علم الطّبيعة في الفلسفة الماديّة الجدليّة (ج2)

 

جدل الطّبيعة في الماديّة الجدليّة

لقد تعرّض أنجلز لمقولات الديالكتيك الماديّ في ضوء المادّة العلميّة-الطّبيعيّة وبالتّالي في ضوء المعارف العلميّة الّتي كانت سائدة في عصره وقد ربطها ضمن سياق فلسفي متين وفق وحدة جدليّة: الضّرورة والمصادفة، السّبب والنّتيجة، الشّكل والمضمون، الفردي والخاصّ والعامّ….. فلا يوجد فصل ميتافيزيقي ميكانيكي بين هذه المفاهيم، بل هناك تكامل وانتقال متبادل للضّروريّ والغرضيّ، فالضّروريّ هو تجلً لإمكانيّة واقعيّة غير متعدّدة الأشكال والاحتمالات، يبدو على شكل عمليّة تكتسب درجات متفاوتة من الكمال. والعرضي ستند بدوره، إلى أسس واقعيّة، لكن من نوع آخر: إنّ الصّدفة، كونها لا ترتكز إلى جملة عوامل كامنة وراء قوانين معينة، تكون ذات أشكال واحتمالات متعدّدة ومتنوّعة، لكنّها تكون رغم ذلك، موضوعيّة، لأنّ لها أساساً وإن يكن قائماً في جملة أخرى من العوامل الموضوعيّة، وبالتّالي، ليست الضّرورة وحدها جديرة باهتمام العلماء، ودون الديالكتيك يتعذّر على العلم تجاوز هذا الرّأي الخاطئ الّذي يميّز بين الضّرورة والمصادفة جاعلاً من الضّرورة فقط أساساً للعلم الموضوعيّ.[1] ذلك أنّ نفي الطّبيعة الموضوعيّة للمصادفة يقود إلى الجبريّة ذات المسحة اللاّهوتيّة، حيث تبقى الضّرورة عبارة فارغة.

إنّ فكرة الجدل تستدعي التّقدم، الّذي يعتبر من الأفكار الرئيسيّة في الفلسفة الماديّة الجدليّة، وعلى ذلك فإنّ مفهوم المادّة نفسه يتعرّض للتّغيير الجدليّ، إذ ينظر للمادّة على أنّها حالة من التّدفق والتّغير الدّائم، هذا التّدفق يعكس تصوّرات هيرقليطس، مع خضوعه لبعض الضّوابط التّنظيميّة أو القوانين الّتي تصف مختلف مستويات تطوّر وتنظيم المادّة، بدءًا من الفيزياء الرياضيّة، وإنتهاءً بالاقتصاد.

من هذا المنظور، رفضت الفلسفة الماديّة الجدليّة جميع التّصورات النّظريّة للعالم، حيث ردّ أنجلز كلّ الأفكار والعلوم إلى الواقع المادي الملموس، رافضاً وجود أفكار قبليّة سابقة على التّجربة، حتّى بالنّسبة للرياضيات، إذ يرى أنّ مفاهيمها هي انعكاس مادي للأشياء. فمفهومين: كالعدد والشّكل، لم يشتقا من أي مصدر آخر سوى عالم الواقع. والرياضيات المحضة، تعالج الأشكال الفراغيّة والعلاقات الكميّة الخاصّة بالعالم الحقيقيّ الماديّ والملموس. وبالتّالي فإنّ القول بالمادّة الّتي تتراءى لنا في صورة مجرّدة لا يمكن أن تخفي إلّا صورة سطحيّة ناشئة عن العالم الخارجيّ أساساً.[2] وفي علم الميكانيك السّماوي يتوقّف أنجلز حول نظريّة كانط – لابلاس حول نشأة الكون من سديم أولي ليؤكّد أنّ هذه الفرضيّة قد أحدثت شرخاً كبيراً في أسلوب التّفكير الميتافيزيقي، فقد صوّرت المنظومة الشّمسيّة شيئاً يتغيّر، يتطوّر، وله تاريخه في الزّمان.[3]

إنّ التّفاسير العلميّة هي بالمحصّلة ماديّة في جوهرها، لأنّ العلم الّذي يعطي تفسيرات طبيعيّة للظواهر، قادر على تسليح الإنسان بالمعرفة من أجل إعادة تنظيم العالم، والعلم ينطلق من المواضيع الّتي يدرّسها، وكلّ العالم المحيط وعلاقاته إنّما موجودة وجوداً موضوعياً باستقلال عن وعينا، فالمادّة هي الشّكل الوحيد للعالم، وحركتها تتحوّل باستمرار من أشكال لأخرى.[4]

لذلك رفضت الماديّة الجدليّة التّفسير الميكانيكي للحتميّة، ذلك أنّه لما كانت الحركة بأعمّ المعاني هي جوهر كلّ عمليّة، فإنّ علينا أن نسلّم بحركة هي أعقد بكثير من مجرّد الحركة الميكانيكيّة، فنظرت الماديّة الجدليّة للعالم باعتباره عمليّة من شأنها أن تطوّر وتنمي الظّواهر البسيطة، فتخرج منها ظواهر أخرى تفوقها تعقيداً وفقاً للمبادئ الجدليّة الّتي تشكلّ قوانين النّمو، أمّا هذه القوانين فهي:

  • قانون تحوّل التّغيرات الكميّة إلى تغيرات كيفيّة: كأن يتحوّل الماء إلى بخار بازدياد درجة الحرارة.
  • قانون تقابل الأضداد: الّذي يقتضي وجود تناقضات في الطّبيعة، فالحركة تتضمّن تناقضاً قوامه أن شيئاً ما يكون ولا يكون في موضعه في نفس الوقت.
  • قانون نفي النّفي: أي أنّ الجديد ينفي القديم بتناقضاته.

والنّقطة الجوهريّة الّتي أراد أنجلز أن يقولها من هذه القوانين: هي أن هناك جدّة حقيقيّة واختلافاً كيفياً في العالم، وإن يكن كلّ شيء ينشأ من المادّة، فإنّنا لا نستطيع أن نفكّر تفكيراً مجدياً إذا نحن اعتبرنا جميع الأشياء مجرّد نظم ميكانيكيّة معقدة.[5] وبالتّالي فإنّ ازدراء الفلسفة التّجريبيّة الميكانيكيّة للديالكتيك يجعلها تقع ضحيّة خرقاء للخرافات والأرواحيّة المعاصرة.

لقد انطلقت الماديّة الجدليّة من وحدة الوجود الماديّ، فلا مكان إلّا للمادّة، والحركة خالدة، كما أنّ التّغيّر دائم، وهما أمران ملازمان لكلّ ما هو موجود، فليس هناك عالم خاص لا يخضع لقانون الكينونة هذا، وحيث تنعدم بعض أشكال المادّة، لا بدّ وأن تنشأ أشكال جديدة تبدأ تاريخها الخاصّ، ذلك التّصور امتد ليشمل الوعي نفسه، حيث صوّر كأحد فعاليات المادّة الرّفيعة التّطور، فهو نتاج فعاليّة الدّماغ، إلّا أنّه لا يتشكلّ في الدّماغ إلّا بفضل الصّلة الماديّة بين الدّماغ والعالم الخارجيّ.[6] والوعي هو انعكاس للعالم الماديّ، وبالتّالي هو ثانوي من حيث أن المادة هي الّتي تشكلّ أولويّة المعرفة، باعتبارها توجد وجوداً موضوعياً مستقلاً عن الوعي الذي يدركها، ذلك أن الانعكاس لا يمكن أن يوجد من غير وجود الشّيء المنعكس، في حين أنّ المنعكس يوجد مستقلاً عن وجود انعكاسه.

انطلاقاً من ذلك التّصور تعرف الماديّة الجدليّة الحقيقة الموضوعيّة بأنّها:

1- غير متوقّفة على عدد المعترفين بها، سواءً أكانوا قلّة أم كثرة، إذ غالباً ما تحظى الحقيقة، خاصّة في مجال المسائل العلميّة المعقّدة، باعتراف قلّة من النّاس في بادئ الأمر.

2- تلك الحقيقة لا تلبث وأن تنتزع الاعتراف بها عاجلاً أم آجلاً، متغلبة على الأوهام والتّرهات.

3- ثمّ تؤدّي إلى نتائج ناجحة في النّشاط العملي.[7]

لذلك رفضت الماديّة الجدليّة محدوديّة الزّمان والمكان، ما أوقعها في تصادم مباشر مع النّظريات الفيزيائيّة الحديثة كالنّسبيّة والكموميّة، فمكان الكون ليس غير محدود وحسب، وإنّما هو غير متناه أيضاً، كما أنّها ترفض الفصل بين زمان مطلق ومكان مطلق كما فعل نيوتن، على اعتبار أنّه لا يوجد جموديّة في المادّة، بل حركة وصيرورة دائمة. وحيث يربط أنجلز بين الحركة والمادّة، فلا وجود لسكون مطلق، أو توازن غير مشروط، وحين يحدث السّكون والتّوازن، فهما نتيجة حركة محدودة.[8]

ومن نفس المنطلق، خالفت الماديّة الجدليّة بعض أحدث الفرضيات العلميّة، كنظريّة الانفجار الكبير الكونيّة، الّتي تنطلق من نشوء الكون من متفرّدة قبل 13،7 مليار عام، كون تلك النّظريّة لا تؤكّد لا نهائيّة المادّة المكاني والزّماني وتحدّد عمر للكون. وقد اعتمد الماركسيون في نقدهم على انتقاد أنجلز لفرضيّة الأنتروبيّة” الموت الحراري للكون” لأنّه يرى فيها رؤية مثاليّة تقود للقول ببداية للعالم ونهاية له وبالتّالي الحديث عن دفعة أولى ربانيّة، رغم أنّ نظريّة الانفجار الكبير لا تستدعي وجود دفعة أولى بل تراوح كمومي، أو أكوان منحنيّة هي علّة نفسها اعتماداً على النّسبيّة العامّة، وهذه اكتشافات وتطوّرات لم تكن موجوداً معرفياً في عصر أنجلز.

أمّا النّظريّة النّسبيّة، فقد حاولت الفلسفة الماديّة الجدليّة أن تستقي منها ما يلاءم نظرتها الفلسفيّة إلى الطّبيعة، إذ قالت بأنّ الصّلة العضويّة الّتي اكتشفتها النّسبيّة بين المكان والزّمان، وبين المادّة، أو بينهما وبين حركة المادّة، تقدّم لنا برهاناً علمياً فيزيائياً جديداً على الوجود الموضوعي للزّمان والمكان، وعلى استقلالهما عن الوعي وعن الذّات العارفة .[9] والمادّة لا يمكن أن توجد إلّا في الحركة، والسّكون والتّوازن إن حصلا، فهما نسبيان يحصلان بالنّسبة إلى هذا الشّيء المادي أو ذاك فقط، لا بالنّسبة إلى المادّة ككلّ، كما يحصلان بالنّسبة إلى هذا الشّكلّ أو ذاك من أشكال الحركة، لا بالنّسبة لجميع أشكال الحركة الّتي تخص أشياء معينة، فعندما نجلس على أريكة في قطار منطلق سريعاً، نكون والقطار متحرّكين بالنّسبة للأرض، ولكنّي كمسافر أكون ساكن بالنّسبة للقطار، فالسّكون هنا ليس بالنّسبة فقط إلى مجموع معيّن من الأجسام، لكنّه بالنّسبة أيضاً إلى شكلّ معين من الحركة فقط، فجسم المسافر لا يتحرّك بالنّسبة للعربة، أي أنّه لا يوجد في حركة ميكانيكيّة بالنّسبة إليها، لكنّ جسم المسافر نفسه هو محل عمليات حركيّة متنوعة بفضلها يوجد المسافر ككائن حيّ.

وانطلاقاً من التّصور الحتميّة بالمعنى الديالكتيكي الشّامل للعالم المادي، أكّدت الماديّة الجدليّة على مفهوم السببيّة في العلم، ذلك أنّ دراسة السببيّة ترتبط، عند أنجلز، ارتباطاً وثيقاً بفهم مقولة الفعل المتبادل الّتي نصادفها عند دراستنا للمادّة المتحرّكة في جملتها، ومن هذا الفعل المتبادل الشّامل، يمكننا التّوصل إلى العلاقة السّببيّة الواقعيّة. إذا يرى أنجلز أنّ موضوعة سبينوزا الشّهيرة “الجوهر سبب ذاته” هي تعبير رائع عن الفعل المتبادل، فالطّبيعة تشكلّ منظومة، كلّاً مترابطاً من الأجسام الماديّة بدءاً من النّجوم انتهاءً بالذّرات حتّى الأثير (كان يعتقد بوجوده في الفترة الّتي كان بها قبل أن تلغيه النّظريّة النّسبيّة). إنّ حقيقة كون هذه الأجسام مترابطة تنطوي، سلفاً، على حقيقة كونها تفعل بعضها في بعض، وأنّ هذا الفعل المتبادل هو ما يؤلّف الحركة.[10] فليس في الكون من أشياء معزولة مطلقاً وثابتة، لا تتغيّر أبداً، وكلّ توازن ساكن يكون نسبي ومؤقّت في حين أنّ الحركة هي قرينة أساسيّة للمادّة هي شكل وجودها، ولا قيام لها دونها.

إنّ السّبب والنّتيجة عبارة عن مفهومين متناسبين، ومنهما يعكس التّفكير أهمّ قانونيّة للعالم الموضوعي، لذلك رفض أنجلز بشكل قاطع شكيّة هيوم الّذي فهم التّجربة على أنّها نتاج الإحساسات الذّاتيّة الّتي لا تقرّر أيّة قيمة موضوعيّة بصورة يقينيّة، في حين يرى أنجلز أنّ يقين الوجود الموضوعي للأشياء لا ريب فيه، وهذا اليقين ُيعرف من خلال الممارسة العمليّة، وبهذا الصّدد يقول لينين: ” ليست السّببيّة كما نفهمها عادة غير جزء يسير من العلاقة الّتي تربط بين الظّواهر في العالم، بيد أنّها ليست جزء من علاقة ذاتيّة، بل من علاقة موجودة موضوعياً “[11].

وفي تقصيه لدور الاستقراء والاستنباط، والتّحليل والتّركيب، في عمليّة المعرفة، يقف أنجلز ضدّ المبالغة في دور أي من الأساليب المعرفيّة، فالصّعود من الفردي إلى الخاصّ، ومن الخاصّ إلى العامّ، لا يتمّ بطريقة واحدة، بل بطرق متعدّدة. والوحدة الموضوعيّة لمختلف الظّواهر تتطلّب من الباحث تطبيق مبادئ المنطق الديالكتيكي، الّذي لا يكتفي بتعداد أشكال حركة الفكر، وبوضعها جنباً إلى جنب دونما أيّة صلة. بل يستنبط هذه الأشكال الواحد من الآخر، ويجعلها تتبع أحدها الآخر، بدلاً من تنسيقها، كما يطوّر الأشكال العليا من الأشكال الدنيا.[12] فالاستقراء والاستنباط مرتبطان أحدهما بالآخر ارتباطاً جدلياً. وهذا ما يميّز الماركسيّة في الواقع عن النّزعة التّجريبيّة الاستقرائيّة التّجريبيّة المتطرّفة عند الفلاسفة الإنكليز الوضعيين. فوفق أنجلز ليس هناك استقراء في العالم بوسعه في يوم مّا، مساعدتنا على فهم عمليّة الاستقراء. إنّ هذا لا يتمّ إلّا عن طريق تحليل هذه العمليّة استنباطياً.

إنّ أحد أشكال المثاليّة في الفيزياء وفق تصوّر لينين فرضتها طبيعة التّطور العلميّ نفسه الّذي أدى إلى زيادة في إدخال الرياضيات إلى الفيزياء ما ساعد على الادعاءات الرجعيّة الّتي تنجم عن تقدّم العلم نفسه. فأزمة الفيزياء تكمن في استيلاء روح الرياضيات ” الشّكلّيّة ” على الفيزياء، فغدت الفيزياء النّظريّة فيزياء رياضيّة، وعندها بدأت مرحلة الفيزياء الشّكلّيّة (المنفصلة عن مادّتها الّتي تدرّسها ) أي الرياضيات الشّكلّيّة الخالصة، ما أدّى إلى الدّخول أكثر وأكثر في عالم التّجريد وتصوّر المادّة بصورة منطقيّة خالصة لاماديّة. إنّ نجاح علم الطبيعيات في الاقتراب من العناصر البسيطة والمتجانسة من عناصر المادّة بحيث تجيز قوانين حركتها المعالجة الرياضيّة، أدّى إلى نسيان المادّة من قبل الرياضيين، المادّة تزول، وتبقى المعادلات فقط، فتظهر بطريقة جديدة الفكرة الكانطيّة القديمة القائلة أنّ العقل يملي القوانين على الطّبيعة.[13]

ومن منطقها الحتميّ، رفضت الماديّة الجدليّة التّصور الارتيابي للعالم رفضاً قاطعاً، واعتبرته نوعاً من المثاليات اللاّعلميّة، حيث ترى أنّ نفي معرفة العالم يحطّ من قدر العلم، وأنّ الريبيّة إذ تؤكّد عدم إمكانيّة معرفة العالم، تفتح الطّريق لتجعل من العلم ديناً. كما عارضت كلّاً من العقلانيّة، والتّصورات الحسيّة في العلم الّتي تحدّث عنها التّجريبيون، لا سيّما بركلّي، الّذي ركز على دور الإحساسات في التّفسير المادي للعالم، فالمادّة بالنّسبة لأنجلز ذات وجود موضوعي يقيني مستقلّ عن وعينا الّذي ليس هو إلّا نتاج ثانوي من نتاج المادّة المتحوّلة، وبنفس الحدّة وقفت تلك النّزعة ضدّ التّصور العقلاني للمعرفة، وبشكل خاصّ تصوّر كانط للمعرفة العلميّة القائم على التّفكير أوّلاً وأساساً، مؤكّدة على الدّور الأساسي للمادّة في فهم العالم. إنّ إحساساتنا وإدراكاتنا ليست غير صورة عن العالم الخارجيّ، ووفق لينين: فإنّه غنّي عن البيان أنّ الانعكاس لا يمكن أن يوجد دون المعكوس ” المادّة ” في حين أنّ المعكوس يوجد بصورة مستقلّة عن العاكس.[14] إنّ الفكر هو وظيفة الدّماغ، وإنّ الإحساسات أي صور العالم الخارجي توجد فينا، كحاصل لتأثير الأشياء في أعضاء حواسنا. وهنا يقول لينين:”إنّ المادي يرى أنّ إحساساتنا هي صور الواقع الموضوعي الوحيد والأخير، الأخير ليس بمعنى أنّه صار معروفاً حتّى النّهاية، بل بمعنى أنّه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد عداه واقع آخر”. [15]

وكونها تؤكّد على أزليّة المادّة والعالم المادّي، فقد رفضت نتائج فيزياء الكمّ القائلة بإمكانيّة فناء المادّة، مؤكّدة على أنّ ظواهر العالم المادّي الفيزيائيّ متحوّلة مع ثبات المقدار، فالإلكترون على سبيل المثال لا يختفي عند التّقائه بنقيضه، وإنّما يتحوّل إلى شكل آخر من أشكال المادّة هو الفوتون، وهذا ينطبق على كلّ جسيمات  الطّبيعة. من ذلك المنطلق رفضت الماديّة الجدليّة المفهوم الارتيابي لهايزنبرغ، على اعتبار أنّ المشكلّة لا تكون بين وعي الباحث ومادّة الشّيء المبحوث، بل بين الأجسام الماديّة ذاتها خارج وعي أيّاً كان، ومن الخطأ الكبير في نظرهم ربط الجسيم المادّي بظروف المشاهدة والإحساس، كما فعل التّجريبيون الوضعيون، فالجسم موجود على الرّغم، ودون الوعي البشري، ووجود الأجسام المتناهيّة في الصّغر، لا يمكن أن ترتبط بوجود الشّروط التّجريبيّة، أو بوجود الأجهزة التّجريبيّة وعمليّة المراقبة، ذلك لأنّ الأجهزة وعمليّات المراقبة تُستخدم عملياً على أنّها سبب وجود الأجسام المتناهيّة في الصّغر، كما أنّ حقيقة وجود هذه الأجسام لا يتوقّف على توفّر هذه الشّروط، ولا على اللّحظات الّتي تجري فيها المراقبة، وإنّ ضرورة توفّر هذه الأجهزة التّجريبيّة من أجل معرفة الأجسام المتناهيّة في الصّغر، لا يعني ضرورة توفّر هذه الأجهزة من أجل وجود تلك الأجسام.[16]

بهذا الشّكل تناولت الماديّة الجدليّة مسألة الارتياب المزيف، دون أن تبيّن لنا كيف لنا أن نتأكّد إذاً من وجود هذه الأجسام أصلاً.

وكما تقرّ الماديّة الجدليّة بالضّرورة الحتميّة، كذلك تقرّ بالمصادفة الّتي تُنتج ضرورة، فإذا كانت الوضعيّة المنطقيّة قد نفت الضّرورة من الطّبيعة، إلّا الضّرورة المنطقيّة والرّياضيّة، أي ضرورة نشوء محاكمات عن أخرى، فإنّ الماديّة الجدليّة ترى أنّ الضّرورة نفسها تتبدّى عبر مصادفات لا حصر لها، وأنّ مهمّة العلم تكمن في الكشف عن تلك الضّرورة، وعن القانون الكامن خلف فوضى المصادفات الّتي تتبدّى لنا خلال عمليّة تطوّر المادّة، حيث تصبح المصادفة وفق ذلك التّصور، شكل ظهور الضّرورة وتكملة لها، فيقول آنجلز:” الشّيء الّذي يتأكّد أنّه ضرورة يتألّف من مصادفات محضة، وما يدعى مصادفة  إنّما هو شكل تختفي وراءه الضّرورة ” [17]. فالمصادفة إذاً لا تعني نفي السّببيّة، إذ أنّ لكلّ مصادفة أسبابها الّتي تغلبها على غيرها، لذلك انتقدت الماديّة الجدليّة الفلسفة التّجريبيّة والوضعيّة، عندما رفضوا الفرضيّة من العلم، أو أضعفوا من أهميّتها، فإذا التّجريبيون على حقّ عندما يقولون بأنّ الإنسان قبل التّجربة، وأنّ المعرفة الحسيّة لا يمكنها أن تحوز على أيّة معارف تخصّ العالم الخارجي، إلّا أنّهم عمّموا، من طرف واحد فقط، معطيات علم الطّبيعة التّجريبي الّذي ظهر وتطوّر بسرعة. إنّ الجانب الضّعيف من التّجريبيّة يتمثّل في تقليل أتباعها دور الفكر المجرّد في المعرفة، ونفيهم للأصالة النّوعيّة الّتي يتمتّع بها التّفكير بالمقارنة مع الإحساسات والإدراكات “. [18]لذلك نراهم ينتقدون وجهة نظر الوضعيّة المنطقيّة القائلة بعدم لزوم وضع الفرضيات، مؤكّدين أنّ الفرضيّة توضّح الصّلة بين التّجريبي ّوالنّظريّ في المعرفة، فنحن ننطلق من الوقائع والملاحظات والتّجارب.

خاتمة

لقد قدّمت لنا الماديّة الجدليّة، فلسفة طبيعيّة غنيّة أكّدت على الطّابع الديناميكي للمادّة والطّبيعة الحركيّة للصيرورة الكونيّة كطاقة وكتلة من خلال منهج تصاعدي يلخص المسيرة العامّة لمعرفة الطّبيعة من التّأمل المباشر إلى التّحليل، ومن التّحليل إلى التّركيب المستند إلى التّحليل السّابق. لكنّها أضحت مع الزّمن بمثابة آخر قلاع الحتميّة الّتي تعتمد على أسس فكريّة جعلت منها أيديولوجيا للعلم، هذه الإيدولوجيا أوقعت بعض العلماء السوفييت بحرج كبير للتّوفيق بين ما قاله أنجلز ولينين، وبين الثّورات العلميّة الكبرى في الفيزياء، لا سيّما القضايا الّتي أعلنها أنجلز ولينين عن الزّمان والمكان المطلقين، والّذي فندته النّظريّة النّسبيّة، فلم يكن أمام علماء السوفييت، إلاّ أنّ يعارضوا ويهاجموا ما جاءت به تلك الثّورات، لأنّها لا تتّفق مع القوانين العلميّة لجدل الطّبيعة، ليطلقوا عليها مصطلحات، كالفيزياء البورجوازيّة، وبطبيعة الحال  ما لبثت الثّورات العلميّة الكبرى الّتي حصلت في القرن العشرين أن تجاوزت الأسس العلميّة لتلك الفلسفة، لتعلن عهد فكري جديد عبّرت عنه الفلسفة المعاصرة تعبيراً يعتبر انعكاسا لعصر معرفي جديد.

******

المصادر والمراجع:

[1] فريدريك أنجلز: ديالكتيك الطبيعة،مرجع سابق، ص145.

[2]فريدريك أنجلز : أنتي دوهرنغ، ترجمة: د: فؤاد أيوب، دار دمشق للطّباعة، ط1، 1965، ص49.

[3] فريدريك أنجلز: ديالكتيك الطبيعة، مرجع سابق، ص128.

[4]مجموعة من الأساتذة السوفييت: الماديّة الديالكتيكيّة، ترجمة: فؤاد مرعي، بدر الدّين السّباعي، عدنان جاموس، دار الجماهير، دون تاريخ، ص 8.

[5] محمد عمر فرحات:  طبيعة القانون العلمي، الدّار القوميّة للطّباعة، القاهرة، 1966، ص 52.

[6]مجموعة من الأساتذة السوفييت: الماديّة الديالكتيكيّة، مرجع سابق ، ص 141.

[7]مجموعة من الأساتذة السوفييت : الماديّة الديالكتيكيّة، المرجع نفسه، ص 168-169.

[8]فريدريك أنجلز: أنتي دوهرنغ، مرجع سابق، ص 78.

[9]مجموعة من الأساتذة السوفييت: الماديّة الديالكتيكيّة، مرجع سابق، ص 119.

[10] فريدريك أنجلز: ديالكتيك الطّبيعة، مرجع سابق، ص 152.

[11]مجموعة من الأساتذة السوفييت: الماديّة الديالكتيكيّة، مرجع سابق، ص 197.

[12] فريدريك أنجلز: ديالكتيك الطبيعة، مرجع سابق، ص 203.

[13] لينين: الماديّة والمذهب النّقدي التّجريبي، مرجع سابق، ص 358 – 359.

[14] لينين: المادية والمذهب النّقدي التّجريبي، المرجع نفسه، ص 72.

[15] لينين: المادية و المذهب النّقدي التّجريبي، المرجع نفسه، ص144

[16]مجموعة من الأساتذة السوفييت: الماديّة الديالكتيكيّة، مرجع سابق ، ص 88.

[17]مجموعة من الأساتذة السوفييت: الماديّة الديالكتيكيّة، المرجع نفسه، ص 216-217.

[18]مجموعة من الأساتذة السوفييت: المادية الديالكتيكية، المرجع نفسه، ص 136.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق