المؤسسة الدينية: فضح الفاسدين بدلاً من مغازلتهم / أسعد قطّان

يشير الدكتور كوستي بندلي في كتابه «نضال عنفيّ أو لا عنفيّ من أجل تحقيق العدالة» إلى أنّ ما أطلق حركة لاهوت التحرير في الكنيسة الكاثوليكيّة في أميركا الجنوبيّة هو اكتشاف الأساقفة الكاثوليك أنّ المُؤَسّسة الكنسيّة تحالفت طوال قرون مع الأغنياء والرأسماليّين ضدّ الفقراء والمسحوقين. ولقد أدّى هذا الانزياح في النموذج إلى ثورة على الذات في كنائس أميركا الجنوبيّة لم يكبح جماحها سوى سعي البابا المحافظ يوحنّا بولس الثاني إلى الحدّ من زخم لاهوت التحرير عبر استبدال الأساقفة «اليساريّين» بأساقفة أكثر ميلاً إلى المحافظة. المُؤَسّسة الدينيّة إذاً لها سوابق في الوقوف إلى جانب الظالم ضد المظلوم. وهذه الملاحظة ليست أقلّ انطباقاً على الإسلام. فالتاريخ الإسلاميّ برمّته يمكن أن يُكتب من زاوية انتصار علماء الدين والمُؤَسّسة الدينيّة للحاكم المستبدّ أو انتقادهم له.

حين سمعنا كلام المطران الياس عودة المدافع عن ثورة صبايا لبنان وشبابه ضدّ الفساد وقارنّاه بالكلام الرسميّ الصادر عن لقاء الرؤساء الدينيّين المسيحيّين في بكركي، بدا مطران بيروت للروم الأرثوذكس كأنّه طائر «يغرّد خارج سربه». أمّا الموقف الرسميّ لرؤساء الكنائس، فيحاول، ولو ضمناً، احتواء الفورة الشعبيّة وتنفيس نقمة الشعب على منظومة الفساد التي تحكم لبنان منذ نهاية الحرب الأهليّة على الأقلّ، وذلك خصوصاً من طريق «مغازلة» الورقة الإصلاحيّة التي تفتّقت عنها قريحة الحكّام وتجاهل التفنيد الذي قام به عدد من الخبراء الاقتصاديّين.

لقد أخذتني اللافتات المعادية للمؤسّسة الدينيّة المرفوعة في وسط بيروت إلى الحقيقة الحمراء التي يجب إعلانها على الملء: المُؤَسّسة الدينيّة الرسميّة في لبنان تعاطفت مع رموز الفساد في السلطة طيلة ثلاثين عاماً. استفادت من التحالف بين السياسة المشبوهة والرأسمال الجائر، باركت الطائفيّة والمذهبيّة، وساهمت في منع قيام الدولة المدنيّة عبر تصدّيها لكلّ المشاريع التنويريّة كالزواج المدنيّ الاختياريّ مثلاً، حتّى إنّ الذهنيّة الفاسدة التي نخرت مؤسّسات الدولة باتت متفشّيةً اليوم أيضاً في كثير من زوايا المُؤَسّسة الدينيّة. هذه المُؤَسّسة تبدو اليوم حائرة، متردّدة، متلكّأة في إيجاد كلمات واضحة تسمّي الأشياء بأسمائها وتُظهر، ولو لمرّة واحدة، استقلالها عن الاستبلشمنت الفاسد وطاغوت المال والحسابات السلطويّة. فإذا استثنينا بعض الأصوات الحرّة والوازنة، يمكن القول إنّ المؤسّسة الدينيّة على وجه العموم ما زالت تتخبّط في خطاب ملتبس لا يقيم وزناً لما هو جوهر رسالتها، أي الانتصار للمظلوم والمسحوق وفضح الظالم والمستبدّ.

الانتفاضة الشعبيّة التي تجتاح لبنان تشكّل فرصةً للجميع لتنقية الذات والقيام بمراجعة نقديّة لخطايا الماضي وأخطائه. وهذا ينطبق خصوصاً على المُؤَسّسة الدينيّة التي ضيّعت، مرّةً تلو مرّة، فرصة فضح الفاسدين بدل مغازلتهم. لقد شبع الناس من الكلام التلفيقيّ الآتي من بطون الكتب والذي يحاول تدوير الزوايا ولا يقول شيئاً، وهم يتشوّفون إلى خطاب واضح وصريح يقف إلى جانب وجعهم بلا تسويف ولا مواربة. ومن له أذنان للسمع فليسمع…

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق