه بوضوح، والدفين واللامعبّر عنه والمطمور أو الغوري ومترسّبات التجارب الصدميّة الأولى في العمر الطفولي إنْ للأمّة أم للجماعة والتاريخ واللغة. وبحسب النظريّة التراثيّة وما بعد التراثيّة في الشعر، والفنّ والأدب، ما انفكّت تحكُم الأنا الأعلى الشخصيّة الشعريّة العربسلاميّة؛ فالقصائد العربيّة متحرّكة متّقدة بالـمُثل والتربية المثالية، وبالأخلاق وبالحكمة، وبسلطة شعراء سابقين أروميّين، أو قادمين من الدار العالميّة للشعر.

ويعتبر زيعور أنّ الغرض من الشعر هو دراسة نفسيّة عياديّة للذات بما هي مواقف، وأفكار، أو عواطفيّة ومشاعر، رغبات وميول، غرائز ووساوس، بيولوجيا وجنس، خيبات واضطرابات، وحالات أخرى… فحقل الشعر هو الوجدانيّات، أمّا مناهجه فتتكافأ مع مناهج التصوّف الفكري الوجوداني؛ فنراها استبطانيّة، واستكشافًا للوعي المتوتّر المنفتح والصراعي، فهي معرفةٌ أو “إشراق” وحدس؛ وهنا تكمن التجربة المعيوشة، والمعاناة، والتعاطفيّة، والمعرفة من الداخل وبالذوبان في الحالة النفسيّة.

وفي تتبّع الجذر اللغوي (ش ع ر) للشِّعر، يرى المعلّم أنّه يجتمع مع كلمة الشَّعر في معنى مشترك رابط شديد التعبير والدلالة، ألا وهو كلمة “شعور” الذي يمثّل العاطفة والاختلاجات النفسيّة. وللشَّعر في قاموسه التحليلنفسي معانٍ ورموز، ومؤسّس مكبوت يخلص إلى تفسيرين؛ الأوّل جنسي النزعة، جنساني؛ أي رمز للعضو الأنثوي المحرّم من الله رؤيته، والواجب حجبه، والتفسير الثاني يرمز إلى الرجولة والقوّة. وبموجب ذلك، فإنّ تغطية شَعر المرأة رمزنة للطاعة والانقياد، وإبعاد للشيطان والغواية، وكبت للجنسي أو إنكاره، وخضوع للإله المقدّس، وطاعة للزوج والقوانين والسلطة. وحجاب الشَّعر دفاعٌ ودليل على الروحاني، وعلى التديّن والانفتاح على الملاك والسامي الإلهيّ. والشَّعر المحجوب، كذلك، تضحية بالأنانيّة والشهوات، وذوبان الفرد في الجماعة والفضاء الديني الجماعي، ودخول في عالم التعاطف العامّ والتشارك الجماعي والمشتركيّة النحناوية.

وكما سبق ذكره، فإنّ الشعور، بمعنى الإحساس الباطني أو الوعي، يدخل في ارتباطيّة لاواعيةٍ مكبوتة داخل متكافئة الشِّعر والشَّعر. فالشاعر هو المشعَّر، أي المطوّل شَعره، وبالتالي فهو المصوَّف، أي المنذور. وهو من يَشرع بالأمر أو الحركة، بالفعل والقول، بالكلام والتأسيس والإبداع. وإذْ هو يَشعر ويُشعر، فتاليًا هو العالم والدارس للشعوريّات والحالات، والاختلاجات الذاتيّة كالانفعالات وشتّى الوجدانيّات والأحاسيس البشريّة. وهنا، ترِد وتتقارب شخصيّات هي: الشعراء، الغاوون، الهائمون في كلّ واد، “الصوفانيّون” (أتباع صوفة)، المشبّعون، المنذورون، المسيّبون، المضحّون، وغيرهم….

والشِّعر عند علي زيعور هو اللغة والحياة، فقبله كان الصمت. وهو الكلمة التي تعطي اسمًا للشيء فيغدو الشيء موجودًا مموضَعًا، خاضعًا للمعرفة والإرادة، وهو الوسيط بين الذات والآخر. لذا كانت القبائل تقيم الأفراح إذا ولد لها شاعرٌ لأنّه النبي الآنذاكي؛ أي العالم العارف، الحكيم المتنفّذ الذي يمكنه أن يزيل الظلام ويُحلّ في الأرض والناس الحريّة والعدل والمساواة.

ينسج الشاعر من خيوط كلماته، وعيه ولاوعيه، بنيةً هي القصيدة أو الأنشودة والمنشودة؛ وهي الجسد الحيّ الذي يتكوّن من عدّة أقسام تتكامل فيما بينها فتشكّل وحدةً مترابطة عضويّة، وكلًّا جمعاويًّا، ونسقًا واحدًا موحّدًا بغير منهج أو تعلّم سابق، أو خبرة مكتسبة، وبغير خيار أو إرادة أو معرفة جاهزة. يكشف الشِّعر أعماق الإنسان الشاعر المكبوتة وآفاقه، فهو إبداع واكتشاف، اختراع ونبوغ بغير إغفال دور اللاوعي والمكبوت المحجوب.

وإذا أردنا أن نحلّل القصيدة العربيّة، فنجد المعلّم قد كشف عن بعض المطمور فيها، ولاحظ “فنّ الابتداء” أو “براعة المطلَع”. فانشغال الشاعر المتوتّر، برأي المعلّم، في البيت الأوّل سببه عقدة، وذكريات مؤلمة لتجربة صدميّة غابت في غياهب اللاوعي. وبذلك، يرتبط قلق الابتداء بالتوتّر النفسي الذي يحدثه اضطراب التدشين، وهو ما أسماه بالعقدة الطللية؛ إنّها عبارة عن حنين إلى المنزل الأوّل أو الحبيب الأوّل وغيرها، وتمثّل عقدةً حنينيّة إلى دار الطفولة، واللاعقلِ وما قبل اللغة.. وهي تتفعّل وتُفعّل بمشتركيّةٍ مع حالةٍ عياديّة ثمّ حالة صرفنحويّة ملتبسةٍ يعبّر عنها الشعر بالمثنى. هذه الثنائيّة تستدعي متلازمةً مماثلةً بين طرفي المجتمع كما الفكر، بين البنية الاجتماعيّة السياسيّة القوية الحاكمة والبنية الهامشيّة والمظلومة المنجرحة. فالازدواج كأنّه شعور بالتحقّق والتفرّد، وبالتكامليّة والنضج الانفعالي.

بالإضافة لتلك العقدة الطللية الاكتئابيّة النادبة المأتميّة، شخّص زيعور عقدًا أخرى في الشعر العربي القديم منها؛ عقدة الموت حبًّا عذريًّا، العقدة النوّاسيّة، العقدة الخنسائيّة (الأخ مع أخته؛ العقدة الأختيّة)، عقدة المتنبّي وغيرها ممّا ذكره في “معجم الطبّ النفسي”.

كما أنّ الشعر ينبئ عن تحوّلات في شخصيّة الشاعر، أو في الذات الإنسانيّة، تدعوه إلى البحث عن الخلاص والحل.، وكالترحال أو التنقّلات والتمرّد في شعره يثور على واقعه وحياته والسلطة الحاكمة، ويبغي الخروج من الفكر السائد الذي يدعو إلى الخنوع والخضوع، إلى نور التحرّر ورفض الظلم.

وهذا المعنى أشار إليه علي زيعور حين رأى أنّ الشعر العربي تمرّد على أبيه التقريري والمنبري، ونجح وترسّخ بأسلحته العقليّة العلميّة المعاصرة، وانعتق من المعايير القديمة، ونجح في كسر الأغلال والتحرّر وإفساح المجال الحرّ للأنا بالظهور، فخفّف من قيود القسريّات بواسطة القافية والوزن الشعري والمعايير الجاهزة التي كانت تضغط على ديناميّات الشعر واستعداداته، وعلى الانطلاق والانعتاق والفوز.

فانتقل الشعر بأشكاله المتغايرة وتفاعل، كما الفنّ، مع المدنيّات، واتخذ عناوين جديدة كالشورانيّة أي الديمقراطيّة، والعدالة الاجتماعيّة، والعلمانيّة والعُلمانيّة وغيرها. ورفض المعلّم أن يعود الشعر إلى عهده القديم لأنّه اعتبر أنّ الذات العربيّة الراهنة لو أرادت أن تتساكن مع روح المعاصرة في المعرفة والتقانة، والتواصليّة والرقمانيّة والتفسير العلمي، فإنّه لمن الينبغيّات أن لا تحلّ في تلك الذات الأواليّاتُ المعهودة والروحيّة الثقافويّة التي حكمت زمانها وإنسانها الغابرين.

ويختم أنّ الشعر وسيلة ناجعة للعلاج من بعض الأمراض النفسيّة كالصوفي الذي ينظم الشِّعر للتطهّر، وكالنائح في المآتم والتعزية، وكالفنّان والأديب وغير ذلك.

ثمّ يعرض، في معاينته التحليلنفسيّة للشعر الغراري (المعهود، المألوف) والمتمرّد، بعض الحالات بعد أن يؤكّد أنّ للشعر بعدين؛ أحدهما بُعدٌ نفسيّ ما ورائيّ، وبعد طبيعي محسوس.

والحالات هي كالتالي:

  • شاعر يحسب نفسه بطلًا كالهائم أو المسيَّب أو ابن السبيل الذي نذر نفسه لله، أو ككبشٍ افتدى نفسه للجماعة.
  • شعر كشف عن مطموراتٍ في نفس الشاعر عبّرت عن بعض العقد النفسيّة التي حملها من طفولته، فكان إمّا زير نساء يخفي شعره بعض ما في نفسه، أو مريضًا جنسيًّا يخبّئ مرضه في كثرة كلامه عن النساء.
  • أو أصوليّ في فكره كما في شعره، تمسّك بحرفانيّة الشعر العامودي شكلًا ومضمونًا، وهو ما يعبّر عن فهمه المقفل الثابت، وبعلائقيّة إخضاعيّة، أحاديّة المستوى في النظر والتحليل والمقاضاة.
  • وإمّا شخص اتخذ من الشعر وسيلة للعيش، فنظم على هوى طالب، فاعتبر أنّ تلك الطريقة غير قادرة على أن تكون أخلاقيّة، أو تراحميّة تضافريّة.
  • وشعر غزليّ تجاوز معناه الجنسي في رغبة أو لذّة إلى أن يكون ساميًا في معانيه نحو العشق الإلهي والحبّ المحض، فهو الشاعر الصوفي الكوني والكينوني، المسكوني، والعالَمي والعالـَمـيني.
  • ورثاء هو فلسفة ورغبة لاواعية بالخلود والحنين إلى عالم الخلود والمتخيَّل أو اللاعقل واللاواقع.
  • ومديح يصفه المحلّل النفسي زيعور بالاستجدائي والتسوّل، ويكون ذلك لاستجلاب منفعة مادّيّة أو استكثارًا للرزق.
  • وفخر يرى فيها المعلّم مشاعرَ بالدونيّة، فيكشف عن نرجسيّة لاواعية في الشخصيّة والفكر.
  • أمّا عن شعر الهجاء، فهو ليس بالضرورة نزعةً تدميريّة ولا هو إرادة تقويض؛ فثقافة رفض الآخر ليست دليلًا على الطبيعة الشريرة للإنسان.
  • والخمريّات بالرغم من أنّها مجبولة ممزوجة بالجنساويّة، يراها علي زيعور تفجّرًا لطاقات إبداعيّة ورغبة في الانفلات من القيود السياسيّة والأعراف، وتوقًا إلى الحريّة والانعتاق من الأغلال التي يفرضها المجتمع. ويضيف إليها الخمريّات العرفانيّة التي تمثّل الانتقال من المستوى الجسدي والواقع المادّي إلى فضاءات روحيّة فسيحة وفلسفة مثاليّة.

أخيرًا، أنّ الشعر العربي قدّم للإنسان والعقل أو للنجاح والتطوّر الحضاري ثروةً فنيّة رائعة، فهو اجترح لوحاتٍ وصورًا تجاوزت المحلّي مخترقةً الخصوصي والتاريخي لتبلغ البعد المسكوني والعالمينيّة، والذات البشريّة والفلسفات الإنسانويّة والكينونيّة. وختامًا، فالشعر في نظر علي زيعور جمّاع لكلّ تلك التنويعات؛ فهو يعبّر عن كلّ نشاط، ولا يدرَك إلّا في كلٍّ أو نسقٍ، كبنية أجمعيّة أو وحدة متكاملة.

*******

[1]  طالبة دراسات عليا في الجامعة اللبنانيّة.

[2]  راجع: علي زيعور، حقول التحليل النفسي والصحّة العقليّة كما الروحيّة والحضاريّة، ط 1 (بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع، 2016).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق