“ستون عامًا من الخداع”.. كل هذه الأغلاط والافتراءات / صقر أبو فخر

التاريخ، في أحد تعريفاته، هو علم البحث في الماضي، حتى لو كان ذلك الماضي قريبًا جدًا؛ أي أنه علم إنساني، وميدانه البشر، وطرائقه البحث والتقصّي والمقابلة والتحقق ولفظ السقيم من المعلومات والاستناد إلى الصحيح منها. والتاريخ واحد من ميادين المعرفة، غير أن هذا الميدان مرتبطٌ بالأهواء السياسية للمؤرّخ؛ تلك الأهواء التي يمكن اكتشافها بسهولةٍ في ما لو أخضعنا النص التاريخي لقواعد البحث العلمي ومنهجياته الحديثة. وقواعد البحث العلمي تفرض، بدهيًا، أن يتحلّى أي عمل تأريخي بستة من الأصول: الموضوعية، أي عدم تحريف الوقائع بالحذف أو الإضافة. والحياد، أي عدم التحيّز وعدم الميل إلى تفضيل أحد أطراف الميدان على طرف آخر. ثم عدم تشويه المعلومات بالإخفاء أو بإخفاء عناصر مهمة من الواقعة، أو إهمال تفصيلٍ مهم من تفصيلات الحدث أو خلفياته. وكذلك العدالة، أي معاملة جميع الأطراف بالتساوي، الأمر الذي يتيح لكل طرف عرض وجهة نظره بأكملها وبكل دقة. والأمانة، أي التصوير الصحيح للحوادث. وأخيراً الدقة وعدم التضليل. والحقيقة الناقصة، ولو قليلاً، تصبح كذبةً كبيرة جداً إذا استُعملت في التوصل إلى استنتاجاتٍ قاطعة. وبهذه الرؤية سأقرأ كتاب محمد سعيد دلبح الموسوم بعنوان “ستون عاماً من الخداع: حركة فتح من مشروع الزعيم إلى مشروع التصفية” (بيروت: دار الفارابي، 2019، 518 صفحة). وهو عن حركة فتح منذ البدايات التأسيسية حتى أيامنا القريبة، ويروي تقلّباتها السياسية وتحولاتها التنظيمية، ويسرد قصة الانشقاق الذي وقع في 9/5/1983، والذي انتهى إلى مصائر وخيمة.
في المراجع
معظم مراجع الكتاب غير مقبولة علميًا، مثل كتاب عبد الرحمن غنيم “ثلاثون عامًا من العبث”، وكتابات هاشم علي محسن “التعميم الأول للانتفاضة”، وغازي حسين “من التوريط إلى التفريط”، و “ياسر عرفات والحل الصهيوني لقضية فلسطين”، وعبد القادر ياسين “أزمة فتح: جذورها، أبعادها، مستقبلها”، علاوة على مجلتي فلسطين المسلمة وفلسطين الثورة الناطقة باسم جماعة صبري البنا (أبو نضال)، ومنشورات حركة فتح – الانتفاضة. وهذه المراجع أودت بالموضوعية والحيادية المطلوبتين في أي دراسةٍ علميةٍ متينة، وصار حالها كمن يكتب دراسةً عن الحرب الأهلية اللبنانية مثلًا معتمدًا على صحيفة العمل، الكتائبية أو رصيفتها الأحرار، الشمعونية، أو منشورات حزب حراس الأرز. فماذا ستكون النتيجة في تلك الحال؟ بيد أن الكاتب لم يكتفِ بالمراجع هذه وحدها، بل استعمل مراجع مقبولة، مثل كتاب صلاح خلف “فلسطيني بلا هوية”، ومحمود الناطور “حركة فتح: بين المقاومة والاغتيالات”، ومحمد سعيد المسحال “ضياع شعب”، ونبيل شعث “حياتي من النكبة إلى الثورة”، وأنيس صايغ “المذكرات”، ونزيه أبو نضال “من أوراق ثورة مغدورة” (على الرغم من الأغلاط التي لا تُغتفر الواردة في الهوامش)، ومحمد أبو ميزر “الأزمة والحل”. ولكنه استخدم تلك المراجع المقبولة ليقتنص منها ما يوافق هواه، وترك كل ما فيها مما لا يلائم أغراضه، وهذا أمرٌ غير مقبول منهجيًا. وللتذكير “معظم مراجع الكتاب غيرمقبولة علميًا”فحسب، لماذا لم يستخدم مراجع إضافية شديدة الأهمية، ولا يمكن الاستغناء عنها، على تفاوتها المعرفي، في أي بحثٍ جادٍّ أمثال: “تغريبة بني فتح” (وليم نصار)، “حياة غير آمنة” (شفيق الغبرا)، “شهادات من تاريخ الثورة الفلسطينية” (إعداد: يحيى يخلف)، “صفحات مشرقة من تاريخ الثورة الفلسطينية” (محمود عباس)، “حركة فتح: من العاصفة إلى كتائب الأقصى” (علي بدوان ونبيل السهلي)، “الوطن الممنوع” (فاروق القدومي)، “سنوات الأمل” (مروان كنفاني)، “تبغ وزيتون” (معين الطاهر)، “مذكرات مناضل فلسطيني” (زيد وهبي)، “رحلة لم تكتمل” (محمد يوسف – أبو علاء منصور)، “رحلة في الرحيل” (إلياس شوفاني)، “سنوات مع ياسر عرفات” (أحمد عبد الرحمن)؟ ولماذا أغفل المصادر التالية: “ذاكرة وطنية (حكم بلعاوي)، “معركة الكرامة” (معن أبو نوار)، “معركة الكرامة الخالدة” (توفيق أبو بكر)، “الثورة الفلسطينية في لبنان” (عز الدين المناصرة)، “ياسر عرفات: من مقاتل إلى دكتاتور” (سعيد أبو الريش – بالانكليزية)، “من فتح إلى حماس: البدايات الاخوانية والنهايات الوطنية” (سعود المولى)، “بندقية للإيجار” (باتريك سيل)، “عرفات الذي لا يُقهر” (أمنون كابليوك – ثمة إشارة عابرة إليه)، “الفلسطينيون شعبًا” (كزافيه بارون)، “المقاومة الفلسطينية” (جيرار شاليان)؟ والعجيب أن الكاتب أغفل “الموسوعة الفلسطينية” وسلسلة الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية وسلسة الوثائق الفلسطينية (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، فضلًا عن مقرّرات المجلس الوطني الفلسطيني 1964-1974 (راشد حميد)، و”اليوميات الفلسطينية” (مركز الأبحاث)، وهذا أمرٌ قلما حدث في أي دراسةٍ عن فلسطين ذات تقديرٍ مقبول.
روايات بلا مصادر
يقول الكاتب إن بنك إنترا كان له خمسة وزراء في مجلس الوزراء اللبناني، وكان ثلث نواب المجلس، أي 33 نائباً، يقصدون البنك في نهاية كل شهر ليقبضوا المال (ص 29). ربما كان هذا الخبر صحيحًا، لكن أين المصدر؟ سأقول إن المصدر هو كتاب كمال ديب، “امبراطورية بيدس وحيتان المال في لبنان” (بيروت: دار النهار، 2014، ص 353) نقلًا عن هالة الحمصي في مقالةٍ لها في ملحق صحيفة النهار (17/11/2004). ولكن الكاتب أضاف إلى ذلك قصة الثلاثة والثلاثين نائبًا، وفي الحالين لم يذكر مصدره. ويخبرنا الكاتب إن رجل الأعمال والسياسي الفلسطيني، حكمت المصري، خاطب ياسر عرفات، في أحد اللقاءات في عمّان، بالقول: “إسمع يا أبو عمار. هناك شائعات عن اتصالات ومفاوضات بينكم وبين الإسرائيليين (…). أقول لك وأمام الجميع: إذا عُدتَ إلينا على ظهر دبابة منتصرًا فسوف نبايعك جميعًا. أما إذا عُدتَ إلى البلاد بالمفاوضات فنحن أقدر وأدرى منك على مفاوضة هؤلاء “المحتلين” (ص 38). حسنًا، أين المصدر؟ ويقول صديقنا محمد سعيد دلبح: “ظلت قيادة الاخوان المسلمين مشرفةً بشكل كامل على حركة فتح بوجود ثلاثة أعضاء تعينهم بنفسها” (ص 53). وبالطبع لا مصدر لهذه الأغلوطة. وحسنًا فعل الكاتب عندما وصف كلام عبد الرحمن غنيم بالخيال، حين ادّعى الأخير أن لجنةً مركزية عليا من سبعة أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين كانت تشرف على “فتح”، وهم: سعيد رمضان، كامل الشريف، عبد المنعم عبد الرؤوف، ياسر عرفات، خليل الوزير، الحاج أمين الحسيني وشخصية نفطية عربية (ص 74). هذا ليس خيالًا، بل خُبال. والمؤلف كرّر بلا تحفظ ما قاله غنيم الذي هو خيالٌ بخبال. ويستخدم الكاتب ما جاء في مذكرةٍ كتبها عادل عبد الكريم إلى صديقه أحمد محمود السعدي، ورسالة شخصية أخرى كتبها توفيق شديد إلى عادل عبد الكريم (ص57 و58). وفي الحالين أين هو المصدر؟ ويقول إن أول أسير لحركة فتح، وهو محمود بكر حجازي، وقع أسيرًا لأن بندقيته كانت صدئة ولم تنفعه (ص 106). وحتى لو كانت هذه الحكاية صحيحة، فأين مصدره؟ ولا يتورّع الكاتب عن رواية إحدى حكايات النميمة، وما أكثرها في الوسط الفلسطيني، عن أن صلاح خلف (أبو إياد) صاح في وجه عرفات في أحد الاجتماعات في تونس قائلًا له: “يا ابن الشر.. جريمتي التاريخية أنني أعلنتُك ناطقًا باسم فتح وجعلتُ منك زعيمًا” (ص 126). وهذه الرواية سقيمة ومبتذلة، فوق أنها غير صحيحة لمن يعرف حدود الاختلاف والاتفاق بين عرفات وصلاح خلف. وفي أي حال: أين هو المصدر الذي استقى منه هذه النميمية البائسة؟ ويقول أيضًا: ساعدت حركة فتح النظام الأردني في تصفية حزب التحرير الاسلامي في تشرين الأول/ أكتوبر 1969. .. أين المصدر؟ لا مصدر بالطبع ولا مَن يصدّرون! ويتحدّث، بكلامٍ مرسل، عن أن رئيس محطة الاستخبارات الأميركية في تونس، وايتلي برونر، جنّد محمد دحلان وجبريل الرجوب وفرضهما على رأس فرعي الأمن الوقائي في غزة والضفة الغربية في اجتماع عُقد في روما بين وفد اسرائيلي ووفد فلسطيني قوامه رمزي خوري ومصطفى عيسى اللفتاوي (أبو فراس)، قبيل دخول ياسر عرفات إلى غزة في سنة 1993 (ص 439 و440). طيب، سنجاريك في هذه المعلومات الاستخبارية التي تُصنّف في العادة سرّية جدًا، فمن أين حصلتَ عليها؟ وما هو المصدر؟ بالطبع، ينسب الكاتب هذه الخبرية إلى حديثٍ مع وايتلي ومع السفير الأميركي الأسبق لدى تونس روبرت بيلترو. أين هو نص ذلك الحديث؟ وأين نشر؟ أم أنك أجريتَ بنفسك ذلك الحديث؟ لا مصدر بالطبع.

مقاتلون فلسطينيون يغادرون بيروت (22/8/1982/ فرانس برس)
وأسوأ من ذلك هو التلاعب بالمصادر، فيقول إن خليل الوزير (أبو جهاد) سعى إلى نشر “وثيقة البدايات” في ربيع عام 1986، وقد أغفل ذكر إسم ياسر عرفات، وأنكر حضوره الاجتماع التأسيسي لحركة فتح. ولكن عرفات منع نشر تلك الوثيقة، الأمر الذي دفع أبو جهاد إلى إنزال إسم ياسر عرفات بدلًا من عبد الله الدنان (ص 68 و69). أولًا، لا مصدر لهذه الحكاية في أي مرجعٍ متينٍ غير نمائم الجلسات الفلسطينية. ثانيًا، إن مقدمة تلك الوثيقة التي وقعتها هيئة تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 104، خريف 2015) لا تقول هذا الكلام على الإطلاق، بل هي رجّحت، وهذا مجرّد اجتهاد، أن أبو جهاد سحب كراس “الوثيقة” من التداول، وأتلف معظم النسخ، لأنه حرص على عدم إغضاب أبو عمار وأبو إياد، لأن رواية أبو جهاد مقصورةٌ على البدايات في غزة فحسب، أي على مجموعة سنة 1954، قبل لقائه ياسر عرفات في القاهرة في 1955. ورواية “البدايات” لأبو جهاد لا تشير بالطبع إلى صلاح خلف لانتفاء المعرفة. ونقلاً عن انتصار الوزير (زوجة أبو جهاد) عمد أبو جهاد إلى كتابة مقدّمةٍ جديدة للكرّاس، كي يتفادى الثغرات. ولكن تلك المقدمة ضاعت في انقلاب حركة حماس في غزة، وفي أثناء العبث الحمساوي بمقتنيات منزل أبو جهاد. إذاً، من أين جاء بتلك الرواية المزوّرة عن “وثيقة البدايات” المنشورة في مجلة الدراسات الفلسطينية؟ مَن يراجع الوثيقة في المجلة يقرأ روايةً مختلفةً تمامًا عمّا ذكره الكاتب، ولا سيما حكاية إنزال اسم ياسر عرفات بدلًا من عبد الله الدنان.
وعلى هذا المنوال، يعجّ الكتاب بمعلوماتٍ منسوبةٍ إلى أشخاصٍ من دون أي ذكر للمصادر. مثل الكلام المنسوب إلى كامل الشريف (الإخواني القديم والوزير الأردني لاحقا) عن ارتيابه بعلاقات ياسر عرفات (ص 54)، والكلام المنسوب إلى خالد الحسن، وهو أحد مؤسسي حركة فتح، إن الحركة أُسّست لمعاكسة المد القومي العربي (ص 58)، والكلام المنقول عن ناطق باسم اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية (ص 148)، وذلك كله من دون إسناد النص إلى مصدره، وهو استهانةٌ بالكتابة العلمية. وفي الكتاب أمثال ذلك كثير مما لا يمكن إحصاؤه على غرار: “قال بعضهم” (ص 45)، و “يروي عطالله عطاالله” (ص 107)، و”اعتبر البعض” (ص 122)، و”ما كان يُقال ويُعتقد” (ص 136)، و”ذكرت التقارير” (ص147)، و”ما أكّدته مصادر رسمية أميركية” (ص 242)، و”تشير جميع المصادر والتصريحات (ص 263). أما ما هي تلك المصادر والتقارير والتصريحات؟ ومَن هم هؤلاء “البعض” الذين قالوا وحدّثوا؟ ومن أين استقى الكاتب هذا الفيض من الأقاويل والأغاليط؟ فالعلم بها مخبوءٌ ومستور. فقصة تأسيس حركة فتح، وهي محتوى هذا الكتاب من بابه إلى محرابه، كلها رواياتٌ من عيار قيل وقالوا. فـ “منهم مَن يقول” (ص 43)، “فيما آخرون يقولون” (ص 44)، بينما “تؤكّد مصادر عديدة” (ص 44)، و”راجت أقاويل” (ص437 ) … وهكذا على هذا المنوال والغرار.
زعموا أن
كنا اعتقدنا، منذ زمن طويل، أن قواعد الجَرح والتعديل ما عادت مقصورةً على الأحاديث النبوية وحدها، بل امتدّت لتشمل جميع النقول غير المرفوعة إلى سندٍ متين. لكن كتاب “ستون عاما من الخداع ..” يطيح أبسط هذه القواعد، ويتجرّأ على الحقيقة بقوله: هناك رواية أخرى تشتبه بأن ياسر عرفات ضالعٌ في مؤامرة اغتيال يوسف عرابي (ص 120). من أين استقى الكاتب تلك الرواية الهذيانية؟ لقد استقاها من عبد الرحمن غنيم في كتابه “ثلاثون عامًا من العبث”. والحقيقة أن معظم ما ورد في هذا الكتاب هو عبث، ولا يمكن الاستشهاد به ألبتة. وأمثال هذه الاستشهادات، وهي كثيرة جدًا، خرّقت كتاب محمد سعيد دلبح، وجعلته مهلهلًا، ولا يمكن الركون إليه علميًا. أما قصة مقتل الضابط الفلسطيني البعثي في الجيش السوري، يوسف عرابي، فهي على النحو التالي: كان عبد الكريم العكلوك وزكريا عبد الرحيم ومحمد حشمة ووليد أبو شعبان (الذي كان اختطفه يوسف عرابي ورماه في منطقة ميسلون بعد إطلاق النار بين رجليه) موجودين في مكتب “فتح” المجاور لمدرسة الفرنسيسكان (دار السلام حاليًا) في دمشق، فدخل عليهم يوسف عرابي، ومعه الملازم الأول عدنان العالم، وهو ضابط فلسطيني في الجيش السوري. وتلاسن عُرابي مع بعض الحاضرين في شأن الأسلحة التي وصلت من الجزائر، فأخرج مسدسه وأطلق النار فأصاب محمد حشمة. وعندما سمع عبد المجيد الزغموت صوت الرصاص، وكان في تلك اللحظة في غرفةٍ مجاورة، تناول رشاشه وأطلق النار فقتل يوسف عرابي، دفاعًا عن النفس (وفي رواية أخرى أنه هو الذي أصاب محمد حشمة خطأ). وعلى الفور، حضر رئيس الأمن السياسي في وزارة الداخلية، النقيب منيب المجذوب، وهو فلسطيني، واصطحب معه زكريا عبد الرحيم (أبو يحيى) والعكلوك وعدنان العالم إلى التوقيف، باعتبارهم شهودًا على الحادثة، ثم لم يلبث أن أُطلق عدنان العالم. وفي مساء 18/5/1966 جاءوا بياسر عرفات وأبو جهاد وأبو صبري ومختار بعباع. وفي اليوم التالي، تُرك أبو جهاد، لكن عرفات أقام في السجن أربعين يومًا، ثم أُطلق بعد أن أنهت لجنة التحقيق العسكرية مهماتها، وكانت برئاسة المقدّم ناجي جميل يساعده الرائد الفلسطيني محمود عزام الذي صار في ما بعد رئيسًا لأركان سلاح الطيران السوري. وهذه هي رواية زكريا عبد الرحيم (راجع: صحيفة الحياة 29/11/2004)، وهي تكاد تطابق نص الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية برئاسة المقدّم مصطفى طلاس، وعضوية الرائد رئيف علواني، والرائد رفيق حلاوة، والنقيب موسى العلي والنقيب خالد بدوي (أنظر: هاشم عثمان، المحاكمات السياسية في سورية، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2004).
منذ بداية كتابه، يستخدم محمد دلبح عباراتٍ غير جائزة في ميدان البحث والتأريخ، مثل قوله إن حركة فتح “ادّعت ولا تزال تدّعي أن لها شرف الأسبقية في الكفاح لتحرير فلسطين (…) فيما كل الدلائل تشير إلى زيف هذا الادعاء” (ص 11)، وهو يشير بذلك إما إلى حركة القوميين العرب، أو إلى جبهة التحرير الفلسطينية. والحقيقة أن العملية التي استشهد فيها خالد الحاج أبو عيشة (خالد محمد الطاهر) على أيدي القوات الأردنية في 2/11/1964 كانت استطلاعية لحركة القوميين العرب، من طراز التحرّكات التمهيدية التي كانت تقوم بها بجدارة الكتيبة 68 – استطلاع في الجيش السوري، ومعظم أعضائها من عشيرتي الهيب والتلاوية ومن فلسطينيي طبرية وصفد وبعض نواحي الجليل. وحتى العملية الثانية التي استشهد فيها رفيق عسّاف ومحمد اليماني وسعيد عبد سعيد جاءت بعد سنتين (18/10/1966)، ولم تقع، على الاطلاق، في سياق حرب الفدائيين والكفاح المسلح الذي لم ينطلق إلا على أيدي مقاتلي فتح في 1/1/1965.
يستشهد الكاتب بيوميات عدنان أبو عودة (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017) التي تذكر أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق، كيسنجر، وراء تمرير قرار القمة العربية في الرباط (1974) اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، استنادًا إلى خرافةٍ نسبها أبو عودة إلى المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك، الدبلوماسي المصري، أسامة الباز، وتزعم أن كيسنجر همس بالفكرة في أذن وزير الخارجية المصري الأسبق، إسماعيل فهمي، الذي همس بها بدوره في أذن أنور السادات (ص 329). إنها إذاً سياسة الهمس واللمس والنظرات، وهي حكايةٌ لا تصدّقها الوقائع والأحداث. وعلى هذا المنوال، يورد المؤلف: قيل وقتذاك [انتبه إلى كلمة قيل] إن علي ناصر ياسين (أبو ناصر) اغتيل في الكويت في 1978، فذهب ضحية الصراع بين الأخوين خالد الحسن (أبو السعيد) وعلي الحسن (أبو أيمن) وبين سليم الزعنون (أبو الأديب) للسيطرة على إقليم الكويت (ص 194). ما هذا التلفيق الذي يشبه رؤية زوج الأم على الريق؟
أما الحكاية التي ما برحت تتردّد في بعض الكتابات الفلسطينية، على سُخفها وهزالها، فهي قصة الجذور العائلية لياسر عرفات، والتي يستعيدها الكاتب هنا على النحو التالي: “ويُقال [انتبه مجدّدًا إلى كلمة يُقال] إن جدْ عرفات القدوة قدم من المغرب إلى القدس” (ص 353). وهذه الحكاية المبتذلة روّجها عبد الرحمن غنيم في كتابه “ثلاثون عامًا من العبث”، وزاد عليها غازي حسين وناجي علوش، فزعما إن آل عرفات هم يهود من بلدة يهودية مغربية تدعى قدوة. وهذه الافتراءات كانت أثيرةً لدى الإرهابي صبري البنا (أبو نضال) الذي لم يوفر حتى صلاح خلف الذي كثيرًا ما دافع عنه، فأشاع عنه إن أمّه يهودية، وكان يشتمه في مجلة فلسطين الثورة، الناطقة باسمه، بعبارة “يا ابن اليهودية”، وتبيّن أن والدته من آل السقا المسلمين. وحذا غازي حسين حذوه في كتابه “من التوريط إلى التفريط” (دمشق، 1996)، وزاد على ذلك أن عرفات عاد إلى يهوديته سرًا.

مقاتلون فلسطينيون من حركة فتح قرب نهر الأردن (4/11/1969/فرانس برس)
أما لماذا هذا الحقد على ياسر عرفات، فلأن عرفات غضب من غازي حسين بشدة، وسخر من قلة فطنته ممثلًا لمنظمة التحرير الفلسطينية في فيينا، في أثناء ترتيب شراء شحنة أسلحة في سنة 1981. وبدلاً من أن تصل الشحنة بحمولتها إلى بيروت، وصلت بالفعل، لكن كان عليها زبيبٌ لا سلاحًا، واستولت المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على ملايين الدولارات التي كانت مرصودة ثمنا للسلاح، واعتُقل اثنان من العاملين في الممثلية الفلسطينية، وأُبعد السفير الغازي من النمسا التي كان مستشارها برونو كرايسكي يرتبط بعلاقةٍ وثقى مع ياسر عرفات. ولن أبوح بمصدر معلوماتي، لا على طريقة “قيل وقال”، بل لأن ما قُدّم من اتهاماتٍ من غير دليل، يحق لي، بحسب قواعد أوقليدس، أن أرفضه من دون تقديمٍ أي دليل، مع أن المصدر متوفر في المكتبات.
أما الجد الأعلى لياسر عرفات فهو، لمن لا يعلم، حلبي الجذور، ويدعى عرفات بن يوسف القدوة الذي استقر مع شقيقه محمد في غزة ثم في خانيونس في عام 1657. ويمكن العثور على تاريخ العائلة في المظانّ التالية: “إتحاف الأعزة في تاريخ غزة” لعثمان أبو المحاسن الطباع، أو في كتاب موسى غوشة “عائلة عرفات القدوة في القدس” (القدس: مطبعة روان، د.ت.)، أو في كتاب محمد أمين بن فضل الله المحبي الدمشقي الحموي الأصل، الموسوم بعنوان “خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر”، والذي وُجدت فيه تراجم لأجداد محمد عبد الرؤوف عرفات، أي والد ياسر عرفات. وورد اسم عائلة عرفات القدوة الحسيني في مخطوطة “المشجر الكشاف لأصول السادة الأشراف” لمحمد بن أحمد بن علي الحسيني الحنفي، وكذلك ترجمة للحاج محمد عرفات الغزاوي في “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” لعبد الرحمن الجبرتي. ومع ذلك، يتنطّح مَن لا يعلم، ولا علاقة له بالعلم، خصوصًا علم الرجال والطبقات، في اختراع حكايةٍ ذميمةٍ وملفقةٍ عن الأصول العائلية لياسر عرفات، الأمر الذي يجعل جميع الروايات المشابهة بلا صدقيةٍ على الإطلاق، مثل كلام المؤلف على أن الرئيس محمود عباس هو من أصولٍ إيرانية، وبهائي الديانة (ص 390 و393)، ويصول ويجول في الحديث عن البهائية والبهائيين، استنادًا إلى كتب صفراء، وبالتحديد كتاب عبد المنعم النمر “النِحلة اللقيطة: البابية والبهائية”، وهو كتابٌ متهافتٌ، ويتمازج فيه الجهل بالغباء أيما تمازج، وهو من المراجع التافهة والسقيمة معًا. ولمزيد من النكاية، يؤكد الكاتب أن الاسم الكامل للرئيس محمود عباس هو محمود رضا عباس ميرزا، وهو ما دأب عليه صبري البنا في أثناء صراعه الدموي مع حركة فتح، وها هو محمد سعيد دلبح يعيد إنتاج الافتراءات القديمة، من دون أي تبصّر أو تمحيص أو إعمالٍ للنقد والعقل معًا. ولا ريب أن عائلة محمود عباس السنية معروفة جدًا في صفد، ومعروفة في دمشق موطن لجوئها.
ومن المعيب اللجوء إلى هذا الأسلوب الذي برع فيه صبري البنا، ولم يوفّر حتى أصدقاءه أمثال ناجي علوش ومنير شفيق وحنا مقبل الذين كان يفتري عليهم بعبارة “عملاء الفاتيكان”، لأنهم، بكل بساطةٍ، مسيحيون. وحتى لو جارينا قليلًا هذا الكلام المنفلت من عقاله، ومن باب التفكهة، فإن فلسطين كانت ستفخر لو أن يهوديًا فلسطينيًا صار قائدًا لشعبها ولحركة التحرّر الوطني فيها، وأن بهائيًا صار رئيسًا لدولتها. أَلم يكن قائد كتائب الشهيد أبو علي مصطفى في نابلس، نادر تصادوقا، من طائفة السامريين (السُمرة)، وتسلم القيادة بعد اغتيال يامن فرج في عام 2004؟ لنتذكّر أن بعضًا من خيرة مناضلي حركة فتح كانت أمهاتهم يهوديات، أمثال كمال النمّري ووليم نصار وسمير أبو غزالة (الحاج طلال)، ومن كانت أمّه يهودية يعتبره الشرع اليهودي يهوديًا. وكثيرًا ما حاولت إسرائيل أن تلعب بهذه القاعدة، ففشلت تماماً. ولنتذكّر أن اليهودي الفلسطيني، أوري دايفيس، انتخبه المؤتمر السادس لحركة فتح في سنة 2009 عضوًا في مجلسها الثوري، وأن المؤرخ الكبير إيلان هاليفي كان ممثلًا لمنظمة التحرير الفلسطينية في الاشتراكية الدولية، وأن المناضل والكاتب المغربي اليهودي إدمون عمران المليح سُجن في بلاده وكان على اتصال بحركة فتح. وهل يعرف الكاتب أن المؤرخ الفلسطيني زين نور الدين زين والسفيرة ليلى شهيد والطبيب البارع منيب شهيد هم بهائيون؟
لا يكتفي الكاتب بهذا وحده، بل يُمعن في هذا الأسلوب، فيقول عن الرئيس محمود عباس: “رغم ادّعائه بأنه عمل على تشكيل منظمة فدائية في سورية” (ص 395). يا أخي، هذا ليس ادعاءً، بل هو حقيقة تاريخية، ورفاقه في تلك التجربة البسيطة ما زال بعضهم في قيد الحياة. وهذا الإنكار يسيء للأموات والأحياء معاً. فكيف ننكر تجربة محمود المغربي ومحمد السهلي (السهلي وليس السهلة كما ورد في الكتاب) وعبد الله الدنان ونامق أبو عابد وعمر الحوراني ويحيى البنا وظافر الخضراء، وجميعهم شكّلوا تلك المجموعة التي انضوت لاحقاً في حركة فتح؟ يمكنك أن تسأل المناضل التاريخي، أنيس الخطيب، في دمشق عن هذا الشأن، فلعله ينبئك الحقيقة، بدلًا من اللجوء إلى استخدام عباراتٍ غير لائقة في البحوث والدراسات مثل القول: “ساهم ياسر عرفات وهو يسعى إلى تكريس نفسه زعيمًا (…) في تحويل الخيانة الوطنية إلى وجهة نظر (…)، ولجأ إلى استخدام كل المناورات والحيل والتكتيكات لإنجاح مشروعه الخاص بالزعامة على حساب القضية الوطنية” (ص 12)، و”تميز العديد من البيانات بالتضخيم والمبالغة وحتى الكذب، وهي صفةٌ لازمت ياسر عرفات طوال مسيرته” (ص 106)، وقد “واصل عرفات السلوك ذاته من سياسة الخداع والكذب في البلاغات العسكرية” (ص107)، و”كان عرفات يفتقد إلى المناعة الوطنية الثورية” (ص 368). هذا الكلام معيبٌ؛ إنه شلال شتائم وليس كتابة تاريخية.

والكتاب، بهذا المعنى، مَعْيَرَة وليس تاريخًا. لم يُخلق ياسر عرفات زعيمًا، ولم يكن زعيمًا منذ بدايته، لكنه صار زعيمًا في الميدانين، العسكري والسياسي، وليس في “طقّ الحنك”. لم يصبح جمال عبد الناصر زعيمًا إلا بعد العدوان الثلاثي في سنة 1956. وصار كاسترو زعيمًا بعد تحرير كوبا. وهوشي منه بات زعيمًا في خضم النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي لفيتنام. وعلى هذا الغرار، كان ماوتسي تونغ ولومومبا ومانديلا. ويستطيع أي كاتب اليوم أن ينال من عبد الناصر أو كاسترو أو ماوتسي تونغ استنادًا إلى قصةٍ من هنا أو إلى خبريةٍ من هناك، ولكن ذلك كله لا قيمة له في ميزان الحقيقة التاريخية. والحقيقة أن حركة فتح، بزعامة ياسر عرفات ورفاقه (ومعهم بالتأكيد مناضلو الثورة الفلسطينية في المنظمات الأخرى، أمثال جورج حبش)، هي التي حوّلت الفلسطينيين من لاجئين إلى شعب، وهي التي أعادت تكوين الشخصية الوطنية الفلسطينية، وفرضها على الجدول السياسي للعالم، وهي التي أدرجت قضية فلسطين في سياق حركات التحرّر الوطني، واكتسب الفلسطينيون جرّاء ذلك شخصيةً مميزةً بين شعوب العالم. ولولا ذلك التأسيس لصار الفلسطينيون مثل الأرمن: قضية عادلة لكنها غير موجودة على جدول العالم. فهل كان ذلك كله خداعًا؟
فيض من الأغلاط
يقول الكاتب محمد سعيد دلبح، في كتابه “ستون عاما من الخداع..” إن إميل البستاني، مؤسس شركة الكات، هو لبناني من أصل فلسطيني (ص 28)، وإن أحد أسباب انهيار شركة الكات، وكذلك بنك أنترا، أن البستاني ويوسف بيدس فلسطينيان (ص 32). والصحيح أن إميل البستاني لبناني مولود في بلدة الدبية في الشوف، وعمل بعد أن تخرج في إحدى الجامعات الأميركية في شركة نفط العراق IPC، وهذه هي بداية صلته بفلسطين. ثم أسّس شركة الكات في حيفا سنة 1941 التي انتقلت إلى لبنان بعد نكبة 1948. ويقول أيضاً إن الشخصية الأبرز وراء تشكيل حركة فتح كان عادل عبد الكريم ياسين (ص 44). ومع أن لا أحد ينكر أن عادل عبد الكريم من الشخصيات المؤسسة لحركة فتح، إلا أنه لم يكن الأبرز. والغاية واضحة من هذا الكلام، وهي إلغاء شأن ياسر عرفات في تأسيس حركة فتح، على طريقة إعادة الفضل في تأسيس حزب البعث تزويرًا إلى زكي الأرسوزي لمحو أثر ميشال عفلق. والمعروف أن الأرسوزي لم يكن له أي علاقة بتأسيس “البعث” ألبتة.
ويقول الكاتب: “لم يعد أعضاء رابطة الطلبة الفلسطينيين قادرين على العمل تحت راية الإخوان المسلمين المحظورة والملاحق أفرادُها، فاجتهدوا في البحث عن إطار بديل” (ص47)، وهذا الإطار هو الذي صار لاحقًا حركة فتح. أما مرجعه في هذه الخلاصة العجيبة فهو كتاب “حماس: حركة المقاومة الاسلامية” لخالد نمر أبو العمرين. والحقيقة أن رابطة الطلبة
“ياسر عرفات لم يُخلق زعيمًا، ولم يكن زعيمًا منذ بدايته، لكنه صار زعيمًا في الميدانين، العسكري والسياسي” الفلسطينيين لم تكن يومًا تحت راية الإخوان المسلمين؛ ففي رابطة القاهرة كان الثقل الأكبر للبعثيين، وفي رابطة الإسكندرية كان البعثيون والقوميون العرب يتقاسمون مقاعد الرابطة. وفي رابطة بيروت كان الراجحون هم القوميون العرب، فيما كان البعثيون الأغلبية في رابطة دمشق. وآخر رئيس للرابطة كان البعثي زهير الخطيب، وهو نفسُه أول رئيس لاتحاد طلاب فلسطين، واستأثر البعثيون بمعظم أعضاء الهيئة التنفيذية الأولى للاتحاد: الأمين العام (لطف غنطوس) وأمين الصندوق (تحسين الشخشير)، والأعضاء: لطفي السومي وخالد الدرزي وماهر الريس. ولم يُقصَ البعثيون عن قيادة الاتحاد إلا بعد أن تحالفت حركة القوميين العرب وحركة فتح ومجموعة عبدالله الريماوي البعثية – الناصرية (ومنها محمد صبيح)، وبدعمٍ من السلطات المصرية آنذاك. وهذا الأمر حدث في الستينيات وليس في الخمسينيات. فأين هي راية الاخوان المسلمين في تلك الرابطة؟ ويورد الكاتب، في مجال آخر، أن حركة فتح استقطبت كمال ناصر (ص 53). والصحيح أن البعثي كمال ناصر لم ينضم قط إلى حركة فتح، بل التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتولى رئاسة تحرير مجلة فلسطين الثورة، الناطقة باسم المنظمة.
يذكر الكاتب أن “جماعة عِباد الرحمن كانت تمثل غطاءً لجماعة الإخوان المسلمين في لبنان منذ عام 1950” (ص 61)، وكان عبد الله اليافي الذي تولى رئاسة الحكومة اللبنانية يترأس هذه الجماعة (ص 62). أولًا، لم يكن عبد الله اليافي إخوانيًا قط، ولا حتى إسلاميًا، إلا في الحدود الضيقة جدًا التي يقتضيها منصبه كأعلى موقعٍ للطائفة السُنّية في لبنان؛ وهذه الخبرية من دون مصدر متين، كالعادة في كتاب دلبح. ثانيًا، جماعة عِباد الرحمن مستقلة عن جماعة الإخوان المسلمين، وكثيرًا ما نفت تلك العلاقة بشدة، وكرّرت نفيها، وأنكرت أن يكون لها أي صلة تنظيمية بالإخوان. وأُحيلُ المؤلف على كتاب “السلفية والسلفيون الجدد من أفغانستان إلى لبنان” للباحث سعود المولى (بيروت: دار سائر المشرق، 2016، ص277)، ففيه تفصيل ذلك. وعلى العكس تمامًا من هذا الكلام، ظهر “عِباد الرحمن” بُعيد النكبة في سنة 1948، وحازوا الترخيص الرسمي في 26/10/1951 برئاسة محمد عمر الداعوق. أما الإخوان المسلمون فظهروا في لبنان مجموعةً قائمة بذاتها في سنة 1964 على يدي فتحي يكن، المنشق على “عِباد الرحمن” بتأثير من سيد قطب. ولمزيدٍ من نقض استنتاج المؤلف، في شأن علاقة عباد الرحمن بالإخوان المسلمين، أقول إن عِباد الرحمن ارتبطوا ارتباطًا وثيقًا جدًا بالسياسة الناصرية المعادية للإخوان المسلمين، وكانت لهم صلة وثيقة جدًا بالسفارة المصرية في بيروت وبالسفير عبد الحميد غالب، وكذلك بالبعثة الأزهرية برئاسة فهيم أبو عبيه. وكان محمد عمر الداعوق يعلّق صورة جمال عبد الناصر في مكتبه، وتحتها عبارة “بطل القومية العربية”. ولعل هذا الأمر هو الذي أدّى لاحقاً إلى انشقاق فتحي يكن على “عِباد الرحمن”، وتأسيسه فرعًا للإخوان المسلمين في طرابلس تحت اسم “الجماعة الاسلامية”، وإعلان مبايعته المرشد مصطفى السباعي في سورية (راجع: سعود المولى، “من فتح إلى حماس”، بيروت: دار سائر المشرق، 2017، ص 70- 73). وربما كان مصدر الخلط في قصة عبد الله اليافي ورئاسته الإخوان المسلمين أن مجلة فلسطيننا – نداء الحياة كانت تُطبع على مطابع صحيفة السياسة لعبد الله اليافي، وكان يُشرف على طباعتها هاني فاخوري الذي أسّس في سنة 1968 “الحركة اللبنانية المساندة لفتح”. وقصة “فلسطيننا – نداء الحياة” الواردة في الكتاب (ص 63) كلها تخبيص، خصوصًا الكلام إن كلمة “نداء الحياة” هي جمع لليسار واليمين معًا كون صحيفة النداء تابعة للحزب الشيوعي، وصحيفة الحياة يمينية الاتجاه سعودية التمويل. والحقيقة أن رخصة “نداء الحياة” كانت موجودة في سجلات الصحافة اللبنانية، وكل ما جرى تعديله هو إضافة كلمة “فلسطيننا” إلى الإسم.
يقول المؤلف إن المؤتمر الأول لحركة فتح عقد في دمشق في صيف عام 1964 (ص 81). والصحيح أن المؤتمر الأول للحركة عقد في 12/6/1967 في منزل أبو جهاد في حي ركن الدين بدمشق. أما في صيف 1964، وبالتحديد في آب/ أغسطس، فقد عُقد لقاء موسع في دمشق (لا في مركز سلوى على الحدود السعودية – القطرية كما يذكر الكاتب في ص 91 نقلًا عن محمد سعيد المسحال) لإقرار تاريخ بدء العمل العسكري. والمعروف أن الاجتماعات التمهيدية، قبل الانطلاقة، كانت تعقد هنا وهناك: في دمشق والكويت وقطر والمنطقة المحايدة. ولم يكن المجتمعون هنا يعرفون كل ما يجري هناك. لهذا صار كل واحدٍ ينسبُ فضل السبق إلى نفسه جرّاء عدم معرفته الصورة الشاملة، وهذا هو مصدر البلبلة في معرفة “البدايات”. ومع ذلك، يكتب دلبح إن “البلاغ رقم واحد [لحركة فتح] تحدّث عن عملية فدائية لم تقع أساسًا (…). وهكذا تكون حركة فتح قد بدأت شهرتها بعمل زائفٍ لم يحدث” (ص 105). ومع الأسف، لو كان الكاتب منصفًا لذكر الحقيقة كما هي. والحقيقة أن أربع مجموعات فدائية هي التي استعدّت لبدء الكفاح المسلح ليلة 1/1/1965: الأولى فشلت في الوصول إلى الهدف (مجموعة عين الحلوة) لأن دوريةً من الجيش اللبناني أوقفت الفدائيين في منطقة الحدود. والثانية أُرغمت على تأجيل العملية إلى 7/1/1965 (عملية نفق عيلبون)، وقد انفجر اللغم في النفق صباح 8/1/1965، واستشهد في العملية أحمد موسى الدلكي. وكان المسؤولون في “فتح” في لبنان استعجلوا إذاعة البيان العسكري الأول، حتى قبل أن يعرفوا أن الدورية محتجزة لدى الجيش اللبناني إلا بعد إذاعة البيان الأول.

جورج حبش وياسر عرفات ونايف حواتمة في احتفال بالذكرى الثالثة عشر للثورة الفلسطينية (31/12/1977/Getty)
ومن علائم عدم الدقة في كتاب “ستون عاما من الخداع ..” الزعم إن ياسر عرفات حاول فرض عبد الله الحوراني مسؤولاً عن الإعلام في حركة فتح الذي يقوده محمد أبو ميزر (ص 196). ما هذا الحكي؟ لم يكن عبد الله الحوراني فتحاويًا ليتسلم جهاز الإعلام الفتحاوي الذي يترأسّه محمد أبو ميزر (أبو حاتم). لقد تسلم البعثي، الحوراني، دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، لا في حركة فتح، مثلما كان يتسلمها الشهيد كمال ناصر قبله، وياسر عبد ربه بعده، والثلاثة غير فتحاويين، وهذا طبيعي في دوائر منظمة التحرير. أَليس كذلك؟ ويصرّ الكاتب على أن أعضاء مجلس النواب اللبناني الذين وافقوا على اتفاق 17 أيار/ مايو 1983 ألغوه في الشهر نفسه (ص 225). وهذا غير صحيح، فمجلس النواب أقر الاتفاق في 14/6/1983، ثم ألغاه مجلس الوزراء، لا مجلس النواب، في 5/3/1984، أي بعد نحو سبعة أشهر، وليس في الشهر نفسه. ويقول إن “عرفات كان الشخص الوحيد من القادة الفلسطينيين البارزين الذي لم يكتب مذكراته قط” (ص 359). والمعروف أن الكاتب أمنون كابليوك هو مَن وضع سيرة عرفات، مثلما كتب إريك رولو مذكرات صلاح خلف (أبو إياد)، ومثلما أنجز جورج مالبرونو سيرة جورج حبش بطريقة الحوار. وكان كتاب دلبح أشار إلى كتاب كابليوك “عرفات الذي لا يُقهر” مرة وحيدة في هامش الصفحة 364، وتجنّب الحقائق الواردة فيه، والتي تخالف كل ما جاء في كتاب “ستون عامًا من الخداع …”. ويكتب المؤلف إن مؤسس “كتائب النصر”، طاهر دبلان، مات في معتقل الجفر الأردني في سبعينيات القرن العشرين (ص 138 و139)، والصحيح أنه أطلق من السجن في 1973، وغادر الأردن إلى الكويت، وتوفي لاحقًا.
أغاليط فائضة
يزعم مؤلف الكتاب إن “معركة الكرامة لم يخضها عرفات شخصيًا” (ص 125)، وإن الوحدات العسكرية الأردنية التي شاركت في معركة الكرامة “تمرّدت على أوامر قيادتها العليا” (ص 395). هذا زعمٌ مخالفٌ للحقيقة والواقع، ويُعد في باب النكايات، لأن المعروف أن قادة حركة فتح توزّعوا على مغاور منطقة الكرامة قبيل انبلاج فجر 21/3/1968 وهم: ياسر عرفات، أبو إياد، أبو اللطف، ممدوح صيدم، نصر يوسف، الحاج إسماعيل جبر، صائب العاجز، صلاح التعمري، بشير كامل داود (أبو أمية) والشهيد الفوسفوري (عبد المطلب الدنبك). وكان مشهور حديثة قائد الفرقة الأولى في الجيش الأردني التي تصدّت بالمدفعية للهجوم الإسرائيلي على الكرامة يعمل بالتنسيق مع ياسر عرفات، وبأوامر من رئيس الأركان عامر خماش، وكان سعد صايل (أبو الوليد) قائدًا لسلاح الهندسة في تلك الفرقة. ويكتب المؤلف في موضع آخر: “وكان في مقدمة الأسباب وراء قبول عرفات مشروع روجرز خوفه من تمكّن الملك حسين من استرداد الضفة وبقائها جزءًا من الأردن” (ص 153). وهذا كلامٌ عجيبٌ غريبٌ حقًا! فمتى قبل ياسر عرفات مشروع روجرز؟ كان موقف حركة فتح وياسر عرفات رفض ذلك المشروع، وهو ما أدّى إلى الخلاف المشهور بين قادة “فتح” والرئيس جمال عبد الناصر. ويقول الكاتب: تم تسليم إربد وشمال الأردن الذي كان بكامله تحت سيطرة المقاومة (ص 184)، وهذا قولٌ فيه تضليلٌ كبير، فمنطقة شمال الأردن، بما في ذلك مدينة إربد وأحراج عجلون، سقطت بعد معارك طاحنة، وتمكّن الجيش الأردني في ختامها من السيطرة عليها وإرغام قوات الفدائيين على الخروج إلى جنوب سورية، واستشهد فيها، كما هو معلوم، أبو علي إياد ونفر من رفاقه.
يقول المؤلف إن اتهاماتٍ أُثيرت في المؤتمر الثالث لحركة فتح (1971) بتعامل بعض قيادات حركة فتح، وخصوصا أبو حسن سلامة، مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، من خلال رئيس طاقم محللي الشرق الأوسط في محطة بيروت روبرت إيمز (ص 186). ولو كان الكاتب موضوعيًا ومنصفًا لكتب “الاتصال” بدلًا من “التعامل”، ولذكر الأمور كما هي؛ ففي كتاب “الجاسوس النبيل: حياة روبرت إيمز وموته” (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2015) يقول المؤلف، كاي بيرد، إن إيمز قال لأبو حسن سلامة، في أول لقاء معه، إن مجلس الأمن القومي الأميركي كلّفه فتح قناة اتصال بحركة فتح، وأنتم العرب تدّعون إن وجهات نظركم لا تلقى أذنًا صاغية في واشنطن، وهذه هي فرصتكم، والرئيس الأميركي مستعد للاستماع لكم (ص 105). وأضاف كاي بيرد: “إن أبو حسن سلامة كان يطمح إلى تحويل قناة الاتصال الخلفية هذه إلى علاقةٍ دبلوماسيةٍ حقيقية. لقد أراد من تلك العلاقة أن تتطوّر إلى حد الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية” (ص 119) . ولو كان أبو حسن سلامة عميلاً لما اغتاله “الموساد” (كاي بيرد، ص 225).
يدّعي المؤلف إن سعد صايل (أبو الوليد)، وبعد جولة على قوات حركة فتح في سهل البقاع الشمالي [الصحيح الشرقي]، “أُطلقت عليه النار من كمينٍ قاده أحد كوادر فتح العسكرية المعروف باسم العقيد القاق، وتُرك ينزف حتى الموت. وقد تمّت لفلفة قضية التحقيق التي شكل لجنتها خليل الوزير من دون أن تسفر عن كشف هوية الفاعلين” (ص 208). والحقيقة أن الشهيد أبو الوليد لم يُترك نازفًا، بل نُقل على عجلٍ إلى مستشفى بلدة بر الياس، ثم إلى دمشق. أما أنّ التحقيق لم يُسفر عن كشف هوية الفاعلين فهذا يجانب الصواب، لأن المتهمين معروفون بالاسم، وهم من حركة أمل، وأسماؤهم: زكريا حمزة (أبو يحيى)، شاكر شكر، حسين طليس، محمود أبو حمدان. ولكن ما لم يتم التوصل إليه هو اعتقال هؤلاء ومحاكمتهم، وكان على المنشقين على حركة فتح أن يتابعوا تلك القضية، بعد انسحاب قوات الحركة من البقاع في سنة 1983 جرّاء المطاردات والهجمات التي دأب عليها المنشقون.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصرّ الكاتب على أن ياسر عرفات أحال مستشاره الاقتصادي، محمد رشيد، لتحصيل الأموال من المستثمرين لميزانية عرفات الشخصية (289) وأن “حسابات منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح وموجوداتها مسجلة باسم عرفات، أو تحت أسماء لمقرّبين له ويخضعون له، ولم يكن هناك تمييزٌ بين الحسابات الخاصة وتلك المتعلقة بالحركة، وكانت لدى البنوك تعليماتٌ بأن تحترم فقط الشيكات الممهورة بتوقيعه” (ص 371). وهذا الكلام كله هراء، لأن مالية منظمة التحرير الفلسطينية يشرف عليها الصندوق القومي، والحسابات في المصارف مسجّلة باسم المنظمة، لأن للمنظمة شخصية معنوية معترفًا بها، بينما مالية حركة فتح تديرها لجنة متخصّصة، يرأسها أحد أعضاء اللجنة المركزية. ومن البدهي أن أي شيك صادر عن الصندوق القومي يحتاج إلى أكثر من توقيع: توقيع المدير وتوقيع ياسر عرفات بصفته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وكانت الشائعات عن الفساد والأموال المهدورة قد انفجرت في وجه ياسر عرفات، بعد ضبط السفينة كارين A في البحر الأحمر في 3/1/2002، والتي كانت محمّلة أسلحةً لمصلحة حركة فتح. وصاغ قسم الحرب النفسية في الموساد (LAP) تقريرا مشهورأ عن الفساد في منظمة التحرير وحركة فتح، وسرّبه إلى صحيفة الأهرام، المصرية، وانتشرت محتوياته كانتشار النار في القصب اليابس. ثم نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت، الإسرائيلية، في 1/6/2002 تقريرًا عن قصص الفساد، واستقى كُتّاب الفضائح الفلسطينيون والعرب موضوعاتهم في هذا الشأن منه. وتبين لاحقًا أن تلك التقارير صاغها “الموساد”، وتلقفها فلسطينيون “مهابيل”، وراحوا ينشرونها هنا وهناك، ومنها قصة نقل 300 مليون دولار إلى حساباتٍ لياسر عرفات ومحمد رشيد في بنك لومبارديا في سويسرا التي جهد كل من أريئيل شارون ومحمد دحلان في ترويجها، لغايةٍ محدّدة، هي تشويه سمعة ياسر عرفات، والسعي لدى الدول المانحة لكف يد عرفات عن الأموال، الأمر الذي يفقده سلطته. وذريعة هؤلاء أن عرفات دفع أموالًا للفصائل الفلسطينية، وهو يموّل العمليات الفدائية لكتائب شهداء الأقصى. وسيضحك كثيرًا من هذه الحكاية كل مَن له علم، ولو بسيط، في حقول الاقتصاد والمال والبنوك، وسيستلقي على قفاه هازئًا من ذلك الكلام الجاري في الأفواه والأشداق. فبنك لومبارديا – أوروبا بنك دولي ذو سمعة ممتازة، وهو يراقب الإيداعات بدقّة شديدة، ولا يسمح بأي تحويلات مشبوهة. ولخيبة أمل مَن روّج تلك الحكايات، فقد أصدرت لجنة تحقيق تابعة للاتحاد الأوروبي تقريرًا في سنة 2004 جاء فيها إن الأموال التي تسلمتها السلطة الفلسطينية من الاتحاد صُرفت بصورة شرعية. وأكدت شركة “ستاندارد آند بورز” العالمية المتخصصة بتدقيق الحسابات ومراقبة الأوضاع المالية للدول إن استثمارات السلطة الفلسطينية تٌدار بطريقةٍ مهنية، والأموال ليست مرتبطة بأي نشاط أمني. واليوم، بعد 16 سنة على رحيل الشهيد ياسر عرفات، لم يتبيّن أن له حساباتٍ ماليةً خاصة. وقادة “الموساد” والمخابرات الأميركية وأجهزة أمنية كثيرًا ما تحرّقوا لمعرفة ولو مجرد خبر يدين عرفات في ذمته المالية. ولو وُجدت حقًا مثل تلك الحسابات، لكانوا سعداء بفضحها على الفور. وبهذا المعنى، فإن جميع الذين أشاعوا قصص الأموال الهائلة التي امتلكها عرفات كانوا ينفذون، بوعي أو بهبل، ما أراده “الموساد” بالضبط.
لم تُسعف الحال الكاتب في تحميل كل شيء لياسر عرفات، حتى أنه ألقى بالمسؤولية عن اغتيال محمد يوسف النجار وكمال عدوان على ياسر عرفات، لأن الحرّاس غادروا مواقعهم قبل يومين، بناء على أمر من أبو عمار، بحجة ازدياد شكاوى سكان المبنى من وجودهم (ص 398). وهذه روايةٌ عجيبةٌ ومختلقةٌ ومضللة، فحرّاس هذين القائدين لا يعيّنهم ياسر عرفات، ولا يحرّكهم، لأن لكل عضو في اللجنة المركزية حرّاسه الشخصيين، وهو وحده مَن يحرّكهم. وعلى هذا المنوال
“الجد الأعلى لياسر عرفات، حلبي الجذور، ويدعى عرفات بن يوسف القدوة الذي استقر مع شقيقه محمد في غزة ثم في خانيونس في عام 1657″من الخفّة، يقول “إن القتلة الصهاينة اغتالوا في بيروت ثلاثة من أبرز القادة الفلسطينيين الذين وقفوا بقوة ضد مشروع الدولة” (ص 266). ولسوء طالع الكاتب أن كمال عدوان لم يقف ضد مشروع الدولة ألبتة، بل كان المدافع الأبرز عن تلك الفكرة، ومعه إبراهيم بكر، حين عُرضت فكرة الدولة في الاجتماع العاصف للجنة المركزية لحركة المقاومة الفلسطينية في دمشق في 8/2/1971. وكان ذلك الاجتماع الذي دام 14 ساعة مخصصًا لمناقشة مشروع بعثة الكويكرز التي ترأسها أستاذ القانون في جامعة هارفارد، روجر فيشر، وانتهى إلى رفض الفكرة، لا بسبب موقف الشهيد كمال عدوان الذي كان ضد التسوية المعروضة، لا ضد الدولة، بل جرّاء معارضة الجبهتين، الشعبية والديمقراطية، والصاعقة وأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح وبقية الفصائل الأخرى.
وتكرّر الاتهام نفسه في عملية اغتيال الشهيد أبو جهاد، فيقول: “كان جرى سحب أفراد الحراسة من منزل أبو جهاد، وقُطعت الكهرباء عن المنطقة المحيطة بالمنزل وبالطريق المؤدية إليه مما يشير إلى ضلوع طرف داخلي في مؤامرة الاغتيال” (ص 402). وفي هذا الكلام كثيرٌ من الظلال والضلال، وكان الأحرى بالكاتب أن يُفصح عن الطرف الداخلي، فلسطينيًا أَكان أم تونسيًا، مع أن الإفصاح لا قيمة له اليوم، بعدما كُشف كل شيء، وعُرف أن محمد العربي المحجوبي (الشاذلي الحامي)، وهو كاتب الدولة لشؤون الأمن في تونس، هو الذي تواطأ مع جهاز الموساد في اغتيال أبو جهاد. وقد اعتُقل وحوكم وحُكم بالاعدام، ثم خُفف الحكم إلى المؤبد، وبعد عدة سنوات أطلقه زين العابدين بن علي، ليعيش في المنفى، في أميركا اللاتينية على الراجح.
أما عن اغتيال الشهيد خليل الوزير فيقول محمد سعيد دلبح: “كان المستوى السياسي والأمني في الكيان الصهيوني اتخذ قرار اغتيال أبو جهاد عقب نجاح العملية الفدائية باختطاف باص في بير السبع كان من بين ركابه خبراء في معمل ديمونا النووي” (ص 403). وهذه الرواية وردت في كتاب “البدايات” لمحمد حمزة (سمير غطاس)، وهي من التقديرات الخاطئة؛ فالسبب في اغتيال أبو جهاد ليست عملية “باص الأمهات” كما يسمّيها الإسرائيليون، والتي وقعت في 7/3/1988، أي قبل نحو أربعين يومًا فقط من الاغتيال؛ وهذه الفُسحة من الوقت غير كافية لتنفيذ عملية الاغتيال. والتخطيط لاغتيال أبو جهاد كان قد بدأ قبل ذلك، لأن معلوماتٍ وصلت إلى “الموساد” أن أبو جهاد يخطّط لإرسال مجموعة فدائية من طريق البحر إلى شاطئ تل أبيب، وهدفها احتلال مقر وزارة الدفاع في المدينة. وقد اشترى أبو جهاد سفينتين لهذه الغاية هما: أوتي بيريوس ومون لايت. وتمكّن “الموساد” من تفجير سفينة مون لايت في ميناء عنابة الجزائري في آذار/ مارس 1985، وظل يرصد تحرّكات السفينة أوتي بيريوس. ولما غادرت هذه السفينة ميناء عنابة في 14/4/1985، قامت بمناورات تضليلية كثيرة في البحر المتوسط، لكنها، في 21/5/1985، اتجهت نحو الشاطئ الفلسطيني، فاعترضتها البحرية الإسرائيلية وأغرقتها وعلى متنها نحو 20 فدائيًا. ولاحقًا، اغتال الإسرائيليون في أثينا في 21/10/1986 منذر أبو غزالة قائد البحرية الفلسطينية، ثم تمكّنوا من اغتيال أبو جهاد في تونس في 16/4/1988.
وَهَنُ الرؤية
يفتقر مؤلف كتاب “ستون عاما من الخداع..”، محمد سعيد دلبح، إلى البعد التاريخي، أي إلى التحليل العلمي الذي يعني، في أبسط صوره، ربط النتائج بالأسباب. وعلى سبيل المثال، يسترسل في الكلام على التنازلات قدّمها ياسر عرفات أو حركة فتح، لكنه لم يتساءل مرة واحدة: لماذا كانت أهداف حركة فتح، ومعها منظمة التحرير الفلسطينية، تتقلص كلما كانت قوة فتح والمنظمة تتزايد؟ فمن برنامج التحرير الكامل في سنة 1965(بعد الانطلاقة)، إلى فكرة الدولة المحدودة في سنة 1971 (بعد الخروج من الأردن)، إلى البرنامج المرحلي في سنة 1974 (بعد حرب 1973)، إلى خطة فاس وخطة الأمير فهد سنة 1983 (بعد الخروج من بيروت، وقبل ذلك معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية)، فإلى برنامج أوسلو في سنة 1993 بعد اندحار العراق في الكويت.. وهكذا. والمؤكّد أن تراجع الأهداف الفلسطينية كان يعكس، في كل مرحلة، موازين القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين. والاصطدام بالواقع وإدراك الواقع أرغما القيادة الفلسطينية على الإذعان لإكراهات الواقع، في الوقت الذي لم يمتلك الفلسطينيون فيه، ولا مرة، القدرة الذاتية على تحقيق الهدف الذي وضعوه بأنفسهم، وهو تحرير فلسطين. وبالتأكيد، فشل خلال تلك المسيرة الطويلة شعار “إما كل شيء أو لا شيء”، مثلما فشلت أيضًا السياسة المبتذلة التي كانت تدعو إلى “قبول أي شيء أفضل من لا شيء”. وتلك التحوّلات التي خضعت لها حركة فتح خضعت لها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أيضًا، فتخلت، في إحدى المراحل، عن الخط القومي التقليدي، وتبنت الاشتراكية العلمية في المؤتمر الثاني في سنة 1969، ثم تخلّت عن العلاقة المميزة مع الرئيس جمال عبد الناصر بعد قبوله مشروع روجرز في سنة 1970، وتخلّت عن نهج خطف الطائرات في 1972، وتخلّت عن موقفها الرافض فكرة الدولة الفلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة في 1974 وعادت لتقبلها بعد عام 1979، ثم تخلت عن موقفها الراديكالي من الرجعية العربية بعد سنة 1982. وقَبِل جورج حبش فكرة الوحدات العربية الأربع المتجانسة (وادي النيل والمغرب والجزيرة العربية والهلال الخصيب) التي صاغها أنطون سعادة في ثلاثينيات القرن المنصرم، ووقف القوميون العرب (بوجهيهم البعثي والناصري) ضدها، وخاضوا معها صراعاتٍ متشعبة (راجع في شأن الوحدات الأربع: محمود سويد، “حوار شامل مع جورج حبش”، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998). وعلى الغرار نفسه، تراجعت مواقف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) باطراد وتسارع، فمن “فلسطين كلها وقف إسلامي” قبل العام 2000، إلى القبول بحدود 1967 لقاء هدنة طويلة (في سنة 2000)، إلى الموافقة على السعي إلى دولة فلسطينية مستقلة بالطرق السلمية (2009)، فإلى برنامج الدولة المستقلة في سنة (2017).
تتقافز فقرات الكتاب بين التواريخ المتباعدة من دون وجود علاقة سببية بينها. وعلى سبيل المثال، في الصفحة 33، يقفز الكاتب من عام 1966 (تاريخ انهيار بنك أنترا) إلى عام 1976 مرة
“تتقافز فقرات الكتاب بين التواريخ المتباعدة من دون وجود علاقة سببية بينها”واحدة. وبين هذين التاريخين جرت مياهٌ جارفة، بل طوفاناتٌ بدلّت الميدان كله: هزيمة 1967، صعود العمل الفدائي، حرب 1970 في الأردن، وفاة جمال عبد الناصر، صعود الحلف الثلاثي الطائفي في لبنان، تغيير القيادة السياسية في سورية في عام 1970، حرب 1973، اندلاع الحرب الأهلية في لبنان. وعلى المنوال نفسه، يقفز الكاتب من عام 1974 “في أعقاب تبنّي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية البرنامج المرحلي” مباشرة إلى عام 1983 حيث عُقد في تونس اجتماع حضره 127 مليونيرًا فلسطينيًا قدموا في ختامه مسودة عن المسألة الفلسطينية (ص 36). والواضح أن لا رابط سببيًا بين البرنامج المرحلي وذلك الاجتماع. ومن غير الجائز إدماج الأزمنة التاريخية، ومن غير المقبول علميًا إسقاط زمنٍ على زمن؛ فلا الماضي يفسّر الحاضر برمته، ولا يحقّ للحاضر أن يسائل الماضي استنادًا إلى النتائج، بل إلى الخيارات المتاحة والممكنة في كل مرحلة.
من المسائل التي خرجت من ميادين النقاش الفكري منذ زمن بعيد، قصة “الطبقة العاملة الفلسطينية” و “البرجوازية الفلسطينية”، لكن صديقنا محمد سعيد دلبح ما برح يتغرغر بالمفاهيم القديمة هذه، ويصرّ على استخدام عباراتٍ مثل “الارستقراطية العقارية الفلسطينية” (ص 35)، و”الطبقة العاملة في الضفة الغربية وغزة” (ص 36)، و”برجوازية الكومبرادور الفلسطينية” (ص37). ولعل قليلين ممن ما زالت ذاكراته حيةً يتذكّرون الجدل الذي كان محتدمًا في سبعينيات القرن المنصرم، أي منذ نحو خمسين عامًا، في شأن الأسئلة التالية: هل هناك حقًا طبقة عاملة فلسطينية؟ وهل تطوّرت بالفعل برجوازية فلسطينية أو رأسمالية فلسطينية؟ والجواب كان لا، لأن كلمة “طبقة” في علم الاجتماع الماركسي مصطلح دلالي يشير إلى وجود نسقٍ اجتماعيٍّ – اقتصادي، تطوّر بالتدريج ليكتسب سمات سوسيو – تاريخية واضحة. وفي هذا النسق، تتراكب عوامل الإنتاج ووسائل الإنتاج وأنماط الإنتاج والفئات الاجتماعية المطابقة لها. والحال في فلسطين ليست على هذا النحو ألبتة. هناك عمّال فلسطينيون بالتأكيد، أو أيدٍ عاملة تعمل في الأسواق العربية، ومن قلة العلم اعتبارها بروليتاريا أو طبقة عاملة. وهناك أثرياء فلسطينيون متناثرون هنا وهناك. لكن ذلك لا يعني وجود برجوازية أو رأسمالية فلسطينية؛ فالأثرياء، مثل العمّال، هم جزء من الاقتصاد الذي يعملون في مؤسساته ونطاقه وشروطه وقوانينه. ومن العبث القول بوجود طبقةٍ عاملةٍ فلسطينية، أو حتى محلية، في بلدانٍ ريعيةٍ يقوم اقتصادها على العمالة الأجنبية المهاجرة، فيما يمثل المواطنون أقلية سكانية. وحتى مصر التي عرفت الصناعة الحديثة قبل مئتي عام، كان فيها نحو مليونين وسبعمئة ألف خادم منزلي في سنة 1947، أي ضعف عدد العمال في المصانع المصرية. وفي تاريخنا المعاصر، نكتشف أن الارستقراطية الفلسطينية لم تكن حالةً قائمةً في المجتمع الفلسطيني قط. هناك أعيان، أي تجار وملاكو أراضٍ، وأفندية من طراز موظفي الدولة العثمانية. والأثرياء الفلسطينيون الجدد لم يتحدّروا من أبناء الأعيان القدامى، كآل الحسيني والنشاشيبي وطوقان وعبد الهادي والخالدي والشوا والجعبري، ولم يتحدّروا من الفلاحين (إلا القليل منهم)، بل جاءوا من الأبناء المتعلمين للفئات الوسطى الذين استفادوا من التوسع التنموي الكبير في دول الخليج العربي، ومن الطلب المتزايد على التعليم والإسكان ومشروعات البنية التحتية. ومن بين هؤلاء ظهرت فئةٌ ثريةٌ قوامها المهندسون وأساتذة الجامعات والأطباء والإداريون، وهؤلاء استثمروا مدّخراتهم في بعض الشركات الرابحة، وبعضهم تحوّل إلى رجال أعمال وتجار ومقاولين. وفي أي حال، لو كان ياسر عرفات مغرقًا في يمينيته كما يصوّره المؤلف (ص 76) لما سلّم أحمد الأزهري (فاروق القاضي) التثقيف السياسي في معسكرات التدريب، وهو من حزب حدتو الشيوعي (الحركة الديمقراطية للتحرّر الوطني)، ولما كان سلّم محجوب عمر الشيوعي أو حنا ميخائيل (أبو عمر) الماركسي مهماتٍ من هذا القبيل. وفي إحدى المرّات، سُئل ياسر عرفات: أنتَ يميني أَليس كذلك؟ فأجاب: كيف أكون يمينيًا، وأنا أحصل على الأموال من المملكة السعودية، واشتري السلاح بها من الصين وروسيا، وأعطي جزءًا منه إلى الحركات الثورية اليسارية؟
من عجائب الكلام قول الكاتب إن المنشقين على حركة فتح (فتح الانتفاضة) اختاروا النهايات
“من عجائب الكلام قول الكاتب إن المنشقين على حركة فتح (فتح الانتفاضة) اختاروا النهايات الشجاعة”الشجاعة (ص227)، وإن النظام الرسمي العربي، بشكل أو بآخر، اجتمع على ضرورة إجهاض الفعل الانتفاضي في حركة فتح (ص 223). والحقيقة أن ما يسمّيها محمد سعيد دلبح “النهايات الشجاعة” خرافاتٌ كلامية، وتلك النهايات كانت، من بابها إلى محرابها، بائسةً وتاعسة، وسبقها انحطاط سياسي وابتذالٌ مسلكي، مثل تهريب المخدرات والتزوير والكذب اليومي والاغتيالات ونهب ممتلكات حركة فتح في سورية ولبنان. وآخر المباذل كان الإسهام، بشكل أو بآخر، في رعاية حركة فتح الإسلام التي دمّرت مخيم نهر البارد في شمال لبنان. حبذا لو تذكر الكاتب العقيد حسن أبو شنار (أبو الأمجد) وأفعاله “الشجاعة” التي اعتُقل بسببها في سورية. وعندما خرج من السجن تركه مُشغّله، أبو خالد العملة، ليموت قهرًا. وهل يتذكّر الكاتب أبو العبد البطاط وأفعاله؟ ولعله لا يعرف الأكاذيب التي كانت تصدر في صورة بيانات عسكرية باسم “كتائب عمر المختار” الوهمية إبّان الانتفاضة الثانية، والغاية كانت استدرار الأموال الليبية لمصلحة “المنتفضين”. وماذا فعل أبو خالد العملة غير محاولة اغتيال عضو المجلس الوطني الفلسطيني، محمود تيم، في عمّان، ولمّا لم يتمكّن أعضاء المجموعة التي أرسلها من تنفيذ العملية، انعطفوا إلى عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير في حينه، فهد القواسمي، واغتالوه في 29/12/1983. أما رسالة أبو خالد العملة إلى إبنه خالد (وربما إلى خالد مشعل) المنشورة في صحيفة المستقبل، اللبنانية، في 22/1/2007، فهي مزوّرة ومفبركة، ولم ينطلِ أمرُها على أحد، إلا على القليل من عادمي الدراية. ومن نكات تلك الفترة أن أحد أبناء أبو موسى (سعيد مراغة)، وهو أمين سر حركة فتح الانتفاضة، كان يردّد إن والده هو الأمين العام لجماعة أبو خالد العملة.
يقول المؤلف: “ساهمت فتح الانتفاضة في حماية منطقة الجبل في لبنان في أيلول 1983 (…) حيث تحرّك نحو 350 مقاتلاً في 22/9/ ليحققوا هزيمة للقوات الانعزالية في معركةٍ لم تدم أكثر من يوم واحد، الأمر الذي أذهل [عبد الحليم] خدّام الذي قال لأبي صالح: لولا أن أوقفناكم لكنتم أخذتم بيروت” (ص 224). هَيْ هَيْ. ما هذه الخرافات الهاذية؟ بيروت مرة واحدة؟ طيب، لماذا لم يتابع المنشقون تلك المعركة المظفرة باتجاه جنوب لبنان المحتل، بعد أن ردّهم عبد الحليم خدّام عن أبواب بيروت؟ وهذه العنتريات الزجلية إنما هي إنكار لدور الجيش السوري في تلك المعركة، ولإسهام الجبهة الشعبية – القيادة العامة وبقية المنظمات الفلسطينية، علاوة على الحزب التقدمي الاشتراكي. ولمزيد من الإدعاء يقول الكاتب: “قام مقاتلو فتح الانتفاضة بدور بارز في العمليات العسكرية التي أسفرت عن هزيمة القوات الأميركية ومتعدّدة الجنسيات من فرنسيين وإيطاليين، لتخرج من بيروت بسرعةٍ لم تكن متوقعةً في أواخر شهر شباط/ فبراير 1984” (ص 225). والمعروف أنّ لا عمليات عسكرية ولا مَن يحزنون، بل إن العملية الانتحارية المزدوجة التي وقعت في 23/10/1983، وأدّت إلى تدمير مقرّي المارينز وكتيبة المظليين الفرنسيين، هي التي كانت السبب في إتخاذ قرار الانسحاب من لبنان، وصدر بيان تلك العملية باسم حركة الجهاد الاسلامي، وهي قناعٌ إعلامي لعمل عسكري واستخباري منسق بين إيران وسورية والاتحاد السوفياتي في تلك الفترة (في عهد أندروبوف).
يعترف محمد سعيد دلبح بأن “فتح الانتفاضة” شهدت حالةً من الرفض لممارسة بعض قياداتها التي أُخذ عليها نزوعها نحو التسلط والتفرّد واتخاذ القرارات (…)، حتى ترك إلياس شوفاني في عام 1992 موقعه القيادي في “فتح الانتفاضة” مغادرًا الحركة نهائيًا (ص 226). هكذا بكل بساطة؟ كأن إلياس شوفاني غادر الحركة بإرادته الحرّة. والحقيقة أنه أُجبر على الاستقالة، بعدما تلقى السباب والتهديدات من أبو خالد العملة نفسه. وفي أي حالٍ، اعترف إلياس شوفاني بأن التآمر كان سمةً ملازمةً لعمل المنشقين بعد الخروج من بيروت. ويضيف: “لم أكن أضع أوراقي في عملي بشكل مكشوف، ولم أكن أطرح ما لدي” (راجع: إلياس شوفاني، بوح في المتاح، دمشق: دار كنعان، 2001).
* * *
يعج كتاب “ستون عاما من الخداع” بملتقطاتٍ متنافرةٍ من هنا وهناك، وقد حشدها الكاتب في محاولةٍ للجرح بياسر عرفات. واستند كثيرًا إلى رواياتِ مَن يطنطنون بالإفك، واعتمد على حكايات طويلي اللسان ونبّاشي التهم والافتراءات. ويقول طه حسين في كتابه “الأيام” إن طول اللسان لا يمحو حقًا ولا يُثبت باطلاً. وكان على الكاتب أن يُغربل مصادره وينقدها قبل أن يشرع في تأليف كتابه هذا، أي كان عليه أن يشكّ كثيرًا في مصادره ونقولاته، لأن العالِم هو مِن يشك، والحكيم هو مَن يفكر، والجاهل هو الذي يجزم بحسب أحد الأقوال المأثورة لأرسطو. وقد فرحت قلةٌ من الصحافيين بهذا الكتاب، فكانت أشبه بالعجول الضاحكة، حين تهب لالتقام ضروع أمهاتها. ومن المأنوس أن ثمّة قراءةً انتمائيةً للوقائع، وفي مقابلها قراءة نقدية. وهذا الكتاب لا يمكن الركون إلى تفصيلاته، ومن المُحال اتخاذه من مصادر كتابة التاريخ الفلسطيني المعاصر، لأنه، بكل بساطةٍ، كتاب انتمائي وليس كتابًا نقديًا. وما قوّمته هذه المقالة هنا غيضٌ قليلٌ من فيضٍ كثير من الأغلاط والأغاليط والحكايات المرسلة والافتراءات السقيمة.

عن العربي الجديد

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق