باس ديفوس في “شبح مدار”..أوديسة ليلية دافئة في بروكسل / محمد صبحي

انطلق اسم البلجيكي باس ديفوس (1983) إلى الساحة السينمائية الدولية في العام 2014، بعد حصده الجائزة الكبرى لقسم “جينيرايشن” في مهرجان برلين السينمائي، بفيلمه “فيوليت” الذي يقدّم مرثية أنيقة، يرويها شاب شهد مقتل صديقه في سطو مسلح على مركز تجاري في بروكسل. بدعم من المصور نيكولاس كاراكتسانيس، قدّم ديفوس فيلماً محكماً ومُغرِقاً، وعبر اعتماده اللقطة المتسلسلة، ترك مُشاهِده للاستغراق في لحظات ساحقة الجمال تترافق بملاءمة متينة مع الدراسة السيكولوجية التي يقدّمها لأحد سكّان “مطهر دنيوي” بلجيكي يتعيّن عليه اختبار الخسارة والفقد. رسمُ هذه الشخصية الشبحية، في انتقالها عبر مساحات وفضاءات حميمية توقظ ذكرى ما فُقد للأبد، دشّن أولى لبنات فيلموغرافيا هذا المخرج البلجيكي الشاب، الذي انتظر خمس سنوات للعودة مرة أخرى بفيلم تالٍ. وكانت العودة مزدوجة.

في فيلمه الأول لهذا العام، “جحيم Hellhole”، المعروض في مهرجان برلين السينمائي مطلع العام، يعود ديفوس مرة أخرى إلى بروكسل (التي تعمل تقريباً كمشهد حضري يتمثّل فيه دافوس كل مدينة أوروبية كبيرة) وندوبها في أعقاب الهجمات الإرهابية العام 2016، ليطلعنا على منظور فريد لتجربة العيش في حيّ مولينبيك، حيث المجتمع العربي الأكبر في بلجيكا.

فيلمه الثاني لعام 2019، ” شبح مدار Ghost Tropic”(*)، الذي انتهى منه قبل ساعات قليلة من عرضه الأول في قسم “أسبوعي المخرجين” في مهرجان “كان” السينمائي، في أيار/مايو الماضي، يمكن اعتباره النقيض الإيجابي لـ”جحيم”: أكثر انفتاحاً وتفاؤلاً، ينظم “سيمفونية مدينة” دافئة في بروكسل مضاءة بطريقة سحرية، عبر أوديسة ليلية تظهر جانباً إنسانياً من العاصمة، التي عانت تضرُّر صورتها إعلامياً نتيجة ظروف التفجيرات الانتحارية واعتياد سكانها على دوريات الشرطة المتكررة.

Video Player

ينفتح “شبح مدار” بلقطة تدوم خمس دقائق. نرى فيها غرفة صغيرة، يغمرها، تدريجياً، غروب الشمس، فيحرمها من الضوء. ثم ينطلق تعليق صوتي برسالة تمهّدنا لفيلم إنساني للغاية. فيلم، عبر تجواله في ظلام وبرد شوارع ضواحي بروكسل، يقدّم لنا ضوءاً دافئاً، مليئاً بالتعاطف والقُرب. بطلة هذه الرحلة الشاعرية، هي خديجة (سعدية بن طيّب): عاملة تنظيف، خمسينية، مسلمة محجّبة، من بلد غير محدد، تعيش في بروكسل منذ حوالي عقدين؛ تعود بعد يوم عمل طويل لتأخذ، كعادتها، المترو الأخير إلى بيتها الواقع بين مولينبيك وأندرلخت. خديجة متعبة للغاية، تحلم بوجودٍ أكثر متعة تختفي فيه الضوضاء القذرة المصاحبة لها يومياً. تغفو على كرسيها، لتصحو في المحطة الأخيرة. لا نقود في جيبها لسيارة أجرة. عالقة في الجانب الخاطئ من المدينة، تُجبر خديجة على العودة إلى بيتها، سيراً على الأقدام.

هذا كل شيء تقريباً في ثالث أفلام باس ديفوس، الفقير بصرياً بشكل متعمد، والمصوّر على شريط فيلمي 16 ملم. إنها فكرة بسيطة يمكن تصوّرها فيلماً لاسم بلجيكي آخر، هي الرائدة الراحلة شانتال أكرمان. على الرغم من أن معاملة أكرمان للموضوع كانت ستتعهّدها لمسة أكثر صرامة في بساطتها، خصوصاً في ما يتعلق بالموسيقى التصويرية، المعتمدة هنا على نغمات غيتار هادئة.

في رحلة العودة، تقابل خديجة تشكيلة من البشر، في مواجهات قصيرة، معظمها غير درامية عن عمد. ما يهم أكثر من استخلاق الدراما، هو ملامسة شعور المشي في تلك الشوارع المظلمة ذاتها، وعبور السيارات المارة، ونقاط الضوء في المدى. غالباً ما يكون التأثير مذهلاً، بالوضع في الاعتبار ما يمكن أن يؤول إليه المنتج الفني، في أيدي أقل مهارة وأكثر انتهازية، كمعرض لبورنوغرافيا البؤس ينسجم خطابه بغرابة مع الفقر البطولي واليأس الضمني. لكن لحسن الحظّ، ليس هذا “كفرناحوم” بلجيكياً. فمحطات رحلة خديجة، المسكونة بأشخاص مختلفين، يتعيّن عليها مساعدتهم أو الاعتماد عليهم، تضعها أمام طريق لاكتشاف حياتها، عجزها وطيبتها. إنها مواجهة مع ماضيها وحاضرها لا تتوقف عن الحدوث على طول الطريق.

أحد الجوانب اللافتة في الفيلم، استفادته من صعوبات إكماله وميزانيته المنخفضة في خروجه بصورة أعطته قوة سردية غير عادية، كأحد الإنجازات المرئية العظيمة لهذا العام. يملك تأثيراً مُنوِّماً مثل تهويدة، ومشهديات فاتنة الرقة تسكن وتطارد ناظريها. بطريقة مذهلة في تواضعه التقني واقتصاده الكلامي، يتمكَّن “شبح مدار” من قول الكثير حول الحياة والموت وحالة العالم المعولم. يفعل ذلك بدون أحكام أو خطابات سياسية فاقعة، إذ يصوِّر الكاتب والمخرج باس ديفوس رحلة بطلته كأوديسة مينمالية، حتى ليبدو فيلمه وكأنه ملحمة مضغوطة في ليلة واحدة. عبر مشهد مدني قاتم تتخلله لحظات من الإنسانية والضوء، يلتقط صور المجتمعات الحضرية في وحدتها (بفقرها البصري وتشوّش تفاصيلها)، بشكل يحيل فوراً إلى شانتال أكرمان. لكن عمل ديفوس مميز في توجهه ونبرته العاطفية.

هنا أيضاً، يقوم مدير التصوير غريم فاندكيرشوف بعمل مذهل ومثير للإعجاب، كعنصر أساسي في فيلم ينتقل من غنائيته البصرية ليعشّش، مع كل محطة، واقعاً سحرياً بقدر عرضيته. أخيراً، فالفيلم يكمل منظومته الإنسانية بواحدة من أفضل العناوين الختامية التي يمكن أن تراها في نهاية عرض سينمائي: شاشة سوداء فارغة، في أعلى الزاوية اليسرى تظهر عبارة “فيلم لـ”، ثم تمتلئ الشاشة بالأسماء تفصل بينها المسافات المعتادة، ثم تختفي تلك المسافات الفاصلة، واحدة بعد أخرى، لتتجاور أسماء جميع المشاركين في إنجاز الفيلم، في كتلة واحدة.
“شبح مدار” تحفة سينمائية غير ملتفت إليها، عمل دافئ وشجي ومذهل في بساطته العميقة، يؤكد على إتقان وخصوصية سينمائي لديه ما يؤهله ليكون صوتاً فريداً في السينما الأوروبية المعاصرة.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق