“أزمة لبنان والثورة” منذ نصف قرن / محمود الزيباوي

في الشهر الأخير من العام 1968، مع بروز الحركة الطالبية في الخارج كما في الداخل، نشر “ملحق النهار” تحقيقاً مطوّلاً في ثلاث حلقات، حمل عنوان “أزمة لبنان والثورة”. في هذا التحقيق، توجّه إلياس الديري إلى مجموعة من أهل الفكر والعلم والفنون الجميلة بالأسئلة الآتية: “في الأزمة الحاضرة التي تعيشها، ما دورك؟ ما كلمتك؟ هل تعتقد لبنان بحاجة إلى ثورة؟ أي ثورة؟ بأية وسيلة؟ هل تنجح؟ هل أنت مع النظام السياسي والاجتماعي القائم في لبنان؟ لماذا؟ أنت ضدّه؟ لماذا؟ ما البديل؟”.

حملت الحلقة الأولى خمس مداخلات، أولاها من الأكاديمي حسن مشرفية، مؤسس كلية العلوم في الجامعة اللبنانية وعميدُها الأول، وفيها استعاد مسيرته في حقل التعليم منذ العام 1951، وقال إن مساهمته في تطوير لبنان تكمن في “تثقيف شبانه وتحريرهم من الجهل والخوف” ضمن إطار عمله في كلية العلوم، وقد أفلحت هذه الكلية في “الوصول إلى مستوى لائق مشرف في وقت قصير”، “وبرهنت ان إلغاء الطائفية ممكن”، حيث لم يكن للطائفية “أي أثر في انتقاء أستاذ أو إنجاح طالب أو إعطاء منحة”، كما انها “خلقت عند طلابها وعياً في تحسين مشاكل بلدهم يمكنهم من تخطّي أسباب التفرقة”. رأى مشرفية ان لبنان بحاجة إلى “ثورة على الجهل، على التخلّف، على المتاجرة بمشاعر بدائية عند الشعب”، “ثورة تقدّس الخبر الصحيح والرقم الصحيح والعلم الصحيح”. وقال إنه ضد أي حكم ديكتاتوري، وإنه يؤمن “بأن الديمقراطية، على علّاتها، هي أفضل النظم المعروفة”، وهو ينادي بالرجوع إلى وجه الديموقراطية الأصيل، “ديموقراطية لا يبقى فيها مكان للفقر والجهل، ولا تعرف امتيازاً إلا امتياز المعرفة والخدمة الأمينة، ولا تتغاضى عن أسباب التفرقة بين المواطنين”.

المداخلة الثانية حملت توقيع الديبلوماسي شارل مالك، وهي مداخلة طويلة توجّه فيها إلى الشباب مستشهدا بقول المزمور 117: “الاعتصام بالرب خير من الاتكال على البشر، الاعتصام بالرب خير من الاتكال على العظماء”. رأى مالك ان لبنان بحاجة إلى ثورة “هدفها الانسان بكامل حقوقه وواجباته، الحرية الكيانية الشخصية الأصيلة، المسؤولية الحية أمام الضمير وأمام المجتمع وأمام التاريخ وأمام الله، العقل النير المليء الأمين، المحبة الصافية الخلاقة، الانفتاح على الخير والصلاح والسلامة، الخلق المنيع السامي الواثق الموثوق”. وتحدّث عن الثورات التي تثور على نفسها فتأكل نفسها وتنهش نفسها ثم تجد نفسها “منتهية إلى غير ما صوّبت نفسها إليها”، وأكّد ان “كل ثورة سياسية واجتماعية لا ترمي إلى القبض على الحكم هي هراء بهراء”. في الختام، قال مالك إنه مع النظام السياسي والاجتماعي القائم في لبنان وانه ضدّه في آن واحد. فهو “معه بقدر ما يؤمّن الحريات الأساسية، ولا يتعرّض إلى جوهر مؤسسات الشعب المتوارثة في الدين والاجتماع والاقتصاد والتفكير والتعبير والكينونة والاتجاه الحضاري، ويحافظ على التوازن بين مصالح الطبقات والفئات والطوائف”. وهو ضدّه “لأنه مقصّر في تحقيق هذه المتوجّبات”.

المداخلة الثالثة حملت توقيع سعيد عقل، وهي أشبه ببضع خواطر مجرّدة، وفيها قال الشاعر: “لكون نظامنا يقوم مبدئيا على الحرية، أنا معه. ولكن لكونه ليس حراً إلا مبدئياً، يجب تقويضه ليعود كما قصد به ان يكون. تجدّده إلى هذا الحد سيجعله حتما آخر. البديل اذن، نظام حر يقوم على تسريع الزمان على أرض لبنان ومن أرض لبنان. رؤياي لهذا النظام هي ألا يتنازل عن البعد الآخر القائل اننا باقون بعد الموت، وأننا خلقنا لمؤازرة الله في استكمال خلق الكون”.

المداخلة الرابعة مغايرة تماماً، وهي من الأستاذ الجامعي حسن صعب، مستشار لبنان الثقافي في أميركا الشمالية. أكّد صعب ان “لبنان في حاجة ملحة إلى ثورة إنمائية تحديثية”، والأسلوب المفضّل لهذه الثورة هو “التنظيم الذي يحقّق بقوة الفعل المنظّم الخلاق نتائج أفضل من التي يقضي إليها العنف”. وأضاف: “نظامنا السياسي والاجتماعي هو الآن في حالة احتضار، والبديل الأفضل في اعتقادي هو النظام الديمقراطي الاشتراكي وفقا للنموذج الاسكندينافي”.

المداخلة الأخيرة كانت من المسرحي أنطوان ملتقى، الذي رأى أن ليس له في هذه الأزمة أي دور لأنها “مفتعلة وزائفة”. اكتفى الفنان بالحديث عن “الوجود اللبناني كحقيقة إنسانية”، وقال انه قدّم مسرحية تعبّر عن خيبته في العثور على “النظام الذي تتألّق فيه إنسانية الانسان”، وان هذه المسرحية انتهت بغير حل، “لأن الناس فيها كانوا يبحثون عن النظام الضائع الذي لا يجدونه”. واستطرد متسائلا: “هل تنتهي مسرحية لبنان؟”.

حملت الحلقة الثانية من هذا التحقيق سبع مداخلات تمّيزت كذلك باختلافها الكبير في الإجابة عن الأسئلة المطروحة. في المداخلة الأولى، استعرض الأستاذ الجامعي قبلان كيروز أحوال لبنان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وقال: “نحن بحاجة إلى ثورة على أنفسنا قبل كل شيء، والا فنحن أبعد الناس عن الثورة، أي عن التقدّم. من يمكنه أن يحدث الثورة عندنا، أي ان يطوّرنا من شركاء في الوطن إلى مواطنين؟ المدرسة الواحدة وخدمة العلم، وما عداهما فلا أحد يمكنه أن يُحدث ثورة في لبنان”. وأضاف: “أني أومن بأن النظام الرئاسي العلماني هو أفضل نظام للبنان، لأنه نظام تتوضّح فيه المسؤولية بالتمام والكمال، والمهم ان يقتنع به المواطنون وأن يثقوا به”.

في المداخلة الثانية، رأى الناقد الماركسي نزار مروة “ان ما يعيشه لبنان هو تخلّف فعلي في كل ميدان من ميادين حياته، فاستقلال لبنان السياسي لم يسفر عن الدولة القادرة على تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تكونت وتطورت في ظل الانتداب، لأن وصول تحالف البرجوازية والاقطاع إلى السلطة حال دون بناء اقتصاد وطني متجانس يتوجّه أساسا إلى خدمة الشعب، ومنع اجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية في البلد”. اعتبر مروة ان اللبنانيين “في أغلبيتهم يريدون التغيير، وسيقومون به، وسيحتاج ذلك إلى النضال الجماهيري المنظم، كما سيحتاج إلى نبذ التيارات الإصلاحية البرجوازية التي تكتفي بحصر التغيير في إطار النظام القائم”.

في المداخلة الثالثة، ربط الشاعر يوسف الخال بين الأزمة التي يعيشها لبنان وأزمة الحياة المعاصرة، واعتبر ان النظام يدافع عن نفسه بحشد كل قوى مؤسساته، مكتفيا بإجراء تعديل هنا وتعديل هناك، “دون أن يضعف أو يزول”. أشار الخال إلى “رواسب الروح القبلية والاقطاعية والطائفية في المجتمع اللبناني الحاضر، وما ينجم عن هذه الرواسب من اضطراب في ميزان المساواة في تطبيق القانون، ومن لا عدالة في توزيع الثروة وتوافر الفرص أمام الجميع، ومن هدر للمواهب والكفاءات”. وقال في الختام: “عندما تنضج الثورة في وجدان الشعب، في نفوس المواطنين وعقولهم، عندئذ يصبح التجدد والتغيير من طبيعة الأشياء”.

في المداخلة الرابعة، رأى الشاعر والمؤلف الموسيقي عاصي رحباني أن لبنان بحاجة إلى ثورة، “وهو مقسوم فعلا قسمين، والقسمان ليسا مسيحيا واسلاميا، إنما هناك فريق خيّر وفريق سيئ”، والمطلوب أن يتكلّم الفريق الخيّر بجرأة، وألا يعود منزويا. وأكّد رحباني أنه ضد النظام القائم في لبنان، “لأنّه نظام مانع، متوقّف، ومتخلّف عن أهل لبنان وعن بقية مؤسّساته”. وأضاف: “يجب أن يحكم لبنان أفضل أبنائه، من أية طائفة كانوا”.

في المداخلة الخامسة، اكتفى المسرحي منير أبو دبس بالدعوة إلى النزول إلى الجذور، والجذور بحسب قوله “هي في الشعب، والتغيير اذن، يجب ان يحدث في الشعب، والحكم صورة للشعب”. كذلك اكتفى الشاعر فؤاد رفقة بالدعوة إلى “الهجرة إلى الأرض والالتحام بها حتّى التصوّف”. وعبّر الفنان رفيق شرف عن يأسه بقوله: “ما عدت أثق بأحد، حتى بأولئك الصارخين دفاعا عن حقوقي”.

في الحلقة الأخيرة من هذا التحقيق المطوّل، تحدّث المفكر المسيحي رينه حبشي، وقال: “دوري في هذه الأزمة؟ الاستياء. منذ سنوات لم أعد أومن بتأثير الفكر في هذا البلد، هذا البلد آخذ في خيانة رسالة لبنان”. رأى حبشي أن “كلمتي تطور وثورة فقدتا معناهما”، وأكّد ان المسيحية التي يؤمن بها “مسيحية ثورية”. في المقابل، تحدّثت الأستاذة الجامعية نور سلمان عن الثورة، وأكدت حاجة لبنان إليها، “وقالت ان الحديث عن الثورة مطرب لكنه غير الثورة، والمتغزّل بالثورة قد لا يكون ثائراً”، والمطلوب “قبل الثورة، أخلاقية الثورة ومدرستها وفدائيتها”. من جهته، طالب الشاعر جوزف صايغ بـ”دكتاتورية نيّرة تمنح لبنان هوية لبنانية”، و”تعلمن الدولة”، و”تعصرنها”. كذلك رأى الفنان التشكيلي منير نجم ان الأزمة “وليدة حالة مزمنة يعيشها لبنان منذ ان أصبحت الطائفية قاعدة للحكم في التمثيل البرلماني وفي الوظائف العامة”، ودعا إلى “نظام ديمقراطي صحيح يقوم على أساس علمنة الدولة وهندسة الإنسان المعاصر”.

خمسون عامًا مرّت على هذا الملفّ الطليعيّ الرؤيوي الذي نشره “ملحق النهار”، حول الثورة وضروراتها وموجبات نجاحها، وقدرتها على التغيير. في ضوء الانتفاضة الثوريّة التي تعمّ لبنان حالياً، من جنوبه إلى شماله ومن بقاعه إلى جبله، وخصوصاً في عاصمته، كم يبدو هذا الملفّ راهناً وآنيّاً، وكم تبدو المواضيع التي أثارها “الملحق” في الشهر الاخير من العام 1968 صالحةً ليُعاد نشرها الآن كما لو أنها بنت ساعتها، أو… كما لو أن شيئاً لم يتغيّر في لبنان!

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق