الفكاهة ولكن ليس الإذلال: العثور على بقعة لطيفة في حلّ النّزاع اللاّعنفي

بقلم: مايكل ناجلر و كارين ريد

وقف خمسة أو ستّة رجال فوقي وهم يصرخون بينما أنا جالسة على كرسي في وزارة الدّاخلية في سان سلفادور في عام 1989.

وقد كنت هناك لتجديد تأشيرتي كعضو في منظمة (PBI) “برنامج مكافحة الإرهاب“،وهي منظّمة غير حكوميّة تقدّم الحماية اللاّزمة“للمعلّمين، النّقابيين، الطلّاب، القادة الأهليين، العاملين في الكنيسة وغيرهم من النّاشطين وذلك عندما يواجهون تهديدات بالعنف.

كنت على وشك البكاء، بسبب قصص الرّعب الّتي في ذهني عن الأشخاص الّذين تمّ احتجازهم أو ترحيلهم أو “اختفائهم” بعد زياراتهم للوزارة.

لكنّني كنت أعيش مع السلفادوريين والغواتيماليين واستلهمت منهم، هؤلاء الّذين وجدوا طرقًا عديدة للتّصرف بشكل خلاّق ولاعنفي حتّى تحت الضّغط.

واضطررت لتجربة شيء مّا.

“قلت: لا أنا لست إرهابية، أنا بهلوان”.

فكان ردّ فعل أولئك الرّجال وبمزيد من التّهكم:

“هل تصدّق هؤلاء الأجانب، كم هم كاذبون؟ هذه المرأة تقول أنّها مهرّج “.

حاولت أن أكون هادئة قدر استطاعتي، ووضعت على الطّاولة صورة لي وأنا على هيئة مهرّج، وسحبت بالونًا بشكل حيوان احتفظت به في حقيبتي. وفيما أنا أنفخه، بدأت أشعر بالتّوتر يسود الغرفة. وتلاشت الصيّحات والهتافات.

في الوقت الّذي كان ظهر فيه البالون على شكل كلب، كان الجوّ قد تحوّل. سأل أحد المحقّقين:هل يمكنني الحصول على واحدة خضراء؟، هل تصنعين الأرانب؟ فأخرجت بالوناتي الـ 143 الّتي أحضرتهم معي.

لقد ذهلت، حيث أنّ التّحول كان سريعا للغاية ومطلقا للغاية. وحصلت على تأشيرتي! وخلال هذه العمليّة تعلمت درسًا مهمّا عن دور الفكاهة في حالات العنف المحتمل.

يمكن أن تكون الفكاهة فعّالة للغاية في إقامة علاقة إنسانيّة بين أطراف النّزاع، وبالتّالي إيقاف فتيل النّزاع نفسه، على الرّغم من أنّه قد يكون من الصّعب للغاية استحضارها في وقت الضّغط.

في الحقيقة، تمثّل الفكاهة إستراتيجيّة قديمة في مخزون اللاّعنف. ولكن مثل أيّ إستراتيجيّة يجب أن يتمّ تطبيقها بشكل مناسب. وهذا يعني الكشف عن غباء أو حماقة ما يفعله شخص مّا دون السّخرية من الشّخص أو المجموعة الّتي ينتمون إليها: فكاهة ولكن ليس إذلالًا. إنّه خط رفيع للمضي قدمًا.

بصرف النّظر عن آثارها على الخصوم، فإنّ الفكاهة هي أيضًا طريقة رائعة لتخفيف التّوترات عند النّاشطين أنفسهم. قال المهاتما غاندي ذات مرّة إنّه لو لم يكن هناك حسّ النّكتة، لكان قد فقد السّيطرة على نفسه منذ زمن بعيد في مواجهة هذا التّنافر والكراهية.

من ناحية أخرى، الفكاهة لها جانب مظلم، ويمكن بسهولة أن تأتي بنتائج عكسية.

لنأخذ مثالًا حديثًا، أثار شخص مّا في مجتمع النّاشطين الأمريكيين فكرة رائعة لإعادة تسمية الجنرال  -ديفيد بترايوس باسم David Petraeus أي الجنرال الشّبح”General BetrayUs” الّذي كان في ذلك الوقت قائد القيادة المركزيّة الأمريكيةّ في أفغانستان.

ربّما تكون هذه طرفه جيّدة، لكنّها كانت تُعتبر على نطاق واسع إهانة شخصيّة حيث أنّها لم تفعل شيئًا لبناء الحركة المناهضة للحرب في الولايات المتحدة الأمريكيّة.

وهناك محاولة مماثلة قبل عقود لتشبيه الجنرال ويليام ويستمورلاند_William Westmorelan بـ “WasteMoreLand” لم تؤدّ إلى نتائج عكسيّة سيّئة، لكنّها لم تحقق أي فائدة ملحوظة في تعزيز الدّعم الشّعبي للنّضال ضدّ الحرب في فيتنام.

توضّح هذه الأمثلة قاعدة مهمّة يجب أن توضع في عين الاعتبار عند الاستناد على قوّة الفكاهة لحلّ التّوترات في أيّ نزاع غير عنيف: تذكر أنّك لست ضدّ صالح الشّخص أو الأشخاص الّذين تعارضهم.

لا يوجد صراع لا يمكن حلّه بطريقة تعود بالفائدة على جميع الأطراف بشكل أو بآخر، لذلك لا يخدمنا أي شيء يؤدّي إلى العزلة.

الإذلال هو الطريقة الأكثر فاعليّة في تنفير أي شخص، وهي حقيقة ينساها النّشطاء أحيانًا. حيث يتمّ تقديم المنفعة للجميع عندما يمكن تحريك النّزاع نحو الهدف النّهائي وهو المصالحة. هذا ليس مجردّ مبدأ أخلاقي؛ إنّه أساس، بالمعنى العملي.

كما قال أبراهام لنكولن ذات مرّة: “إنّ أفضل طريقة لتدمير عدو هي أن تجعله صديقًا”.

تنطبق هذه القاعدة حتّى عندما نضحك على أنفسنا. بالطّبع، حيث أنّه من المفيد دائمًا ألاّ يأخذ المرء نفسه على محمل الجدّ، لكن الفكاهة الموجهة ذاتيًا يجب أن تستهدف نفس الاعتبارات – أي أن نضحك على شيء فعلناه أو قلناه، وليس على من نحن أو على ما نحن عليه. في اللاّعنف، لا ينبغي لنا أن نقبل الإذلال أكثر ممّا يجب أن نتخلّص منه.

سواء كنّا نحن أو غيرنا الهدف، فإنّ المفتاح هو السّخرية من السّلوك أو المواقف الّتي تسبب المشاكل، وليس الهدف هو السّخرية من الشّخص.

حيث أنّ هذا يسمح للخصوم بوضع مسافة ما بينهم وبين ما يفكرّون فيه أو يفعلونه – للتّخفيف من دمج أنفسهم مع المشاعر المدمّرة والأفعال كأنّها جزء لا يتجزأ من هويّتهم وبالتّالي البدء في التّخلي عنها.

عندما نتمكّن من استخدام السّخرية بمهارة، فنكون عندها في وضع جيّد لتطبيق هذه القاعدة الأساسيّة في المواقف الغير مضحكة بتاتا. في نفس العام الّذي قمت فيه بزيارتي لوزارة الدّاخليّة، اعتُقلت وسجنت لفترة قصيرة في السلفادور.

في الوقت الّذي تمّ إلقاء القبض عليّ، كنت في مركز الكنيسة للاجئين، في محاولة لحماية سلامة اللاّجئين السلفادوريين وعمّال الكنيسة الّذين كانوا في الدّاخل.

قام الجيش السلفادوري بغزو المركز وتفريق اللاّجئين واحتجاز العاملين وأخذوني أنا وأربعة عاملين آخرين في مكتب التّحقيقات الاتّحادي إلى سجن شرطة الماليّة.

كنت معصوبة العينين ومكبّلة اليدين حيث تمّ إستجوابي، وبقيت واقفةً دون طعام أو ماء، وهدّدت بالاغتصاب والتّشويه.

كان هذا مركز تعذيب. هذا كلّ ما أعرفه. كان لديّ أصدقاء سلفادوريون تعرّضوا للتّعذيب في هذا السّجن، وكنت أسمع أصوات التّعذيب من حولي. ومن تحت عصبة عيني رأيت النّاس بنظرة خاطفة، محطّمين، مستلّقين على الأرض. وعلمت أيضًا أنّ الكثير من النّاس يشاهدون ما كان يحدث لي. قامت PBI “برنامج مكافحة الإرهاب “بتنشيط شجرة الهاتف“phone tree” الّتي من خلالها يمارس النّاس الضّغط على السّلطات السلفادوريّة وعلى حكومتي في كندا باستخدام المكالمات الهاتفيّة والفاكسات.

سمعت فيما بعد أنّ رئيس السلفادور قد اتّصل بالسّجن مرتين في ذلك اليوم. ومع تصاعد الضّغط، تراجع الحراس، ثمّ قالوا إنّهم سيفرجون عنّي.

قلت: لا.”

لقد سجنت مع مارسيلا رودريغيز دياز، زميلة كولومبيّة، وحياتي في أمريكا الشماليّة كانت مقدرة أكثر من حياتها، لذلك رفضت مغادرة السّجن دونها. بدلاً من ذلك، تمّ إعادة سجني ومكثت حتّى يتمّ إطلاق سراحنا.

فأجابني الحرّاس وهم يطرحون أسئلة لاتخلو من التّلميحات الجنسيّة: هل افتقدتنا؟ هل تريديننا؟

أجبت: “لا … بالطّبع لا أريد أن أكون هنا، لكنكّم جنود وتعرفون ما هو التّضامن.

أنتم تعلمون أنّه إذا سقط الرّفيق في المعركة، لا نتركه، ولا يمكنني ترك صديقتي، ليس الآن، وليس هنا. أظنّ أنّكم تفهمون ما أقول.”

بعد كلّ هذا لا أعرف ما هو الرّد الّذي اعتقدت أنّني سأحصل عليه. فقد كنت أتحدّث مع مجموعة من المعذِبين.

ومع ذلك، علمت أنّه وبمثل وضع هؤلاء الحرّاس ذلك الّذي أطلق عليه مارتن لوثر كنج “عمل المعضلة”” dilemma action”

كان لديّ بعض الأمل في تغيير سلوكهم حيث أنّه إذا اتّفقوا معي فسيتعين عليهم الاعتراف ضمناً بإنسانيتنا المشتركة، وإذا اختلفوا فسيظهرون – حتّى لأنفسهم – أنّهم غير إنسانيين.

صمت الحراس. ثمّ بعد فترة طويلة قال أحدهم: “نعم … نحن نعرف لماذا أنت هنا”.

من تلك النّقطة، استمرّ حراس آخرون في القدوم من جميع أنحاء السّجن، يبحثون عن الإثنين الّذين سمعوا عنهم، “اللّذان لا ينفصلان”.

مثلما حدث في الوزارة، وجدت صلة – مساحة مشتركة للإنسانيّة – يمكن فيها مواجهة تهديد العنف دون تنفير المعنيين.

إنّ إيمائي الصّغير بالعودة إلى السّجن من أجل صديقتي، بالإضافة إلى المكالمات الهاتفيّة والرّسائل الأخرى الّتي أرسلها مؤيدو برنامج مكافحة الإرهاب حول العالم إلى الحكومة السلفادوريّة نيابة عنّا، أدّت في النّهاية إلى إطلاق سراحنا المشترك.

ولنكن واضحين: ليس هناك ما يضمن أنّ مثل هذه الإجراءات سيكون لها التّأثير المطلوب.

لا يمكن لأحد أن يتنبأ على وجه اليقين بأنّ الخصم سيكون غير متحيّز بما فيه الكفاية للنّظر أو الضّحك على نفسه دون أن يشعر أنّه سلوك ينفرد به، لكن لا يمكننا تجاهل روح الدعابة لمجرد أنها لا تعمل دائمًا.

في الواقع، هناك شعور بأنّ الفكاهة، عند استخدامها في الأجواء الصّحيحة، فإنّها تعمل دائمًا، بمعنى أنّها تضع دائمًا النازعات في سياق أكبر، وتضفي طابعًا إنسانيًا على أقسى المواقف. حتّى إذا لم تكن الآثار مرئيّة على الفور، لكن الفكاهة تغير الأشياء للأفضل.

*****

المصدر:

المقال منشور على موقع OpenDemocrace في 7 مايو 2014.

https://www.opendemocracy.net/en/transformation/humor-but-not-humiliation-finding-sweet-spot-in-nonviolent-/

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق