البعث وباب النيرب أو الأصولية والهوامش / حمّود الحمّود

إذا كان النقد التاريخي يمنع علينا السقوط في «فخ الحتميات» اليقينية في تفسير الظواهر التاريخية وذلك بإحالتها إلى ملفات القدر، فإنه لا مناص أحياناً أنْ تُبتلى ثقافاتٌ بسيادة «مكر تاريخي» عليها- مكرٌ تتوارثه مجتمعاتها (طالما أنّ غياب التغيير يسود تلك الثقافات) وتعيد إنتاجه بأشكال متنوعة، وتحديداً على أيادي الأيديولوجيات التوتاليتارية، وفي سياقنا السوري: الأيادي البعثية وتلك الإسلامية الأصولية. أحد أشكال هذا المكر التاريخي يرتبط تماماً بالعلاقة الحميمية بين تلك «التوتاليتاريات» التي غالباً ما تنولد من رحم المركز (رحم المدينة) و«الريف»، والذي سيمثل المرآة التي تستطيع من خلالها تلك التوتاليتاريات تمثّل وجودها. وكنا قد أشرنا في نهاية عجالة سابقة (بروكار برس 2019/11/11) إلى سؤال يشير بين طياته إلى هذه العلاقة الحميمية بين الأصولية والريف، وتحديداً حول أسباب لماذا طبع «الوقود الأصولي» البشري في سورية طابع ريفي هامشي لا مدني، ولماذا كانت البيئة الريفية في سورية شديدة «الخصوبة»، أكثر من المدينة، في أنْ تكون خزاناً بشرياً للحركات الأصولية المسلحة. فيما سيلي سنعرض بعضاً من جوانب هذا الإشكال الذي ما زالت سورية تواجهه مع زعماء التوتاليتارية.
 
طبعاً السؤال نفسه يمكن طرحه أيضاً في سياق استطالات البعث وامتداداته الاجتماعية الريفية: البعث كأيديولوجية أنبياؤها المؤسسون الأبطال «مدنيون»، دمشقيون، لكن وقودها البشري «ريفيون». وبصرف النظر عن العلاقات المعقدة، التي ندركها، بين البعث وقواعده الريفية، وتحديداً حينما يُشار إلى البعد الطائفي في هذه القواعد (وهذا لا يهمنا الآن)، فإنّ ما يسترعي الانتباه في سياق الألم السوري هو استطاعة النظام القوية في استكمال لا تخريبه للمجتمعات السورية وتجنيد بعضها ضد البعض الآخر فحسب، بل أيضاً مصادقته على مكرنا التاريخي فيما يرتبط بشكل استطالة أيديولوجيته البعثية بالقبيلة والريف.
 
إنّ منطقة مثل باب النيرب في حلب «الشرقية» في مقابل «الغربية» (كما جرت العادة في هذا التقسيم) تقدم بالفعل أنموذجاً صغيراً، لكنْ مهماً، حول هذه النقطة. المنطقة تمثل بالأساس رابطاً شديد «الهامشية» على أطراف «المركز» الحلبي الغني ويجسد قمة التناقض الاجتماعي بين الريف والمدينة، رغم أنه محسوب رسمياً على الأخيرة. إنّ قراءة دقيقة لكيفية تعامل البعث السوري معه على مدار عقود تظهر لنا لماذا بالفعل قد مثلت مناطق الهوامش السورية والريفية كإمكانيات سوسيولوجية بشرية له، حيث استغلها النظام البعثي منذ السبعينيات (والتي كان ينظر لها «المركز» كعناصر «غريبة») وبنى من خلالها مع وجوه اجتماعية مؤثرة علاقات متشابكة وطيدة مثلت بالفعل رصيداً قوياً له في مسار الانتفاضة السورية (مثلاً مع العائلة «البرلمانية»، عائلة آل بري التشبيحية التي تحولت إلى أداة قمع بعثية ضد معارضي النظام)؛ لا بل حولها النظام السوري إلى جهاز أمني ​​وسياسي له وبمثابة سكاكين يسلطها على رقاب كل من يتفوه بـ«لا» (ولنتذكر أيضاً اعتماد النظام السوري الرئيس على أمثال هذه السكاكين «الهامشية» في حربه ضد الإخوان في الثمانينات).
 
طبعاً الأمر لم يكن يقتصر على علاقات اقتصادية أقامها البعث مع هذه المناطق ولا حتى بالسماح لوجوه اجتماعية هناك بالصعود إلى مراكز سياسية حساسة أو أنْ تمسك برأس المال الاقتصادي والتشبيحي؛ فالأمر امتد حتى في بناءات عميقة لتحالفات إسلامية مع وجوه هذه الهوامش ستمثل له أرصدة أيديولوجية يتكئ عليها في شرعنة تحالفاته. أبرز مثال هنا أمامنا هو المدرسة الشرعية النبهانية (المشهورة بالمدرسة الكلتاوية) على أطراف منطقة باب الحديد والتي أعاد تأسيسها محمد النبهان، ومن بعده تلامذته القادمين من الباب وباب النيرب؛ والمدرسة استطاعت بناء خطاب أصولي تخرّج من تحت عباءته ثلة هائلة من العلماء الأصوليين دعمهم نظام البعث ضد أيّ خطاب ديني آخر في حلب يحمل بصمات المدنية (ومعظم طلاب هذه المدرسة يقدمون من الريف): الشيخ محمد الشامي، ثم ابنه صهيب الشامي (الذين كان مفتياً لحلب) والشيخ أديب حسون وأحمد حسون، المفتي الأصولي الحالي لسورية، وليس أخيراً الشيخ محمود الحوت، المدير الحالي للمدرسة (والذي أخذ موقفاً ضبابياً من الانتفاضة السورية وسافر إلى الخارج، لكن ليعود إلى أحضان البعث بوساطة ودعم إيراني).
 
تحالف البعث مع ثلة مشايخ باب النيرب ومناطق الباب في حلب لم يكن يعني على الإطلاق إخراج مناطق الهامش من هامشيتها وتحسينها، بل تجسد سياسة عميقة له وتماثل تماماً ما ابتليت به الكثير من المناطق الإسلامية حينما لا تستطيع الأصولية، التي تنبع من المدينة، في تحقيق ذاتها ميدانياً سوى بالاتكاء على الريف والهامش (ولا ننسى أنّ الأصولية عموماً هي بالأساس في عمقها التاريخي «ظاهرة مدينة»). هل يمكن أنْ نتخيل أنّ ظاهرة أصولية برجوازية بأساسها، مثل الإخوان المسلمين، يمكن أنْ تتمكن في مجابهة النظام السوري من غير الاتكاء على «بشر الهوامش»؟ هذه الاستراتيجية هي بالضبط ما اتبعته الإسلامويات المسلحة وتلك التي استخدمتها سلطات الأيديولوجية البعثية القومية، وما زالت، في سياسات القمع والوقوف في أي وجه مدني.
 
هذا يفسر لنا بجزء منه لماذا تتركز امتدادات الحركات الجهادية الإسلامية في سورية في الريف، أو بمعنى أدق في الهوامش السورية ولماذا كانت هذه نقاط الانطلاق الأولية لعمليات الجهاد المسلح، وأيضاً للتشبيح البعثي. لقد غدت بالفعل هذه الهوامش تجسد خزانات بشرية ورمزية تُستمد منها أدوات العنف والترهيب؛ ولأنها كذلك، فإنها تحولت إلى «ساحات صراع» بين الإسلاميين المسلحين وعصابات البعث المسلحة في السيطرة عليها واستخدامها في سبيل وجودها (مثلاً: «لواء القدس» الفلسطيني الذي يجسد عصابات مسلحة استخدمها نظام البعث من فلسطينيي مخيم النيرب للاجئين في حلب، وقد أسسه محمد السعيد بالتنسيق مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة (زعيمها أحمد جبريل). والملفت أنّ أعضاءه الذين يعملون بكل ما له علاقة بنشاطات التشبيح والمخدرات أنهم يطلقون على أنفسهم «فدائيو الجيش العربي السوري»).
 
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن تفسير، كما يشاع، أنّ مسار الانتفاضة يجسد حرب الريف على المدينة أو انتقام المهمشين ضد أسياد المدينة. فهذا التفسير لا يلغي فحسب أنّ هناك بالأساس معركة ضد التوتاليتارية البعثية، بل يلغي أيضاً، ببعد منه، التدقيق بمسألة لماذا أصبحت أصلاً الهوامش هوامش ولماذا تصر سياسات البعث على أنْ تبقى كذلك هوامش، لا بمعنى العشوائيات وما يستتبع السياسات الاقتصادية الإفقارية هناك فحسب، بل بمعنى سيادة وإعادة خلق نمط محدد من «أخلاق الهوامش» (على مقاسات السلطة) وما يقتضي ذلك من أبعاد ثقافية وسوسيولوجية يمكن للنظام السوري أنْ يستثمر بها في كل وقت في سبيل وجوده؛ طبعاً هذا إذا غضضنا النظر عما يشاع من سياسات بعثية وإيرانية «تشييعية» تنشط كذلك في تلك الهوامش الحلبية (من ضمنها عائلة آل بري التشبيحية) وغيرها في كثير من الهوامش السورية. لكن مع ذلك، نخطئ حينما نظن أنّ هذه الأيديولوجيات، سواء البعثية أم الأصولية، تنتظر من «بشر الهوامش» ولاءً أيديولوجياً لها: فما تطلبه منها هو الوقود «لا» الأيديولوجية.
بروكار برس

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق