مرت في 28 تشرين الأول/أكتوبر الذكرى الثلاثون لرحيل كاتب ياسين، الشاعر والكاتب والمسرحي والروائي الجزائري (1929- 1989).
وياسين في رواياته ومسرحياته تتداخلُ عنده صورة المناضل وصورة المفكِّر، كما في مسرحية مثل “الرجل ذو الحذاء المطاطي” التي راح إلى فيتنام عام 1962 ليكتبها فيبيِّن مدى تمسُّك الفيتناميين بأرضهم وقتالهم دفاعاً عنها، الأمر الذي حقَّق النصر على أميركا، وهذا ما كرَّره في لبنان حين عاش في مخيمات الفلسطينيين، فكتب مسرحية “فلسطين المخدوعة”، وقال فيها إنه لو لم يصغ الفلسطينيون لنصيحة الحكَّام العرب التي كانت مغموسةً بِسَمِّ الخديعة وواصلوا حربهم الثورية لانتصروا كما انتصر الفيتناميون، ومسرحية “الجثَّة المطوَّقة”، التي ترصد حالة مقاومة ثقافية إِنْ في وجه المُستعمر المحتل أو في وجه الأنظمة الشمولية.
ومسرحية “الجثَّة المطوَّقة” هي عن نجمة وهي تبحثُ وسط الجُثث عن حبيبها لخضر الذي لم يمت، بل أصيب بجراح فيلتقي ابنة ضابط بالجيش الفرنسي تقوم بتضميد جراحه من أثر تعذيب الفرنسيين له.

يفصلُ كاتب ياسين بين العقل والأشياء، بين الشعور والمادة. فالتاريخ نشاطٌ إنساني عليكَ أن تعيشَ فيه مُفكِّراً – عِشْ مُفكِّراً. والمسرحية تعبِّرُ عن مزاج كاتب ياسين العقلي، لذا هو كان يعرض أفعالاً كانت أفكاراً، ويفرجينا كيف تتطوَّر. فـ لخضركما نجمة في “الجثة المطوَّقة” هما نموذجان للإنسان القوي الذي يدافع عن الروابط الروحية التي تؤلِّف بين الجزائريين، وهم يعيشون حزناً عظيماً ومعاناةً شديدة. مَنْ الذي يحرمهم من الحرية؛ من الاستقلال؛ من إمكانية العظمة؟ ما هذه المجازر التي تقيمها فرنسا للجزائريين كأنَّها ولائم وهي تطلق النار على المتظاهرين؟ كاتب ياسين في هذه المسرحية يذهب إلى تحقيق الصدمة الثورية وليس الكدمة أو الرضَّة. فالمسرح يجب أن يُثير الوعي ويستفزَّه ويشحذه. فكلُّ نهضة هي وليدة صدمة نتيجة صراعٍ ما بين الخير والشر، مُضياً للوصول إلى الحقيقة و(المتعة). وهذه التي شغلت واشتغل عليها كاتب ياسين بمسرحياته: مسحوق الذكاء، الأجداد يزدادون ضراوة، الرجل ذو الحذاء المطاطي، محمد خذ حقيبتك، صوت النساء، حرب الألفي عام، ملوك الغرب، فلسطين المخدوعة؛ وروايتيه: نجمة والمضلَّع النجمي، وحتى أشعاره. فهو وإن تربىَّ تربية دينية مثالية لكنَّ وعيه الذي اكتسبه من دراسته وأقرانه وقسوة المحتل الفرنسي على أبناء وطنه الجزائر، دفعه لأن يردَّ كلَّ الصراعات إلى السببية والمادية، وهذا ما جعل منه متمرداً أعمق توغلاً في الواقع، ومفكِّراً يحلِّل بالنقد خطاب هذه الثقافة، كونها قوَّة، تفرض ذاتها بالقوَّة المحكومة، والتي تحكمنا ببنية ميتافيزيقية.

نجمة- جسر إلى الاستقلال
في روايته (الأشهر) “نجمة” نحن مع رواية لا تُصوِّرُ المستحيل ولا تُنافي العقل: لخضر يهرب من السجن من أجل “نجمة” التي تمَّ اغتصابها، ومن ثمَّ يختطفها زنجي شبقٌ رآها تستحمُّ في النهر، ويرمي بها بين نساء القبيلة. لخضر يبحثُ عنها، وآخرون يبحثون وهم في غاية العشق لها، يريدونها: مراد ورشيد ومصطفى كما لخضر، فنبقى مع حوادث تنمو وتكبر ضمن قاعدة الاحتمال والضرورة، دون التكرير الآلي لحدثَ يحدثُ. فينكشف حُبهم الجنوني وكفاحهم من أجل نجمة. ثمَّة شيء مكبوت يتعاظم وقد ينفجر، فنُصاب مثلهم بعدوى حبها، وكأنَّنا في حالة ذهول روحي. لخضر يذهب في بحثه من العدمية إلى الغيرية ليبرهن على وجوده، فهو يكافح من أجل حقيقته، من أجل نجمة التي قد يكون “سي مختار” أباها، وهو الذي لم يوفِّر امرأة، فقد كان شيخاً متديِّناً ولكن “دونجوانياً”، ومن كلِّ النساء اللاتي مَرَرْنَ على حضنه استثارته أمُّ نجمة المرأة الفرنسية ذات الديانة اليهودية، التي حلَّت في القرية بالصدفة أو لضرورة، وخَطَفَتْ قلوبَ الرجال، واختُطفت، واغتُصبت لتلد (نجمة) التي ستكبر، وهي بدورها تُختَطَف وتُغتَصَب.

وتترك عشاقها يزدادون بطولة ورغبة في التضحية من أجلها. فتشعر أنَّ كاتب ياسين يبني من نجمة جسراً ليعبر عليه الجزائريون إلى الاستقلال. فنجمة أثمنُ ما في الحياة كونها تختزلُ المضامين الروحية والنفسية للجزائريين في نزوعهم إلى الحرية.
كاتب ياسين يسبر غور النفس وهو ينسج رواية نجمة، وهي تذهب من الصقيع إلى النار، لتهدَّ جبال الفكر الجليدية للاستعمار الفرنسي، فيبعث إنساناً جديداً لا تتحطَّم إرادته. فحبُّ نجمة والجنون بها هو حبُّ الجزائر، لأنَّها تشكِّل آلامه، كونها الألمُ الأكثرُ خلوداً، فنرى كاتب ياسين من جنونه بنجمة كمن لا يُفارق المؤمنين ولا الهراطقة، دون أن يخلط بين الإرادة والحقيقة مُتحداً في (الإله)، كما هو متحدٌ في الجزائر التي آذته حياً وميِّتاً.
كاتب ياسين في مسرحياته كما في روايتيه وأشعاره، تراه يعاني بصدق معاناةً تقوم على المعرفة المأساوية، فهو كما أصحاب الفكر والمبادئ لا يهربون من مصيرهم، بل يقاومونه ليصنعوا إنسانية جديدة، فالحياة عندهم ملحمة بطولية. إنَّه المدُّ والجزر، الالتهاب بالبرق، الحزنُ الذي لا حزنَ مثله. إنَّه شاعرُ شفقِ الفجر؛ شاعرُ نجمة.

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق