تقاطع نيران: جدليّة الإبادة والحرّية (2/1)

مدخل:

ربّما نادرا ما تساءل قارئ النّصوص الإبداعيّة حول درجة إمكان تورّطه في هدر المعنى، أو بتعبير آخر أن يمارس في حقّ نفسه نوعا من الحرمان من المعنى، من خلال إعفاء ذاته من عناء القراءة في حرقة أسئلتها وما تتطلّبه من مشقّة في بناء السّجلّ الثّقافي القرائيّ المنتج لأدوات التّفاعل مع النّص. والغريب في الأمر أن سيرورة قراءتي لنص سمر يزبك لم يكن يخلو من تقاطع نيران بين الذّات القارئة و الفكر والأدب والفلسفة بذلك المعنى الفنّيّ الجميل في عمق دلالاته الّذي أشارت إليه سمر دون أن تقصده حرفيّا بالمعنى الأحاديّ، الشّيء الذي جعل المعاني الثّانية تزهر على حافّته الإيحائيّة ” الآن أستطيع أن أقول كما يقول الكثيرون: النّار تطهّر. النّار تجلو. النّار إمّا أن تحوّلك إلى رماد، أو تصقلك. وأنا في انتظار الأيّام القادمة كي أعيش الرّماد، أو أرى مرآتي الجديدة”.1 هكذا هي القراءة حين تتورّط في لعنة الكتابة التي تجعلك في حضرة  نصوص أخرى فكريّة، أدبيّة وفلسفيّة، تتضافر، تتفاعل، وفق جدل التّكامل والاعتماد المتبادل، وهي تختلف في اللّغة والأدوات وفي شكل الكتابة…، لكنّها مسكونة بنيران الأسئلة نفسها. قراءة تطارد ما يسميه فوكو “خبث الدّليل ومكر العلامة”2، رغبة في الإسهام مع النصّ في الاكتشاف و إنتاج معرفة،  وبحثا عبر المتخيّل الفنّي عن حقيقة الواقع الذي فاض وغطى على الخيال، ” يتحوّل الواقع إلى خيال، يقولون أن كتابة الرّواية تحتاج إلى خيال، وأنا أقول تحتاج إلى واقع، أوّلا وثانيا وثالثا، وما نكتبه في رواياتنا هو أقلّ وحشيّة ممّا يحدث على أرض الواقع”3.  ما كنت لأخرج من تقاطع نيران كما دخلت سالما مطمئنّا في حدود تغيّراتي الدؤوبة، إلا وقد استأنفت هدم الكثير من الجدران البغيضة الّتي لا تكفّ عن معاودة الإنتاج في المجتمع والثّقافة  وفي اعتلائها بعض منصّات الحياة،  وتخلّصت من الرّوائح العفنة المدسوسة في إرث الملل والنّحل والفرقة النّاجية في الدّين والحزب والمذهب والطّائفة وعلب الحقائق الجاهزة، والسّياسة القذرة للرّؤية الواحدة والوحيدة للاسترقاق البشريّ القديم والمستحدث في الذّات والمجتمع، وفي العلاقات والتفاعلات مع النّفس والآخر والعالم …

وما كان هذا ليحدث لولا مسارات مؤلمة في تجربة النّفس فتحت عيون القلب على شموس أخويّة في الكتابة الغيريّة في الفكر مثل ما سطّره بألم الأسئلة ياسين الحاج صالح من نصوص حملت عنوان الضّمير الخارجيّ: في المظلوميّة وأصول الشرّ السّياسيّ”4 وفي الفلسفة، أو بتعبير أدقّ في فكر الاختلاف عند ما خطّه عبد السّلام بن عبد العالي من نصوص رائعة فيها الكثير من المتعة واللّذّة، إلى جانب الكثير من الكتابات الأخرى كموّجهات إرشادية لفعل القراءة. فكيف أمكن لهذه الخلفيّة، أو السّجل النّفسيّ المعرفيّ الأدبيّ والفكريّ الثّقافيّ أن يزعم لنفسه مقاربة النّصّ الإبداعيّ بعيدا عن الأدوات والمفاهيم النّمطيّة للمقاربات الحديثة في تناولها للنّصوص الإبداعيّة بالبحث والدراسة العلميّة الّتي غالبا ما تقتل أمل النّصّ وتمزقه أشلاء بقوالب منهجيّة نمطيّة لا ترحم نبضه الحيّ، وهو مفعم بالحياة والتنوّع والإختلاف والاتّساع اللّامحدود في سيرورة تدليليّة لا تنتهي؟ إنّ هذه الخلفيّة المعرفيّة لقراءتي تجعل القارئ يدرك كيف يمكن للإبداع الحقيقيّ شعرا أو رواية…، أن يستبطن ويكثّف في خصائص أدبيّة معنويّة، ودلاليّة فكريّة ما يمكن للفكر أن يقوله بلغات أخرى. وبوضوح أكبر ما كتبه المفكّران ياسين وعبد السّلام من نصوص في روعتها وعمقها وجماليّتها المتّسعة الآفاق والرحبة الكرم والضّيافة بالذّات والآخر والمجتمع والعالم، استطاعت سمر أن تخلقه حيّا بدم نبض القلب، في الحرّية والكرامة والفرح، في الألم والشّعور بالخيبة والانكسار إزاء قوّة القهر والقتل، وفي العيش المشترك للتّفاعل والانفعال الإنسانيّ تجاه المحن والمآسي، ومقاومة بشاعة استباحة الإنسان وهدر دمه، وسطوة الظّلم، وفي هدم الأسوار العالية في النّفس والموروثة في اللّاشعور الثّقافيّ الجمعيّ للأسرة والعائلة والطّائفة والمجتمع، وفي الصّناديق الإيديولوجيّة لعلب السّياسة الأبويّة…

أولا : تقاطع نيران: نصّ حواريّ في التّعدّد والاختلاف

القراءة المتسرّعة المأسورة بالمفاهيم النقديّة النّمطيّة في مقاربة نصّ “تقاطع نيران” لن تدرك خروج شكل الكتابة في خصائصه الفنيّة و الدّلاليّة والفكريّة عن المألوف في الشّهادة واليوميّات، ” لأنّ من أصعب المواقف أن يكون الإنسان شاهدا، وأن يكون مطمئنّا”5، بما يعني القدرة ليس فقط على الخروج من الذّات إلى الغير المشترك الجمعيّ، أي الثّورة، بل أيضا قدرة الكتابة على الخروج عن نفسها ككتابة سير ذاتيّة فرديّة تنغلق على تجربة الذّات في قراءة تحوّلاتها وتجاربها الخاصّة المحدودة الأفق والعلاقات والتّفاعلات في إطار ضيّق يحكمه اليوميّ  في شهاداته المبتورة والموشومة بالكثير من الكبت والصمت، ومهما بلغ نقده الموضوعيّ الذاتيّ وحسابه العسير مع الذّات فلا يمكن أن يتّسع للنّفس والآخر والمجتمع والعالم “إنّ نفسا تعرضّت لرضوض إذلال وتحقير متكرّر تتندّب وتقسو فتفقد قدرتها على الحركة المرنة ذهابا وإيابا، على الخروج من النّفس للنّظر إليها من خارجها.  يتقوقع المرء على نفسه أو الجماعة على نفسها، ويتطوّر لهما درع خارجيّ  صلب، يحول دون الحركة الطّليقة من النّفس وإليها، وتاليا من ملاقاة آخرين والتّعرف عليهم  ومشاركتهم. وما يختنق في هذا التنّدب أو يضمر هو التّعدّد داخل النّفس، الذي يتولّد عبر أفعال الخروج من النّفس. أي أنّ الحركة داخل النّفس أيضا تتعذّر. وإنما عبر ذلك التّعدّد وهذه الحركة يكون الواحد منّا مجتمعا، مجمع أشخاص متفاعلا.”6 هكذا تحقق تقاطع نيران الخروج عن النصّ أو الخروج عن الخروج في اليوميّات والشّهادة، حيث تجعل نفسها بجرأة هذا الانتهاك للخروج المألوف في وضع التّعدّد والاختلاف الّذي يتّسع للذّات والآخر والمجتمع والعالم، وبذلك تكون هي نفسها المجتمع في تنوّعه واختلافه وتعدّد لغاته وأصواته. كما لو أن النّصّ يعمل على تشكيل هويّته السّرديّة في أفق الوجود الأصيل  حسب ريكور، ” أي صورة الذّات المتحرّكة الّتي لا تتحقّق إلّا بالسّرد… قوام هذه الذّاتيّة، ليس الوجود للذّات، بل الوجود للآخرين ومعهم وبينهم في حركة لا انقطاع لها” 7 ولكي تنال جدارة التّعدّد والاختلاف وحرّية كرم الضّيافة والتّشارك والإشراك كان عليها أن تدفع الثّمن في محطّات كثيرة” كانت لحظة تشبه اللّحظة الّتي تركت فيها بيت أهلي، وأنا ما أزال في السّادسة عشرة من عمري، وتشبه اللّحظة الّتي طلّقت فيها زوجي، وأخذت ابنتي ذات السّنتين، وهربت بها إلى دمشق، تشبه لحظات كثيرة مرّت في حياتي، لا علاقة لها بموقف سياسيّ أو انحياز لطرف دون آخر، إنّها فقط وببساطة انحياز لحريّتي، في من أكون وكيف أفكّر وأكتب”8. إنّها محطات  شكّلت منعطفات نوعيّة في ارتقاء الذّات عن كلّ النّذالة العفنة الضّيّقة للاسترقاق السّلطويّ النّفسيّ الأبويّ والطّائفيّ المذهبيّ، والتّخنّدق السّياسيّ الإيديولوجيّ، لأن الواحديّة والأحاديّة والمنولوجيّة ذات الصّوت الواحد في القهر والتّسلّط والانغلاق والاستعباد، في النّفس والفكر وفي العلاقات وفي الانتظام الاجتماعيّ، وفي التفاعلات الأبويّة للشّفرة الثّقافيّة الاجتماعيّة التاريخيّة الموروثة يصعب عليها أن تموت أو أن تقبل بقانون الصّيرورة والنّماء والتّجاوز، لكنّ ” ثورةٌ وطنيّةٌ ديمقراطيّة تخلخل وتصدّع، لا يخيفها عائقٌ، فهي الّتي تُخيف، بها ينهار عالم بكامله، ويشرئبُّ إلى الولادة آخر. تتفكّك نُظُمٌ من الفكر والاقتصاد والسّياسة يصعب عليها الموت بدون عنف، تتصدّى لجديد ينهض في حشرجة الحاضر، وتقاوم في أشكال تتجدّد بتجدّد ضرورة انقراضها، تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها على موعد الموت.”9  لذا لم يكن للكتابة شكل آخر في الفعل و الاختيار، أي في تشكيل الواقع ومحاولة اكتشاف إمكاناته، إذا أرادت أن تنتصر للحريّة والكرامة والقيمة الإنسانيّة في وجه كلّ الإنغلاقات الذاتيّة والغيريّة وعلى رأسها الإبادة السّياسيّة والوجوديّة، إلا أن تجد نفسها في  سيرورة تقاطع نيران العائليّة والطّائفيّة والمذهبيّة ” أنا جريمة خيانة في مجتمعي وطائفتي”10، ” تحوّلت إلى خائنة للطائفة لأني كنت بجانب المتظاهرين”11 ” كان غالبيّة علويّي سورية يعتبرونني خائنة”12. دون أن ننسى نيران الطّغيان الإبادي في حقّ الإنسان والمحيط الايكولوجيّ،” أدفع ثمن استبداد هذا النّظام ووحشيّته ولن أخضع لابتزاز ورقة الفتنة الطاّئفيّة الّتي عملوا عليها”13 إلى جانب نيران توحّش الشرّ الإرهابيّ لكلّ القتلة المتديّنين”  رسالة غريبة وصلتني قالت: أيّتها الكافرة السّافرة إنّ الثّورة السوريّة لا تريد بين صفوفها علويّة كافرة مثلك”14، إنّهم سرّاق أمل الشّعوب في معانقة حريّة تغيير المكان والزّمان، والانفتاح على الحياة والعالم. ” وهكذا كما حدث في كل مرّة من حياتي وعندما أكون على مفترق طرق، أنحاز لهذا القدر.. أنحاز لحريّتي”. 15 بهذا الفهم النّابع من سياقات شكل الكتابة في حركتها المكانيّة والزّمانيّة كحريّة مؤطّرة لزمن السّرد والخطاب، نفهم عمق عتبة عنوان النّصّ ” تقاطع نيران” في تنوّعه وتعدّده واختلافه، في حواريّته واتّساعه لكلّ الأصوات المقاومة للأحاديّة الأبديّة الّتي دمّرت وحرقت الأرض بمن فيها وما عليها وهي تنتصر لشعار الأبد” بشّار الأسد وعائلته حوّلوا شعبي إلى شهداء ومعتقلين وهاربين ولاجئين وسجناء داخل مخيّمات في البلدان الأخرى، ما الّذي يمكن أن يفعله مجرم بأكثر من هذا في شعبه”16. من هنا يمكن القول أن تجربة تقاطع نيران أنتجت في مخاضاتها العنيفة جراحات السّرد العاري المنفتح على الذّات والآخر والمجتمع دون خوف من تعرية الظّلال الّتي تعتري النّفس في لحظات اليأس والقلق والخوف. ” الأكثر قلقا بالنّسبة لي كان الإحساس بإحباط بدأ يتسلّل إلى قلبي وإشارات الحياة الّتي أخبرتني أنّ الوضع في سورية سيستمرّ طويلا وأن هناك الكثير من الموت والقتل والدّم سيحصل قبل أن يسقط النّظام. ” 17  ” أفكّر أن هذه اليوميّات تشبه خلاصا أو زعيقا، ولكن هي في النّهاية مجرّد كلمات، يفترضها من حولي شجاعة، وهم في الحقيقة يرتكبون خطأ، فمنذ اللّحظة الّتي تتّجه السّيّارة فيها إلى مكان التّظاهر، تنحلّ ركبتاي، ويجفّ حلقي، وأسمع نبضات الخوف.” 18 ” أعيش بقلق وخوف”. 19 كتابة هي على وعي أيضا بخطورة ما يولّده ألم حدود ومحدوديّة فعل الذّات ضدّ الآليّة الإكراهيّة الإسترقاقيّة التوحيديّة الأبديّة الّتي لا شريك لها، إنّها ديكتاتوريّة الإبادة والوثوقيّات، حيث تشتغل  تلك الآليّة الّتي ” تمنع الوثوقيّ من أن يقبل بتعدّد الآراء، وبالأحرى اختلافها. لكن، قبل أن يرفض الوثوقيّ الاختلاف مع غيره، يبدأ أولا بالامتناع عن الاختلاف مع نفسه، أو على الأصح بالخضوع لاستحالة الاختلاف مع الذّات. قبل أن يسدّ الوثوقيّ الأبواب على الغير، يسدّها على نفسه، وقبل أن يمارس عنفه على الآخرين، يرزح هو نفسه تحت ضغط البداهة وعنفها.”20 وهذا هو توحّش الشّرّ الّذي جعل النّظام في بنيته العميقة  كالواحد القهّار الّذي لا شريك له شرسا وعدوانيّا في القتل والإبادة بكل الأسلحة المحرّمة دوليّا. وهذا كذلك ما جعل الشّعب يصرخ بإرادة قويّة ” يا جراثيم وجرذان العالم اتحدوا في سخريّة من بشّار الأسد الّذي وصف المتظاهرين في إحدى خطبه بالجراثيم… لا شرعيّة لمن يقتل شعبه.”21

انسجاما مع هذا الأفق الديالوجيّ أو الحواريّ، بتعبير باختين، للولادة من جديد الذي تستبطنه ذاتيّة الكتابة من موقع شكل الكتابة كيوميّات تشهد على الذّات والآخر والمجتمع والعالم بواقع الإبادة الوجوديّة والسّياسيّة الّتي يتعرّض لها الشّعب السّوريّ، نفهم بأنّنا أمام  شكل جديد للكتابة المولّدة للفروق والاختلافات، على مستوى اللّغة والأصوات والرّؤى والأفكار…، و الباحثة عن التّعدّد والتّنوّع والاختلاف في الذّات من خلال الآخر والمجتمع والعالم، أي شكلا آخر لتعدّد  اللّغة والأصوات والرّؤى…، وهذا ليس بالأمر السّهل المنثور على قارعة الطّريق من سقط المتاع، أو الجاهز في برّاد الفكر التأمّليّ التنظيريّ، حيث لم يكن لنصوص- ياسين وعبد السّلام وسمر – هذا التّفاعل الخلّاق في القراءة أن تولد كنصوص من رحم ترف الفكر، بل من مسارات شاقّة ومؤلمة لهؤلاء في الولادة من جديد، وفي صيرورة لا تهدأ في التّجدّد باستمرار، حيث تحمل نصوصهم بين طيّاتها متع اللّغة  السّاحرة الّتي تجعل  ما يميّز الظّهور هو ما يخفيه، إنّه ” التّقطّع : تقطّع بريق البشرة بين قطعتين من اللّباس بين حافّتين، وهذا البريق بالذّات هو ما يفتن، بل ما يفتن أيضا هو إخراج مشهد الظّهور والاختفاء”. وهو ما يفرض على القارئ الغوص العميق والدّخول إلى محراب تقاطع نيران حيث يكتسب شكل الكتابة، و الذّات، في اكتشافها وإنتاجها للمعرفة بالواقع والممكن، جدارة الإنسان. وهذا ما نجحت فيه سمر يزبك في تجربة الكتابة بشكل يسمو على الفكر التّأمليّ الّذي يعسر فيه على القارئ معرفة سياقات تقاطع نيرانه الّتي صقلته على هذا الشّكل العميق والرحب كما هو وارد في نصوص بعض المفكّرين مثل ياسين وعبد السّلام.

في ذلك التّحليل العميق للمظلوميّة وأصول الشّرّ الّذي قدّمه ياسين الحاج صالح، في القدرة على عيش التّغيير على مستوى النّفس وفي العلاقة مع الغير والمجتمع والعالم كتنوّع وتعدّد واختلاف وحساب عسير مع النّفس للتّخلّص من ندوب الانغلاق والكراهية والتّعصب  والإذلال والتّمييز وكل أصول الشّرّ، ” مقابل النّفس المصمتة الواحديّة، يمكن أن نتكلّم عن نفس منفسحة، متعدّدة واجتماعيّة. النّفس الّتي طوّرت ضميرا داخليّا، وتشكّلت حول أفعال الخروج منها والعودة إليها. فرصنا أكبر في أن تكون نفوسنا فسيحة بقدر ما تتاح لنا أن نقاوم أسر أنفسنا في سرديّات مظلوميّة، أو بخاصّة بقدر ما ندرج مقاومة المظلوميّات في مقاومة نشيطة للظّلم والتّمييز.” الظّلم يعمي القلب” ومقاومة الظّلم وحدها هي ما تفتح القلوب وتوسّع عوالمنا الدّاخليّة. السّكوت على الظّلم خطير، كلّما طال خصوصا، لأنّه يفتح أبوابا قد لا تغلق للمظلوميّات وعسكرة الهويّات، وربّما للمجازر والإبادات…التّعدّد الداخليّ صورة تاريخيّة محقّقة ومحتملة في آن للإنسان…هذه النّفس الفسيحة نتاج اجتماعيّ بدورها مثلما هي النّفس المصمتة، وإن كانت أوثق ارتباطا بمقاومة التّمييز ممّا هو ممارس في كلّ المجتمعات البشريّة اليوم.” 22هذا العمق في تشكّل الذّات الفسيحة هو الذي استطاع شكل الكتابة في ” تقاطع نيران” تجسيده بالنّبض الحيّ الملموس في انخراط الذّات ضدّ نفسها عبر تاريخها السيرذاتيّ في مقاومة التّمييز والظّلم ضدّ المجتمع الذّكوريّ والمذهبيّ والطّائفيّ، وضدّ إنتاج سرديّات المظلوميّة العفن الّذي يراهن عليه نظام الإبادة” النّاس خائفة مذعورة، لم تعد تفكّر فيما يحدث، صار يهمّها الأمان فقط في العيش، اختلطت الحوادث، صارت هناك قصص وإشاعات تسري بين النّاس، الخوف من الذّلّ القديم الّذي عاشه العلويّون، الخوف من التّشرّد والاضطهاد، جعلهم يقتربون من رواية النّظام، وجعلهم مدفوعين وراءه بكل ما يملكون”23. وهذا ما جعل الهويّة السّرديّة في النّصّ تؤسّس وجودها في الوعي بخطورة مواقف النّفس المصمتة المكرّسة للانكفاء على الذّات والخوف من الغير، والهروب من الانفتاح على الذّات والمجتمع، و مقاومة للمظلوميّات التمييزيّة الطّائفيّة الّتي يتغذّى عليها نظام الحروب الأهليّة الطّائفيّة كشكل للإبادة الذّاتيّة لمناعة الإنسان و المجتمع. إنّها هويّة سرديّة تؤسس حريّة وجودها وسط ومع الآخرين داخل الثّورة الّتي لا تخلو هي أيضا من تقاطع نيران. ” بعض هؤلاء العلويّين تعرّضوا لاضطهاد مضاعف من أجهزة الأمن الّتي قامت بتخويفهم، وشوّهت سمعتهم، واعتقلت بعضهم، وهدّدت البعض الآخر بفضائح أخلاقيّة، وكانت المصيبة الكبرى في مقاطعة أبناء طائفتهم لهم، وتخوينهم، واضطرار بعضهم للخروج من بانياس تحت الضّغط”24. تضعنا محنة الكتابة الّتي هي سؤال مرعب كشكل حيّ للواقع المعاش  أمام حقيقة اكتساب الإنسان لنفس فسيحة، لتعدّد داخليّ، وهو  ليس معطى جاهز بل يبنى وسط فوهة بركان وليس فقط تقاطع نيران، وهذا ما جعل من نص سمر يزبك وجها آخر لشعريّة دوستويفسكي، في التّعدّد والحواريّة، في اللّغات والصّراع…

إنّنا إزاء نصّ يتجاوز البطولة وتمجيد الذّات في التأريخ لهوامات السّير ذاتيّ عبر الانتقاء السّرديّ لخيالات الظّلال الرّاقصة في الذّاكرة المتخيّلة الّتي تمارس كبتا مزدوجا للكتابة والنّفس والتّاريخ. إنّه نصّ موصوم وموشوم بجراحات السّرد العاري في مقاومة الظّلم القابع في الشّفرة النّفسيّة الثّقافيّة والاجتماعيّة الموروثة للمظلوميّات الذّكوريّة الأبويّة والطّائفيّة، وفي الوجود الإنسانيّ والسّياسيّ داخل الانتظام الاجتماعيّ البشريّ للمجتمع، وضدّ نظام الإبادة. ” أعود لقلقي، أفكّر بخيوط حياتي الغريبة والمتشابكة، وفي القدر الغريب الّذي وضعني على تماس مباشر مع حالة انفجار، وفي الجنون الّذي مشت فيه حياتي، منذ أن بلغت الرّابعة عشر من عمري وحتّى الآن، الغريب والطّريف أنّي كنت أفكر أني في مكان لا يشبه أيّ مكان، ولا حتّى الرّغبة بالتّغيير، أو الانحياز لطرف ما، أنا في مكان يشبه سخرية القدر، أو تهكّم الموت بالحياة”25.”  ” سأحاول تذكّر ما حدث بالتّفصيل، كيف كنت أنزل من البيت، كيف وضعوا العصبة على عينيّ…وكيف يتحوّل العالم إلى جحيم أسود…كنت أستعين بحالات قرأت عنها، وأفلام مرّت أمامي عن السّواد المطلق للعين…هي فرصة للتّأمّل في أعماق النّفس، لذلك يصير العميان أنصاف فلاسفة. هكذا كنت أحارب العصبة السّوداء حول عينيّ، أعاملها بازدراء. أفترض أني شخصيّة من ورق، ولست من لحم ودم، وأنّي أنا من يقرأ الآن عن امرأة معصوبة العينين، تقاد قسرا إلى مكان مجهول، لتلعن ويبصق عليها، لأنّها تجرأت وكتبت شيئا من الحقيقة لم يعجب الطاغية، وعند نقطة الخيال هذه، أشعر بالقوّة وأنسى ضعف جسدي، والرّوائح الكريهة، وكل المجهول القادم”26. هكذا هي الكتابة سند داعم و امتداد لفعل مقاومة الظّلم وبناء منمّ للذّات الفسيحة الّتي لا تنتجها القراءات المبتسرة للفكر التّأمّليّ النّظريّ، خاصة حين تجهل الشّروط والظّروف والسّياقات الّتي كانت وراء هذه الإبداعات المفهوميّة للفكر النّقديّ. لكنّ الإبداع الأدبيّ الجيّد النّابض بالحياة في فرحها و أحزانها، في انهيار الإنسان ومقاومته للسّقوط و الهزيمة، في اندفاعة الأمل وتراجع اليأس، في القلق وهبوط الإحباط كما الليّل المظلم المخيف، في الرّغبة الجامحة لمعانقة الإنسان وفتح الذّات لشموس أخويّة، في فاتورة الدّم لنيل رحابة الحبور والحريّة والكرامة…” الخوف كنت أعيشه في كلّ لحظة ولكن في تلك اللّيلة وقبل أن أدخل إلى غرفة ابنتي، عرفت كيف يمكن أن يكون المرء وحيدا، وكيف يمكن أن تضيق به جهات الأرض، وهو أعزل لا سلاح لديه سوى قلبه وجسده المتحرّك، وحينها عرفت أيضا كم هو ضروريّ أن يكون الإنسان قادرا على إنتاج نفسه بنفسه وإعادة خلاياه الميّتة مثل سطور في كتاب، هذا شعور حقيقيّ وليس مجازا أقوم بتدوينه عبر الكلمات.”27 في مثل هذا الإبداع الخلّاق، الّذي تمثّله تقاطع نيران لسمر يزبك، ندرك عمق وروعة الأدب وتقاطعه الجميل مع مختلف أنواع الفكر النّقديّ في ولادة الإنسان من جديد متحرّرا ومُحرّرا من كل الإنغلاقات والقيود الرّهيبة. كتابة تتجاوز هويّة جنسها الأدبيّ كيوميّات وشهادات توثّق للذّاكرة وتحمي التّاريخ من التّزوير، تتجاوز في هويّتها السّرديّة ذاتها الأحاديّة الفرديّة لتأخذ على مستوى العرض والبناء بُعد الشّكل الرّوائيّ الرّحب في احتضان تفاعلات الذّات والآخر والمجتمع والعالم، ” لفتح الهويّة على الاختلاف، والوحدة على التّعدّد، بغية إنعاشهما…ليس الهدف هنا الوصول إلى حد إلغاء الوعي بالذّات والشّعور بالتّمايز عمّا ليس إيّانا، وإنّما الوصول إلى حيث لا تبقى هناك قيمة كبرى لإثبات الأنا والجهر به، وإشهار الهويّة وإبرازها في مقابل التّنوع الّذي نكون عليه. هنا يغدو التّفرّد ضعيفا أمام قوّة التّعدّد، والتّوحّد ضيّقا أمام شسوع التّنوّع، والاقتصار على فقر الأنا أمام غنى الآخر، والانطواء على الذّات سدّا أمام انفتاح الآفاق، والانغلاق على النّفس حدّا أمام لا نهائيّة الأبعاد الممكنة، والاستقرار عند مقام بعينه ضياعا أمام رحابة التّنقّل، والاقتصار على الحاضر المتحرّك هزالا أمام كثافة الزّمن.”28

هذه المعاني النّبيلة الّتي تجعل الإنسان أكثر اتساعا وثراء وحبّا للقيمة الإنسانيّة في وجودها الذّاتيّ والمجتمعيّ والإنسانيّ هو ما عملت “تقاطع نيران” على اكتشاف زوايا وجوهه المتعدّدة، وهي تنخرط في الفعل السّرديّ عبر الممكنات المجهولة، أو المعتمة الشّديدة الالتباس في الواقع الحيّ، حيث تضعنا في بؤرة المحرقة بنارها الملتهبة الّتي تصقل الذّات أو تحوّلها إلى رماد. بمعنى ليس سهلا أن يكون الإنسان إنسانا دون أن يعيش بشكل أو بآخر تجربة تقاطع نيران. وهي تجربة لا تفترض دائما العنف الدّمويّ للولادة من جديد، وإذا كان الأمر يبدو عسيرا على مستوى الفكر بسبب الحّاجة إلى سياقات تشكّل الفكر الفلسفيّ النّقديّ، وهي سياقات تحتاج هي أيضا إلى الكثير من الجهد في خوض تجربة النّار الّتي تصقل أو تحوّل المرء إلى رماد، فإن سمر يزبك تستحضر كل هذه السّياقات في المتخيّل الفنيّ كممكن في الواقع الحيّ تعمل الذّات المبدعة على كشفه بعناية فائقة في شكل كتابها المتميّز بتميّز اللّحظة التّاريخيّة لانتفاضة الشّعب على الظّلم والإذلال والقهر. وبفضل حواريّتها مع الذّات تمايزت الكتابة في انفصالها عن ثقافة النّظام الّذي حرّف  بُعد الثّورة كولادة جديدة باعتماده شكلا سياسيّا لسرديّة المظلوميّة الموروثة، مما جعل المعارضين العلويّين في وضعيّة حرجة وسط تقاطع نيران” بمعونة صديقة استطاعت دخول الأحياء القديمة في جبلة الّتي أدخل إليها وأنا على حافّة الموت، الموت من كلّ الجهات، من كلّ النّيران. لو أمسكت بي غالبيّة العلويّين في حارات المتظاهرين، لربّما قتلوني، ولو عرف بي المتطرفون من السّنّة، لربّما فعلوا الشّيء نفسه، ولو شمّ رجال الأمن والبعثيّون خبر وجودي لشنّوا حملة عسكريّة على الحيّ.”29  ”  كنت أفكر أنّ ما يفعله الضّابط المجنون بي هو انتقام من كلّ المعارضين  الّذين ينتمون للطّائفة العلويّة. هل سأقف أتفرّج على السّوريّين يقتلون وأصمت؟ هل سأتخلّى عن ثورة الفقراء والمهمّشين؟ هذا يعني أنّي سأصاب بالجنون. لن أقف متفرّجة على ما يحدث من حولي، من قتل وترويع وسجن واختفاء وإبادة مدن.  كيف يقف الإنسان على الحياد في مثل تلك اللّحظات كيف يمكنني أن أكون بعيدة إلى هذه الدّرجة الممكنة من الألم اليوميّ الّذي ألمحه كيفما تحرّكت أفكار كثيرة حوّلتني إلى كائن أكثر عصبيّة ممّا كنت عليه”30

تشتغل الكتابة في النّصّ حرّية لا تهدأ، ممارسة التّغيير في المكان والزّمان، ذهابا وإيابا بين الذّات والآخرين والمجتمع، وهي تنفتح في وجه سيرورة تحوّلات وتطوّرات لا تنتهي، تقرأ مسارات الذّات في فتح دفتر الحساب العسير مع النّفس في تمرّدها وثورتها المبكّرة على قيود المجتمع الأبويّ الذكوريّ الّذي سيّج المرأة بالكثير من الظّلم والتّمييز والإذلال والحرمان من القيمة الإنسانيّة، وفي العلاقات والتفاعلات مع الغير والمجتمع والنّظام السّياسيّ.

*******

  1. سمر يزبك: تقاطع نيران، دار الآداب، ط1،س 2012، ص 302.
  2. عبد السلام بنعبد العالي: أشياء سبق الحديث عنها، ط 1،س 2014، ص 14.
  3. تقاطع نيران، ص 11.
  4. ياسين الحاج صالح: الضمير الخارجي في المظلومية وأصول الشّر السّياسي (1) aljumhuriya.net/ar/38443
  5. عبد الرحمن منيف: سيرة مدينة، ط1، س 1994، ص 7.
  6. ياسين الحاج صالح، المرجع نفسه.
  7. بول ريكور.
  8. تقاطع نيران، ص 66.
  9. مهدي عامل: الثقافة والثورة wordpress.com/tag/
  10. تقاطع نيران، ص12.
  11. تقاطع نيران، ص 45.
  12. تقاطع نيران، ص51.
  13. تقاطع نيران، ص65.
  14. تقاطع نيران، ص 130.
  15. تقاطع نيران، ص22.
  16. تقاطع نيران، ص 295.
  17. تقاطع نيران، ص 52.
  18. تقاطع نيران، ص 23.
  19. تقاطع نيران، ص 100.
  20. عبد السلام بنعبد العالي: أشياء سبق الحديث عنها، مرجع مذكور، ص 75.
  21. تقاطع نيران، ص210.
  22. ياسين الحاج صالح، مرجع مذكور.
  23. تقاطع نيران، ص 38.
  24. تقاطع نيران، ص 39.
  25. تقاطع نيران، ص 99.
  26. تقاطع نيران، ص 111.
  27. تقاطع نيران، ص 126.
  28. عبد السلام بنعبد العالي: في الانفصال، ط1، س 2008، ص 16.
  29. تقاطع نيران، 252.
  30. تقاطع نيران، ص 213.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق