سيد مكاوي..الشيخ الذي عمل مع العوالم / وجدي الكومي

تنفتح سيرة الموسيقار المصري سيد مكاوي على أكثر من حكاية، حكاية طريق صعب، خاضه ببأس وإصرار عجيبين، متحدياً نفسه، وإعاقته، سائرا وسط الظلام، ليمنح النور بموسيقاه، هي ليست سيرة ذاتية عادية، بل رحلة تحدٍ قطعها صاحبها بصبر وثبات على الدرب، واثقاً من بلوغ قمة الجبل الوعر الذي اختار تسلقه، ووسط كل هذا، لا تخلو السيرة من متعة حكائية، إذ كتبها الصحافي المصري ماهر زهدي بإتقان وسعة إطلاع على سيرة الراحل وفي الوقت نفسه، دراسة وإلمام بموسيقاه، وكيفية صنعه لها…

إن الرحلة التي قطعها صاحب أغنية “الأرض بتتكلم عربي” في حياته، والمجسّدة هنا في كتاب “سيد مكاوي صانع البهجة”*، ترفع ركام الغبار عن حكايات عديدة في إرثنا الموسيقي، وعن صداقات وتحالفات، وعن دموع وأحزان، وعن آمال تحققت كلها لصاحب السيرة. لم يكن مكاوي محظوظاً في بداياته. لم يكن طريقه سهلاً، كف بصره بعدما فقده في الحكاية المعهودة التي يتحالف فيها الجهل مع الخوف من الطب والأطباء، فضاع بصره بعدما ذهبت به أمه متبعة رغبة أبيه إلى محروس المزين، ليعالج عينيه المصابتين بداء الرمد الصديدي وكان في عامه الثاني. يضع محروس المزين بودرة “الششم” في عيني سيد، ليضيع نوره إلى الأبد، ويعرف الطفل حينما يصل إلى الخامسة أنه ليس كأقرانه، وأن عليه أن يتجاوز تلك العاهة، فلا يقدّم نفسه إلى الجميع ككفيف، بل يشارك أطفال حي الناصرية الشعبي الفقير ألعابهم، ثم يدخل الكُتّاب، حيث يحفظ القرآن كاملاً.

يروي ماهر زهدي هذه المقاطع من سيرة نشأة سيد مكاوي، مستعينا بحوارات بينه وبين والده، وبينه وبين شيخه في الكُتاب، من ذلك حينما أراد ذات مرة أن يعاقبه لأنه لم يحفظ “عم يتساءلون” إذ جعله يحضن العروسة، التي كانت عبارة عن هيكل من الخشب تستوعب رأسا ويدين ورجلين لمن يحتضنها كي يُعاقب بالضرب على مؤخرته، حال عدم الحفظ.

هم الشيوخ يعملون مزيكا؟
يبدأ مكاوي شغفه بالأغاني والطرب في صباه، بينما يشتري الحلوى من الحلونجي”عم مسعود” الذي يغني منادياً على بضاعته، تنمو داخله جذوة حب الغناء والطرب، ويساعده على ذلك اكتشاف شيخ الكُتّاب لحلاوة صوته في التلاوة. يعرف وهو في العاشرة من عمره أغاني المطربين الشيوخ، وحينما يحمل لقب شيخ بعد إتمامه حفظ القرآن كاملا تجويدا وترتيلا، ويعمل مقرئاً يدهش مستمعيه بصوته الرخيم وترتيله الرائع. وسط هذه التطورات التي تطرأ على طفولته، يتعرّف للمرة الأولى على “الغرامفون” الذي يسجل أصوات المطربين. يسمع لأول مرة “سالمة يا سلامة” لسيد درويش، التي كتبها بديع خيري ولحنها وغناها درويش احتفالا بعودة الملك فاروق، ليتسلم عرش أبيه الراحل أحمد فؤاد، بينما تطرأ تغيرات على حي الناصرية.. إذ يقرر أهالي الحي مساندة ابنهم سيد مكاوي ومنحه فرصة القراءة في مناسباتهم الاجتماعية، من باب كونه المعين الوحيد لوالدته وأشقائه الخمسة.

يشير ماهر زهدي إلى ما تشهده مصر من تطورات موسيقية آنذاك، كانت المدرسة التقليدية لتعليم الموسيقى في مصر هي مدرسة المشايخ الذين يتلون القرآن، ومن أشهر نجومها الشيخ إسماعيل سكر، وحسن جابر، وأبو العلا محمد، ويوسف المنيلاوي. كان المسرح الغنائي قد وُلد آنذاك على يد الشيخ أحمد أبي خليل القباني الدمشقي، وتربّع الشيخ سلامة حجازي على عرش الغناء بعد وفاة عبده الحامولي العام 1901، وهكذا، كانت الظروف مهيأة على نحو أو آخر لسيد مكاوي، إذ إعتُمِد في مسجد الحي وهو لم يتخط عامه الثالث عشر، مودّعا اللعب مع أقرانه، مستقبلاً عهداً جديداً، هو عهد تعلم الموسيقى من سلامة حجازي، والخطو على درب سيد درويش.

يتعرّف سيد مكاوي إلى الموالد التي، تشهد إنشاداً دينياً في الكثير من لياليها، ويتعلّم في حلقات الذكر والمدائح حبّ الشيخ محمد رفعت، أحد أعذب الأصوات التي تتلو القرآن في القرن العشرين، وفي الوقت نفسه تقع في يده أسطوانة، تحمل أغنية يغنيها محمد رفعت، فيتشجع قلبه تجاه الغناء سيرا على درب محمد رفعت. وبرغم مقاومة والدته، وانصراف أهل الحي عنه بعد أن يلتقيه أحدهم ذات ليلة في أحد الأعراس، لكرههم أن يعمل شيخهم مع العوالم، إلا أنه يواصل محاولاته تحقيق حلمه، مرتدياً نظارة سوداء، كي لا يتعرّف عليه مرة أخرى أحد أبناء الحي حينما يكون في عرس من الأعراس التي يغني فيها.
أنا جوايا مزيكا

في الحوار الذي يورده ماهر زهدي في الكتاب بين مكاوي وأمه، حينما استنكرت عليه أن يكون مغنياً، يجيبها سيد مكاوي قائلاً: “عارفه يا أمي.. أنا جوايا مزيكا.. لو خرجت، هتخلي الدنيا كلها تغني وترقص”..

يزداد سيد مكاوي قرباً من هدفه بعد أن يتحقق له شيئان، أولهما التعارف بينه وبين الشيخ سلامة حجازي، أستاذه وقدوته ومعلمه، وثانيهما التعرف على صلاح جاهين، الذي يلعب دورا لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبه الأول في درب سيد مكاوي، فحجازي يستمع لسيد مكاوي بينما يغني له لحنا من ألحانه، وبعد أن ينتهي من وصلته يطلب لقاء الشيخ سيد، فيسأله لماذا يغير في مقام إحدى أبيات الغنوة، يكتشف سلامة حجازي أن إطلاع سيد مكاوي الموسيقى هائل، وشديد العمق، حينما يجيبه: “دا مقام الهزام.. أنا لاحظت إن لكل غصن لحناً مختلفاً، ومقام جميع الأغصان هو الهزام، وفي الغصن نفسه لقيت البيتين الأولانيين بيختلفوا في اللحن كل مرة، أما البيت الثالث في كل غصن فيرجع للحن الأصلي، ودا بيبان لما بتقول: من كل صحبة، وفي كل مهجة، ويعود صفانا”.

يقول سلامة حجازي لسيد مكاوي: “أنت زي ما ربنا اعطاك موهبة الطرب، أداك موهبة الفهم”.
يكوّن زكريا أحمد فرصة لقاء لا يتم بين مكاوي وأم كلثوم، إذ يحاول سيد مكاوي أولا أن يعرض ألحانه على أم كلثوم، بعد سنوات من العمل والتلحين والغناء في الإذاعة، إلا أن اللقاء الأول بينه وبينها يفشل، إذ لا تخاطر أم كلثوم مع ملحن جديد، إلا حينما يثبت نفسه، فتقول له: “شرفت يا شيخ سيد”.

لكن حينما تتفق أم كلثوم مع زكريا أحمد على تلحين أغنية “أنساك”، توافيه المنية قبل إتمامه اللحن، وهكذا يذهب سيد مكاوي إلى اللقاء الثاني له مع أم كلثوم، يذهب وقد امتلأ وقطع عشرات الخطوات الناجحة في مشواره، يذهب وقد ذاع صيته بعد تلحينه لأوبريت “الليلة الكبيرة” الذي نجح مع صلاح جاهين، وبينما كانت أم كلثوم تعتبر أن تكليفها لأي ملحن على ساحة الأغنية بإعداد لحن لها، هو بمثابة ميلاد له، كان سيد مكاوي قد امتلأ، وعلى الرغم من أن قلبه قد رقص فرحاً لاتصالها به، إلا أنه تذكّر اليوم الذي ذهب فيه إليها يعرض نفسه وألحانه عليها، وهكذا ذهب إليها و”عقله يجره إلى الخلف” حسبما يشير ماهر زهدي، وبعد أن يستعد مكاوي بإعداد مقدمة موسيقية للغنوة التي لم يلحنها سلامة حجازي، وتصفق أم كلثوم طربا لها، يباغتها مكاوي بسؤاله عن أجره، فتهتف أم كلثوم دهشة: “أجر.. ماله الأجر.. ما أكيد أنت هتاخد أجر.. ثم فيه حد يلحن لأم كلثوم ويتكلم في أجر يا شيخ سيد”..

فيرد عليها قائلا: “اعذريني في صراحتي يا ست الكل.. الكلام دا ما يمشيش عند البقال ولا الجزار”.

تغضب أم كلثوم، وتسند تلحين “أنساك” إلى بليغ حمدي، وتوحي له ببعض نغمات مكاوي، وجاءت المقدمة والمقطع الأول من الغنوة قريبة الشبه بما وضعه “صانع البهجة”، يحزن حزناً شديداً عندما استمع إلى المقدمة، وشعر به صديقه صلاح جاهين، الذي كان أول من استمع إلى بواكير اللحن. يرسم صلاح جاهين كاريكاتورا في الأهرام، مهاجما بليغ حمدي، على هيئة شخص يستمع لغنوة “أنساك” يقول للراديو: “أهو دا اللي مش لحنك أبدا يا بليغ”.

ذروة النشاط والحراك الفني لمكاوي وجاهين، كان تعاونهما في أوبريت “الليلة الكبيرة”، ثم في تلحين الرباعيات كاملة، يفرحا لانتصارات الوطن، ويحزنان سويا لنكسته، ويدخل على الخط الشاعر فؤاد حداد، فيشكلون ثلاثيا مذهلا، يقدم لمصر إرثاً فنياً كبيراً، بعد أن يضيف المسحراتي إلى جعبة أعماله، والتي يقدمها في الإذاعة والتليفزيون، حينما بدأ سيد مكاوي تلحين حلقات من المسحراتي للإذاعة، كان نصيبه منها ثلاث حلقات فقط، مشاركة مع باقي الملحنين. يشير ماهر زهدي إلى أن مكاوي اشترط شرطاً غريباً على مسؤولي الإذاعة، أن يقدم حلقاته الثلاث بأسلوب مغاير لما اعتاده بعض الملحنين. إذ يقدمها من دون مقدمة موسيقية، ومن دون عود، فقط باستخدام طبلة، ملحنا الكلمات بصوته، طبلة صغيرة أبرك من فرقة موسيقية، هكذا يفاجئ سيد مكاوي الإذاعة بتقديم كلمات المسحراتي بلا موسيقى، تنجح حلقات سيد مكاوي الثلاث نجاحاً باهراً، وفي العام الثاني تستغني الإذاعة المصرية عن كل الملحنين الذين شاركوا مكاوي تقديم المسحراتي العام السابق، وتسند له تقديم الثلاثين حلقة.

هذه سيرة فنان كلما سار في درب، أناره، وكلما خطا بقدميه في طريق.. سمع خطوه كل نائم، أو غافل، وبأصالته وتعليمه لنفسه الموسيقى، قدم ما لم يقدمه المبصرون، سيرة شديدة الإمتاع، لمبدع متفرد لن يتكرر.

عن “المدن”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق