الثّورات العربيّة: من التّأبيد إلى التّغيير

 

غالبا ما تلجأ الكتابات الاستعلائيّة ذات الأحكام السّلبيّة المسبقة تجاه الثّورات العربيّة إلى اللّغة “التّنظيريّة”، وبشكل أدقّ تعتقد في قدرتها على الممارسة النّظريّة من خلال ترويجها للمفردات الفكريّة السّياسيّة والسّوسيولوجيّة…، كأدوات للتّحليل النّقديّ، دون أي اتّساق نظري وفي غياب الخلفيّة الفلسفيّة والمعرفيّة والعلميّة الابستمولوجيّة. حيث تنتج نصوصا ثريّة بالمصطلحات الضّحمة والرّنانة، بعيدا عن أيّة منهجيّة في المقاربة والتّحليل النّقدي. لأنّها تعيش تناقضا مرعبا بين رغبتها العارمة في عيش التّغيير وبين  لاوعي مكبوت نظرتها الدونيّة والتّبخيسيّة تجاه ما يحدث في المجتمعات العربيّة إلى درجة تحميل  الشّعوب مسؤوليّة ما تراه فشلا لهذه الثّورات، وذلك انطلاقا من قراءتها السّطحيّة والمعياريّة للسّيرورة التّاريخيّة الاجتماعيّة للتّحولات الّتي تعيشها المنطقة العربيّة. وهي قراءة تنطلق ممّا تراه عوائق طبيعيّة، أي تجعلها بمثابة قوانين طبيعيّة ماهويّة جوهريّة هوويّة في الاجتماعيّ والتّاريخيّ والدّينيّ والثّقافيّ…، كمجتمعات فسيفسائيّة قبليّة إثنيّة مذهبيّة، تنخرها الانقسامات الأهليّة، وتعمق تخلّفها ثقافتها المحافظة النّكوصيّة. وهذا ما يجعل هذه الكتابات مترهّلة ومتساهلة إلى أبعد الحدود في استعمالها للمفاهيم كما لو أنّها مجرّد مصطلحات مرميّة على قارعة التّحليل النّقدي، حيث نجدها تخلط بشكل عشوائي مثلا بين مفاهيم: النّخبة ،الدّولة، النّظام السّياسيّ…، كما لو أنّها شيء واحد تتقاسم الحضور والغياب في الدّلالة على بعضها، حيث مثلا يمكن أن تكون النّخبة هي الدّولة أو النّظام السّياسي…، وما شابه هذا من الاستعمال العشوائيّ. فلا مانع معرفي وفكري نقدي في اللّعب بهذه المفاهيم، وهذا شأن الكتابة التّأمليّة الّتي تعتقد في الانشائيّة تنظيرا وتحليلا نقديا، خاصّة وأنّها تغلّف نفسها بمسحة التّحفظ النّقدي في تسميّة الوقائع والأحداث، وتناول القضايا والأفكار، كحديثها عمّا يحدث في المنطقة العربيّة مرّة باسم ” الثّورات العربيّة”، وفي مرّات هي مجرّد احتجاجات، أو “انتفاضات” عفويّة إعتباطيّة لا أقلّ ولا أكثر، وهي في نظرها محكومة بفشل ذريع ماهوي، أمّا بسبب طبيعتها المحافظة تارة، أو بسبب طبيعتها الطّائفيّة، الإثنيّة، والمذهبيّة…، في خلط بين ما هو إثني ديني، واجتماعي سياسي، ممّا يعقد في نظرها نمو وتبلور مفهوم وحدة “الشّعب المتخيّل” القادر على تجاوز الطّوائف والانقسامات والتّناقضات المجتمعيّة، خاصّة وهي تطالب شعوبها بالاستغراق في تخيّل “وحدة الشّعب المتخيّل” الّذي يحلّق في سماء التّوحيد متحرّرا من “الانقسامات الأهليّة الأكثر عمقا”. إنّه متخيّل أقرب إلى مكبوت الأب الحامي الموحّد، أو المخلّص من شرّ التّيه والمأساة. هكذا تتكرّس ثقافة المستبدّ بمظاهر الفكر السّياسيّ النّقديّ، وهي تعيد إنتاج نفسها كفكر إقصائي سلطوي من حيث لا يدري دعاة هذا التّوجه بخطورة الوعي الإيديولوجي الّذي يوجّه نمط تفكيرهم.

أوّلا: الثّورة اللبنانيّة تعري الثّورة السّوريّة والشّرق الأوسط/العالم

سقف التّفكير التّأملي المسيّج بوهم التّفكير النّقدي يجعل من الصّعب على صاحبه رؤيّة ما تعرّيه الثّورة اللبنانيّة، حيث هي ليست في سطحها فقط مجرّد صراع ضدّ النّخبة، بل إنّها تعرّي بالأساس ما تخفيه الأنظمة العربيّة في ممارستها السّياسيّة للصّراع السّياسي مع شعوبها، وهي – الأنظمة العربيّة- مقنعة بالوطنيّة وهي ليست إطلاقا  كذلك في نهبها للوطن وفتحه في وجه الاحتلالات الأجنبيّة اقتصاديا وسياسيا وسياديا، كلّما تطلب ذلك تأبيد وجودها كسيطرة وهيمنة. بمعنى أنّنا إزاء دول طائفيّة وأنظمة سياسيّة طائفيّة تتفاوت في عريها السّياسي الطّائفي: طغمة، مافيا ، عائلة…، وهذا ما يجعل من الصّعب في المجتمعات العربيّة الحديث عن الدّولة بالمعنى البرجوازي الدّيمقراطي الحديث. وهذا التّناقض العميق بين كونها دولة ضدّ الدّولة بالمعنى الحديث للدّولة كقناع يخفي لا وطنيّة ولا ديمقراطيّة ولا شعبيّة الاأظمة العربيّة كطائفة سياسيّة بالمعنى السّياسي، وليست الطّائفيّة هنا مجرّد مكوّنات سوسيولوجيّة ثقافيّة لا يخلو منها أي مجتمع من مجتمعات العالم في التّنوع والتّعدد الإثنيّ اللّغوي الدّيني …، هذا التّناقض هو الوجه الحقيقي الّذي تعرّيه الثّورة اللبنانيّة بصفتها ثورة وطنيّة ديمقراطيّة شعبيّة تتوخّى عمق هذه المفاهيم وتسعى إليها في حراكها الشّعبي، كتعبيرات وأساليب نضاليّة احتجاجيّة مختلفة بشكل أو بآخر دون ادّعاء الكمال والنّضج فذلك من طبيعة تكون وتطوّر ونماء سيرورة الفعل النّضالي وما تنتجه سياقات الممارسة الاجتماعيّة في جدلياتها المعقّدة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا…

وفي هذا السّياق تعري الثّورة اللبنانيّة الوضع السّوري وهي تعري النّظام السّياسي الطّائفي في أرقى أشكال تجلياته الإجراميّة الهمجيّة في سبيل تأبيد وجوده وهو يضرب بعرض الحائط كلّ معاني الوطنيّة والسّيادة في خلق أجواء موضوعيّة لكلّ الاحتلالات الأجنبيّة بآليات حربيّة إباديّة منعا لحلّ التّناقض المأزقي لوجوده السّياسي الطّائفي بأقنعة سياسيّة مترابطة التّركيب بين العائلي والمذهبي الطّائفي، وبين تمظهره الإيديولوجي دولة علمانيّة حديثة. كما تعرّي هذه الثّورة القوى الإقليميّة وأدواتها ووكلائها المحلّيين، خاصّة الذّين يتحصّنون وراء قناع الممانعة والمقاومة، أي كلّ المليشيات الطّائفيّة بالمعنى السّياسي العميق الّذي يختفي وراء زيّها الدّيني المذهبي بما في ذلك كبيرهم” حزب الله” الّذي علّمهم السّحر، سحر المقاومة للسّطو على الدّولة والبلد.  وفي هذا السّياق إذا استحضرنا الثّورة العراقيّة يكتمل عري أمريكا وحلفائها الغربيين والدّمى الطّائفيّة المحليّة كملحقة إداريّة لإيران بصفتها دولة طائفيّة عنصريّة توسعيّة استعماريّة، كما تعرّي أصدقاء سوريّة الخليجيين وتركيا الّذين أمطروا البلد بكلّ أنواع الإرهاب والإجرام المتلبس بالدّين في أرذل معانيه التّاريخيّة البشعة في نوع من خلق أسس للتّدمير الذّاتي لشعوب المنطقة والمجتمعات والعمق الحضاري التّاريخي…والحكم عليهم بالموات الأبدي منعا للتّغيير الوطني الدّيمقراطي.

كما عرّت الثّورة اللبنانيّة القوى الدّوليّة الّتي تتبجح بالدّيمقراطيّة وهي لا تكفّ عن زرع وحماية وحصانة وكلاء حروبها البشعة حماية لمصالحها الجيوسياسيّة، والحيويّة بمختلف أشكالها وأهدافها. إنّها قوى تصطف بجانب تأبيد الواقع المأزوم وتفكيك المجتمعات وتكريس تخلفها وتبعيتها بما يجعلها دون الدّولة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا…أي أنّ هذه القوى العالميّة تعيد إنتاج الواقع السّياسي الطّائفي للدّولة العائليّة أو الطغمويّة أو ما شابه ذلك من العفن الطّائفي السّياسيّ، كشكل سياسي لتأبيد سيطرتها وهيمنتها في نوع من التّحالف الصّريح بين الأبد الطّائفي والتّأبيد العالمي للهيمنة والعنف السّياسي المحلّي في المنطقة العربيّة والمشرق الأوسط بشكل عام.

والعري الأكبر إلى درجة السّخريّة البذيئة ولكنّها أقرب إلى الفرحة الجميلة بالنّسبة لكلّ الوطنيين والدّيمقراطيين هو سقوط قناع المقاومة “حزب الله” الّذي تخفّت خلفه الطّائفيّة السّياسيّة في السّطو على هويّة وكيان البلد وليس فقط على مؤسّساته وعمقه المجتمعي. وهو يكشف عن صورته الحقيقيّة في تحالفه مع الأبد السّوري من أجل تأبيد الدّولة الطّائفيّة والنّظام السّياسي الطّائفي في المنطقة العربيّة كلّها حيث لا تنحصر آثاره محلّيا في لبنان، فهو يكمل الآن هنا في لبنان مقاومته الشّرسة للتّغيير الّذي انطلق في سوريا. وهو بذلك لا يمكن أن يكون إلّا مقاوما وممانعا للتّغيير في لبنان لأنّ تأبيد الوضع السّياسي الطّائفي يضمن أبده، ويحمي وجوده الأبدي من أي تغيير وطني ديمقراطي في أفق الدّولة الدّيمقراطيّة لا الطّائفيّة.

إنّنا في الثّورة اللبنانيّة إزاء منارة ضوء تسلّط نورها وأنوارها بالمعنى السّياسي العميق على الصّراع المترابط والمعقّد التّركيب عالميا، لمن يريد أن يفهم ما يحدث في المنطقة العربيّة، وفي المشرق أو الشّرق الأوسط تحديدا، بما في ذلك المجتمعين الإيراني والتّركي، دون إغفال الحضور الصّهيوني في هذا الصّراع وتوازناته المحليّة والإقليميّة والدّوليّة. وفي جانب آخر أنّ هذه الثّورة تكشف الوجه البشع للديمقراطيّة الغربيّة كوجه دموي عنيف عليه تنهض الدّيمقراطيّة الغربيّة كتراكم رأسمالي واستعماري ونيوليبرالي في إطار هيمنة وحدة التّاريخ العالمي الّذي فرضه الانتاج الرّأسمالي وفق منطق حركة تطوّره سيرورته التّاريخيّة. بمعنى على إنقاض جرائمه ضدّ الانسانيّة يسطع الوجه البراق للديمقراطيّة الغربيّة وهي تخفي وجهها الدّموي العنيف في حمايّ الاستبداد وفي الانتصار للأبد تأبيدا للعائليّة والإثنيّة والمناطقيّة والطائفيّة كأشكال سياسيّة في السّطو على الدّولة والمجتمع والثّقافة والذّاكرة والتّاريخ. إذن، الأنظمة العربيّة جزء موضوعي من هذا الوجه الدّموي لديمقراطيّة الغرب في تدميرها وتفكيكها للبلدان والمجتمعات. هذا الوجه الخفيّ للديمقراطيّة الغربيّة يطال بشكل أو بآخر شعوبها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا في سياق ما يعرف بالنّيوليبراليّة المتوحّشة، وهي تفرز نضالات مختلفة ضد هذا الوجه الدّموي، مثل حركة قادمون، احتلوا وول ستريت… الى السّترات الصّفراء.

فهل يستقيم بعد هذا العري الجميل الّذي أنتجته الثّورة اللبنانيّة، بالتّكامل مع الثّورات العربيّة، بمختلف الأساليب السّاخرة البذيئة في إزاحة حجاب بشاعة الطائفيّة السّياسيّة في الدّولة والنّظام وفي السّيطرة والهيمنة العالميّة وفي خدمة المشروع الصّهيوني، والأطماع التّركيّة الإيرانيّة، أن نتحدّث عن الانقسامات الأهليّة السّوسيولوجيّة والثّقافيّة والدّينيّة…، الّتي تخترق كلّ المجتمعات عبر العالم واعتبارها مانعا وعائقا لتشكل البعد الوطني والشّعبي والدّيمقراطي.  فمثل هذه الادّعاءات رغم صحتها الظّاهريّة فهي متلبسة بهواجس الانقسامات الأهليّة الطّائفيّة الّتي تجعلها لا تستطيع أن تدرك بأنّ الشّعوب لا تستطيع أن تتوحّد بسبب طبيعة النّظام السّياسي الطّائفي العائلي والطّغموي، وبسبب دولة التّمزيق والتّشتيت في تسييسها لهذه المكوّنات السّوسيولوجيّة والثّقافيّة التّاريخيّة وجعلها عامل تفريق وتنافر وتمزيق خدمة للتّأبيد بما ينسجم مع استراتيجيّة تسلّط الأبد. والمانع لوحدتها هو أنّ قوى المعارضة السّياسيّة مثلا في سوريا والعراق تحرّكت انطلاقا من الخلفيّة السّياسيّة نفسها للنّظام وصارعته بأدواته الفكريّة والتّنظيميّة والسّياسيّة الإيديولوجيّة الّتي لا تقلّ عنصريّة وتمزيقا وطائفيّة، ممّا أدى إلى تكريس التّأبيد وانتصار الأبد.  بالإضافة طبعا للدّور الّذي أدّته القوى المحليّة والاقليميّة والدّوليّة كدعامات رئيسيّة لتسيّيد واقع دولة الاستبداد في وجه التّغيير الدّيمقراطي الوطني المنشود، الّذي يضمن الحريّة والكرامة والمواطنة والاستقلال والسّيادة الوطنيّة الحقيقيّة في ظلّ الدّولة الدّيمقراطيّة الحديثة.

ثانيا : أمراء الطّائفيّة السّياسيّة والتّناقض المأزقي

إرتباطا مع ما سبق أستغرب الضّرورة المعرفيّة والفكريّة السّياسيّة الّتي دفعت مثل هذه الكتابات إلى الانزلاق وراء مفهوم “الشّعب المتخيّل” في صراعه تارة مع النّخبة وتارة أخرى مع النّظام وهي أسماء يقصد بها مسمّى واحد عند هؤلاء، في نوع من الخبط العشوائي .وهي في تحديدنا لها: الدّولة العربيّة الطائفيّة مع تفاوت في التّجلي والوضوح السّياسي في الواقع السّياسي الحيّ حسب البنى الصراعيّة للتّركيب الاقتصادي الاجتماعي الّتي تميّز كلّ بلد عن الآخر في مستويات الانكشاف والعريّ الكامل لما دون الدّولة كواقع وممارسة سياسيّة في وجه بروز أو تكون ما يمكن أن يكون أرضيّة الدّولة الحديثة والمجتمع والثّقافة…

الشّعوب تكتشف في ثوراتها وحدتها الحقيقيّة الملموسة في حياتها اليوميّة وهي تصارع ضدّ ما تشرّبته عبر التّنشئة الاجتماعيّة القهريّة السّلطويّة والتّصحر السّياسي من تمثّلات وأفكار وتجاذب وجداني عصبي إثني ديني مذهبي طائفي نازع نحو أسطرة الآخر وشيطنته لتسهيل إقصائه وتهميشه أو الاعتداء عليه وحتّى قتله كواجب أسطوري متخيّل بمبرّرات عصبيّة طائفيّة كيف ما كان شكلها ومضمونها. تكتشف الشّعوب أنّ ما يجمعها ويوحّدها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا هو واقع حيّ ملموس في معاناتها ومآسيها، وفي طموحها وتطلّعاتها، وأنّ ما يفرّقها هو متخيّل إيديولوجي سياسي أخذ مظاهر “الانقسامات الأهليّة الأكثر عمقا” الّتي ليست أكثر من علاقات سياسيّة تستثمر مكوّنات المجتمع السّوسيولوجيّة والثّقافيّة…بشكل إيديولوجي بهدف التّدمير الذّاتي للرّوابط الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة الّتي يمكن أن تؤسّس لمشروع الدّولة الحديثة والمجتمع الموحّد بمضمون وآليات الثّقافة السّياسيّة الوطنيّة الدّيمقراطيّة. الشّعوب العربيّة في ثوراتها لا تكتشف فحسب بل تعيش وجودها السّياسي الحقيقيّ وهي تملأ السّاحات والمجالات والفضاءات العامّة فعلا وقرارا وممارسة للتّعبير السّياسي المستقلّ بعيدا عن التّمثيل السّياسي المتخيّل لأمراء الطّوائف، في نوع من نزع السّحر عن المجتمع ومكوّناته المتنوّعة والمتعدّدة والمختلفة كثراء خصب سوسيولوجي وثقافي وحضاري… بأبعاد وطنيّة ديمقراطيّة. فالقوى الشّعبيّة السّياسيّة الحيّة الّتي أفرزتها الأشكال النّضاليّة تعمل على تثبيت هذه المكتسبات الوطنيّة والدّيمقراطيّة كما رأينا في السّودان والعمل على بلورتها و تطويرها في أفق هدم العلاقات السّياسيّة الاستبداديّة الطائفيّة الّتي تشتغل كأسس وآليات ضدّ تكوّن الدّولة والمجتمع والثّقافة…بالمعاني الدّيمقراطيّة الحديثة. بل وتشتغل ضدّ المصلحة الوطنيّة السّياديّة والاقتصاديّة في نهب البلد وفتحه للاحتلالات الأجنبيّة لتأبيد وجودها تحت شعار دولة الأبد، نحن أو لا أحد.

فالثّورات العربيّة خاصّة في موجتها الثّانيّة وضعت أمراء الطّوائف للدّولة العربيّة الطّائفيّة- بالمعنى الّذي شرحناه سابقا وهو معنى لا يستثني أيّة دولة عربيّة- أمام حقيقة التّناقض المأزقي الّذي تعيشه أنظمتها السّياسيّة: تأبيد ما دون الدّولة باسم الدّولة الحديثة، ديكتاتوريّة إباديّة بقناع الدّيمقراطيّة والعلمانيّة الصّفراء، أي جثث علمانيّة بأقنعة دينيّة عصبيّة طائفيّة…

ثالثّا : الثّورات العربيّة من التّأبيد إلى التّغيير

الثّورات العربيّة في انطلاقتها الأولى والثّانية لم تكن فجائيّة في التّاريخ، أو وليدة العوامل الاقتصاديّة الاجتماعيّة فقط، بل أنّ الكثير من التّبدلات والتّحوّلات مسّت المجتمعات في تركيب البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة بفعل تحوّلات داخليّة اقتصاديّة وديمغرافيّة وتعليميّة وعمرانيّة، أي توسّع ظاهرة” المدينة” والهجرة الريفيّة، وعلى مستوى القيم الثّقافيّة  والاجتماعيّة وما رافق ذلك من تطوّرات علميّة تكنولوجيّة وثورات في الاتّصال والتّواصل والثّورة المعلوماتيّة الّتي مسّت مجتمعاتنا…إلى جانب طريقة استبطان الدّولة الاستبداديّة الطائفيّة للقهر السّياسيّ والاجتماعيّ الاقتصاديّ لشعوبها في مختلف العلاقات والتّفاعلات مع قوى السّيطرة والهيمنة العالميّة، مع الحرص في كلّ هذه التّفاعلات التّبعيّة على تصريف العنف والجريمة السّياسيّة، لتأبيد وجودها السّياسي، لأنّ أيّ أرضيّة للبناء والنّماء والتّغيير تؤدّي إلى زوالها. وهي بحكم طبيعتها القهريّة وطائفيتها السّياسيّة ظلّت تعيش تناقضات مأزقيّة بين جمود التّأبيد وحركيّة التّغيير، وهي إحدى جدليات حركة التّطور التّاريخي البشري الّذي لم تعد فيه المجتمعات منعزلة عن بعضها البعض. بمعنى كانت تمارس سيطرتها ضدّ منطق التّاريخ في حركة تحوّلاته وتبدّلاته، مصابة كالكثير من المثقّفين بالذّهول أمام تحوّلات كانت تحدّث في سيرورة الواقع التّاريخي الحيّ، حيث لا يمكن التّوقف ولا الرّجوع إلى الوراء. وهذا ما تؤكّده الثّورات العربيّة اليوم في كلّ من السّودان والعراق والجزائر ولبنان في استئناف نهوضها واستماتة إرادتها  في التّغيير من أجل الحريّة والكرامة والدّيمقراطيّة…، بعد الرّعب الإبادي للحكم الأسدي وانتصار العالم لما ارتكبه من جرائم ضدّ الانسانيّة، وبعبع الإرهاب الدّيني لداعش وأخواتها، أو للحشد الطّائفي السّياسي الشّيعي.  كلّ هذا لم ينل من إرادة الشّعوب ووعيها بخطورة المرحلة الّتي تستلزم التّغيير الوطني الدّيمقراطي الّذي تتطلّبه حياتها . هكذا انتصرت ثورات الشّعوب لبعضها وهي تتضافر وتتكاثف، وتعري شرّ المأساة الّتي أنجزها الطّغاة بمباركة من الوجه البشع للديمقراطيّة الغربيّة على الأرض وداخل المؤسّسات المجتمع الدّولي. وانتصرت الدّول المهيمنة الغربيّة والشّرقيّة للإبادة والتّأبيد الطّائفي الاستبدادي ضدّ التّغيير. هذا هو الواقع الحيّ لوحدة الشّعوب في وعيها بضرورة التّغيير بعيدا عن سحر المتخيّل الدّيني والمحاصصة الطّائفيّة السّياسيّة، وكلّ الانقسامات الّتي كرّستها الدّولة الأبديّة الطّائفيّة حتّى صارت كمعطى بديهي يحسب له ألف حساب المثقّف النّقدي المذهول مبرّرا الأنثربولوجيا والسّوسيولوجيّة الكولونياليّة والاستشراقيّة في أنّنا مجرّد شعوب منخورة بجرثومة الانقسامات الأهليّة الأكثر عمقا.

يتوحّد الشّعب بناء على أرضيّة هذا الوعي الّذي يتفجّر يوميا في السّاحات وهو يعري ما تتستّر عليه حروب تأبيد الدّولة القهريّة الاستبداديّة، وتفكيك المجتمعات وتدمير الأوطان، وتهجير الشّعوب، ونشر سياسة الإرهاب والإبادة الممنهجة، ويعري أيضا كلّ ما يحدث في المنطقة من جرائم ضدّ الإنسانيّة واحتلالات أجنبيّة إقليميّة ودوليّة باسم الشّرعيّة الدّوليّة في تبادل للأدوار، بشكل أسقط ورقة توت الوجه الدّموي للديمقراطيّة الغربيّة الّتي بنت ديمقراطيّة الدّاخليّة على أنقاض وأشلاء الشّعوب، وبأساليب لا أخلاقيّة في المتاجرة في حقّ تقرير مصائر الشّعوب وأوطانها مقابل خدمة مصالحها الآنيّة والاستراتيجيّة. هذا هو الواقع الملموس لتشكل النّقيض السّياسي فكرا ووعيا وتنظيما لكلّ الفئات والطّبقات الاجتماعيّة الشّعبيّة الثّائرة ضدّ لا وطنيّة ولا ديمقراطيّة ولا شعبيّة الدّولة العربيّة الطّائفيّة ونظامها السّياسي الدّموي، وضدّ كلّ أشكال المتخيّل الطّائفي الاستبدادي، دون أن تنسى هذه الشّعوب القوى الإيديولوجي الحزبيّة، من الإسلام السّياسي إلى اليسار المترهّل، الّتي كانت تؤثّث المشهد السّلطوي وتعزّز ديمومة تأبيد وجوده، من خلال ديمقراطيّة الطّائفة والولاء…، ” كلن يعني كلن”.

فهل بعد هذا الواقع الملموس الّذي ينتج شروطا موضوعيّة لوحدتها واستمرار سيرورة فعلها النّضالي ستكون بحاجة إلى أوهام البحث عن التّحقق السّياسي لمفهوم ” الشّعب المتخيّل” ضدّ النّخبة، الدّولة، النّظام…؟ وإلاّ كيف نفهم الثّورات الشّعبيّة الّتي تجدّد فعلها رغم التّخويف والإرهاب والتّهديد بالحروب الأهليّة…؟

وماذا بعد؟

إنّ ذلك الوجه الدّموي العنيف للديمقراطيات الغربيّة، الّذي تتستر عليه في بلدانها بآليات اقتصاديّة سياسيّة اجتماعيّة ثقافيّة، ومن خلال سياسة إعلاميّة رهيبة، تعريه الثّورات العربيّة في احتجاجاتها وتضحياتها المؤلمة، وهي تواجه أنظمة سياسيّة طائفيّة  إستبداديّة إلى حدّ إبادة شعوبها على مرأى ومسمع العالم بغطاء روسي وغربي ميداني عسكري، و إيديولوجي سياسي إعلامي قذر يعيدون إنتاج شرقهم المتخيّل: القبلي، الغريب في معتقداته وتعدّد فرقه المذهبيّة العدوانيّة الشّرسة، والهمجيّة المتوحّشة. إنّ شعوبنا في سياساتهم وكلّ مخططاتهم الجهنميّة، هي في نظرهم مجرّد شعوب متخلّفة بطبيعتها، وأنّها توجد بسبب تلك الطّبيعة الانقساميّة العنيفة تحت ما دون خطّ البشر الغربي الحضاري الحرّ والدّيمقراطي. وهذا ما يستلزم ضبطها وحماية استقرار أنظمتها السّياسيّة في دعم كبير لمعاودة إنتاج التّأبيد السّياسي الطّائفي كنقيض للدّولة الحديثة، ولحركة التّغيير.

انطلاقا من هذا الواقع الحيّ الموثّق، بالدّم والمجازر والقتل الجماعي يوما بيوم، تاريخيا واجتماعيا وإنسانيا وإعلاميا، ومن خلال إطارات فكريّة ثقافيّة، وحقوقيّة وقانونيّة إنسانيّة، يتبيّن لنا بأنّ هذه الثّورات تواجه تحالفا شرسا خطيرا رغم ما يكتنف مكوّناته من تناقضات، فإنّ مصالحه في تأبيد الوضع السّياسي، يدفع باتّجاه تمزيق وتفكيك البعد الوطني والدّيمقراطي لسيرورة التّغيير، بتكريس الرّؤى والممارسات ومختلف أشكال الفعل الكولونيالي المستحدث سياسيا وإعلاميا وثقافيا وعسكريا على أنّنا مجرّد قبائل متناحرة مسكونة بالعنف والدّم. وفي الواقع السّوري والعراقي أكبر دليل لمن يبحث عن أدلّة وحجج وبراهين على صحّة ما يعتمل في سيرورة التّغيير من تناقضات وصراعات ومواجهات ليست بالهينة والبسيطة. ووعيا منّا بسيرورة التّغيير التّاريخيّة الّتي لا تهدأ، أي أنّ شروطا ومعطيات فرضت نفسها بحكم تحوّلات موضوعيّة مسّت في العمق مجتمعاتنا في تفاعلها العالمي بما يحدث في العالم كلّه من تحوّلات وتبدّلات، لن نقول مع القائلين: فشلت الثّورات وانتصر الجلاّد المحلّي والإقليمي والدّولي. بل ندرك حجم التّضحيات الباهظة الثّمن. ولن نستغرب التّوافقات الصّريحة والمضمرة بين أمراء الطائفيّة السّياسيّة بمختلف مظاهرها البرّاقة الممانعة والمهادنة، بالإضافة إلى الأعمدة الإيديولوجي للمشهد السّياسي الاستبدادي المحلّي والإقليمي، دون أن نستثني خردة اليسار، وبين الصهيونيّة والإمبرياليّة وملحقاتها المقهورة. ولن يفاجئنا هذا التّحالف الشّرس والعدواني بما يخبّئه من كوارث إنسانيّة ضدّ شعوبنا في كلّ البلدان المنتفضة الآن من لبنان، العراق، والجزائر…

نعرف بأنّ مسألة نجاح وتقدّم الثّورات، في ظلّ هذه المعطيات والظّروف والسّياقات المترابطة والمعقّدة، بأنّها ليست آنيّة ظرفيّة تنالها الشّعوب بين عشيّة وضحاها…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم عنان

    مقال ممتاز وينحو منحى تفسير لواقع نظريا لدعم الحراك في الواقع وهو المطلوب بدل التنظير لما اشبع التنظير له بينما المطلوب في الوقت الراهن في المجتمعات العربية هو التنظير لما لم ينظر له بعد

أضف تعليق