ثورات شعبية من أجل التعدّدية الدينية / عمار ديوب

“عودوا أيها المسيحيون إلى الموصل، وفي الأسبوع القادم سننظف كنيسة الساعة”. هكذا تكلم شباب عراقيون مسلمون في تسجيل في موقع يوتيوب حصل على مشاهدات مليونية، وكان الفيديو يظهر إعادة وضع الصليب على الكنيسة، وفيما يبدو آخرون ينظفونها من بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن بقايا النظام الطائفي الحالي. لافتة أخرى تقول: سنسقط النظام الطائفي، وعودوا يا يهود العراق إلى بلدكم. وفي لبنان، رُفعت شعارات ضد المحاكم الدينية، ومن أجل علمانية الدولة والعدالة الاجتماعية. الأمر ذاته تكرّر في السودان، حيث أظهر الإعلام مشاركة المسيحيين هناك في الثورة، وذلك رفضاً لسياسات التطييف، وأن السودانيين متعددو الأديان، ويجب الانتهاء من أي شكل للغلبة بين الأديان والقوميات، وأن يمثل نظام الحكم الجديد كل خصوصيات المجتمع ومطالبه؛ هذه رسالة الثورات بأكملها، ولهذا وجدناها ترفع في سورية في 2011 “الشعب السوري واحد”.
موجات ثورية
موجة الثورات العربية الأولى أو الثانية، أو المرحلة الثورية الانتقالية الطويلة في العالم العربي، تبدو واضحة التوجهات، فهي ثورات من أجل واقع أفضل، وبما لا يناقض تعدديّة المجتمع القديم، ويضع حداً نهائياً لغلبة دينٍ على آخر، ومن أجل مستقبلٍ اقتصادي أفضل للمفقرين والمهمشين، وأن يكون النظام ديمقراطياً؛ هنا لا يفوتني أن أذكر، أن الثورات حدثت بفعل السياسات الليبرالية الجديدة التي تبنتها كافة الأنظمة العربية ومهما كان شكلها السياسي ومنذ التسعينيات، وهي هي التي فجرت الثورات، ولكنها فجرت كذلك كل القضايا العالقة والتي لم تجد حلّاً لها من قبل، وأقصد قضية الاعتراف بالتعدّدية الدينية في المجتمعات العربية، وضرورة انتهاج نظام ديمقراطي يستند إلى المواطنة وحقوق الإنسان، وحماية حرية الأديان. القضايا الأخيرة تناقش دولياً، بحيث تشتمل دساتير الدول على العلمانية والمواطنة وحقوق الإنسان، وكذلك على حق الأفراد والجماعات في الإيمان والإلحاد أيضاً، وضمن منظومة القيم السامية والكبرى، وبما يدفع كل أشكال الفكر والثقافة والسياسة إلى تبني رؤية جديدة للمجتمع تتضمن بالضرورة المواطنة والمساواة بين الأفراد، وتضمن حق الأديان والمؤمنين بالمشاركة السياسية ووفقاً لمرجعيتهم تلك، ولكن بإطار أهداف تتعلق بالتعايش المجتمعي والسلم والحوار ومفهوم العدالة، وأن تكون الحرية عامة ومتاحة للجميع، مؤمنين وغير مؤمنين، وملحدين وسواهم، وهذا لا يتحقق دون الاعتراف بالآخر، ومهما كان الآخر. الأديان مطلوب منها أن تتغيّر وتتعلمن، وكذلك العلمانيون وكل أشكال الثقافة مطلوب منها أن تتديّن، وبالتالي يجب الوصول إلى مبادئ دستورية تنظم هذه القضايا، وتكون مصدراً للقوانين الناظمة لشؤون الدولة والأفراد.
أظهرت ثورتا العراق ولبنان، ورغم أن الجانب المعيشي هو المصدر الأساسي لانطلاقتهما، أنهما ثورتان ضد النظام الطائفي الذي كان الغطاء للنهب والفساد والهيمنة الأميركية أولاً والإيرانية ثانياً. أظهرت الثورتان أنهما تجاوزتا القيد الطائفي بشكل كبير، وهدمتا كل أعمدة الهيكل الطائفي؛ فكل الأحزاب الطائفية هناك حمت الفساد والنهب وكذلك في لبنان، وقسَّمت الشعب سياسياً كطوائف وأديان، وما زالت تحاول ذلك. رسالة الثورات هنا أن الطائفية لم تعد حاميةً لأية حقوق اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، وأن الأديان والطوائف يجب أن تبتعد عن السياسة أو تطوّر نفسها، وتَعتمد في حقل السياسة مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان، وضمن ذلك فقط عليها إصلاح الفقه أو اللاهوت أو أية مرجعيات دينية أخرى، وهذا يتضمن حماية للدين من ناحية وحماية حقوق الشخص الإنساني، ومهما كان الدين ومهما كانت معتقدات ورؤى ذلك الشخص. ليس سهلاً تلمس ذلك في شعارات الثورات، ولكن كافة تلك الشعارات، تفيد برفض أية عدائية للعلمانية أو للدين، وبمعاداة كبيرة للاستبداد والطائفية والإفقار؛ درس الثورات هذا، إمّا أن تفهمه قوى الاستبداد والطائفية، وإمّا أنها ستسقط بالضرورة.
المسكوت عنه يتكلم
أما لماذا تطرح الثورات ما هو غير مباشر، ويتعلق بالقضايا المُعلقة تاريخياً، أو المظالم التاريخية، أو ترفض إرث الطائفية والاستبداد، فلأنها ثورات حقوقٍ عامة؛ فهي ثورات لا تقطع مع ماضي الشعب وحاضره، بل وتؤسس لمستقبله. هي أيضاً، ترفض الإفقار والنهب والفساد، وتريد دولة تنصف كافة الأفراد، وتتخلص من إرث تاريخي كان يُغلِب الدين الإسلامي على بقية الأديان، ومن إرثٍ استبدادي حديث يوظف الدين من أجل مصلحة الحاكم وتخريب العلاقة بين الطوائف، ويجعل الدين مؤسسة تشوه الدين نفسه وتُغيّب الجوهري فيه، والمتعلق بعلاقة مميزة للأفراد مع الله، وصيانة حقوق الأفراد، ورفض كل تأويل للدين لا يتوافق مع علو مكانة الشخص الإنساني وحماية حقوقه؛ هذه مهمة الأديان، وهي مهمة الطيف الثقافي والسياسي الحداثي كذلك.
الثورات ترفض الكلام الخافت سابقاً، والذي كان يتناول مأساة تهجير اليهود من البلاد العربية، وبدءاً بسورية والعراق وليس انتهاء باليمن، وكذلك تتناول مأساة تهجير المسيحيين من العراق، والكلام لا يخص سنوات “داعش” القليلة فقط، والأمر نفسه في كل العالم العربي، وهي بالتأكيد ترفض تهجير المسلمين من بلادهم كما حصل في سورية والعراق. التخريب طاول طل الطوائف في منطقتنا العربية، وأسّس لعداوات بينها، وأما الثورات فتعلن نهاية الأنظمة الطائفية، وسواء في السودان أو لبنان أو العراق، وكذلك في سورية؛ الشعوب لم تعد تقبل بأنظمة غير ديمقراطية، وعادلة وتستند إلى المواطنة.
عانت المنطقة العربية بشكل مخيف من قضية اللعب بالطوائف، وتسييسها، وتشويه العلاقات المجتمعية؛ ومن بين أهداف الثورات إنهاء كافة أشكال الطائفية. هذا ليس بسيطاً التعبير عنه، وليس سهلاً التخلص منه، وكثرة المشكلات المُعلقة ربما هي السبب في غياب رؤية واضحة لمستقبل الثورات، ولهذا تتعدّد شعاراتها وتتوضح تباعاً في هذا البلد أو ذاك.
تاريخ وأنظمة طائفية
كانت الدولة العثمانية كما سابقاتها من الدول العربية الإسلامية محكومة بنظامٍ سياسي يستند إلى الدين، وكان تعبيراً متوافقاً مع التاريخ الديني، حيث الغلبة لدينٍ معين، ووفقه تنظم الحدود والحريات والتسامح مع بقية الطوائف والأديان والمذاهب. انتهى هذا مع مجيء الاستعمار الغربي، والذي لعب بدوره بقضية الطوائف، وأعطى الأقليات حقوقاً أكبر في مناطق كثيرة على حساب الأغلبية. لم يتقدم الأمر وفقاً للرؤية العروبية السابقة لتلك الاحتلالات والمرافقة لوجودها، أي أن العرب صاروا يُعرَفون أنفسهم بالقومية، ولديهم تعددية دينية واسعة، وبضرورة إبعاد الدين عن السياسة، واعتبار الدين ذاته معبراً عن مرحلة قديمة في التاريخ، وعن ثقافة جماعات بشرية في الحاضر؛ كل ذلك لم يُطرح من قبل الاستعمار، ولكنه كان في صلب رؤية الأحزاب العربية في ظل الاحتلالات، وكذلك هو تعبير عن توجه المجتمع حينذاك، وباستثناء ذلك، فإن الإسلام السياسي أو المسيحية السياسية هي من طرحت رؤية الاستعمار ذاتها، وهذا أسس لمشكلةٍ مجتمعية، تفجرت تباعاً؛ ففي لبنان شُكِلَ نظامه وفق التطييف والطائفية، وجاءت عملية زرع إسرائيل ككيان صهيوني ويستند إلى الدين اليهودي لإعطاء الأحزاب والدول القومية حجة كبيرة لمعاداة اليهود العرب في البلدان العربية، وتوجيه الأنظار نحوهم، وبهدف إبعاد الشعوب عن التصويب ضد أزمات تلك الأنظمة ولا سيما في العراق وسورية ومصر.
الأنظمة الديكتاتورية هذه، وبدلاً من أن تُحيّد الأديان والطوائف، عادت إلى المنظور نفسه، أي الإسلامي القديم، وبما يمجّد الرؤساء والأنظمة، ولكنها تشدّدت ضد اليهود وهجرتهم، وكذلك عزّزت التطييف المجتمعي والسياسي، وتمّ ذلك من أجل نهبها الثروات، وتخريب الهوية الوطنية التي كانت تتجه إليها الشعوب العربية منذ أكثر من قرن. هذا ليس بسيطاً، ولهذا كان واضحاً للأنظمة الشمولية أن تفكيك الشعوب عبر التطييف، هو طريق ديمومتها، وهو ما يُظهر الاستبداد ذاته كممثلٍ عن الطوائف: “صدام حسين ممثل للسنة، حافظ الأسد ممثل للعلويين” وهكذا؛ بينما الصحيح أن هؤلاء الزعماء يمثلون كل المستفيدين من أنظمتهم ويمثلون أنفسهم. هذه الفكرة لا تتناقض مع تفكيك المجتمع طائفياً، وهذا ليس من أجل ضمان حقوق الطوائف وأفرادها بل من أجل ضبط المجتمع في إطار أفكار وهواجس دينية أو طائفية من ناحية، ومن ناحية أخرى، يتكفل الاستبداد بالإجهاز على العلمانيين والماركسيين والحداثيين والمتنورين دينياً، وكل الرافضين لتلك الأيديولوجيات وذلك الواقع.
في ذاكرة الشعوب العربية، ونستثني الطائفيين، وهم ليسوا مؤمنين بالضرورة، هناك كلام عن تعدديّة المجتمع دينياً، وعن علاقاتٍ جيدة بين الجماعات الدينية، وهناك أمثلة كثيرة تفيد بتآزرٍ كبير بينها في الأحزان والأفراح والمشكلات. هذا حديث فيه صواب كثير، وربما فيه مبالغات كذلك، وهنا يقع التحليل الفكري والسياسي في الخطأ، حينما يرى كل خلاف بين اليهود والمسيحيين والإسلام وسواه خلافاً سياسياً. القضية تكون كذلك، فقط حينما ترتبط بالدولة أو بالتسييس، وسوى ذلك، فهناك قراءة أخرى للدين وهي تتفق مع الرؤية الشعبية للدين، والتي تنطلق من ضرورة المساواة بين كل أفراد المجتمع، وتذليل المشكلات بين تلك الجماعات، وبما يعيد للمجتمع استقراره ويمنع الفوضى ويشدُّ من أواصر التراحم والانصهار المجتمعي. قراءة أية حوادث اتجهت نحو النزاع الديني، توضح أن الخلافات الدينية خلافات سياسية بامتياز، وهذا ما حصل في سورية 1860 أو في لبنان في ذلك الوقت، والأمر عينه أثناء الحرب الأهلية في ثمانينات القرن العشرين. الثورات تريد الانتهاء من مشكلات التاريخ ومشكلات الأنظمة كذلك، وهي تبتغي قراءة جديدة للدين ذاته وبما يجعله ديناً “علمانياً” والأخير “دينياً”. لنراقب ثورة الشعب اللبناني وهي تحاول تجاوز كل أشكال الطائفية والتأسيس لتآزر كبير بين أهل طرابلس والنبطية مثلاً، والعكس صحيح، والأمر ذاته تكرّر في سورية 2011 وفي العراق والسودان كذلك.
طريق الثورات العربية ليس معبّداً بمشكلات اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، أي بقضايا محدّدة وجليّة في وضوحها؛ فهناك مشكلاتٌ كبرى، عمرها يمتد إلى لحظة انفكاك الشعب العربي عن الدولة العثمانية، ولهذا هي تحاول أن تتجاوز كل الإخفاقات التي منيت بها الأنظمة العربية. ومنذ ذلك الحين. إذاً لا خيار أمام الثورات، ولا سيما في موضوع التعددية الدينية إلّا اعتباره واحداً من قضايا النظام السياسي، والتعبير عن كافة أشكال التعددية، وفي إطار تشكيل هوية وطنية منفتحة على هذه التعددية، ومعبرة عنها عبر الدساتير والنظام السياسي، ولكن ضمن منظور المواطنة وحقوق الإنسان. الثورات تعي ذلك، أو تحاول أن تعبر عن ذلك. هذه ليست معركة سهلة، وقوى الأمر الواقع، وبدءاً من الدول العظمى وحتى الإقليمية والقوى الأصولية والجهادية وقطاعات من المجتمع المحافظ، ستقف ضدها، ولو أضفنا غياب وعي ورؤية واضحة للثورات بخصوص هذه القضايا، فإن المسألة ليست بسيطة أبداً، ولكنها مطروحة بقوةٍ في بلدان الموجتين الأولى والثانية للثورات العربية.
نظام الأزمات
النظام العربي هو نظام الأزمات، وقد شوّه الدولة الحديثة، وحاول تطييف المجتمع، وهو ينزع أثناء الثورات إلى إشعال الحرب الأهلية والطائفية، ولا تعنيه قضية السيادة الوطنية أو الهوية الوطنية وبالتأكيد هو نظام ضد مختلف أشكال الحقوق والحريات المتساوية. ولهذا خرب ثورات سورية وليبيا واليمن، وانقلب على الثورة المصرية، وحاول تخريب الثورة التونسية، والتي ما زالت أهدافها بعيدة عن التحقق، رغم التطور الديمقراطي الأولي التي يتحقق منذ 2011. قصدت أن النظام السابق يحوز على ثروات الدولة، وله دعم عالمي كبير، ولهذا حذّر كثيرون من “الدولة العميقة فيه”، وتخوف آخرون من الفوضى التي سيخلقها هو ذاته، وهناك من شكّك ويشكك بجدوى الثورات، وهناك من يعتبرها “غضبة، أو جائحة، أو صدى وهكذا”. فعلاً الأنظمة قوية وشرسة، وقد أعاقت بكل السبل أي انفتاح مجتمعي أو سياسي سابق للثورات في سورية والعراق، وليبيا، وراكبت أزمات متعددة في سيرورتها وصيرورتها، وانفجرت بأكملها مع انفجار الثورات، ولهذا رفعت الثورة بشكل سريع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” أي يريد الخلاص الكلي من نظام الامتيازات والمافيات والتخريب المجتمعي، وبلدان الموجة الثانية تجتهد لرفض كل تعبير ثوري غير وطني وسلمي وشعبي، وترفض أي شكل للالتحاق بالخارج، ولهذا نجد الثورات اللبنانية والعراقية والجزائرية بلا قادة محدّدين أو سياسات وبرامج محددة رغم ضرورتها وأهميتها، وبالتالي الثورة الشعبية العارمة، وهي تبتغي الوصول إلى أهدافها العامة: الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، تبتغي كذلك الوصول إلى تمثيل كافة أشكال التعددية القومية والدينية وإقرار حق المساواة للجميع، والتصالح مع الماضي، والتأسيس من أجل مستقبل أفضل للجميع.
التعدّدية الدينية أو القومية أو المساواة بين الرجل والمرأة قضايا تخيف كل الدول المؤثرة عالمياً وإقليمياً، ولهذا أعداؤها ليسوا قلة، وهم يفعلون كل ما من شأنه إخماد الثورات، وسحقها؛ أميركا لا تفعل شيئاً، وروسيا تجتهد لإعادة إنتاج الأنظمة السلطوية والمظلوميات الدينية، وأوروبا تبدو عاجزة ومربكة؛ إيران والخليج وتركيا يحاولون الاستثمار في هذه الثورات، وتخريبها كما تفعل الأنظمة والطائفيون.

عن العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق