ما هي البهائيّة؟

 

 “ما الأرض إلّا وطن واحد والّناس سكّانه.

يا أهل العالم إنّكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد

اُسلكوا مع بعضكم بكلّ محبّة واتّحاد ومودّة واتّفاق”.

–  منتخبات من آثار حضرة بهاءالله

***

 

العلمانيّة هي هندسة حياة الإنسانيّة ومجتمعه ودولته على أسس العقلانيّة الإنسانيّة، وهي تحترم بمعياريتها الإنسانيّة كلّ ما هو جميل ونبيل إنسانيا، وفهمها كحالة تضادّ مطلق مع الدّين هو فهم جدّ قاصر ومشوّه لها، فالعلمانيّة النّاضجة تضع الدّين في موقعه الحقيقيّ في المجتمع الإنسانيّ كنتاج إنسانيّ وميدان للنّشاط الروحيّ، ولذا فنحن كعلمانيين، لدينا مثل هذا المفهوم للعلمانيّة، نحترم كلّ مدرسة عقائديّة دينيّة أو وضعيّة تحترم الإنسان بعالميته وتسعى لخيره بهذا المنظور.

ومن هذا المنطلق يأتي هذا المقال، الّذي يسعى إلى تقديم الدّيانة البهائيّة بصورتها الحقيقيّة، ويندرج في نطاق السّعي لمعرفة الآخر وإنصافه إنسانيا.

*

البهائيّة هي دين توحيدي، ظهر في إيران في أواسط القرن التّاسع عشر، وقد سبقت البهائيّة دعوة دينيّة تسمى بـ”البابيّة” بدأت عام 1844، وكان مؤسّسها علي محمد بن محمد رضا الشيرازي الّذي تلقّب بـ”الباب”، المولود في شيراز الإيرانيّة في20 تشرين الأول (أكتوبر) 1819، واللّقب مأخوذ من المعتقدات الشيعيّة، وهو يعني فيها الوسيط بين الله أو الوليّ المقدّس والإنسان، لكن البابيّة لم تقدّم نفسها كحركة إصلاحيّة شيعيّة، وإنّما اعتبرت نفسها ديانة مستقلّة، كما أنّ الباب وضع لها كتابا مقدّسا خاصّا بها هو “البيان”، الّذي يعتبره البابيون تنزيلا سماويا.

في جذورها الدينيّة ترتبط دعوة الباب بفكرة المهدي المنتظر، والّتي كانت مدرسة “الشيخيّة” من الشّيعة الإثنا عشريّة تبشّر بقرب ظهوره قبيل ظهور الدّعوة البابيّة، الّتي رفضها الشّيعة بشكل عامّ والشّيخيون منهم بشكل خاصّ.

أثار انتشار الدّعوة البابيّة تخوّف رجال الدّولة ورجال الدّين الإيرانيين، ما جعلهم يسعون للقضاء على هذه الدّعوة، أمّا “الباب” نفسه، فقد تمّ نفيه إلى قلاع أذربيجان البعيدة، وتمّ سجنه فيها لعدّة سنوات، ثمّ أعدم بالرّصاص سنة 1850في مدينة تبريز.

وقد تمّ نقل رفاته لتدفن في جبل الكرمل في مدينة حيفا الفلسطينيّة يوم 21 آذار 1909، بناء على إيعاز سابق من بهاء الله لأتباعه.

وقد كان عبد البهاء، ابن بهاء الله، هو من أشرف على عمليّة بناء ضريح الباب، وعندما توفّي هو نفسه في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1921 دفن في الغرفة المجاورة لضريح الباب في نفس المبنى.

 

يعتبر “الباب” أحد الشّخصيات المؤسّسة الرّئيسة في البهائيّة، وهو يلقّب فيها بـ “المبشّر بحضرة بهاء الله”، أمّا بهاء الله، وهو اللّقب الّذي اتّخذه الميرزا حسين علي النوري مؤسّس الديانة البهائيّة المولود في12 تشرين الثاني (نوفمبر)  1817في طهران، فقد كان من أتباع الباب بداية، ومن قادة البابيين بعد إعدامه، ثمّ أطلق دعوته “البهائيّة” عام 1863، أي بعد 19 عاما من بداية دعوة الباب، الّذي احتفل البهائيون في العديد من دول العالم في ٢٩ و٣٠ تشرين الأوّل (أكتوبر) ٢٠١٩ بذكرى مرور ٢٠٠ عام على مولده.

كان حسين علي النّوري الملقّب ببهاء الله، ابن أحد كبار الوجهاء الإيرانيين حينها.. ما شفع له عند الشّاه، الّذي اكتفى بنفيه خارج إيران، ولم يعدمه، فقد نفاه إلى بغداد اّلّي كانت تحت السّيطرة العثمانيّة حينها، وبدورهم، اعتبره الأتراك رجلا خطيرا، فلم يتركوه يقيم لفترة طويلة في أي مكان محدّد، فبعد بغداد وضعوه تحت الإقامة الجبريّة في إسطنبول، ثمّ نقلوه إلى مدينة أدرنه البلغاريّة، وبعدها إلى عكا ليتمّ حياته فيها أيضا تحت الإقامة الجبريّة، حيث دفن هناك، ولهذا الأمر رمزيته عند البهائيين، الّذين يعتبرون أنّ الإرادة الإلهيّة شاءت ربط البهائيّة بأرض فلسطين المقدّسة، لتتساوى بذلك مع اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، الّتي يعترف البهائيون بسماويتها.

بعد بهاء الله استلم قيادة الجماعة البهائيّة ابنه عبد البهاء، بناء على وصيّة مكتوبة وممهورة، وبقي هو بدوره تحت الإقامة الجبريّة إلى أن أفرج عنه الاتّحاديون بعد استلامهم السّلطة، فقام بجولة في أوروبا وأمريكا، وتمكّن من تأسيس عدد من المراكز البهائيّة في الغرب، وبعد وفاته انتقلت القيادة إلى حفيده شوقي أفندي، وبعد وفاته انتقلت القيادة –حسب وصيّة بهاء الله نفسه- إلى مجلس منتخب من قبل كافّة البهائيين في العالم، وما يزال هذا الأسلوب معمولا به حتّى اليوم، وهو ما يعرف بـ “بيت العدل الأعظم” ومقرّه في حيفا !

تعرّض البهائيون في إيران لاضطهاد عنيف من قبل الشّاه ورجال الدّين الّذين اعتبروهم   كفرة ومتمردين، فقتل منهم الكثيرون، وقضى الكثيرون حياتهم كلهّا في السّجون، وشرّد مثلهم، وما تزال البهائيّة محظورة حتّى اليوم في إيران، وهناك من يقدّر عدد البهائيين فيها ببضعة ملايين، ويعتبرهم أكبر أقليّة دينيّة فيها، إلاّ هذه تبقى مجرّد تخمينات، ولا أحد يستطيع اليوم إعطاء رقم حقيقي لعدد البهائيين داخل إيران، أمّا خارجها، فيقدر عددهم بسبعة ملايين، وهم منتشرون في عدد كبير من دول العالم، حيث تأتي البهائيّة في المركز الثّاني عالميا بعد الكنيسة الكاثوليكيّة في عدد الدول الّتي يتواجد فيها أتباع دينيون، والبهائيون حتّى اليوم موحّدون جميعا تحت قيادة المركز الإداري والرّوحي (بيت العدل الأعظم) في حيفا، ووجود المركز القياديّ فيها عائد -كما أسلفنا- إلى دفن “المبشّر بحضرة بهاءالله” (الباب) وابن بهاء الله (عبد البهاء) هناك، وقد أوصى بهاءالله في كتاب أحكامه بيت العدل الأعظم ببذل الجهد لإحداث تأثير حقيقي لصالح الجنس البشريّ، ونشر التّعليم، والسّلام والرّخاء العالميّ، وصون كرامة الانسان ومكانة الدّين.

البهائيّة -أو الدّين البهائي- هي ديانة صارمة التّوحيد، وهي تقوم على فكرة الوحدانيّة الإلهيّة والخلق، وإذا أما أردنا “فلسفة” التّوحيد البهائي، لقلنا أنّنا هنا أمام توحيد تامّ، والتّوحيد البهائي يختلف عن التّوحيد الإسلامي واليهودي في مسألة جوهريّة، وهي أنّه لا يوجد فيه شيطان، فليس هناك قطب كوني للشّر في البهائيّة! القطب الكوني الموجود هو قطب الخير فقط، أي الله، فالشّيطان في البهائيّة هو شخصيّة مجازيّة للتّعبير عن عامل الشّر الموجود في الطّبيعة البشريّة.. والّذي ينمو وينشط عندما يبتعد الإنسان عن الله، كذلك تعتبر البهائيّة كلّ من الجنّة والجحيم مصطلحان مجازيان، فالبهائيّة تقول بخلود الرّوح، وبانتقالها إلى عوالم الروحانيّة بعد انتهاء حياتها على الأرض، وهذا الانتقال مرهون بالإيمان والعمل الصالح، وكلّ إنسان صالح -كائنا من كان- ينتقل إلى عالم أفضل وأرقى بعد وفاته الأرضيّة حتّى وإن لم يكن بهائيا، لكن عن طريق البهائيّة -بالطّبع- يمكن الوصول إلى أرقى العوالم أو المستويات الممكنة، أمّا الإنسان الفاسد، فتهبط روحه إلى عوالم أدنى، لكن هذا الهبوط ليس نهائيا.. فإن هو تاب – والتّوبة لا تعني حكما اعتناق البهائيّة -وسلك دروب الفضيلة، فبإمكانه الصّعود إلى عوالم أرقى، هذه العوالم الأرقى يطلق عليها مجازا تسميّة “الجنّة”، فيما تطلق تسميّة “الجحيم” على العوالم الأدنى .

في البهائيّة هناك مساواة ما بين الرّجل والمرأة، وليس في البهائيّة كهنوت ولا رجال دين، ويعتبر نشر البهائيّة واجبا على كلّ بهائي وبهائيّة على حدّ سواء، ومن حيث المبدأ لا يجوز تقاضي أيّة أجور على أي نشاط يهدف خدمة الدين، لكنّ هذه العمليّة تخضع لإدارة دقيقة من قبل القيادة البهائيّة، ولا يمكن لهذا الأمر أن يتمّ دون متفرّغين.

الزّواج في البهائيّة أحادي، أي لا يشترك فيه إلّا رجل واحد وامرأة واحدة، وغير مسموح قطعا تعدّد الزّوجات أو الأزواج، ولا يشترط أن يكون حكما بين طرفين بهائيين، وإن كان يفضل من منطلق عملي الزّواج البهائي، والطّلاق مسموح، لكن إذا كان الزّوجان بهائيين.. فالطلاق لا يتمّ فورا، فهناك هيئة خاصّة تحاول قبل إقرار الطلاق مصالحة الزّوجين وحلّ المشاكل بينهما، وهذا يستغرق مدّة سنة كاملة، أمّا العلاقة الجنسيّة فهي مسموحة حصرا في إطار الزّواج.

يؤمن البهائيون بأن البشريّة في حاجة ماسة إلى رؤية موحدة تجاه مستقبل المجتمع البشري، وطبيعة الحياة والهدف منها، وبأنّ هذه الرؤية تتكشف في الآيات والآثار الكتابيّة الّتي جاء بها حضرة بهاء الله.

البهائيّة دين مسالم، وترفض كلّ أشكال العنف، وهي تدعو إلى اتّحاد كل دول العالم تحت قيادة مؤسّسة سياسيّة عالميّة تامّة الصّلاحيات، وإلى إنشاء محكمة دوليّة لحلّ الخلافات الّتي تنشأ بين الدّول قبل تحقيق هذا الاتّحاد، كما تدعو إلى إقرار لغة عالميّة موحدة إلى جانب اللّغة الأم .ّ

إنّ مبدأ وحدة الجنس البشري هو “المحور الّذي تدور حوله جميع تعاليم بهاءالله، فقد قارن بهاءالله بين العالم الإنساني وهيكل الإنسان؛ ففي الكائن الحي تؤدّي ملايين الخلايا المتنوعة الأشكال والوظائف، دورها في الحفاظ على نظام صحي سليم، والمبدأ الّذي يحكم سير عمل الجسم هو التّعاون، فأجزاء الجسم المختلفة لا تتنافس في الحصول على الموارد، بل ترتبط كلّ خليّة منذ نشأتها، بعمليّة مستمرة من الأخذ والعطاء المتواصل، وهذا يتطلّب القضاء الكلي على التّعصب، سواء كان عرقيا، أم دينيا، أم ذا صلة بنوع الجنس.

البهائيّة تعترف بالإنسان الصالح، لكنها تفضله بهائيا، والبهائيون يسمحون لأي غريب بأن يدخل معابدهم المنتشرة في كلّ القارات وتعرف باسم “مشارق الأذكار”، ويصلي صلاته الخاصّة، وهم -إضافة إلى بهاء الله والباب- يعترفون بنبوّة كلّ من آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وصالح، وهود، وزرادشت، وبوذا، وكريشنا، ويسوع، ومحمّد، لكن هذا لا يعني أنّ بقيّة الأديان والعقائد غير معترف بهائيا، ذاك مجرّد تصنيف للرّسالات السّماويّة، الّتي لا تختمها البهائيّة بدين نهائي، فالرّسالة السّماويّة مستمرّة ما استمر وجود البشر، ولكلّ عصر رسالتّه السّماويّة الجديدة([1])، وقد اعتبر بهاء الله أن رسالتّه هي رسالة هذا العصر، وتوقّع أن تستمر هذه الرّسالة قرابة ألف سنة، لكن هذا الأمر يعتبر في البهائيّة شأنا إلهيا([2]).

الصّلاة في البهائيّة تتمّ ثلاثة مرّات يوميا، صباحا وظهرا ومساءً، ولدى البهائيين صوم يبدأ وفقا للتّقويم البهائيّ عند غروب شمس الأوّل من آذار.. وينتهي مع بداية عيد النّيروز عند غروب يوم 20 آذار، الّذي يعتبر عيد رأس السّنة عندهم، فالبهائيون يستخدمون “تقويم البديع”، الّذي وضعه الباب نفسه، والّذي تقسّم السّنة بموجبه إلى تسعة عشر شهرا، يتضمّن كلّ منها 19 يوما، ويُطابق مع السّنة الشمسيّة بإضافة أربعة أو خمسة أيّام، تسمّى أيّام الزّيادة.

أمّا كتبهم المقدّسة فكتابهم الأساسي هو “الكتاب الأقدس” الّذي يعتبر كتابا منزلا، ولغته الأمّ هي العربيّة، وإضافة إليه يعتبر كلّ ما كتبه بهاء الله وابنه عبد البهاء وحفيده شوقي أفندي مصادر للتّعاليم البهائيّة، وفي نشرهم للدين البهائي لا يعتمد البهائيون إلاّ على أنفسهم، حيث يقومون بترجمة النّصوص المقدّسة من العربيّة والفارسيّة إلى الإنكليزيّة عادة، ومنها إلى باقي لغات العالم تحت إشراف المركز البهائيّ العالمي .

النّجمة التّساعيّة هي أشهر رموز البهائيّة، ويربطها البعض بكون البهائيّة هي تاسع الأديان العالميّة الكبرى بعد الهندوسيّة والبوذيّة والزردشتيّة والكونفوشيوسيّة، واليهوديّة والمسيحيّة والمانويّة والإسلام.

من الشّخصيات العالميّة الّتي أعجبت بالبهائيّة الروائي الروسي الشّهير ليف (ليون) تولستوي (Л.Н. Толстой)، الّذي قال في ردّ على رسالة لمترئّس حركة البابيين في مصر غابرييل ساسي(Gabriel Sasy) في 28 (يوليو) 1901: «لقد بدأت البابيّة تهمني منذ زمن طويل، وقد قرأت ما أستطيع بشأن هذه المسألة، وعلى الرّغم من أنّ الكتاب المقدّس الأساسي للبابيّة بدا لي قليل القيمة، إلاّ أنّني ما زلت أعتقد أنّ البابيّة، كتعاليم أخلاقيّة وإنسانيّة، لها مستقبل كبير في العالم الشّرقي»، كما قال في رسالة إلى الكاتبة إ. أ. غرينيفسكايا (И. А. Гриневская) في 22 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1903«إنّ تعاليم “البابيين”، بالقدر الّذي وضعت فيه جانباً الخرافات المحمديّة القديمة ولم تنشئ خرافات جديدة تميّزها، وبالقدر الّذي تلتزم فيه هذه التّعاليم بأفكارها الأساسيّة الرّئيسة المتمثّلة في الأخوة والمساواة والحبّ، لها مستقبل كبير»([3])؛ أمّا حكيم الهند وأحد أبرز شخصياتها الثقافيّة والسّياسيّة والروحيّة الحديثة شري أوروبيندو غهوش (Sri Aurobindo Ghose)، مؤسّس مدرسة اليوغا التّكامليّة (Integral Yoga)، فقد حبّذ تحوّل المسلمين إلى البهائيّة بسبب المتطرّفين الإسلاميين، وهذا رأيه الخاصّ بالطّبع، وقد أجاب ردّا على قول أحد تلاميذه بأنّه ثمّة بين المسلمين اتّجاهات تظهر بوضوح أنّ التّعصب يمكن فصله عن الإسلام: «التّعصب لا يكفي، لأنّ موقفهم لم يتغيّر. في الواقع، يحتاج المحمديون إلى حركة دينيّة جديدة يمكنها إعادة بناء إيمانهم وتغيير جوهر مزاجهم، على سبيل المثال، البهائيّة الفارسيّة، الّتي أعطت مزاجهم اتّجاها مختلفا تمامًا»([4]).

هناك مفهوم محوري في التّعاليم البهائيّة وهو أنّ تهذيب الذّات وخدمة الإنسانيّة وجهان لا يتجزآن من أوجه الحياة الإنسانيّة، ويدرك البهائيون أنّ عمل الهدف المزدوج ذي الأهميّة الجوهريّة في حياتهم يكمن في: الاعتناء بنموّهم الرّوحي والفكري، والمساهمة في تحوّل المجتمع، وبالتّالي لا يتوقّع منهم على سبيل المثال الاكتفاء بالصّلاة والتّأمل في حياتهم الشخصيّة اليوميّة فقط، بل بذل الجهود لبثّ روح التّعبّد في محيطهم؛ وهم مطالبون بأن لا يكتفوا بتعميق معرفتهم بدينهم فحسب، بل مشاركة الآخرين بتعاليم “حضرة بهاء الله”؛ ولا يتمّ حثّهم على تعلّم كيفيّة مقاومة الأنانيّة في حياتهم الشّخصيّة فحسب، بل السّعي الحثيث بشجاعة وتواضع، على إِبطال نزعات الثقافة الّتي تمجّد الإشباع الذّاتي وتهدم أسس التّضامن، بل وعلى عكس اتّجاهاتها.

لا يعترف فقهاء الإسلام بالبهائيّة كدين، وهي بالنسبة لهم دينيا بدعة وضلالة، وكثيرا ما يتمّ نعت البهائيين بأشنع وأقبح الصّفات من قبل المتطرفين الإسلاميين، فهم بالنسبة لهم كفرة وفسقة.. وهم كانوا عملاء للقيصر الرّوسي، وهم اليوم عملاء للصهيونيّة، وأحد أذناب الماسونيّة.. وهكذا دواليك ممّا لا يمكن تقديم أي دليل دامغ على صحّته، ولكن هذا لم يمنع اعتناق بعض العرب للبهائيّة، وهم متواجدون في جميع البلاد العربيّة ويمارسون شعائرهم الدينيّة فيها، بشكل علني أو سري أحيانا، منذ أكثر من قرن ونيف من الزّمان.

هذه نبذة عن البهائيّة، وكما نرى فنحن هنا أمام نموذج ديني يقدّم صورة عصريّة للتّسامح الدينيّ والعلاقة مع الآخر، والمساواة بين الجنسين، والسّلام العالميّ وعالميّة الإنسان، وهي صورة نتمنى أن تتمكّن من الارتقاء إلى درجة مثلها جمع الأديان والمعتقدات المنتشرة في عالمنا العربيّ، فدون مثل هذا الارتقاء، سنبقى خارج العصر، نتخبط في التّعصب والتّطرف، ولن يكون لنا مستقبل في عالم الإنسان.

******** 

[1] – Progressive revelation (Bahá’í, Wikipedia

https://en.wikipedia.org/wiki/Progressive_revelation_(Bahá’í

[2] – Bahá’í Faith and the unity of religion, Wikipedia:

https://en.wikipedia.org/wiki/Bahá’í_Faith_and_the_unity_of_religion

[3] -Куштар Мамыталиев, Духовное послание Льва Толстого сквозь призму новой религии Бахаи,Глава VI:

https://bahai-library.com/Куштар-Мамыталиев_Толстой&chapter=8

[4] – А.Б. Пурани,Вечерние беседы со Шри Ауробиндо, Том 1, ст 168:

(A. B. Purani, Evening Talks with Sri Aurobindo)

http://integralyoga.ru/yoga/knigi/aurobindo_evening_talks

********

المراجع:

1-الدين البهائي، الموقع الإلكتروني للجامعة البهائيّة حول العالم:

http://info.bahai.org/arabic/

2-البهائيّة، الدين البهائي:

http://www.bahai.com/arabic/

3-الجامعة البهائيّة، مكتبة المراجع البهائيّة:

http://reference.bahai.org/ar/

4-مكتبة الغرفة البهائيّة:

http://www.bahaichatroom.org/Books/Index.htm

5-الديانة البهائيّة – Baha’i Faith:

http://www.deenbahai.com/index.htm

6- موسوعة ويكيبيديا بنسخها العربيّة والإنكليزيّة والروسيّة

7- إ. ب. بوراني، “أحاديث مسائيّة مع شري أوروبيندو، النسخة الروسيّة من الكتاب:

http://integralyoga.ru/yoga/knigi/aurobindo_evening_talks

8- كوشتار ماميتالييف،”الرسالة الروحيّة لليف تولستوي من منظور الديانة البهائيّة الجديدة”، كتاب بالروسيّة:

https://bahai-library.com/Куштар-Мамыталиев_Толстой

مع شكر خاص للأستاذة تهاني حلمي من الجامعة البهائيّة في الأردن لتفضلها بتدقيق وإغناء المقال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Tahani Ruhi

    lمقال موضوعي جدا، شكرا للكاتب على جهوده

  2. جمال حسن

    حضرة الأستاذ الفاضل رسلان
    أنا من الجيل الثالث البهائي، وأنتم تعلمون جيدا أن البهائية لا تورّث وإنما تكتسب، المهم أن أسرتي تشرّفت باعتناق البهائية منذ أكثر من مئة عام، ولا أقول أنني “معجب” بمقالكم، بل أقول إنني منذهل لما به من معلومات ليس من السّهل تجميعها وتدقيقها ومطابقتها وتبويبها مثلما فعلتم. ولو حاولت أنا أن أعد مثل هذه المقالة لا يمكن أبدا أن أجود بمثلها. طبعا بمقارنة ما كتبتموه بكل همّة بما أعتقده كبهائي سأجد أن هناك “هفوات” بسيطة لا يعوّل عليها أبدا ولا تقلل من القيمة الجليلة لهذا المقال بأي شكل من الأشكال، ومنهاأن البهائية لا تعترف بالمانويّة كدين سماوي، بل هي من الأديان الوضعية الفارسية الأصل مثلها مثل العديد من العقائد التي راجت في صدر المسيحية وحاولت عبثا أن تمتصها. كذلك لعدد تسعة أهميّة رمزية عند البهائيين ليس لأننا نعتبر أن الديانات السماوية تسعة ديانات، وإنما لشمول هذا العدد لجميع الأعداد الأخرى، فهو الأكبر في الخانة الواحدة وكل ما عداه من أعداد ينضوي فيه. فهو إذا رمز الشمول والعالمية. كتاب البيان لحضرة الباب مثله مثل الكتاب الأقدس لحضرة بهاء الله، فهما كتابي الأحكام في البابية والبهائية على الترتيب. ولكن كتابات كل من حضرة الباب وحضرة بهاء الله لم تقتصر عليهما، فما وصلنا عن طريق حضرة بهاء الله – مثلا – يعادل مائة مجلّد، تم طبع ما يعادل عشرين بالمئة منها حتى الآن. وجميع كتابات حضرة الباب وحضرة بهاء الله هي بالنسبة لنا نحن البهائيين تنزيلا إلهيا. تبقى ملاحظة أخيرة وهي أنه لا يفضل البهائي في الزّواج واختيار شريك الحياة متروك أولا للعروسين ولكن بشرط موافقة الآباء والأمهات الأربعة ولا دخل لعقيدة الطرف الآخر في الموافقة أو الرّفض وإنما الشخصية وتقبل الآخر المختلف والخلوّ من التعصّب والأخلاق الحميدة والقدرة على تأسيس أسرة خادمة للبشرية. وأسرتي على سبيل المثال حدثت بها زيجات مختلطة ناجحة. مرة أخرى وأنا في الخامسة والسبعين من العمر، أقر بعجزي عن إيفاء موضوع هام كهذا حقه بالكيفية التي تفضّلتم بها علينا نحن البهائيين وعلى كل الباحثين عن الحقيقة. بارك الله فيكم !!!

  3. رسلان عامر

    السيد جمال حسن المحترم!
    لك جزيل الشكر على مداخلتك وما تقدمت به من معلومات قيمة، أما بخصوص الملاحظات التي تقدمت بها مشكورا حول المقال:

    فبالنسبة لموضوع تفضيل الزواج البهائي بين البهائيين على الزواج من غير البهائيين، أعتقد أن هذا سلوكا عموميا طبيعيا، حتى وإن لم يوجد بذلك نص مقدس، وهذا التفضيل للشخص المماثل هو أنسب عمليا للحياة المشتركة بجانبيها العام والديني، فتقارب القناعات يجعل التفاهم أسهل، ولذا ليس غريبا حتى أن يفضل العلماني العلمانية وبالعكس، ولكننا هنا نتكلم بالطبع بشكل عام، والزواج بين المختلفين نجاحه ممكن، إلا أننا يمكن أن نستقرأ من الواقع أن نسبة نجاحه أقل من زواج المتماثلين، وهكذا يمكن القول أن زواج بهائي أو بهائية من علمانية أو علماني هو أمر احتمال نجاحه عال بسبب قرب مبادئ البهائية من مبادئ العلمانية الإنسانية، لكن هل يمكن اعتبار احتمال نجاح زواج بين طرفين بهائي ومسلم عاليا، في الوقت الذي لا يعترف فيه المسلم بسماوية البهائية؟ ويعتبرها دينا كاذبا باطلا، وبالتالي سيصبح شريكه الزوجي بنظره كافرا؟
    أعتقد أن معظم البهائيين مثل سواهم يدركون هذه الحقيقة البسيطة، وتفضيلهم الطبيعي والعملي للزواج من بهائي، لا يأتي انتقاصا من قيمة غير البهائي أو تعاليا عليه أو تعصبا للبهائية، ولكن الأفضلية هنا مقترنة بالمضمونية، فالشريك البهائي هو الأضمن لنجاح الزواج بالنسبة للبهائي بالطبع!

    وبخصوص المانوية والنجمة التساعية فمعلوماتي حولهما، مثل القسم الأكبر مما ورد في المقال، مستقاة بشكل مباشر من بعض البهائيين في المركز البهائي بمدينة أوديسا الأوكرانية، الذي زرته مرارا عندما كنت طالبا جامعيا فيها، وكنت حينها شديد الاهتمام بالأديان المختلفة؛ وربما الاختلاف في بعض المعلومات عما ذكرت حضرتك، يعود إلى أن من قدم تلك المعلومات أدخل في بعضها بشكل عفوي بعضا من معتقداته الخاصة، وهذه ظاهرة ليست نادرة الحدوث، حيث يقوم المقتنع بعقيدة ما في مثل هذه الحال بتكوين قناعات جزئية خاصة متعلقة ببعض الأمور بناء على المبادئ الأساسية العامة لعقيدته أو مدرسته الفكرية، وأنا على سبيل المثال كعلماني وكاشتراكي أختلف مثلا مع معارف لي من الشيوعيين في فهم كل من العلمانية والاشتراكية، وهذا الاختلاف فيه بكل تأكيد جانب ذاتي خاص.

    وعلى العموم ..
    القول بأن البهائية تعترف بالمانوية أو سواها، وإن لم يكن ثمة نصوص بهائية مرجعية حول ذلك، لا يتناقض بشكل عام مع المنظور العام للبهائية لوحدة الدين، فكما يقول الباحث في البهائية بيتر سميث (Smith Peter)، ليس هناك في البهائية قائمة محددة لتجليات الله رغم أن بهاء الله وعبد البهاء أشاروا إلى عدة تجليات منها: آدم، نوح، كريشنا، إبراهيم، موسى، زرادشت، بوذا، يسوع، محمد، والباب، فالأديان المتعددة تعتبر مراحل مختلفة من التاريخ الذي لا ينتهي ومن التطور الدائم للدين الواحد.
    (https://en.wikipedia.org/wiki/Bahá'í_Faith_and_the_unity_of_religion)

    أما بخصوص مكانة الباب في البهائية فقد ذكر المقال أن “الباب” يعتبر أحد الشّخصيات المؤسّسة الرئيسة في البهائيّة، لكن المقال لم يتوسع في التفاصيل حول ذلك، ولا حول الكتب المقدسة التي يعترف بها البهائيون مرجعياتا لهم، لأن غايته تقديم صورة عامة عن البهائية بحدوده كمقال، ومع ذلك وردتني ملاحظات على الفيسبوك، حيث قمت بمشاركة المقال، تقول بأنه طويل.

    وختاما لك كبير التحية سيد جمال، وقد سرني الحوار معك.

  4. باسم الحلبي

    الاخ الفاضل رسلان .
    تحية واحتراما لهذا القلم الذي كتب ونطق في آن واحد .
    قرأت كثيرا من المقالات التي كتبها غير البهائييين المحايدين عن البهائية وللحق اعترف انني لأول مرة اقرأ مثل هكذا مقال منسق ومفصل ومختصر يعطي فكرة كاملةةلغير البهائيين عن حقيقة هذا الدين الذي وجهت له كافة الاتهامات بأنواعها دون أي دليل واحد فقط .
    لك الشكر عزيزي وأود أن أضيف لمن لا يعرف عن عظمة مبادئ هذا الدين وعظمته في كيفية تعامل البشر مع بعضهم مهما اختلفت قومياتهم واعراقهم واديانهم ومعتقداتهم .
    يتفضل حضرة بهاء الله بما معناه :
    وعاشروا مع الاديان بالروح والريحان .
    سياسة الارض هي سياسة النفاق وسياسة الله هي سياسة المحبة والوفاق فاتبعوا سياسة الله واتركوا سياسة الارض للعباد .
    من أسقاك سما فأسقه شهدا .
    لك مني أخي العزيز في الانسانية كل الشكر والتقدير والاحترام .
    اما في ما يتعلق بالرقم ٩ فعندي لك شرح مفصل ومؤيد بالأدلة عندما تحب ان تطلع عليه أشرحه لك بالكامل إن رغبت .

    1. رسلان عامر

      الأخ المحترم باسم الحلبي!

      لك التحية، وسأكون شاكرا لك على أية معلومات تزودني بها، والأفضل وضع هذه المعلومات هنا لكي تكون متاحة لقراء الأوان، وتغني معرفة المهتمين منهم بالبهائية، أما إذا كان المجال هنا لا يتسع لذلك، فبإمكانك التفضل بالاتصال بي على الفيسبوك، على العنوان التالي:
      https://www.facebook.com/ruslan.amer
      أو عبر عنوان الجيميل التالي:
      ruslanamer2015@gmail.com

      ولك سلفا الامتنان

  5. عدنان حسن

    الموضوع شيق ويعطي فكرة جيدة عن البهائية، ولكن ثمة بعض النقاط فيه مقتضبة إلى حد الالتباس، مثلا غير واضح ما هو موقف البهائية بالضبط من أديان مثل الطاوية والشنتوئية وغيرهما، وما هي قصة التقويم الذي يستخدمه البهائيون وعلاقته بهم، وهل ثمة رابط بين الدين والدولة في البهائية؟!

    ولكم الشكر

    1. رسلان عامر

      السيد عدنان حسن المحترم:

      بالنسبة للأديان التي تعترف بها البهائية، تم ذكر كل من آدم، نوح، إبراهيم، موسى، صالح، هود، كريشنا، زرادشت، بوذا، يسوع، محمد، ونبي من الصابئة لم يذكر اسمه، من قبل بهاءالله وعبد البهاء على أنهم من بين مؤسسي الأديان، الذين تطلق عليهم تسمية “مظاهر الله”.
      علاوة على ذلك، أكد شوقي أفندي وجود أديان سابقة غير محصاة، وأنه كان هناك أنبياء ورسل إلهيون آخرون، يشير القرآن إلى العديد منهم.
      ولذلك لا يمكن وفقا للمنطق البهائي الحسم بشكل جازم بسماوية أو وضعية الأديان الأخرى التي لم يشر إليها بشكل واضح في الكتب البهائية، وهذا يمكن أن يختلف بين دين ودين.
      وقد التقيت شخصيا ببهائيين في أوكرانيا لا ينفون من حيث المبدأ سماوية أديان مثل الهندوسية والطاوية والكنفوشيوسية والمانوية، ولا يرون أن قناعاتهم هذه تتعارض مع المبادئ البهائية العامة.

      بالنسبة للتقويم:
      التقويم البهائي أو “تقويم البديع”، هو تقويم أنشأه الباب نفسه في أربعينيات القرن التاسع عشر تعبيرا عن أهمية الدور الإلهي الذي يبتدأ مع رسالته، وهو يتألف من 19 شهر كل منها يتألف من 19يوم، ما يصبح مجموعه 361 يومًا، ولذلك تضاف 4 أيام في السنة العادية، وخمسة في السنة الكبيسة لمطابقة التقويم مع السنة الشمسية، وهي في التقليد البهائي تمتد من غروب الشمس يوم 25 شباط إلى غروب الشمس في 1 آذار، وتسمى هذه الأيام بـ “أيام الهاء”، وهي أيام احتفالية مكرسة لوحدانية الله وتعاليه عن صفاته.
      تبدأ السنة في تقويم البديع في عيد النيروز، الذي يسمى في البهائية أيضا بـ “يوم الله”، وهو يوافق الاعتدال الربيعي، الذي يمكن أن يحدث بين 20 أو 21أو 22 آذار، ويعتبر 21 آذار 1844م بداية لهذا التقويم، وهو العام الذي أعلن فيه الباب دينه، وقد تم الاحتفال بأول رأس سنة بديعية في 21 آذار 1845م، ويسمى الشهر الأول من العام البديعي بـ “شهر البهاء”، وهو يبدأ في 21 آذار، فيما يسمى الشهر الأخير بـ “شهر العلاء”، وهو يبدأ في 2 آذار، وهذا الشهر هو شهر الصوم.
      يبدأ اليوم في هذا التقويم من غروب الشمس ويمتد حتى غروبها في النهار التالي.
      العام البديعي الحالي هو العام 176، وقد بدأ في يوم الاعتدال الربيعي في طهران في عام 2019، أي في 21 آذار 2019.
      يرمز لهذا التقويم برمز “BE”، وهو اختصار لـ “Bahá’í Era”، أي “العصر البهائي”.
      يشترك هذا التقويم مع التقاليد الإيرانية القديمة فقط باستخدامه عيد النيروز كبداية للعام الجديد، لكن ثمة من يرى أن الباب المتأثر بالمذاهب الباطنية، والذي جاء بكامل بدعوته تحت هذا التأثير، وضع هذا التقويم بناء على معطيات باطنية، إلا أنني لم أجد أية معلومة مفصلة أو موثقة حول هذه المسألة.

      أما فيما يتعلق بالعلاقة بين البهائية والدولة والسياسة، فالبهائية ليس لديها مفهوم “خلافة” أو فكرة أن “البهائية دين ودولة” كما هو الحال في الإسلام.
      في أية دولة يتواجد فيها البهائيون، هم يعترفون بهذه الدولة ويحترمونها، ويعتبرون أنفسهم مواطنين فيها.
      والبهائية ترى أن رسالتها تتحقق في المجتمع عبر تحولها إلى ثقافة معاشة، وليس عبر تحولها إلى منظومة حكم.
      أما في المنظور العالمي، فيطرح البهائيون فكرة الدولة العالمية، التي تجمع العالم كله، وهذا يأتي انسجاما مع رؤيتهم للوحدة الإنسانية، لكنهم لا يقدمون هذا الطرح كمشروع بهائي، ولا يطرحون فكرة “بهائية” هذه الدولة العالمية.

أضف تعليق