الأنا والآخر

( 1 )

لا جديد فيما سأكتب عنه هنا، فهو مقال في التّركيب أكثر ممّا هو مقال في التّحليل. وحين أقول مقال في التّركيب فلأنّه يستثمر، ويعيد تركيب مجموعة من الأفكار المألوفة في الدّراسات الأدبيّة الحديثة المتعلّقة بطبيعة الرّواية، وطبيعة التّأليف، وطبيعة الثّقافة.

1- يُعدّ كتاب “شعريّة ديستوفيسكي” للنّاقد والمنظّر الرّوسيّ البارز ميخائيل باختين (ترجمة: جميل نصيف التّكريتي، مراجعة: حياة شرارة، الدّار البيضاء، دار توبقال للنشر، 1986) نقطة بداية مميّزة لدراسة الرّواية متعدّدة الأصوات. يتضمّن الكتاب خصائصها الصّنفيّة والتّكوينيّة، ويربطها بتعدّديّة برامج الحياة، وطابعها المتناقض، السّمة الجوهريّة للمعنى الإبداعيّ.

2- هناك كثير من الأفكار الجذّابة عن لغة النّثر ولغة الشّعر في كتاب باختين الآخر، أعني كتاب “الخطاب الرّوائيّ” (ترجمة: محمد برادة، دار الفكر للدّراسات والنّشر والتّوزيع، القاهرة، باريس، 1987) لاسيّما في الفصل الثّاني من الكتاب (ص 51-69)، وينعش الفصل الأوّل منه (ص 35-46) الكثير من الأسئلة المتعلّقة بالرّواية، طبيعتها، ووحداتها التّأليفيّة.

3- يحتوي كتاب والاس مارتن “نظريّات السّرد المعاصرة” (ترجمة: حياة محمد قاسم، المجلس الأعلى للثّقافة، القاهرة، 1989) على اقتباسات في غاية الأهميّة عن لغات السّرد وأهميّتها (ص 196-201) من وجهة نظر  الباحث والمنظّر الرّوسيّ ميخائيل باختين.

3- وإذا ما أراد القارئ أن يتعرّف على الكيفيّة التّي تبنّى بها ميخائيل باختين مفهوم “الحواريّة” وكيف طوّرها، وأسسها الفلسفيّة، فهناك تلخيص ممتاز في دراسة كن هيرشكوب “الصّيرورة التّاريخيّة في اللّغة والأدب والثّقافة” (ترجمة رضوى عاشور، في موسوعة كامبريدج في النّقد الأدبيّ، القرن العشرون، المداخل التّاريخيّة والفلسفيّة والنّفسيّة، المشروع القوميّ للتّرجمة، القاهرة، 2005).

4- ويفسّر جون ليتشه في كتابه “خمسون مفكرا أساسيّا” (ترجمة: فاتن البستانّي، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، بيروت، لبنان، 2008) تركيز باختين على طريقة بناء الرّواية بأن يضع الرّوائيّ موضع الإخراج المسرحيّ للرّواية، ويلخّص بمهارة كيف قرأ باختين روايات ديستوفيسكي  بروح المهرجان، وما كتبه مهمّ للقارئ الذّي يريد موجزا مركّزا عن أطروحات باختين (ص 71-39).

5- ولتكوين فكرة حديثة عن التّأليف من وجهة النّظر التّي سنشرحها في هذا المقال يجد القارئ تلخيصا محكما في الجزء الأخير من الفصل السّابع (ص 270-288) من كتاب الدّين الأسس (ترجمة: هند عبد السّتار، مراجعة: حبور سمعان، الشّبكة الغربيّة للأبحاث والنّشر، بيروت لبنان، 2009).

6- بيّنت لنا توني ميريسون الحائزة على جائزة نوبل في الآداب لسنة 1993 في كتابها “اللّعب في الظّلام” (ترجمة: إسبر، أسامة. دمشق: دار الطّليعة الجديدة، 1999) الكيفيّة التّي يحوّل بها الكتّاب أوجها من خلفيّاتهم الاجتماعيّة، ومعتقداتهم، وأفكارهم، وتخميناتهم إلى أوجه من اللّغة.

بحثت  تونيميريسون بوصفها كاتبة لا ناقدة في ذهن وخيال ولغة الكتّاب، وما يعادل قيمة البحث الّذي أنجزته هو إجابتها التّي تبيّن ما تفعله الأيديولوجيا (أفكار ومعتقدات) في ذهن وخيال وسلوك الكتّاب حين يكتبون.

7- إنّ دنيويّة النّصوص من الأفكار التّي يؤكّد عليها إدوارد سعيد. عن هذه وعن أفكار أخرى تتعلّق بعلاقة الرّوائي بروايته يجد القارئ لمحات ذكيّة ومركّزة في كتابه تأمّلات في المنفى. إنّ تقويم الأدب يعني من وجهة نظر إدوارد سعيد (سعيد، إدوارد. تأمّلات في المنفى، ترجمة: ثائر ديب. بيروت: دار الآداب، 2004) أن يقوّمه المؤوّل على أنّه عمل فرديّ لكاتب منشبك في ظروف يسلّم بها الجميع كإقامته، وجنسيّته، ومحلّته المألوفة، وأصدقائه.

8- تترك كلّ هذه المؤلّفات شعورا عند القارئ أنّ ثمّة جانبا لم يُفسّر، أو أنّه غير قابل للتفسير. يجد القارئ تحليلا رائعا للرّوح التّي تتسرّب إلى الكتّاب ومن ثمّ إلى كتاباتهم في كتاب المفكّر الإيرانيّ الكبير داريو ششايقان “ما الثّورة الدّينيّة” (ترجمة وتقديم: محمد الرّحموني، مراجعة: محمد الدّايّة. بيروت: المؤسّسة العربيّة للتّحديث الفكريّ، ودار السّاقي، 2004) وهو تحليل من أهمّ التّحليلات، وأفضلها من وجهة النّظر التّي اخترنا هنا. لقد بيّن لنا  داريو ششايقان أنّ الفنّ ليس ظاهرة معزولة عن غيرها، ولا علاقة لها بمظاهر الفكر الأخرى. فعندما يهبّ الفكر وينشط في عصر ما أو في مرحلة تاريخيّة فإنّه يتحرّك في كافّة الاتجاهات، ولا يمكن لأيّ فنّ أن ينمو ويتطوّر من غير أن يُدعم بنموّ مماثل في مجالات الفكر، وحقول المعرفة الأخرى.

9- تعمّق دراسة دانييل هنري باجوي الرّائدة: “نحو منهجيّة لدراسة صورة الآخر المختلف” (ترجمة معجب الزّهرانيّ، نوافذ، النّادي الأدبيّ الثّقافيّ في جدة، العدد2، ديسمبر 1997) التّفكير في شكل يمكن تعيينه بسهولة في أدب ثقافة ما وهو النّمط، وكيف أنّ قراءته تزوّد القارئ بفكرة ممتازة عن الكيفيّة التّي يقوم فيها النّمط ببناء تراتبيّة صارمة وفصل متعسّف بين الثّقافات. لقد اقتبس من مجال السّيميائيّة برنامجا للدّراسة يفرض على الباحث ألّا يكتفي بتحليل منطق النّص ، إنّما تحليل وظائفه وتوظيفاته في سياق ثقافة الكاتب الأصليّة.

10- يكمّل هذه الدّراسة الرّائدة الصّيغة الاقتراحيّة والتّأمليّة الواردة ضمن مشروع “التّربية في خدمة مستقبل قابل للعيش” الذّي تبنّته اليونسكو. يجد القارئ عرضا أكثر تفصيلا وتحديدا لمعوقات الفهم الدّاخليّة والخارجيّة بين المجتمعات والثّقافات. يجد ذلك في كتاب: إدغار موران: “تربيّة المستقبل، المعارف السّبع الضروريّة لتربيّة المستقبل” (ترجمة: عزيز لزرق ومنير الحج وجي، دار توبقال للنشر، منشورات اليونسكو، 2002).

( 2 )

استنادا إلى هذه المرجعيّات التّي تبرهن على أنّ هناك آخر في الرّواية، فإلى أيّ شيء يعود ذلك؟ يتبادر إلى الذّهن بشكل متتال، كون الرّواية مكتوبة على الشّكل الذّي يوجد فيه الآخر. يرتبط بهذا السّبب النّموذجُ الثّقافيّ الموجود سلفا في الثّقافة التّي تُكتب في إطارها رواية ما.

وإذا ما عملنا على تطوير هذا السّبب في شكل أكثر تقنيّة فسنقول بـ”النّمط” الموجود في ثقافة الكاتب الأصليّة، أي الصّورة المبتسرة التّي تنقل إلى الآخر رسالة واحدة يُعتقد أنّها “جوهريّة”.

يترتّب على النّمط من حيث أنّه يوهم أنّ الآخر موضوع التّمثيل كائن ذو بعد واحد أزليّ وأبديّ، ويخلط بين ما هو نعتيّ وما هو جوهريّ، ويرفع الخاصّ إلى مستوى العام، والفرديّ إلى مستوى الجماعيّ. نقول يترتّب على ذلك أن تعمل الرّواية على نقل النّمط الذّي أودعه الكاتب فيها، وبمجرّد ما نلحق هذه الوظيفة بالرّواية يمكن أن نسأل عمّا يجعل الرّواية قابلة لأن تكون كذلك، فلكي تستجيب الرّواية لهذا النّقل يجب أن تكون مؤهلّة بحيث لا تمثّل سوى تحقُّق للنقل.

نستخلص من هذه المقدمة الموجزة أنّ للرّواية طابع الوسيط. لكن هل نتحدّث عن الرّواية فعلا؟ ألا نخلطها بالرّوائيّ ومقاصده؟ إنّنا نعتقد أنّ الرّواية تتحدّث عن نفسها، لكن في الوقت نفسه يجب أن نعترف أنّ وراء كتابتها شخصا يريد أن يتواصل معنا. غير أنّنا يمكن أن نفرز من هذا الخلط تعارفا أوليّا مادامت الرّواية تُكتَب، والرّاوي يَكتُب في إطار ثقافة ما.

( 3 )

تاريخيّا نمت الرّواية في الفضاءات المتروكة حرّة من طرف الأنواع والأشكال الأدبيّة الأخرى. نمت هامشيّة ومعزولة. في الواقع فإنّ هذا التّطوّر الهامشيّ والمعزول هو ما أعطى الكتابة الرّوائيّة أصالتها. وُجدت الرّواية وسط الأنواع والأشكال الأدبيّة، واستمدّت قوانينها من الحريّة التّي تمتّعت بها في ذلك الهامش والمعزول، وهي القوانين ذاتها التّي رفضت الأشكال الشّعريّة تطبيقها.

لكي نثير الإنتباه سنتوقّف عند الفرق بين لغة الرّواية ولغة الشّعر. لغة الشّعر هي لغة الشّاعر، يجد الشّاعر نفسه فيها من غير أيّ شريك يقاسمه إياها. ليس هذا فحسب، إنّما تنسى الكلمة في الشّعر ماضي مفهومها اللّفظيّ وحاضرة. يخلّص الشّاعر اللّغة من نوايا الآخرين، ويتكلّم بلغته هو عمّا هو أجنبيّ عنه، ولا يلجأ إلى لغة الآخرين. تحتضن اللّغة في الشّعر كل شيء، بها يرى الشّاعر ويسمع ويفهم ويتأمّل ويعبّر، ولا يستعين بلغة أخرى، لأنّ الشّعر غير معنيّ بوجود عوالم أخرى دالّة ومعبّرة. أحاديّة اللّغة ووحدانيتها شرطان لازمان لفرديّة الخطاب الشّعريّ.

إذا كان الشّاعر يتصرّف على هذا النّحو فإنّ الرّوائيّ يتصرّف بطريقة مختلفة تماما، فالرّوائيّ لا يخلص خطاباته من نوايا ومن نبرات الآخرين. هناك عناصر لغويّة مجرّدة من نوايا الرّوائيّ، فلا يعبّر بها عن نفسه، يستخدمها من غير أنّ يسلّم نفسه إليها، أنّما يتركها نصف أجنبيّة أو أجنبيّة تماما. يدخل التّعدّد الصّوتيّ حتّى يصبح الموضوع نقطة إئتلاف أصوات مختلفة، يظهر صوته ومن أجل أنّ يظهر تكون الأصوات الأخرى خلفيّة من دونها لن يدرك صوته.

هناك إمكانيّة لأن نميّز بين الشّعر والرّواية بدقّة وعمق، غير أنّه من وجهة نظر أهدافنا يعتبر ما قدمناه كافيا، يترتّب عليه ما نريد أن نصل إليه، من أنّ الشّعر يسعى إلى أن يفرض على العالم رؤية واحدة أو تفسيرا واحدا، عن طريق أسلوب واحد ووحيد. أمّا الرّواية فهي “حواريّة” تتضمّن أساليب وأصوات مختلفة تتكلّم مع بعضها، ومع أصوات من خارج الرّواية، يتناوب فيها صوت الرّاوي وأصوات الشّخصيّات. إنها مجموعة من المواقف والآراء والاهتمامات الشّخصيّة التّي تكوّن الموقف العقليّ أو العاطفيّ لشخص ما في علاقته بالعالم. وإذا ما أردنا أن نعمّق هذا الفهم فلا بدّ من أن نأخذ بعين الاعتبار كون النّاس في الواقع لا يعملون جنبا إلى جنب، إنّما يعملون من أجل بعضهم بعضا، أو ضدّ بعضهم بعضا، وأنّ “الحدث” هو ملتقى أفعالهم تآزرا وتنازعا.

الطّبيعة النّموذجيّة للرّواية من هذا المنظور الذّي وضعنا أنفسنا فيه هو أن تكون الشّخصيّة الرّوائيّة  كاملة الحقوق، وكاملة الأهليّة، لها كلمتها الشّخصيّة. حرّة ومؤهلّة وقادرة على أن تختلف حتّى مع المؤلّف نفسه، وأن تؤكّد الغيريّة بوصفها ذاتا فاعلة أخرى. وأن تقرّ بالوعي الغيريّ، وأن تتمتّع بالحريّة، وأن تنزع إلى الاستقلاليّة. يعني هذا أن تتناوب في الرّواية وجهات النّظر المختلفة، أن تُعكس فيها مختلف الظّلال، وأن تُبرز كلّ الآراء ووجهات النّظر المختلفة.

تعتبر الأصوات المتعدّدة الأساس الأوّل من أجل إلقاء الضّوء على الآخر في الرّواية ، فمظاهر الرّواية، وطبيعتها، واشتغالها، تكفي لأن يقال أنّ الرّواية هي احتمال الآخر، لأنّها منظّمة بشكل يسمح لكلّ صوت فيها أن يمتلك ذاته عن طريق تحديد نفسه عن طريق الآخر، وأن يعي ذاته، لأنّ الوعي بالذّات غير ممكن إلّا إذا تحقّق عبر الآخر. ليست الرّواية تعبيرا عن وعي شخص واحد، إنّما إضاءة لوعي أشخاص آخرين مختلفين. من أجل الآخر تنشأ الحبكة الرّوائيّة، وتكتب الرّوايات، وتذرف الدّموع، ومن أجل الآخر تقام كلّ الصّروح. هكذا إذن فالآخر موجود في الرّواية بحكم طبيعتها، إلى حدّ نتساءل فيه ما إذا كان ممكنا أن تكون رواية فيما لو كتبت بشكل مغاير.

( 4 )

يمكن أن تكون مشكلة الثّقافة أشدّ تعقيدا ممّا نعتقد، فعوائق فهم الأنا الآخر ثقافيّا عوائق متعدّدة كمعنى الكلام، وعدم فهم الأفكار، وعدم فهم رؤية الآخر للعالم، والجهل بالطّقوس والعادات والقيم الملزمة،  والأهمّ من هذا هو عائق ألّا تفهم بنية عقليّة بنية عقليّة مغايرة.

يتمّم هذه المعوقات الخارجيّة عوائق داخليّة كنزعة التّمركز حول الذّات، ونزعة التّمركز حول المجتمع، ونزعة التّمركز حول العرق، والقاسم المشترك يكمن في كون ثقافة ما تموقع ذاتها في مركز العالم، وتعتبر كل ما هو غريب  شيئا ثانويا، لا معنى له، أو على الأقلّ شيئا معاد لها.

إنّ إدراك الأفراد لا يُستمدّ من خبرات ودوافع وتوقّعات كلّ واحد منهم، إنّما يصاغ من القوالب الثّقافيّة القائمة، ويُحدّد من قبل الأوضاع الاجتماعيّة. والثّقافيّة، حيث تمدّ التّنشئة الاجتماعيّة والثّقافيّة كل واحد من أفراد المجتمع  بالإدراك الذّي يقيم عليه نظامه الإدراكيّ.

لا يصدق هذا على الأفراد العادييّن فحسب، إنّما يصدق أيضا على الرّوائيّين. الكلّ يحدّد الجزء، وفي صياغة أخرى “إنّ تصوّر الكلّ يحدّد تصوّر ومفهوم الجزء” لذلك فنحن في وضع يسمح لنا أن نرى أنّ تلك النّزعات التّي تحدّثنا عنها أعلاه تتسرّب إلى الرّوائيّ ومن ثمّ إلى الرّواية.

( 5 )

إنّ تأليف رواية هو فعل متعمّد، فالرّوائي يرغب أن يقرأ القرّاء روايته، ومن هذا المنظور يصعب تحقيق موت المؤلّف. ليس أمرا محايدا أنّ ننسب رواية إلى روائيّ، لذلك فإنّ تحليل أغراض الرّوائيّ في إطار ثقافة معيّنة تسمح بأن يُرجع إلى فرضيّاته ومسلّماته الثّقافيّة، وفي مثل هذه الحالة لا يختفي الرّوائيّ من التّحليل، إنّما يصبح دوره مهمّا من حيث هو مؤلّف الرّواية.

يمكن أنّ نحسّن معالجة الفكرة بأن نضع الرّوائيّ موضع الإخراج المسرحيّ للرّواية، يظهر هذا بوضوح أكثر في الخط الذّي اتبعناه في تفسير طبيعة الرّواية، نعني الرّواية متعدّدة الأصوات.

لا يفهم جزء كبير من الرّواية من الرّواية ذاتها، إنّما يُفهم أيضا من السّياق الثّقافيّ والاجتماعيّ، لذلك لا تكفي قراءة الرّواية، إنّما يجب أن تُقرأ في ضوء تداخلها مع الثّقافة التّي كتبت في إطارها. هكذا إذن يتطلّب الأمر أكثر من مجرّد قراءة، ويصبح  القارئ في حاجة إلى أن يأخذ فكرة عن الثّقافة التّي تنتسب إليها الرّواية، وعن فرضيات الرّوائيّ ومسلّماته الثّقافيّة، ولا بدّ من أن نفهم السّيرورة المعرفيّة للروائيّ من خلال ما يقوله، أو يصمت عنه حينما يقدّم ثقافة الآخر.

يترتّب على هذا أن يكون الرّوائيّ في الرّواية. نعني طريقة في التّفكير، هي الاستعداد لأن ننصت إلى الرّوائيّ وهو يكتب. ففيما هو يؤلّف الرّواية هناك معتقدات  تستحوذ عليه، لذلك فهو يتحمّل مسؤوليّة القيم التّي يحضرها إلى روايته. يفعل ذلك ليس لأنّه يعي ذلك، إنّما لأنّ معتقداته، وأفكاره، وخبراته، وتوقّعاته، ودوافعه، التّي استمدّها من ثقافته تستحوذ عليه.

كأيّ إنسان يعيش في ثقافة، ومتورّط فيها، هناك أصول معرفيّة لكلّ معتقدات الرّوائيّ وأفكاره ودوافعه. شبكة من المسلّمات التّي تشكّل خلفيّته المعرفيّة. حين يتصرّف الرّوائيّ، أو يفكّر، فهو يسلّم بوجود شبكة من الأحكام يمكن أن توصف بأنّها نظريّة، وربّما مجموعة من النّظريات، لكن حين تؤدّي وظيفتها، فليس الرّوائي في حاجة إلى نظريّة، لأنّ مسلّماته تسبق نظريّاته. ومسلّمات الرّوائيّ، ليست تصوّراته وفرضيّاته وآراؤه فحسب، بل ما يمكن أن نسمّيه خلفيّة فكره.

حينما نركز على الرّوائيّ، فنحن نفعل ذلك بحكم الثّقافة التّي ينتمي إليها. يملك رصيدا متراكما من المعارف والأفكار والمفاهيم، تتبلور في ذهنه، وتشكّل استجاباته. وهي أفكار ومفاهيم  يمارسها بكل ثقة، ويؤمن بها من غير أدنى شكّ، ويتقبّلها كحقائق ذات طبيعة فكريّة مطلقة.

ليس المؤلّف الرّوائيّ إذن سيّد نفسه ممّا يجعله مهيّئا لأن يكون معبرا للثّقافة التّي تشرّبها. فالرّوائيّ يحوّل أوجها من خلفيّاته الاجتماعيّة، ومعتقداته وأفكاره، وتخميناته إلى أوجه من اللّغة. يخوض حروبا سريّة، ويرتّب جميع أنواع الجدل في روايته. وهو يعرف على مستوى ما أنّه يفعل هذا، ليتّضح  لنا ما تفعله الأيديولوجيا (أفكار ومعتقدات) في ذهن وخيال وسلوك الرّوائيّ.

من هذه الزاوية، ليست الرّواية فيضا خالصا يفيض عن نظريّة من النّظريّات، وهي في النّهاية نصّ دنيويّ، وتحليل الرّواية ليس تجريدا، إنّما تحليل يتموضع على نحو لا سبيل إلى إنكاره أو مناقشته ضمن ثقافة يؤثر وضعها التّاريخيّ على قدر كبير ممّا يقول الرّوائي، إن لم يكن يحدّد ما يقوله.

إنّ الرّواية عمل فرديّ لروائيّ منشبك في ظروف يسلّم بها الجميع كإقامة الرّوائيّ، وجنسيّته، ومحلّته المألوفة، وأصدقائه. حينئذ تكون المشكلة هي الكيفيّة التّي نربط ونفصل ونجمع بها بين هذه الظّروف وبين الرّواية التّي كتبها، والكيفيّة التّي بها تُقرأ الرّواية وشرطها الدّنيويّ.

ليس الفنّ الذّي تنتسب إليه الرّواية ظاهرة من الظّواهر المعزولة عن غيرها، ولا علاقة له  بمظاهر الفكر الأخرى. فعندما يهبّ الفكر وينشط في عصر ما أو في مرحلة تاريخيّة فإنّه يتحرّك في كافّة الاتجاهات، ولا يمكن لأي فنّ أن ينمو ويتطوّر من غير أن يُدعم بنموّ مماثل في مجالات الفكر، وحقول المعرفة الأخرى. يُسمّى هذا “روح العصر”، ففي زمن معيّن (مرحلة تاريخيّة) يُدفع كلّ الكتّاب والمبدعين نحو وجهة محدّدة وواحدة، مطبوعين بروح واحدة هي “روح العصر”.

هناك قوّة عابرة للفرديّة، فما يتبلور في مظاهر الفكر والفنّ كالفلسفة والشّعر والرّسم والموسيقى والعلم والسّياسة يفرض نفسه على المبدعين الذّين يتركون بصماتهم على روح العصر.

تدفعنا هذه الأفكار الأوليّة عن طبيعة الرّواية، وطبيعة الثّقافة، وطبيعة التّأليف أن نستنتج أنّ وجود الآخر في الرّواية مبرّر بهذه الطّبيعة، فكون الرّواية مكتوبة على الشّكل الذّي يوجد فيه الآخر. يرتبط بالنّموذج الثّقافيّ الموجود سلفا في الثّقافة وفي ثقافة الرّوائيّ الأصليّة.

*******

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين

    يتحرر النصُّ من صاحبه حين يُنشَر، وتمسي العلاقةُ بينهما علاقة قارئ بنصٍّ، ولا يبقى هناك مجالٌ لدفاع المؤلف عن نصه بعد نشره، لأن المؤلف يموت عقب النشر، ويولد إثره القارئ.
    لقد جاهد المؤلف في أثناء تأليفه لنصه في أن يضع فيه فكره، ورؤيته، والآلية الإبداعية التي خلص إليها خلال حياته كلها، ويفترض أن هذه الآلية كامنة في نسيج النص، وعلى الناقد أن يكشف النقاب عنها، ويضعها أمام القارئ ليساعده في التعرف إلى القانون الإبداعي الذي اتكأ عليه الكاتب في صياغة نصه، ومن هنا لم أَجِد مسوَّغاً للناقد الشدوي في قوله: ( إن مؤلف الرواية لا يموت)، ولم أدرك في الواقع السبب الذي جعله يصل إلى استنتاجه هذا مع أن بارت وأنصار نظرية التلقي يأخذون بخلاف ما انتهى إليه .
    فهل يتفضل الأستاذ الشدوي بتوضيح وجهة نظره حول هذه المسألة تحديداً؟

أضف تعليق