من الذّات الميتافيزيقيّة إلى الذّات الفينومينولوجية “ديكارت، هوسرل، ميرلوبونتي” (ج1)

المقدمة:

يعالجُ هذا العرض موضوعة الذّات في التّصور الفينومينولوجي المعاصر، انطلاقاً من الأرضيّة الّتي مهّدها ديكارت. كأساس وبداية للتّفكير في الأنا المفكّرة وهذا هو مجمل المحور الأوّل، بينما يأتي المحور الثّاني ليعالجَ مسألة الذّات في التّصور الهوسرليّ، وكيفَ قدّمَ تصوّرهُ للذّات كحل فينومينولوجي لأزمة العلوم الأوروبيّة، ثمّ في المحور الأخير الّذي يتناولُ مفهوم الذّات بعدَ خروجها من الإطار الإبستمولوجي الّذي ارتبطت بهِ مع هوسرل، إلى الذّات باعتبارها وعياً بالجسد من منظور ميرلوبونتي. ومن خلال هذا أمكننا التّعرف على أهم اللّحظات الّتي تحوّلت فيها الذّات عبر فلسفات الوعي، كمحاولة للقبض على أساسات هذه التّصورات وطريقة اهتمامها بتأسيس فلسفة للذّات، تستقلُ بها عن كلّ نزعة اختزاليّة أو اقصائيّة. ووفقاً لهذا الاعتبار أيضا تتأسّس الفلسفة الأوروبيّة- الغربيّة في الفترة الحديثة، لمجابهةِ أزمتها وتفجير اشكالاتها من صميمِ إرثها، متفاعلةً معهُ نقداً وإبداعاً.

1-ميلاد الذّات: لحظة ديكارت

إنّ اكتشاف الذّات في الثّقافة الأوروبيّة، هو سليل مخاض طويل، بينَ العقلانيّة واللاّعقلانيّة، بين العقل التّقليدي والعقل الأنواري الحداثي، بينَ قوى استحوذت على الفكر والإنسان والوجود. لهذا مثّل ديكارت لحظة مفترق الطّرق بين النّمطين المتصارعين. فتأسيس الكوجيتو في الثّقافة الأوروبيّة-الغربيّة، يعني قلب في نظام التّفكير، أي بداية التّوغل في موضوعات، تنطلق من الأنا، من الذّات، بكلمة من الانسان عوضاً عن الله كمركزيّة للوجود وللتّفكير.

ينطلق ديكارت في تأسيسهِ للذّات إنطلاقاً من لحظتين:

  • اللّحظة الأولى: هي ميلاد ذات إبستمولوجيّة، تسلتهم مبادئ الهندسة والرياضيات، في عمليات السّبر والبناء المعرفيّ. وقد انبنى هذا التّصور في كتاب ديكارت قواعد المنهج، الّذي يضع خطوات واضحة للوصول إلى الحقيقة المعرفيّة.
  • اللّحظة الثانيّة: وهي اللّحظة الميتافيزيقيّة، وهي اللّحظة الحقيقيّة الّتي انبنت فيها الذّات، فديكارت يؤسّس للذّات أو يعلن مولدها بعد أن تعرف في التّأمل الأوّل من كتابه تأملات ميتافيزيقيّة عن الأشياء الّتي يمكن الشّك فيها. وانطلاقاً من هذا يلج في التّأمل الثّاني: الّذي عنونه بـ” في طبيعة الرّوح الإنسانيّة الّتي نعرفها أكثر ممّا نعرف الجسد[1]. في دلالة بأنّ التّأمل الدّيكارتي الثّاني، ينزع منزعاً يروم إحداث شرخ في التّفكير اللاّهوتي، بواسطة الاعتماد على الأنا المفكّرة وحدها بمعزلٍ عن الموضوعات الخارجيّة، وإيجاد نقطة ثبات لا حركة[2]. يتمكّن منها من قلب التّصور الفلسفيّ حول الذّات. أو بمعنى آخر سحب شرعيّة التّفكير في الله وموضوعاتهِ، إلى التّفكير في الذّات بواسطة الذّات (لأنا المفكّرة).

وأوّل ما تبدأ به الذّات هو نفي جميع الموضوعات الخارجيّة، الّتي علقت بالذّاكرة وامتلأت بها الذّات مثل: الحواس، الجسم، الحركة، المكان. باعتبارها مغالطّات وأوهام[3]. بمعنى نقل مجال العالم الحسّي، بما فيهِ من حركة، إلى العالم الجوّاني، عالم الفكر، حيث تجرّد الأشياء من موادها ولا يبقى منها إلّا صورتها المجرّدة في الذّهن. بواسطة هذا النّقل تتمكّن الذّات عبر الحدس من استخلاص صور المواد، والاحتفاظ بها في الذّهن فالأشياء الجسميّة على أهمّيتها، إلاّ أنّها تظلّ محطّ تشكيك وعدم إعطاء شرعيّة قويّة لوجودِ الذّات. فلا الأجسام، ولا جميع الموجودات تثبّت ذاتيتي إلّا من خلال ذاتي، وبالتّالي لا اعتبار لشيء إلّا من خلال : ذاتي ووجودي[4]. ذلك أنّ الأنا المفكّرة هي الّتي تحلّ محلّ الجسم، أو بمعنى تعوض كلّ موضوع خارج عن الذّات.

إذن يرفض ديكارت أن يكون الجسم، هو النّقطة الّتي ينبثق عنها وجود الذّات. انطلاقاً من هذه النّقطة تحديداً يوجّه ميرلوبونتي نقده لديكارت. لكن قبل أن نلج عوالم ميرلوبونتي، لنكمل مع ديكارت، فما طبيعة هذه الذّات؟

تظلّ الذّات عندَ ديكارت من طبيعة مفكرّة ثابتة مستقلّة عن الجسم، بما هو موضوع عرضي بالنسبة للذّات (الجسم). الذّات المفكّرة[5] هي الشّيء الّذي يميّز طبيعتها عن كونها متمايزة عن الجسد. ومن طبيعة هذه الذّات أيضا، النّفي، الاثبات، الإدراك، التّخييل[6]، هذه كلّها أشياء تميّز الذّات وتفسّر طبيعتها. وبما أنّ الأمر كذلك فإنّ الذّات عن طريق وعيها بموضوعاتها، تثبت وجودها اليقيني الواضح، فالإحساسات عبارة عن وعي موجود وليس وهمياً، لذا فالذّات هي الأنا المشرعة لموضوعاتها، بما فيه الجسد، والأشياء الحسيّة.

عبر الإدراك يثبت ديكارت قوّة الذّات في سبر موضوعاتها، في المثال الّذي قدمهُ حول الشّمعة، باعتبارها جسما عرضيا، أي تنتهي باحتراقها كاملة. أي أنّ الذّات المفكرة تثبتُ بقائها أو بالأحرى وجودها، بواسطة صورتها المنطبعة في الذّهن بمعنى أنّ الذّات المفكّرة تحتفظ بقوّة الامتداد الّذي هو من طبيعة التّفكير، بمعنى أنّ هناك وعياً مباشراً بين المعطيات الحسيّة والفكر الّذي يتذهن هذه المعطيات، الّتي تستقلّ بها الذّات وتجرّدها من موادها. وهكذا تكونُ الذّات عند ديكارت، أساس يثبت الآنا المفكّرة، وينفي ما عداه ولا اعتراف بموجود سوى الذّات.

ينتقل ديكارت في التّأمل الثّالث إلى الحديث عن الكيفيّة الّتي يتمّ بها إثبات وجود الله، أو ما يسمى بالدّليل الانطولوجي على وجودِ الله. وهو في هذا يقوم باستكمال بناءِ رؤيتهِ حول الذّات والعالم، إذ لا زال ديكارت رغمَ إثبات الذّات المفكّرة، لم يستكمل تصورهُ الميتافيزيقي. فالذّات في هذا التّأمل رغم إثبات وجودها لا زالت بصورة أو بأخرى غير مكتملة.

سيمثّل الحدس دوراً مهماً في هذا التّأمل على كيفيّة إثبات وجود الإله، فإن كان إثبات الذّات المفكّرة عن طريق برهان الكوجيتو، فإنّ الاستدلال على وجودِ اللهِ سيتم بداية بطريقة جوّانيّة، أي عن طريق الحدس، الّذي يعرض له بواسطة أفكار النّور الفطريّ. هذا النّور الّذي يكون بمثابة دليل حدسي، يمكن أن نميّز بواسطتهِ بين الصّواب والخطأ[7]. وعلّة ذلك أنّ الموضوعات الخارجيّة هي مصدر الخطأ وبعيدة كلّ البعد عن الحقيقة.

من خلال هذا المنهج التّدرجي الّذي رسمه ديكارت في تأمّلاتهِ، والمبني على الوضوح والتّمييز، يستمر بطريقة متقنة، في عرض الأمثلة ودحضها إذ لم تكن واضحة وبديهيّة بذاتها. والذّات هنا تحديداً تتوصّل إلى فكرة الكمال Parfait[8]، أي أنّ وجودنا ناتج عن علّة كاملة[9]، هذه العلّة هي سبب وجودي، فلا يمكن أن تكون الذّات هي الموجدة. لذا كان الإله في تصور ديكارت كاملاً. وهذا دليل أوّل على وجوده الّذي استمدّ منه أنا وجودي[10].

وانطلاقاً من هذا يتوصل ديكارت في نهاية التّأمل الثالث إلى أنّ الدّليل الانطولوجي على وجودِ الله، والّذي يحتوي على فكرتين هما: الكمال والوجود. فالكمال والوجود، بينهما علاقة تلازم، وهو ما يمكن تسميته بالدّليل الواقعي، فما دام الإله كاملاً فهو موجود، وبما أنّه موجود فهو يؤكّد وجودَ ذاتي.

خلاصة وتركيب:

يستنتجُ إذن من تصوّر ديكارت، الّذي فعلاً أسّس لفلسفة الذّات. فأرضيتهُ صلبة وقويّة، خصوصاً أنّها تتأسّس على أسّينِ. أسّ إبستمولوجي، وهو ما انتقدهُ وطورهُ هوسرل، والشّق الميتافيزيقي. الّذي قامت عليهِ فلسفات الوعي، واستلهمت منها موضوعاتها، فتفجير خصائص الذّات واكتشاف جغرافيتها، كانَ حدثاً نقلَ الذّات الأوروبيّة-الغربيّة، من ضيقِ اللاّهوت وسلطة السّياسي ودوره في هذا. من هنا بعدَ التّأسيس الّذي أحدثهُ ديكارت جذرياً على العقل الأوروبي-الغربي، تأسّست فلسفات تمتحُ من هذا الإرث، ومن أهمّها فينومينولوجيا هوسرل. فما هي أسس الذّات الفينومينولوجيا من منظور هوسرل؟ وما هيَ إسهامات هذه الفينومينولوجيا في الخروج من أزمة العلوم الأوروبيّة؟

2- من الذّات الميتافيزيقيّة إلى الذّات الإبستمولوجيّة:

تبتدئ الفينومينولوجيا تأسيساً مع الألماني إدموند هوسرل Edmund Husserl (1859-1938)، الّذي وضع أسّ إنتاج نظر معرفي فلسفي خالص، يصدر عن رؤيّة معرفيّة مزدوجة عن معطيات العلم الحسّي، وعن النّظر الفلسفي الخالص. بحيث تشتغل الفينومينولوجيا كمنهج وكعلم أيضا مستقل لها نظامها وشروطها الموضوعيّة. يقول هوسرل: “الفينومينولوجيا: [لفظ]يدّل على علم وعلى نظام من الميادين العلميّة؛ غير أنّ “الفينومينولوجيا” تدلّ كذلك وفي الأصل على منهج وعلى موقف للفكر: “موقف الفكر الفلسفي” بخاصّة، و “المنهج الفلسفي بخاصّة[11]“. وانطلاقا من هذا فإنّ الفينومينولوجيا بما هي امتداد لتيّار الوعي الّذي بنى أسسه الحديثة انطلاقاً من ديكارت. فإنّ الفينومينولوجيا هي ذاك العلم الّذي يبحث في ماهيات[12] الأشياء، بما هي منعطيّة قبلياً في الوعي conscience. وبما أنّ الاشتغال الفينومينولوجي على الماهيات، فإنّ ذاتيتي الّتي تربطني بالماهيّة هي علاقة ظهور الموضوعات في مساحة الوعي، أي أنّ الذّات ظهور قبلي ومرجع يسبق الموجودات والأشياء والعالم، وهي أيضاً (الذّات) ما يشكل وعييَ القبلي بالعالم الطّبيعي من حيث ظهوره.

إذن الفينومينولوجيا الهوسرليّة هي اختراق للوجود وحنين ميتافيزيقي، إلى المنابع والأصول وجوهر الأشياء. جهد متعالٍ من أجل الإمساك بماهيّة الموضوعات. ولأن كان ديكارت قد فصل بين الذّات والموضوعات، وعبر ذلك بنى الذّات الشّكيّة في الوجود. فإنّ هوسرل قصدَ الموضوعات لتكون الذّات متعاليّة، مرابطة في اليقين وتستقرّ فيه. وبما أنّ المسار الفينومينولوجي الّذي أدمج تَواليفَ بنائهِ عبر سياقات أزمة الأسس فإنّ تصوّر هوسرل، لطبيعة المعرفة الذّات في العالم ينزع منزعاً مغايراً، عن ذاك الّذي بناه ديكارت. وذلك عبر مسارين:

-الأوّل: نقد النّزعة العلمويّة، الّتي استحوذت على الذّهن الأوروبي والّتي اعتبرت الرياضيات هي المصدر الوحيد لتفسير الطّبيعة. وذلك ما أدّى إلى الوقوع في أزمة إبستمولوجيّة، تعرف بأزمة الأسس حيث لجأ فلاسفة الرياضيات على إثر هذه الأزمة إلى اللّجوء إلى المنطق للخروج من هذه الورطة الإبستمولوجيا.

-ثانيا: نقد هوسرل للنّزعة السّيكولوجيّة، الّتي لا تفصل بين فعل التّفكير والفكر في حدّ ذاته. من هنا قدّم هوسرل تصوّره الفينومينولوجي لحلّ هذه الأزمة فما هي محتويات وأوجه حلّ الأزمة من خلال فينومينولوجيا هوسرل؟ وما هي أسسها الإبستمولوجية؟

في نظر هوسرل أنّ ديكارت قدّم أكبر اكتشاف في تاريخ الفلسفة وهو الكوجيتو، هذا الاكتشاف لم يأخذ دوره في التّجريب المعيش، وعالم الحياة. لذا سيعمدُ هوسرل إلى جعل الكوجيتو الدّيكارتي منطلقاً قويّاً لبناء منهجٍ متماسكٍ لتدبير أزمة العلوم الأوروبيّة.

في بداية كتابه أزمة العلوم الأوروبيّة، وبالتّحديد في القسم الأوّل المعنون بـ”أزمة العلوم بوصفها تعبيراً عن أزمة جذريّة تمسّ حياة البشريّة الأوروبيّة[13]. يشير هوسرل على الأزمة الّتي هو بصدد معالجتها، فليست الأزمة مرتبطة بالتّقدم العلمي للعلوم الأوروبيّة على اطلاقها، بل المعنى من الأزمة هي أزمة نهج وموضوع. فما المقصود بهذا؟

يقول: هوسرل” إنّ أزمة علم مّا لا تعني سوى أنّ علميّته الحقّة، أي الكيفيّة الّتي حدّد بها مهمّته وأنشأ بها المنهجيّة الكفيلة بإنجاز هذه المهمّة، أصبحت بأكملها موضع سؤال”[14]. بهذا يضع هوسرل أسس تصوّره للمشكل الّذي تعيشه العقلانيّة العلميّة الأوروبيّة، الّتي أضحت في مشكل بسبب الفهم التّقليدي للعلم، الّذي يصدر عن مسلّمةِ مفادها أنّ العلم باعتباره موضوعياً يجبُ أن يتخلّص من الأسئلة الأولى للفلسفة[15]. والّذي يقصي مباشرة بدافع الموضوعيّة والذاتيّة أسئلة الذّات،[16] الّتي هي من صميم سؤال المعيش. ولأنّ الموضوعيّة في أقصى حالتها هي تسجيل لما عليهِ العالم، وليست تفسيراً له وإعطاء موقف وجودي منه، وبما أنّ التّصور العلمي بهذه الصّورة أيضا. فإنّهُ ألغى زمانيّة الإنسان الّتي تعتبر أساس الذّات الّتي يعطيه امتداداً في التّاريخ، وتستعيد تأويل العالم المعيش. وهذا في نظر هوسرل ما تستطيعه الفلسفة الترنسدنتاليّة أي نقد نزعة الوضعيّة في العلوم الحقّة الّتي لا تجيب على الأسئلة الكبرى للإنسان المعاصر، الّذي خرج من الحرب في تيه وجودي وأزمة كبرى.

يوجّه هوسرل نقده للفكر الطّبيعي/ الموضوعي قائلاً: ” إنّ الفكر الطّبيعي لا شأن له بالمعوّقات الخاصّة بإمكان المعرفة لا في الحياة و لا في العلم – أمّا ” الفكر الفلسفي”، فيتحدّد بموقفه من مشكلات إمكان المعرفة”[17]. يعني هوسرل بأنّ طبيعة العلوم الموضوعيّة، ليس بمكنتها بلوغ المعرفة في ذاتها، لأنّها تنشغل بحركات القوانين المنطقيّة الّتي صاغتها، وبالتّالي تتحكم بها. لذا فهي لا تناسب النّزعات الحيويّة الّتي نتملّكها بالقوّة، وتمكننا من إدراك الأشياء في ماهيتها. وانطلاقاً من فكرة الفنومينولوجيا الّتي تعتبر أن نقد المعرفة أو نقد مشكلات “نظريّة المعرفة” فإنّ الفنومينولوجيا بما هي نظريّة في الماهيّة، تدخل في معالجتها المشكلات المعرفيّة، أي علم ماهيّة المعرفة[18].

يرى هوسرل أنّ الإنسان يحتوي على موقف ضمني من العالم في الحياة المعيش، لذا فالمفنومينولوجيا تسعى إلى تحرير هذا الموقف الّذي يكون في العالم الطّبيعي وتحويلهِ إلى موقف فلسفي. فالعالم بالنسبة للإنسان هو مساحة للتّجريب الذّاتيّ وبروز مقولة الذّات المفكّرة، الّتي تتّصل بالموضوعات عبر الوعي القصديّ intentionnalité، أثناء الموقف الطّبيعي. فالاتّجاه القصدي للوعي نحو الموضوع، ينصبّ في تذويت الموضوعات في كيفيات انعطائها في الوعي، وفي وجودها في العالم.

وفي هذا المستوى يتوقّف الفنومينولوجي عن الاعتقاد، أو في الحقيقة يقوم بتعليق حكمهِ إزاء العالم، أي يمتنع عن إصدار أحكام إزاء الموضوعات القصديّة. وهذا الحياد إزاء إبداء الموقف، ” يسمّيه هوسرل تعليق الحكم، الإيبوخي. موقف الإيبوخي إزاء العالم هو الّذي يميّز الموقف الفلسفي عن الموقف الطّبيعي، وهو ما يتيح للفنومينولوجيا إرجاع الموضوعات والعالم إلى كيفيات عطائها، هذا الإرجاع يسمّيه هوسرل الإرجاع الفنومينولوجي أو الترنسدنتالي، وهو ما يسمح بدراسة الموضوعات في تعالقها مع الكيفيات الذاتيّة لعطائها”[19].

إنّ ما يعطي للعَالمِ معنى –حسب هوسرل- هي النّزعة الذاتيّة، المتأصّلة في العالم. بما هي نزعة تلقائيّة نحو الماهيات، عبر السّؤال الارتدادي الجذري للذّات. ” وبالضّبط إلى الذاتيّة الّتي تنشئ في الأخير كلّ صلاحيّة العالم مع مضمونها في كلّ الكيفيات قبل العلميّة والعمليّة، وكذلك إلى ماهيّة وكيفيّة إنجازات العقل”[20]. هكذا تعمل الترنسدنتاليّة المتعاليّة، باعتبار العالم معطى وجوديا سابقا، تشكّلهُ الذاتيّة. فالنّزعة الذاتيّة تظلّ أسبق من النّزعة الموضوعيّة الّتي يُشترط بها العلم في بعديتهِ التّجريبيّة[21]. لكن في عمق هذا التّأسيس الترنسدنتالي للمعرفة، وللذّات والعالم، يتعذّر تشييد أفق ترنسدنتالي، بسبب المثاليّة السّيكولوجيّة، الّتي تعد أحد أسباب أزمة العقل الأوروبي[22]. ولتفادي ذلك ينطلق هوسرل من رؤية موغلة في الذّات والتّاريخ، أو لنقل استرجاع ارتدادي للذّات عبر التّاريخ، باعتبار الانسان كائن تاريخي، تمكنهُ من اكتشاف ماهيّة “التّأويلات الذاتيّة”. هذا التّوغل والتّمعن في الذّات هو ما يمكنهُ إخراج الذّات الأوروبيّة من بوارحِ الأزمة التاريخيّة الّتي تعيشها، إذن فما هي مقوّمات العودة إلى الذّات؟

تأسّست الحداثة الأوروبيّة على الذاتيّة، منذ ديكارت في تأمّلاتهِ لذا يطرحُ هوسرل مسألة العودة إلى الذّات الدّيكارتيّة الّتي أسّست على أسّ الشّك. لترميم ما تساقط من ديكارت وهو في مسار بنائهِ لموضوعةِ الذّات. إنّ البدء التّاريخي لنقد المعرفة، وممارسة النّقد الجذري للعلوم عبر الإيبوخي الهوسرلي، الّذي تنجزه الأنا، يقومُ بنزعِ كلّ صفة قطعيّة للشكيّة والريبة الّتي ظلت مع ديكارت[23].  ومكنتهُ من البقاء في منطقة الاكتشاف الأساس للذّات.

يسمح موقع الإيبوخي، بأنّ أشكل وعيي الذّاتي في استيعاض عن كلّ تجربة سابقة، أو بمعنى آخر تحلل الذّات من ربقةِ الأحكام المسبقة الّتي تشكّلني كذات.  من خلال هذا يكون الإيبوخي مشاركاً في ” كلّ أفعال حياتي المجرِّبة، والمفكِّرة، والمقوِّمة، وغيرها تبقى قائمة لدي وتستمر في جريانها، إلاّ أنّ ما يقوم فيها أمام عيني كعالم يتوفر بالنسبة لي على وجود وصلاحيّة يصبح مجرّد ظاهرةPhanomem ، وذلك فيما يتعلّق بكلّ التّحديات الّتي تنتمي إليه. في الإيبوخي تحوّلت هي كلّها والعالم ذاته إلى أفكار لي، إنّها مكوّنات لأفعال تفكيري لا يمكن، بصفتها مفكَّراتها، فصلها عنها. هاهنا لدينا دائرة للوجود قطعيّة مطلقاً يشملها عنوان الأنا، وليس فقط مجرّد قضيّة أكسيوميّة أنا أفكر أو أنا مفكِّر”[24].  يتبيّن أنّ هوسرل في عودتهِ إلى التأمّلات الدّيكارتيّة، بأنّه سعى سعياً حثيثاً لحلّ جذور الأزمة الأوروبيّة، عن طريق إرساء قواعد لعودة الذّات، إلى مسارها الصّحيح. فهوسرل يؤكّد رغم أهميّة الكوجيتو الدّيكارتي إلاّ أنّه أوّل ذاتهُ بطريقةٍ خاطئة، وذلك حين انحرافه نحو الأنا السّيكولوجي[25]، الّذي ينتزعه نزعاً الإيبوخي ويقف ضدّه.

كان لبحث ديكارت عن النّزعة الموضوعيّة المحضة في الفلسفة والعلوم[26]، بصمة طبعت تاريخ الفلسفة والعلم، وهي من مسبّبات الأزمة. فالأنا الدّيكارتيّة لم تتح الفرصة للإظهار الرّوحي للعالم، واعتبرت الرّوح من مخرجات السّيكولوجيا. وبالتّالي تسرعه (ديكارت) لبناء نسق موضوعي للعلوم، لم يمكنهُ من إدراك الذّات في وجودها الخارجي والدّاخلي، ” لقد بقي خفيّاً عنه أنّ كلّ هذه التّمييزات مثل أنا وأنت، الدّاخل والخارج، لا تنبني إلاّ في الأنا المطلق”[27]. واعتباراً من هذا يضع هوسرل المنهج الفنومينولوجي كما يؤسّسه، كبديل لحلّ الأزمة الأوروبيّة، وهي أزمة الذّات الّتي سيطرت عليها النّزعة الموضوعيّة.

خلاصة وتركيب:

تبيّنَ لنا ممّا سبقَ أنّ هوسرل، عمقّ البحث الحقيقي في الذّات، وعبرَ الذّات اتّخذت مساراً أكيداً في المساهمة في حلّ الأزمة الموضوعيّة للعلوم. ليسَ من السّهل أن تؤسّس معرفة، تزاحم العلوم الموضوعيّة (الطّبيعيّة)، انطلاقاً من منهج تأويلي (الفينومينولوجيا) بالأساس. ويضع حدوداً للأزمة رغمَ الطّابع الرياضي الّذي افترضهُ هوسرل للفينومينولوجيا، إلّا أنّها عرفت منعرجاً قامَ بقلبِ مجموعِ مسارها الّذي دشناهُ هوسرل. وذلكَ مع تلميذه هايدغر الّذي اعتبرَ أنّ الفلسفة الفينومينولوجيا هي أنطولوجيا كليّة تكونُ نقطة انطلاقها هيرمينوطيقا الدّازين. وهو بهذا ينقلُ الفينومينولوجيا إلى أفقِ الوجودِ والموجودِ، وعنهُ تولّدت الفينومينولوجيات الوجوديّة خصوصاً في فرنسا، مع سارتر وميرلوبونتي. فما هوَ التّصور الفينومينولوجي الّذي قدّمهُ ميرلوبونتي للذّات؟ وماهي وظائف الذّات عندَ ميرلوبونتي؟

********

[1] Descartes, Méditations métaphysique, Présentation et notes par : Marie-Frédérique Pellegrin, (Paris : Flammarion, 2009) P 91.

[2] Ibd, 92.

[3] Ibd, 92.

[4] Ibd, 93.

[5] Ibd, 99.

[6] Ibd, 99- 100.

[7] Ibd, P 118.

[8] ديكارت، المصدر نفسه، 144. فكرة الإله الكامل، تظهرُ بوضوح في التأمل الرابع ” في الصواب والخطأ”، سنجدُ أنَّ ديكارت يثبت انّ الإله لا يأتي منه الشّر والخداع، لأنّ الشّر والخداع يأتي من الذوات الناقصة الّتي تتسمُ بالضّعف والخطأ.

[9] Ibd, P 121.

[10] Ibd, P 123 “Et encore 63.

[11]  إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجيا، ترجمة: فتحي إنقزو، بيروت: المنظمة العربيّة للتجربة، 2007، ص56.

[12]  إدموند هوسرل، مصدر سابق، ص 32.

[13]  إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوربيّة والفنومينولوجيا الترنسدنتاليّة: مدخل إلى الفلسفة الفنومينولوجيا، ترجمة: إسماعيل المصدق (بيروت، المنظمة العربيّة للترجمة، الطّبعة الأولى 2007) ص 41.

[14]  إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوربيّة، ص 41.

[15] إدموند هوسرل، نفس المصدر، 48. يقول: ” إن المفهوم الوضعي للعلم في زماننا هو إذن- إذا نظرنا إليه تاريخياً- مفهوم اختزالي (Restbegriff). إنه قد تخلى عن كل تلك الأسئلة الّتي تُدرج تحت المفاهيم الضّيقة تارة والواسعة تارة للميتافيزيقا، وضمنها كل الأسئلة الّتي تنعت في غموض بأنها “الأسئلة العليا والأخيرة”. عند النظر الدّقيق تتمثل الوحدة الوثيقة لهذه الأسئلة، وكل تلك الّتي تم إقصاؤها عموماً، في أنها تشمل، إما بكيفيّة صريحة أو ضمنيّة، مشاكل العقل– العقل في كل أشكاله الخاصة”.

[16]  إدموند هوسرل، نفس المصدر، 45. يقول: ” إن العلم الّذي يدرس الأجسام المحضة ليس له طبعاً ما يقول، فهو يغض النظر عن كل ما هو ذاتي”.

[17]  إدموند هوسرل، فكرة الفنومينولوجيا، مصدر سابق، ص 31.

[18]  إدموند هوسرل، نفس المصدر، 32.

[19]  إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوربيّة، منقول من مقدمة المترجم إسماعيل المصدق، 21.

[20]  إدموند هوسرل، المصدر نفسه، 131.

[21]  إدموند هوسرل، المصدر نفسه، 130.

[22]  إدموند هوسرل، المصدر نفسه، 132.

[23]  إدموند هوسرل، المصدر نفسه، ص 143. يقول:” الأنا الّذي ينجز الإيبوخي، لا أنتمي إلى مجال الموضوعات الّتي يطالها الإيبوخي، بل إنني بالأحرى- إذا أنجزته فعلا بكيفيّة جذريّة وشاملة – مستثنى منه مبدئياً. إنني موجود ضرورة بصفتي من ينجزه. وهنا بالذات أجد الأرضيّة القطعيّة الّتي أبحث عنها والّتي تقصي مطلقاً كل شك ممكن. مهما دفعت الشّك إلى أبعد مدى وحاولت أنا ذاتي أن أتصور بأن كل شيء هو موضع شك بل وغير موجود في الحقيقة، فإنه من البداهي مطلقا أنني أنا موجود بصفتي من يشك، من ينفي كل شيء. إنّ الشّك الشّامل يلغي ذاته بذاته.

[24] إدموند هوسرل، المصدر نفسه، 143.

[25]  إدموند هوسرل، المصدر نفسه، 146-147.

[26]  إدموند هوسرل، المصدر نفسه، 149.

[27]  إدموند هوسرل، المصدر نفسه، 150.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق