قراءة في ترميز المرأة والزّوجة وقطاع البيولوجي الأنثوي المؤنسن عند علي زيعور[1]

انكبّت التّجربة العربيّة الرّاهنة مع الخطاب في الإنسان على دراسة المرأة كذات، وفي الأسرة، وفي العلائقيّة والمجتمع. وشكّلت إشكاليّة المرأة انعطافة جديدة مع الحضارة؛ انعطافة حرّكت الرؤية للمرأة (الزوجة، الأمّ، الأخت، المراهقة، العشق، الجنس، الخصوبة وغيرها)، فمنها دراسات ممنهجة مكرّسة للمرأة، وأخرى مرتدّة إلى الرجل، وغيرها ممّا هو مشترك وعامّ جامع بين هذين النمطين.

ما يعنينا في هذه المقالة كيف حلّل الدكتور علي زيعور ما رمّزت له الثقافة الشعبيّة الشفويّة وعالم الأحلام بخصوص المرأة، وما هي دلالات ذلك.

يعتبر المعلّم علي زيعور أنّ ظاهرة المرأة في أنماطنا الاجتماعيّة كما الفكريّة القائمة، ظاهرة تاريخيّة غير منفصلة عن الكلّي أي عن وضع المجتمع في بنيته وفي وظائفه الكبرى، وغير معزولة عن الاقتصادي والديني والمعيوش واللاّوعي الثقافي العربي، وأنّ أي تقسيم مانوي – للظاهرة العلائقيّة – إلى ذكوري وأنثوي يبتر الإنسانيّة، ويغفِل التداخل والتمايز أو التغيّر والاستمرار، ويذكّر بازدواجيّات حادّة كثيرة كالمادي والروحي، المحسوس والمتعالي، السيّد والخادم، العامّة والنخبة، الحلال والحرام، المقدّس والمدنّس، وغيرها من المتناقضات.

إنّ جنسنة العالم والعلائقيّة والنظر مضلّلة؛ وهي تفرض علينا أحكامًا مسبقة، وتصوّرًا مانويًّا للحياة والإنسان… هذه الرؤية تصبح قاصرة عن بناء النظرة الناضجة انفعاليًّا للإنسان والمعنى والنظم الاجتماعيّة.

فالخطاب والتحليل عند المعلّم ليس خطابًا جنساويًّا؛ هو خطاب للإنسان، وعلمنفس العادات والتقاليد المعيوشة أو المعيوشات، كالوعي بالمكبوت والمطمور والهاجع في أعماق الشخصيّة أو المجتمع، هو اتجاهات فكريّة ترسّخ انصباب التحليل ثمّ النقد على موقع الكائن ووظيفته ودوره، وعلى الاهتمام بالإنسان المتعيّن (المريض)، وليس بما يعود إلى امرأة أو رجل.

والخطاب في المرأة كذلك هو خطاب في الإنسان المنغرس في مجتمع وتاريخ، له خصوصيّاته. فكانت “الظاهرة النسائيّة” كبقيّة الظواهر التاريخيّة تدرس على حدة، وإن كانت الظواهر تتفاعل فيما بينها، ومحكومة بسببيّة غير خطّيّة، فإنّها تؤخذ كوحدة منفتحة معيارها المقصود والعامّ هو أنسنة العلوم والمجتمعات والمستقبل.

وبما أنّ ميدان عمل الدكتور علي هو علم النفس والتحليل النفسي، فإننا سنعرّج على آليّات الاشتغال في هذا المضمار من وجهة نظره.

لقد اعتبر أنّ علم تفسير الأحلام، كسائر علوم النفس، انتفع من علوم دقيقة مجاورة  كعلم النفس البيولوجي، الفيزيولوجيا أو الوِظافة، المِراضة وغيرها لدراسة الحلم كظاهرة بشريّة متعلّقة بالرمز والدماغ والنوم لأجل صوغ حقائق مثبتة بالتجربة والقياس والإحصاء. كما وجد علم الأحلام، في الإناسة وفي الألسنيّة، البنية عينها التي وجدها في الحلم، أي الذكريات المدفونة لخبرات أرْخية أو طفليّة في حياة الفرد والجماعة.

فقد يكون للجزء الواحد من الحلم أسبابٌ كثيرة، وإمكانيّات عديدة للتفسير، ومستويات في “لاوعي” المريض، لذلك يعطي الطبيب النفسي أهميّة للأحلام، وقد تنتفع الحضارة والتاريخ واللغة من المناهج الحلميّة.

عطفًا على ما سبق، فإنّ المحلّل النفسي يبغي الوصول إلى استنتاجات لخطاب الفكر العربي الإسلامي في المرأة من خلال تراكمات وانجراحات تاريخيّة عميقة الجذور في ذاكرة الإنسان ووعيه ولغته طيلة آلاف السنين، وهذا ما يستطيع التقاطه المعلّم وفهمه لرؤية الغزالي للمرأة أو لاعتبار الخطاب الواعي في الجنس نوعًا من الحلم، ومنتوجًا من منتوجات علم التأويل، وتأثيرًا من تأثيرات اللغة، ومسعًى للتكييف.

وباختصار، يؤدّي الحلم – كما الخطاب في المرأة – وظائف تكييفيّة (تطهيريّة، تعويضيّة، تكامليّة، إبداليّة،…) توفّر الصحّة النفسيّة الاجتماعيّة للإنسان وعلائقيّته وللأسرة. وكذلك كان يؤدّي القول القاسي في المرأة وظائف إيجابيّة للإنسان والمجتمع والسلطة، للعائلة والمعتقدات الزواجيّة وشعور الرجل بالكرامة وبالحاجة القسريّة اللاواعية إلى إسقاط الشرور على غيره (الضعيف، أو منقوص العقل والدين).

من جهة أخرى، فإنّ الخطاب الواعي الذي يجرّح – بمنظورنا الراهن – المرأة أو الزوجة عمومًا يتّضح ويتفسّر أمامنا بمقدار ما نربطه بالحلم حيث تكون رموز الجنس والخصوبة محتلّة المكانة الأولى.

هذه الرموز والتفكير الواعي في الجنس قطاعان نستطيع فهمهما على نحو عميق إن ربطناهما بالحال أو الواقع الذي تحتلّه المرأة في الأمثال الشعبيّة والأغاني الشفهيّة المعيوشة، والأساطير، والأحجيات، وما إلى ذلك من مضمونات اللاوعي الثقافي واللغة العلنيّة كما المتضمّنة.

فتبرز رمزنة المرأة على أساس وظائفها؛ فهي الأرض في عمليّة الخصوبة وتأمين الوفرة، ويسهل التقاط تلك الدلالة بتحليل ميادين القطاع الإناسي العربي والعالمي في الأمثال الشعبيّة، الفخر والألموزات، الأغنية والفن، وأيضًا يترسّخ الاعتقاد عند مفسّري الأحلام بأنّ مَن ملك أرضًا بكرًا فقد تزوّج فتاة عذراء. ويمكن حينذاك فهم رموز أخرى للوظيفة الإنتاجيّة الإخصابيّة للمرأة: الدجاجة التي تبيض، البقرة الحلوب، وغيرها.

وهي – أي المرأة – الخابية أو القارورة في وظيفتها الخازنة، أي التي تحتوي وتحمل الشيء في جوفها. وهي نبع الماء والعين من حيث هي كائن يُرْضِع. وهي الماء والحياة والعشب والطعام والفواكه والأثمار من حيث هي تحيي. وهي شجرة وسمكة وعين ماء وغدير عميق من حيث أنّها توفّر البقاء والاستمراريّة. ومن حيث هي تزيّن وزينة وبهرجة وجمال، فإنّها ترمز إلى الحسن والدلال، الزهور والأناقة، النظافة والغنج، وهي تترمّز بالدنيا التي في معانيها الفتنة والانجرار إلى المعاصي والتعلّق باللذائذ الجسديّة.

والمرأة هي الحياة، وحوّاء (الحياة) التي ترتبط بوظائف اجتماعيّة روحيّة وأخرى علائقيّة أخلاقيّة: الحياء والاستحياء. وربّما يكون نافعًا، ربط كلمة مَرْأة، عند الجذر اللغوي، بمصطلحات أو برؤية للوجود مثل المروءة، وبنُظُم سياسيّة أخلاقيّة واقتصاديّة بالغة التعقيد.

هذا من جهة الوظائف، أمّا من جهة التشابه في الطبيعة والشكل، فتفرض مناهج تحليل رموز الخصوبة قراءة للمرأة تنطلق من الشبه أو التماثل الذي قد يقوم بين الأعضاء التناسليّة وشيء ما في الطبيعة. وهنا، أقام الوعي البشري موازاة أو استدعاء متبادل وترامز بين بعض الفواكه أو الثمار وبعض الأعضاء الجسديّة، بين المرأة والبيضة، بين المرأة وبعض الأشياء المخصّصة لوظائف الخزن والاحتفاظ (كالعلب، والخزائن، والتنّور، والأواني، والأقداح) بيد أنّ التمييز بين ما هو شبه وظيفي وما هو شبه بالشكل ليس حاسمًا.

إنّ وضع الرموز أمام الوعي النقداني عمليّة سديدة في ميداني التفسير والتغيير، وفي جانبي الفلسفة المتلاصقين: الجانب الموجّه إلى الماضي، والموجّه المتدبّر للراهن أو المستقبل. وهو مفيد في كلّ محاولة لالتقاط الرؤية الشمّالة في الوجود والمعرفة والقيميّات. هذا المنهج قادر على اكتشاف مكامن الضعف من أجل علاج ناجع يبتغيه المعالج النفسي للحدّ من الخلل الحاصل في العلاقة بين أطراف المجتمع.

فمن رموز عمليّة الإخصاب:

  • تشارك الإنسان والحيوان والطبيعة في الجنس والأرض والأكل. هذه العمليّات الثلاث تتبادل المعنى والدلالة الوظيفيّة ولكلّ منها أشكال عديدة، كالصيد والحرث، والأكل الذي يستلزم الحركة والوعاء والغلي..
  • أدوات الحراثة والطعام والفعل الجنسي تتشابه في المنطوق الشعبوي واللغة والتعابير السائدة وعند مفسّري الأحلام ومحلّلي النصوص والألغوزات والنكات واللامفصوحات، كالحرث والصيد والزرع الذي يستلزم البذر والفلح والوطء وغيره..
  • التماثل في الرموز تماثل بين العمليّات والأدوات، وتشابه بين المقاصد والسيرورات أو حركات النموّ المتفاعلة، ويبرز ذلك في التراث الشفهي والمدوَّن، كلبس النعلين، والمفتاح، والقفل، والحفر، والامتطاء وغيرها، والذي يلخّص مفسّرو الأحلام التراثيّون جمهرة من الأحلام كالأكل والشراب كرمز جنسي يشير إلى التمتّع، وكالفلاحة والحراثة كرمز لحفلة التناسل والتخصيب.

ولا يخفى علينا إذا انطلقنا من اللاوعي والمعيوش، من الألسني والإناسي من اكتشاف الوظائف السلبيّة للجنس التي تؤدّي في بعض الأحيان إلى قصد تدمير الآخر أو تبخيسه والانتصار عليه، والذي يظهر في أحلام الفرد.

والمرأة أيضًا هي الحصن والقلعة والملجأ، وهي بمثابة الوطن والبلد الأصلي الذي يفيء إليه المرء كلّما احتاج إلى الحماية والاطمئنان والأمان. وهي بذلك، ومن منظور التحليل النفسي الإناسي الألسني، لديها وظيفة نفسيّة اجتماعيّة تفوق الرغبة في الخلود أو الحفاظ على الاستمرار. وهذا الوعي باللامفصوح والمطمور يساعد في بناء الصحّة النفسيّة للفكر والجماعة والمجتمع أو للخطاب العربي، وفي مجال التكييفانيّة المحرّرة المتحرّرة للفرد والكلّ والتواصليّة.

كما يشير الدكتور علي زيعور إلى خصوصية يحملها الرقم 3 في الأحلام ورموز عمليّة الولادة، ويعتبره الرقم الكامل إذْ له بداية ووسط ونهاية. هذا الرقم هو رمز الانبعاث والخصوبة والخلود الذي يبرز في الأدب الشعبي الشفهي بترداده في الحكايا كألف ليلة وليلة. وهو رمز للرقم الأثلوثي في الفكر العربي الإسلامي التأسيس والنهضوي والجهاداني الذي بالغ الصوفيّون في رفع مستواه.

يُضاف إلى ذلك مشهد السقوط في الماء الذي يعتبر رمزًا للخروج من الرحم والولادة الجديدة كموسى الذي أُلقي في اليمّ وحدث له ما حدث.

وكان للاحتفالات الإيقاعيّة وطقوس المواسم والشعائر الجماعيّة وشتّى ما هو مهرجاني دائري رمز للتجدّد والانبعاث؛ فالدبكة رقص جماعي حلقي راسخ في المعيوش الشعبي يرمز لاستجلاب الخصوبة. والحجّ في الجاهليّة نوع من الرقص الجماعي الحلقي أيضًا يهدف إلى التطهّر والتقرّب من آلهة الخصوبة، بل واستجلابها. وكذا الغزو الجاهلي يعود في جذوره إلى طقس تعبّدي وضرورة حياتيّة يفرضها النمط البدوي في العيش الصحراوي القاسي، وأنّ الموؤودة هي ضحيّة للتقرّب من الآلهة، وقد يرى فيه المعلّم مدلولات نفسيّة رمزيّة اعتباريّة تحقّق لصاحبها رغبات ومشاعر لابُديّة من أجل الصحّة النفسيّة والتكيّف مع الذات وفي الحقل والعلائقيّة.

وبحسب علم الأحلام، فإنّ في الغزو أواليات غير مباشرة كالتعويض وتصريف المكبوت ومدلولات رمزيّة ضمنيّة بل وتخيّليّة مهمّة ومحرّكة، وهذا ما يفسّر الربط بين الغزو وأخذ ضحيّة بشريّة أو زوجة من خارج القبيلة.

والفنّ الشعبي، كما الحلم، يكملن المرأة والخصوبة عبر تصويره وتصوّره ورمزنته. فالحوريّة هي امرأة، بطلة مثاليّة تحمل كلّ الكمالات، وتتمظهر في وجه بشريّ ممتلئ وجسم حمامة وذنب هو الزهرة. هذه الصورة انطبعت في المتخيّل العربي الخلّاق كتجسيد للمتعالي والمقدّس والروحاني أو الخلود والتجدّد.

وكذلك، تمثّلت المرأة في الثقافة الشعبيّة بالملاك؛ ذلك الكائن الحيّ المثالي. وفي مقابل هذا الوجه الإيجابي لا يخفى الرمز الآخر الذي يشير إلى الشرّ والألم والخطايا فوُصفت بالحيّة والعقرب والشيطان وغير ذلك.

كما يرى زيعور في تحليله النفسي لكلّ من يكتب أو تكتب في الشأن الأنثوي، في الجنس أو المرأة إضمارًا لمواقف كابتة أو نرجسيّة أو قلقة؛ تشخيص إيجابي تارة، وسوء تكيّف نفسي علائقي تارة أخرى؛ فالنصّ كما الحلم يتفسّر ويعرب عن شخصيّة الكاتب وحالاته.

وأخيرًا، لا بدّ من الإشارة إلى إنّ المرأة – كما الرجل – عنصر لا يُفهم ولا يُدرك، إلّا ضمن كلٍّ اجتماعي ثقافي داخل المؤسّسات. والمرأة جزءٌ لا يتطوّر أو يتغيّر إلّا بتغيّر البنية العامّة أو الوحدة الكلّيّة، يأخذ دوره ضمن علائقيّة هي شبكة أجمعيّة واحدة من الروابط والدلالات، وفيها تحدّد وظيفته. وهذه المتغيّرات التي أصابت الوظيفة والمكانة أو الوعي واللاوعي عند المرأة قد سمحت لنا بالاقتراب من الرشدانيّة أو فلسفة التغيّر الاستراتيجي، يظهر ذلك في المصطلحات المعرفائيّة والأفهومات الأساسيّة، والتي أدّت إلى تغيّر معرفي سرى على العلائقيّة والسياسة والأيديولوجيا.

********

[1] راجع: علي زيعور، حقول التحليل النفسي والصحّة العقليّة كما الروحيّة والحضاريّة، ط 1 (بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع، 2016).

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق