تقاطع نيران: جدلية الإبادة والحرية (2/2)

ثانيا: جدليّة الإبادة والحريّة

حركة السّرد في ” تقاطع نيران” هي حركة حريّة تغيّر مكانها وزمانها، من الانكفاء على الذّات والخوف من القهر الاستبداديّ والإلغاء السّياسيّ في صورة من النّعي للحقّ الوجوديّ للإنسان في التّواجد والحضور والكلام، إلى إعلان نهاية الموات الأبديّ المفروض على الشّعب، وعيا منها- حركة السّرد- بخطورة اللّحظة الّتي لا تقبل الصّمت والاستمرار في العبوديّة المختارة. إنّها حريّة تدرك أنّ لا خيار أمامها، ” الكلام أو الموت” بتعبير مصطفى صفوان، مهما كان إرهاب الأبد الّذي يرفعه نظام الإبادة في وجه شعبه المتطلّع إلى عيش حياة الحريّة الّتي حرم منها طويلا. “عزلاء إلّا من ضميري…لا يعنيني وجه القتلة، ولا حتّى كلّ ما يشاع ويكذب، أنا الآن يعنيني أن لا أكون شيطانا أخرس عندما تصير الدّماء لغة بين النّاس، يعنيني أنّني أرى بأمّ عينيّ أناسا عزّلا يُضرَبون ويُعتَقلون فقط لأنّهم يتظاهرون. أرى أبناء شعبي يتساقطون ببساطة كحبّات دُرّاق لم تنضج بعد”31. إنّها ولادة جديدة لا تخلو من عنف المخاض وسفك الدّماء وفق جدليّة وصلت إلى نقطة حيث لا يمكن التّوقف أو الرّجوع إلى الوراء مهما كانت كلفة الدّم الّتي راهن عليها نظام الأبد أو يحرق البلد، معتمدا كلّ الأسلحة الحربيّة المحرّمة دوليّا، بالموازاة مع  التّضليل الإعلاميّ، من الإشاعة إلى صناعة الخوف والطّائفيّة والإرهاب. تأخذ الكتابة على عاتقها حماية الحقيقة التاريخيّة، هويّة سرديّة تحصّن نفسها ضدّ الشّكّ والتباساته القاتلة للإنسان.” هذه اليوميّات جعلت من الموت لوحة للتّشكيل. لوحة غامضة واهية، لكنّها ماثلة أمامي عبر صدور الشّباب العزّل الّذين يخرجون للموت. كيف ستغفر هدهدات الأمّهات للقتلة؟”32

في رفض النّظام الدّمويّ لنداء الحريّة، التي تعلن أنه آن الأوان ليغيّر الشّعب مكانه، بلده، حياته، وليعيش حقّ الصّيرورة في تغيير زمانه أُسوة بالشّعوب الّتي تخلّصت من الاستبداد والدّيكتاتوريّات المتوحّشة، حيث أصرّت كلّ فئات الشّعب على الانتصار للتّغيير والحريّة، تزداد صلابة الشّعب وتقوى إرادته ” نحن أهل الحريّة وتصرخ من ورائها النّساء: حريّة حريّة”33. وفي جدليّة هذا الصّراع المروّع بين الإبادة والحريّة ولدت “تقاطع نيران”  كفعل مقاوم للظّلم ومحصّن للذّاكرة وحام للحقيقة وآليّة لانتزاع قوّة تسمية الوقائع بأسمائها الحقيقيّة على أنّها انتفاضة الشّعب ضدّ الطّاغية من أجل الحريّة والكرامة. والكتابة في هذا النّصّ آليّة فنيّة جماليّة وبنية دلاليّة فكريّة لإعادة اكتشاف المتن السّرديّ عبر منطق الذّاكرة والتخييل وكلّ الجوارح النّابضة بحبّ الحياة، لأنّ شكل الكتابة كيوميّات يدرك خطورة النّظام في تزوير الوقائع والتّاريخ، في نوع من تلاعب زمن الخطاب السّلطويّ بزمن القصّ تشويها للحقائق اعتمادا على القوّة والعنف” القوّة والتّسلّط لا يوضعان هنا خارجا وإنّما في مستوى كلّ منظور، بل في مستوى كلّ علامة ودليل. الدّليل والعلامة ميدان تناحر واختلاف. إنّه الفضاء التّفاضليّ الّذي يكثّف سلسلة لا متناهية من التأويلات…هنا يغدو إنتاج المعنى خوضا لحرب”.34

لهذا تتحّمل الكتابة السّرديّة مسؤوليّة بناء المتن السّرديّ بالاعتماد على المبنى عبر الكشف الدّاخليّ، أي من خلال الشّكل الفنّيّ للكتابة الأدبيّة الّذي تحاول من خلاله إنتاج معرفة بالوقائعيّ، بمعنى اكتشاف الواقعيّ الّذي يتجاوز الواقع السّطحيّ المتداول في ثقافة الحسّ المشترك المشحون بإرث المظلوميّات التاريخيّة في شكلها الإيديولوجيّ السّياسيّ المعيق لما يعتمل في حقيقة حركة تطوّر الواقع الحيّ، الّتي هي حركة حريّة وكرامة إنسانيّة تريد وفق منطق الضّرورة التّاريخيّة في صراعها مع الاستبداد القهريّ تغيير مكانها وزمانها، أي ببساطة تأسيس مشروعها الوجوديّ الإنسانيّ، في محاولة من الأبناء قتل الأب المزعوم وتحرير التّاريخ من وضعه الآسن إلى الصّيرورة الخلّاقة. لذلك تشهد الكتابة على نفسها على أنّها” كتابة حقيقيّة واقعيّة ولا تمتّ إلى الخيال بصلة”35. إنها جدليّة مؤلمة بين نظام الإبادة والحريّة، حيث يعرف النّظام أنّ منطق القتل والإبادة يمرّ عبر القتل المجازيّ في بناء سرديّة شرعيّة تحلّل سفك الدّماء واستباحة الإنسان في صورة أسطوريّة للشّرّ يجب تصفيته والقضاء عليه، لأنّه في نظره الأعمى ليس شعبا ثائرا من أجل الحريّة، بل يقدّمه في حربه الإعلاميّة على أنّه مجرّد عصابة إرهابيّة، ” السّيادة والتّسلط يبدآن بمجرّد إطلاق الأسماء، لأنّ السّادة هم الّذين يسمّون فيسمون”36. لكن للكتابة منطقها وآليّات اشتغالها في كشف الحقيقة، حقيقة الحريّة الّتي تنتهك حرماتها وقيمتها الإنسانيّة، وهي تقتل أمام أعين الجيش ورجال الأمن ” رأيت بعينيّ كيف كانوا يقتلون النّاس، ورأيت العصابات المسلّحة الّتي يتحدثون عنها وفي كل المرّات الّتي نزلت فيها إلى التّظاهرات وقمت بمراقبة ما يحدث لم أر سوى متظاهرين سلميّين”37. والعصابات الّتي يتحدّث عنها النّظام هي تلك الوحوش المرعبة لأشكال غريبة من أدوات القمع والقتل البشريّ، “أرى في الشّوارع أشكالا غريبة لم ألمحها من قبل. رجال ضخام، صدورهم منفوخة، يرتدون ثيابا سوداء بأكمام قصيرة    وتكشف عن العضلات المفتولة بالوشوم فوقها وبرؤوس حليقة ويحدّقون في كلّ شيء”38. ومع إصرار فعل الحريّة على تغيير المكان/ الوطن، من خلال شكل جديد للعلاقة بين النّاس والدّولة تعلنه حركتهم الشّرعيّة للتّواجد السّياسيّ المستقلّ في السّاحات والشّوارع تعبيرا عن ولادة مكان وزمان جديدين هما بلغة الحريّة يسمّيان: المجال العامّ، تتّضح حقيقة العصابات الّتي تقمع وتعتقل وتقتل النّاس العزّل على مرأى ومسمع الشّرطة. ” في الواقع لم تكن الشّرطة هي الّتي ضربت والده، الشّرطة وقفت تتفرّج على النّاس الّذين يضربون ويركلون ويهانون ويعتقلون. وقف رجال الشّرطة صامتين. وخرجت مجموعة تهتف وهي تحمل صور الرّئيس والأعلام وكانوا هم أنفسهم من قام بالضرب”39. منطق الكتابة في ” تقاطع نيران” يدرك أنّ الواقع الحقيقيّ لجدليّة الإبادة والحريّة ليس لغة مباشرة يمكن أنّ تعكسها الكتابة بيسر بسيط ، بل لا بد للشّكل الفنّيّ في العرض والبناء أن يرقى بأدوات آليات اشتغاله إلى مستوى اكتشاف الواقع الملتبس في المعطى المباشر لجدليّة الصّراع، خاصّة وأنّ نظام الإبادة يستعمل الأجهزة الإيديولوجيّة، من الإشاعة إلى الإعلام، للقتل المجازيّ والرّمزيّ كأرضية لشرعنة المجازر المروّعة. ” لم أكن أعرف أنّ هناك دماء غزيرة سفحت في مدينة درعا وأنّ أربعين شهيدا سقطوا في هذه الجمعة وأنّ كلّ المدن السّوريّة تشهد حركة احتجاجات مماثلة…احتجاجات وإطلاق نار ورصاص40.” كتابة تجعل القارئ “وسط حفلة الموت هذه”41 معنيّا ليس فقط بدماء الحريّة بل بأسئلتها، ” الموت ليس سؤالا الآن. الموت نافذة نفتحها على الأسئلة”42، خاصّة وأنّنا في تفاعل جماليّ مع النّصّ الفنيّ المنتج لحساسيّة التفكير الانفعاليّ للوجدان الاجتماعيّ في الانتصار للإنسان، أي  للحريّة ضد الإبادة. بمعنى كتابة تورط قارئها في الشّعور بمأساة الإنسان، ليس لأنّ الشّهيد سنّيّ أو شيعيّ، مسلم أو مسيحيّ، عربيّ أو كرديّ…، بل لأنّ شهيد الحريّة إنسان يدافع عن الإنسان لا أقلّ ولا أكثر. هكذا لا تكتفي الكتابة بمطالبة القارئ بموقف الانحياز إلى جانب الحريّة ضد منطق الإبادة الدّمويّ، بل تدفعه إلى ممارسة الفعل، بدل الاكتفاء بالاطمئنان الكاذب على أنّه نجا من المحرقة. هكذا ولدت ” تقاطع نيران” وسط النّيران، وانحازت إلى الحريّة كفعل مقاوم للظّلم والتّمييز والإذلال والإبادة، ” وكيف يقف الإنسان على الحياد في مثل تلك اللّحظات.” 43 ” سأنقل للعالم ما يحدث هنا. يجب أن يعرفوا أنّ المتظاهرين الّذين يخرجون للاحتجاج هم أناس عزّل من السّلاح، مسالمون، مطالبهم هي الحريّة والكرامة والعدل.” 44 ومع سيرورة القراءة تُبنى الحقيقة ويفلح شكل الكتابة في اكتشاف الواقع على أنه جدليّة عنيفة بين الإبادة والحريّة، إصرار متواصل من الشّعب من أجل انتزاع حقّه في الوجود المستقلّ والتّحرّر من الاسترقاق السّياسيّ والعبوديّة الوجوديّة، واسترداد حقّ الكلام الّذي أنتزع منه تحت وطأة القمع والقهر، عزم قويّ على الاحتجاج في كلّ المدن والقرى السّوريّة، إنه ميلاد حريّة تعلن عن حقّها في الوجود مهما كلّفها ذلك ” كم من الدّم السّوريّ سيسفح اليوم؟ هذا الشّعب العظيم الّذي خرج للموت لن يعود إلى مكانه. هذه الرّسالة وصلت اليوم. الشّعب السّوريّ لن يعود إلى ما كان عليه من قبل…النّاس خرجت بكثافة إلى الشّوارع، حملة اعتقالات واسعة تقوم بها الأجهزة الأمنيّة.”45  وقتل همجيّ متواصل يزداد يوما عن يوم ليظهر على حقيقته على أنه إبادة صريحة من طرف النّظام وحلفائه وصمت العالم اللّا أخلاقي. ” المدن تباد مدينة وراء أخرى، والعالم كلّه يتفرّج، يدين ويطالب بالإصلاح والسّوريون يموتون ببساطة.46 ” الجنون يستمرّ والقتل يستمرّ، والنّظام يقول يوما بعد يوم، أنا أو سياسة الأرض المحروقة، وما يتبقّى من أشلائكم أيها السّوريون.” 47

وما كان لشكل الكتابة أن يصل في مبناه إلى بناء متن الحقيقة في توتّرها الدّلاليّ إلّا من خلال هدم رواية النّظام الّذي يجعل من الطّائفيّة شكلا سياسيّا لتأبيد وجوده وضمان استمراره ضدّ منطق الصّيرورة التّاريخيّة في أنّ ثورة الحريّة في سوريّة غيّرت مكانها وزمانها.” كان يجب كسر رواية النّظام المجرم عن حقيقة هذه الثّورة، هذه ثورة وليست حربا طائفيّة، ويجب أن يكون صوتي ككاتبة وصحافيّة مع الانتفاضة، مهما كان الثّمن”48. هكذا انتصرت ” تقاطع نيران” للقيمة الإنسانيّة، لحرمتها وحصانتها، كذاكرة حيّة موجعة توثّق لإرادة شعب عانق بكلّ قواه الشّعبيّة نداء الحريّة النّابع من تاريخ طويل للطّغيان الأبديّ لسلالة عائليّة حكمت شعبها بالحديد والنّار والبراميل. كما أنّ هذا النّصّ الجميل يمثّل إبداعا حقيقيّا إلى درجة يمكن القول:” الإبداع ولادة، عمليّة انفصال موجعة تسمح برؤية الذّات من زاوية أخرى، وإدماج لأصوات أخرى، إنّه اكتشاف وابتكار شاقّ لأنّه يتطلّب وعيا حادّا بالذّات، وتقييما للأفعال الشّخصيّة يصل حدّ الهوس، وعن هذه البصيرة الحادّة تنتج فلسفة المؤقّت والعابر”49.

*******

31- تقاطع نيران، ص 20.

32- تقاطع نيران، ص 22.

33- تقاطع نيران، ص 33.

34- بنعبد العالي، عبد السلام، في الانفصال، مرجع مذكور، ص 42.

35- تقاطع نيران، ص 7.

36- بنعبد العالي، عبد السلام، في الانفصال، مرجع مذكور، ص 42.

37- تقاطع نيران، ص 66.

38- تقاطع نيران، ص 16.

39- تقاطع نيران، ص 18.

40- تقاطع نيران، ص 29.

41- تقاطع نيران، ص 10.

42- تقاطع نيران، ص 14.

43- تقاطع نيران، ص 214.

44- تقاطع نيران، ص 296.

45- تقاطع نيران، ص 48.

46- تقاطع نيران، ص 158.

47- تقاطع نيران، ص 193.

48- تقاطع نيران، ص 266.

49- ليسكانو، كارلوس، الكاتب والآخر، ترجمة نهى أبو عرقوب، ط1، س 2012، ص 8-9

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق