كلّ فنّ لما خُلِق له

لقد أنبأناك منذ فاتحة الكتاب أننا سنستخدم لفظ «الشّعر» لندلّ به على كلّ ضروب الأدب الّتي تُقصد لذاتها وجمال فنها، لا لنفعها وما فيها من علم وعرفان، ولكن العُرف قد جرى بتقسيم هذا الشعر أنواعًا وأقسامًا؛ فملحمة ومسرحية وقصيدة غنائية وقصّة ومقالة إلى آخر هذه الأقسام والأنواع، وكلّها يخضع لما قدَّمناه في الفصلَين السابقَين من مبادئ وموازين، إلاّ ما يخصُّ النظم منها، فهو لا ينطبق إلا على المنظوم؛ فالعوامل الّتي تُؤدِّي إلى قوة التعبير هي بعينها لا تتغير في كل هذه الضروب الأدبية على اختلافها، فمهما تكُن القطعة الأدبية، ملحمةً كانت أو قصيدة غنائية أو مقالة، فينبغي لك أن تقرأها على النحو الذي أفضْنا في شرحه وتوضيحه في الفصلَين السابقَين، لكن مشكلة جديدة تنشأ ها هنا، وتتطلب منا التفكير والحل. لقد زعمنا أن الميزان الذي نُميِّز به جيِّد الشعر من رديئه، هو قوة الألفاظ والصور في التعبير عما أُريدَ لها أن تُعبِّر عنه، لكننا عرفنا مما قدمناه في الفصل السابق أن لأنواع الشعر المختلفة قدراتٍ مختلفة على التعبير؛ فقصيدة في الشعر المُرسَل تختلف في طريقة أدائها للمعنى وتعبيرها عما يُريد الشاعر عن قصيدة في بحر الدوبيت، وإذن فربما كانت الطريقة المُثلى في الحكم على قصيدة أن نحكم عليها باعتبارها شعرًا أولًا، ثم باعتبارها هذا الضرب أو ذاك ثانيًا؛ إذ يستحيل أن تزن قصيدةً بميزان النقد الكامل العادل إلا إذا قِستها بمعيار نوعها، أما أن تقيس القصيدة الغنائية بما تقيس به الملحمة، ثم تستخفُّ قيمتها وتستصغر شأنها لأنها لا تُؤدِّي ما تُؤدِّيه الملحمة، فضلالٌ وانحراف عن سواء السبيل، ولا يقلُّ خطلًا وحمقًا عمن ينتقص من شأن النمر لأنه لم يكن أسدًا؛ فإذا كانت القصيدة الغنائية تختلف عن زميلتها القصصية بمقدار ما يختلف النمر عن الأسد، فبديهيٌّ أن تحكم على القصيدة الغنائية في حدود ما يستطيع الشعر الغنائي أن يُؤدِّيه، وأن تحكم على الملحمة في حدود ما يستطيع الشعر القصصي أن يبلغه؛ فالقصيدة الغنائية الجيِّدة هي التي تُجوَّد في صفتها الغنائية، كما أن خير النمور ما يُمثِّل طبيعة النمر على وجهها الكامل. ونسوق لذلك مثالًا هذه العبارة الآتية التي وردت في تأمُّل «هاملت» وهو وحده يُحدِّث نفسه، قالها وهو يُفكِّر في العالم الآخر، فيصفه بأنه:

العالم المجهول الذي من حدوده
لا يعود مسافر.

وتقرأ العبارة في أصلها الإنجليزي فتجد لها رنينًا جميلًا ونغمًا حلوًا مُستساغًا، ولا تُخطئ فيها جودة الصياغة وقوة التعبير، وما دمت قد حكمت لها بقوة التعبير فقد سلكتها في الشعر الجيِّد، فذلك مِقياسنا الذي اتخذناه وحرصنا أن تكون له المنزلة الأولى في الحكم والتقدير. تقرأ هذه العبارة فتشعر أنك قد أحببتها، لا لأن لها نغمًا جميلًا في مِسمعَيك فحسْب، بل لأنها بأسلوبها؛ أي بطريقتها في معالجة موضوعها. تُصوِّر لك العالم الآخر صورةً تُغنيك وتُرضيك؛ فتصوير هذا العالم الآخر «بعالم مجهول» وبأنه لِسَفر الحياة نهاية وختام، قد هيَّأ للشاعر أن يُبرِز صفتَين هما من أهم الفوارق بينه وبين هذا العالم الأرضي الذي نعيش فيه؛ أولاهما إلغازه وغموضه فهو «عالم مجهول»، والثانية انفصاله التام عن هذا العالم؛ إذ «من حدوده لا يعود مسافر». وهكذا كشف الشاعر عن العناصر الأساسية في الفكرة التي يسوقها كشفًا صحيحًا جميلًا، فلا يسعنا إلا أن نحكم لعبارته بالجمال، وإذن فهي عظيمة بمقياس الشعر بوجه عام، لكنها ليست شعرًا بمعنى الشعر العام وكفى. إنها قول مُعيَّن لشخص مُعيَّن في نوع مُعيَّن من الشعر هو المسرحية، فلا يُمكِن الحكم لها أو عليها حكمًا قاطعًا إلا إذا رأيناها في موضعها من المسرحية التي وردت فيها؛ لنزِن قدرها في ذلك الموضع ومقدار أدائها لما أُريدَ لها أن تُؤدِّيه. ونعود إلى المسرحية فإذا العبارة تجري على لسان «هاملت»، وإذا بعامل جديد يدخل في الحكم والتقدير؛ فقد كنا حكمنا على العبارة بالجودة لأنها عبَّرت لنا عن رأينا في العالم الآخر؟ حكمنا لها بالجودة لصدقها، لكنها تجري في الرواية على لسان «هاملت» الذي يعلم دون سائر الناس جميعًا أنها كاذبة! فلمْ يكُن قد مضى في حوادث المسرحية إلا قليل حين رأى «هاملت» مُسافِرًا قد عاد إليه من العالم الآخر، ولم يكُن المُسافِر العائد إلا أباه. كان هاملت قد رأى منذ قليل شبح أبيه أمام عينَيه، وأخذ الشبح يقصُّ عليه من الأنباء ما تشيب له النواصي وتنخلع له القلوب. فواضحٌ — إذن — أن الصفة التي جعلتنا نحكم على العبارة بالجودة وقوة التعبير — أعني صفة الصدق في التصوير — قد ارتفعت عنها في موضعها من الرواية؛ فإن كانت لا تزال جيدة قوية في سياقها، فلِسَبب آخر غير صدقها. وهنا نتساءل: ولماذا وصف هاملت العالم الآخر وصفًا كاذبًا بالنسبة إليه؟ إن تجربته القريبة القوية قد دلَّت على عكس ما يقول؛ إذ آب إليه من حدود العالم المجهول مسافر هو أبوه، ولا نكاد نبدأ البحث عن علة هذا حتى ينفتح لنا طريق نتسلل منه إلى أعماق نفسه؛ فحين أخذ هاملت يتأمل الحياة بفكره المُجرَّد كما يتأملها الفيلسوف، طارَت عنه تجربته الشخصية المحدودة المحسوسة، فهو في تأمُّله هذا قد بات عقلًا خالصًا مفصولًا عن الجسد وتجاربه، وفي هذا وحده كل مأساته! إن مأساة هاملت في صميمها أنه رجل يسير بفكره المُجرَّد في وادٍ وبجسمه وحواسه وتجاربه في وادٍ آخر، هو رجل لا يبني تفكيره على تجاربه؛ ومن هنا كانت متاعبه، رجل يعرف كيف يتأمل ولا يعرف كيف يعمل؛ لأن التأمُّل من خصائص العقل وهو على عقله مُسيطِر، وأما العمل فمن صفات الجسم وليس له على جسمه من سلطان؛ وإذن فقد ظهر للعبارة جمال آخر وروعة أخرى، إنها ليست عظيمة في سياقها من الرواية لمُجرَّد أنها تقول الصدق، بل لأنها عند التحليل مفتاح لشخصية هاملت، فتفتح آفاق نفسيته وتُلقي عليه الضوء، وبذلك تُفسَّر المأساة كلها؛ هي عبارة جميلة قوية من حيث هي شعر مُطلَق، ثم هي أجمل وأقوى من حيث هي جزء في رواية مسرحية ينطق به شخص مُعيَّن في موقف مُعيَّن.

من هذا ترى أنك لا تستطيع الحكم بالجودة على قول في مسرحية إلا بمقياس المسرحية، ولا على بيت في قصيدة غنائية إلا بميزان القصيدة الغنائية وهكذا. أما الحكم على إطلاقه فعبثٌ وضلال. وإنه ليشيع اليوم بين رجال النقد رأي بأنه لا فرق بين شعر وشعر عند الحكم والتقدير، فما نُريده من شعر القصيدة الغنائية هو ما نُريده من شعر المسرحية أو الملحمة، أو غير ذلك من فنون النظم؛ فالشعر إما أن يكون شعرًا أو لا يكون شيئًا. ويمضي رجال النقد في رأيهم، فيزعمون أن ما يجعل الشعر شعرًا لا يتوقف في قليل ولا كثير على المُصادَفة البحتة التي جعلت هذا البيت من الشعر جزءًا من قصيدة غنائية أو جزءًا من مأساة. وعندنا أنه رأي بعيد عن الصواب؛ فقد رأينا في تحليل العبارة التي قالها «هاملت» أنها اكتسبت قوة وجودة وجمالًا بعد إذ نظرنا إليها وهي في موضعها من المأساة، ولو جرَّدناها عن موضعها ذاك لاحتفظت بقليل من قوتها وجودتها وجمالها. إن الرواية المسرحية تختلف عن القصيدة الغنائية بمقدار ما يختلف الأُرغُن عن القيثارة؛ فإن كانتا أداتَين مُختلِفتَين في طبيعتهما فبديهيٌّ أن تختلفا كذلك في قدرتَيهما على التعبير. ولن نقدُر قصيدة غنائية أو مسرحية حق قدرها إلا إذا عرفنا في غير لَبس ماذا تستطيع القصيدة الغنائية أو المسرحية أن تُؤدِّيه، وبالقياس إلى ما تستطيعه من الوجهة النظرية يُمكِن الحكم على هذه القصيدة المُعيَّنة أو المسرحية المُعيَّنة، بأن نرى كم جرَت من شوطها المفروض. ولكن أنَّى لنا أن نعلم لكل نوع مَداه؟

كنا في الفصل الأول قد آثَرنا في تعريف الشعر طريقًا مأمونًا من الخطل والزلل بعيدًا عن العمق والغموض، فقلنا إن الشعر هو ما يصنعه الشاعر. وذلك هو ما نعنيه إن قلنا بعبارة أخرى إن الشعر فن. ولكن كلمة «الفن» قد اضطربت معانيها في استعمالاتها الحديثة فغشِيها بعض الغموض؛ فقد تفهم الفن على أنه وجه آخر من المعرفة غير «العلم» وإنّه لكذلك، ولكن وجه الخطأ في هذا الفهم أن تضع هذَين الضدَّين في غير موضعهما الصحيح، فقد تتوهم أن «العلم» أشد ارتباطًا بالحياة العلمية النافعة من «الفن». فالعالِم هو عند أهل العصر ما يبحث في المعرفة النافعة، فيخترِع للصناعة آلاتِها وللحرب أدواتها، وللحياة اليومية ما يزيدُها رغدًا وبهجةً وجمالًا. أما «الفنون» فتشمل صنوفًا من الدراسة لا خَير فيها، وتشغل وقتَها وتُنفق جهدها في كتبٍ عتيقة أكَلَ عليها الدهر، تُعالج علمًا قديمًا بلغةٍ ماتت ومات أصحابها. ذلك ما يتوهَّمُهُ أهل هذا العصر من العلم والفن، وإنه لقلبٌ للوضع الصحيح. فإن أردْنا الدقَّة ألفَينا «العلم»، بعيدًا كلَّ البعد عن الحياة العملية؛ إذ العلم لا ينظر إلى المعرفة من وجهها النافع المُفيد، فهو لا يَعنيه إلَّا المشكلات المُجرَّدة والمبادئ العامة، العلم فِكر مجرَّد يقوم به العالم، بغضِّ النظر هل يُفيد في نهاية الأمر أو لا يُفيد. وأما «الفنون» فهي في حقيقة أمرها، ليست فروعًا من المعرفة، بل هي الطرائق العملية لصناعة الأشياء وأدائها، والمواد الدراسية التي يُطلَق عليها اليوم في الجامعات اسم «الفنون»، كاللغة اللاتينية والتاريخ والأدب الإنجليزي وما إليها «فنون»؛ لأنها جميعًا تعمل على التوسيع من «فن» الحياة، فهي تُهيِّئ للإنسان أدواتٍ تُعينه على أن يعيش حياته على صورةٍ أكمل وأوفى. الفن — إذًا — في حقيقة معناه صناعة وعمل وطريقة أداء. وأصدَقُ ما أسوقه لك من مثالٍ، يوضح كيف يخلط الناس اليوم بين «العلم» و«الفن»، خلطًا يضع كلًّا منهما مكان الآخر، هو ما يفهمه الرجل من أوساط الناس من معنى «مدرسة الفنون». فعنده أن هذه مدرسة تُعِدُّ التلاميذ لصناعة الأشياء المختلفة، كالتصوير والتطريز وتركيب الآلات وإصلاحها وغير ذلك، وهو مُصيبٌ في فهمه، لكنَّ خطأه يبدأ حين يظنُّ أن هذه الأمور هي من أبواب «العلم»، مع أنَّها «فنون» خالِصة ليس لها من «العلم» الخالِص البحَت كثيرٌ ولا قليل. «مدرسة الفنون» في حقيقة أمرها تُطبِّق العلوم على صناعاتٍ مُختلفة، أي أنها تُعلِّم «الفنون» التي تتَّصِل بفروع العلم الخالص. فالصباغة — مثلًا — فنٌّ وصناعة، لكنها تعتمِد على فرعٍ من فروع العلم البحت، هو كيمياء الألوان.

إذًا فصورةٌ تُصوِّرها وقطعةٌ من القماش تصبغها، تجعلانك من أصحاب الفنون لا من رجال العلوم. لكنَّنا نعود فنفرِّق بين هذين الفنَّين، فتصوير الصورة فن، وصبْغ القماش فن، لكن الأول من عمل «الفنان» والثاني من صنائع «الصانع». فلئن كان «الفنان» و«الصانع» كلاهما من رجال الفنون، إلَّا أنَّ أولهما مَعنيٌ «بالفنون الجميلة»، وثانيهما معنيٌ «بالفنون المفيدة». فصانع القصائد وصانع الصور، وصانع التماثيل وصانع الموسيقى، فنَّانون يُعالجون «فنًّا جميلًا»، وصانع الأحذية وصانع الإطارات للصور، وصانع المناضِد وصانع القيثار، فنَّانون يُعالجون «فنًّا مُفيدًا». فما الفرقُ بين الفنِّ الجميل والفنِّ المُفيد؟

قيمة ما يصنعه الصانع مرهونة بفائدة ما يصنع، فغاية الحذَّاء أن يصنع شيئًا ننتفِع به نفعًا مُعيَّنًا، نعم قد نُحبُّ لحذائنا أن يكون جميلًا، لكننا قبل جماله نتطلَّب أن يكون وقايةً لأقدامنا، فلا بُدَّ للحذاء أن يكون على شكل القدَم، وألَّا تكون به خروق تُدخِل الماء، وأن يكون ذا جلدٍ قوي يُقاوم صلب الأديم فيَحمينا من أذاه، وبعبارةٍ أخرى لا بُدَّ لإنتاج الحذاء أن يكون في شكله وبنائه وصفاته، مُتمشِّيًا مع الظروف المفروضة عليه، فهو في صناعته يُرضي عوامل خارجةً عنه، ليس له عليها نفوذ وسُلطان، عليه أن يستخدِم مادَّةً مُعيَّنة — هي الجلد عادة — لأنَّ للجِلد من الخصائص والصفات ما يجعله نافعًا أكبر النفع فيما نُريده له، ثم عليه أن يشكل الجلد ويصوغُه على نحوٍ فُرِض عليه فرضًا؛ إذ لا بُدَّ له أن يُخرج الحذاء على صورةٍ معلومة. نعم في وُسعِه أن يستغلَّ ما لبعض صنوفِ الجلد من صفات، فيُؤثر اللامع منها على القاتم؛ لكي يُكسب صناعته جمالًا، لكنَّ الجمال في الحذاء له المرتبة الثانية، ولفائدته المكان الأول، والحذَّاء الماهر هو الذي يصنع لنا أحذيةً تنفَعُ وتفيد، لا من يقصُر عنايته على جمال المظهر.

قابِل هذه القيود التي تُكبِّل الصانع في صناعته، بالحرية التي ينعَم بها الفنان في أدائه لفنه، فليس على المُصوِّر قيدٌ تفرِضه الظروف، فلا عليه أن يضع الألوان والأصباغ على نحوٍ مُعيَّن لتكون مُفيدة نافعة. أمام المُصوِّر ألوان، لكلٍّ منها قُدرة على التمثيل والتعبير، وكلُّ نبوغه أن يُدرك على أيِّ نحوٍ تُوضَع الألوان، فتبلُغ حدَّها الأقصى في التمثيل والتعبير. وإذًا فإنتاجه الفني — أي الصورة — لا يخضع لشروطٍ تأتيه من خارج، وإنما يخضع للخصائص الكامِنة في طبائع الألوان ذاتها، باعتبارها أدواتٍ تُعبِّر. خُذ مثلًا آخر: أعطِ مادة الصوت لصاحب مصنع ولرجُل موسيقى، يُسارع صاحب المصنع إلى تشكيل نبرةِ الصوت بحيث تنفَعُه، فتُوقِظ له من العُمَّال من تأخُذهم سِنةٌ من النوم، وهو إذ يُعدُّ الصفَّارة التي تَصْفرُ للقوم، إنما يخضع لعواملَ خارجةٍ عن نفسه، فلا بُدَّ أن يُسمِع آذانًا غافلة، لا تُريد أن تسمع، فهو لا يُشكِّل الصفارة لتُعجِب بصوتها بل لتنفَعَ وتفيد. أما الموسيقيُّ فمُطلَق السَّراح من هذه القيود، وهو يُخرج الصوت على نحوٍ لا يُقيِّده ولا يُحدِّده إلَّا قُدرة الصوت نفسه على حُسن التعبير وقوَّته. وهاك مثلًا ثالثًا: أعطٍ قطعةً من المرمر لبنَّاء، ومِثلها لفنَّان يصنع التماثيل، فأمَّا البنَّاء فيَصوغُها بحيث تنفع في بناء ما يبنيه، وهو في صناعته يضع نُصبَ عينه الظروف الخارجية، فيُسوِّي قطعةَ المرمر مُستطيلةً أو مُربَّعة أو مُكوَّرة، وفقًا لِما تُمليه تلك الظروف. أما المَثَّال فينحَتُ قطعتَهُ تمثالًا، ولا يُحدِّده في نحت تمثاله ما يتطلَّبه العالم الخارجي، وإنما يَستوحي شيئًا واحدًا فقط، وهو القُدرة الكامنة في المرمر على التعبير عمَّا يُريد أن يَبُثَّه فيه من معنى، فيُشكِّله في وضعٍ يؤدي ذلك المعنى خير الأداء.

ونَسوق مثلًا رابعًا وأخيرًا يُوضِّح الفرق بين الفنون الجميلة والفنون المُفيدة توضيحًا جليًّا، ويُهيِّئ لنا في الوقت نفسه علامةً لا تُخطئ، في تمييز ما أنتجه الفنُّ الجميل وما أخرجَتْه الصناعة، وإنما قصدتُ فنَّ الحياة، والحياة فنٌّ من الفنون، ما دامت طريقةَ تصرُّفٍ وسلوكٍ وأسلوبَ عيش. فهل الحياة فنٌّ جميل أو فنٌّ مُفيد؟ لكي نُجيب لا بُدَّ لنا من نظرةٍ نُلقيها على النتاج الفني نفسه، على الثمرة التي أخرَجَها الفن، على رَجُلٍ ونوع حياته، لنرى هل كانت حياته تلك فنًّا جميلًا أو مُفيدًا، ثُمَّ لكي نُجيب لا بُدَّ لنا أن نسأل: هل هذا الرجل كما هو الآن، قد جاء نتيجةً لظروفٍ وعوامل خارجة عن نفسه، أم هو نتيجة لعواملَ كامنةٍ في مادَّتِه الخامة التي منها نشأ وتكوَّن، ومادته الخامة هي الطفل الذي كانَهُ، فلو كانت الحياة فنًّا جميلًا، لاقتضى ذلك أن يكون الرجل — وقد نما واكتَمَل — قد برَزَتْ فيه كلُّ خصائص الطفل الكامنة فيه، بروزًا بلغ بها أقصى ما تستطيعُهُ من قوةٍ ونُضج، دون أن يَحُول في سبيل نموِّها حائل ليس منها. لكن ما هكذا يتمُّ تكوين الرجال، فمَلَكات الطفل وقواه لا تنطلِق في طريقها إلى النمو، بغَير أن تُعرقِل سيرَها وتعُوق نموَّها ألوفُ العوامل الخارجية؛ فهذه ضرورات اقتصادية، وهذه تقاليد اجتماعية، وتلك عادات أهله وذويه، بل هذه ضرورة العَيش قد ألزَمَتْه أن يسلك في كسْب قُوتِه سبيلًا، قد يكون بينها وبين استعداده الفِطري شُقَّةٌ بعيدة؛ فقد ينعرِج طريق الحياة باليافع إلى مصنعٍ، يُنفِق فيه بَياض نهاره ضاربًا بالمِطرقة فوق السندان، أو إلى مكتبٍ ما ينفكُّ فيه مُطقطِقًا بالآلة الكاتبة فَوق القرطاس، أو إلى الجامعة يُطيل الدراسة النظرية بالاستماع آنًا، وبالقراءة والبحث آنًا آخر. وربما كان حامل المِطرقة أولى بالجامعة، والطالب الجامعي أنسب للمطرقة، لكنها ظروف العَيش تضع رجُلًا هنا ورجُلًا هناك، بغضِّ النظر عن المواهب والمَلَكات، فليس الرَّجُل — إذًا — طفلًا نما فنمَتْ ملَكاتُه معه إلى حدِّها الأقصى، لقد شكَّلتْهُ ظروفٌ خارجة عن نفسه، قاهرةٌ مُلزِمة، أكثر مِمَّا سيَّرَتْه ملَكاته وقواه التي غرَسَها الله في فِطرته. ليست الحياة — وا أسفاه — فنًّا جميلًا، ولكنها فنٌّ نافع مُفيد.

ليس الرجل الذي صنعتْهُ الظروف آيةً يتجلَّى فيها الفنُّ الجميل؛ لأنه لا يُحقِّق معنى «الرجولة» تحقيقًا كاملًا، فقد حالت دُون نموِّ «الرجولة» فيه عوامل، قطَّعَت ذلك النموَّ الطبيعيَّ قطعًا، أو أجرَتْهُ في طريقٍ مُلتوٍ، لا يتَّفِق مع الاستعداد الموهوب والقوة الفطرية، عوامل خارجةٌ عنه لا تمتُّ إلى «رجولته» بسببٍ من الأسباب. ويَسوقُنا هذا المَثَل الذي ضربناه، إلى تدبُّر الفن الجميل من ناحيةٍ أخرى، فلقد كثُر الحديث بين رجال النقد، عن الصِّلة التي تربط الطبيعة بالفن الجميل. ونحبُّ أن نُقرِّر في جلاءٍ أن الآية، مما يُنتِجه الفن الجميل، تختلف اختلافًا جذريًّا بيِّنًا عن الشيء إذا كوَّنَتْه الطبيعة وأنتجَتْه. خُذ بِذرتَين من بذور الورد، واغرس إحداهما في العراء، فإذا ما ازدهَرَتْ ورودُها، فاترُكها للرياح تلفَحُها، للأمطار تصفَعُها، ولحرارة الشمس تذويها، ولآفات النبات تقضي عليها، يكُن لك بذلك عملٌ من أعمال الطبيعة. واغرس الأخرى في مكانٍ تَحُوطه الرعاية، بحيث لا تنال من زهراتها العوامل الخارجية، يكُن لك من وردِها شيء، هو بعمل الفنِّ الجميل أشبه؛ إذ يُعبِّر عمَّا كان كامنًا في البِذرة من صفات الورد، تعبيرًا تامًّا كاملًا، وإنما تخيَّرتُ هذا المَثَل عامدًا؛ لأنَّني أعلم أن كثرَتَنا الغالبة، تستمدُّ مُتعةً فنية من شجرة الورد الأولى، بما يلفَحُها من ريحٍ وما يصفَعُها من مطر، وما يُذويها من حرارة الشمس، وما يقضي عليها من آفات النبات، أكثر مِمَّا تستمدُّه من الشجرة الثانية، بكلِّ ما يَحُوطها من عنايةٍ ورعاية، وكل ما ظفِرت به في النهاية من نموٍّ واكتمال؛ لكنني أعلم إلى جانب ذلك أن المُتعة الفنية، التي تستمدُّها من الشجرة الأولى، ليس مصدرها «وردية» الشجرة، بل أساسها أننا نحبُّ أن نرى الوردَ والريح والمطر، تفعل فِعلها في آنٍ معًا، وقد وجدْنا بُغيَتَنا في شجرةٍ غُرست في العراء، تُحيط بها عوامل الطبيعة المنشودة. وإذًا فهي شجرة تُعبِّر، بما انتهَتْ إليه، عن مجموعةٍ من القوى مُجتمِعة: قوة الريح والمطر والورد. أما الشجرة الثانية ففيها فنُّ «الوردية» قد نما واكتمل، وإنَّ ما صنَعَه فيها النباتي، هو بِعَينه ما يصنعه كلُّ فنانٍ في مادة فنِّه؛ فقد حرَّرها من كلِّ القيود والعوامل الخارجية القاهرة، ولم يُبقِ إلَّا على العوامل الفطرية الكامِنة في جِبلَّتِها، تُنميها كما أراد لها الله أن تنمو شجرة وردٍ فقط، لا شجرة وردٍ أضيفَتْ إليها العوامل والمُؤثِّرات. وخير قصيدة من الشعر، هي ما أبرزَتْ أكثر ما يُمكن إبرازه، من الشعور من المادة التي منها صُنِعت، وقد صُنِعت من ألفاظ، فخَير قصيدة هي ما حقَّقت خصائص الألفاظ الكامنة فيها تحقيقًا يبلغ الغاية القصوى، أو بعبارةٍ أخرى هي ما أخرجت من الألفاظ قُدرتها على التعبير إلى أبعد الحدود. أما قصيدة لا تُستخدَم فيها الألفاظ، للتعبير إلى أبعدِ ما يُمكن للألفاظ أن تُستخدَم وتستغل، فهي قصيدة رديئة، أو قُل إنها ليسَتْ من الشعر في شيء. والواقع أن عددًا قليلًا جدًّا من القصائد، هو الذي تستطيع أن تقول عنه إنَّ القصيدة منه شِعرٌ كلُّها من الفاتحة إلى الختام، وأما الكثرة الساحِقة مِمَّا نعدُّه شعرًا جيدًا، فلا تكون القصيدة شِعرًا صادقًا إلَّا في بعض أجزائها، وتلك الأجزاء هي التي يبلُغ فيها التعبير حدَّ الكمال، فليس الشعراء شعراء في كلِّ ما يكتبون، فهذا وردزورث مثلًا — وهو مِن فحول الشعر — لا يُنازِع في صِدق شاعريته وقوَّة عبقريَّتِه ناقد واحد، ومع ذلك تراهُ في بعض ما يكتُب بعيدًا عن الكمال. لقد اختَرْنا له في الفصل الأول قصيدة «الحاصِدة المُنفرِدة»، نموذجًا جيِّدًا من شِعره، وتناولناها بالتحليل، فأسقطْنا منها المقطوعة الأخيرة؛ لأنها لم تُساير زميلاتها قوةً وجودة. إن وردزورث في بعض ما يُنشئ يقِفُ موقف المُعلِّم المُرشِد الواعظ، فيَبطُل أن يكون شاعرًا، فخَير ما يكون الشاعر مُعلِّمًا حين لا يُحاول أبدًا أن يُعلِّم. نحن لا نُنكر أن يكون للشاعر حِكمةٌ يُعلمنا إيَّاها، بل إن الشاعر أحقُّ الناس بجمْع الحكمة؛ لأن رجلًا أُرهِفَت حواسُّه، بحيث استمتع من تجارب الحياة، بعددٍ أكبر مِمَّا استمتَعَ به سواه، تكون حِكمة الحياة أقربَ إلى أطراف بَنانِه منها إلى غيره، لكن تحصيل الحِكمة وإنشاد الشِّعر عَمَلان مُختلفان، وما أكثرَ ما يسهو عن هذه الحقيقة شُعراؤنا، كأنما هم يجهلون أنَّ مُحاولة أيٍّ من العَمَلَين يُفسِد الآخر؛ فإن كنتَ حكيمًا فلستَ بشاعر، وإن كنتَ شاعرًا فلستَ بحكيمٍ في شِعرك.١ وليس تعليل ذلك علَينا ببعيد، فالشِّعر من شأنه أن يرفَعَ نفوسنا عن تجربة الحياة العادية المألوفة إلى مُستوًى أرفع وأعلى. من شأن الشِّعر أن يخدَعَنا عن أنفسنا، فيُنسينا لحظةً ما يُحيط بحواسِّنا من واقع، ليَجُول بنا في مُحيطٍ أسمى من حياتنا، فإنْ سها الشاعر وحشَرَ حكمة — والحكمة قانون الحياة التي نحياها؛ إذ تُركِّز تجربة هذه الحياة في جوهرةٍ لامعة — أقول إن سها الشاعر وحشَرَ حكمةً في هذا المجال الخيالي السامي، كان بمثابة من يخرُج إلينا من وراء الستار، ونحن ننظُر في دهشةٍ وإعجاب، إلى بعض المناظر العجيبة على المسرح، فيَدُلُّنا على سِرِّ الحيلة التي أحدثَتْ كلَّ هذه الغرابة فيما نرى، فلا يكون قوله هذا شاذًّا في مَوضِعه فحسب، بل يُفسِد كلَّ شعورنا، ومهما يُتقِن اللاعبون بعد ذلك حركاتهم، فلن نعود إلى سِحرنا الأول.

 

ولنَعُد إلى موضوعنا فنستأنف فيه الحديث، لقد بلَغْنا بالبحث مرحلةً قرَّرنا عندها أن العمل يكون فنًّا جميلًا لو استغل مادَّته الخامة، فأخرج منها قُواها المُعبِّرة إلى آخر قطرةٍ فيها، ولكن كيف لنا أن نعرِف ما في وُسع هذه المادة أو تلك أن تبلُغه، حتى نقول إنَّ العمل الفنيَّ هنا قد استخدَم القوة الكامنة، أو لم يَستخدِمْها فيكون تَبَعًا لذلك جيدًا أو رديئًا؟ لا أحسبُنا مُستطيعين ذلك إلَّا إنْ كُنَّا من رجال الفن، فعبقرية الفنان هي التي تَهديه إلى ما في مادته، من قوةٍ تعبيرية في وُسعه استغلالها وإخراجها، فالشاعر — مثلًا — يرى في الألفاظ معنًى أغزرَ وقوةً تعبيرية أكبرَ مِمَّا يراها فيها سواه، لكنَّنا قد نُوفَّق إلى سبيلٍ تؤدِّي بنا إلى حيث نريد، لو اقتفَينا أثر رجال الفن، الذين يستخدمون المادة التي نحن بصدَد الحُكم عليها، لنرى ماذا يصنعون لإدراك ما في مادَّتِهم من قوةٍ كامنة. السبيل المُؤدِّية بنا إلى ما نُريد، هي أن نستعرِض بعض روائع الفن، التي أراد بها أصحابها أن يستخرِجوا معنًى بعَينه من مادةٍ بعَينها، بالتصرُّف فيها على هذا النحو أو ذاك، بهذا نستطيع أن نصل إلى مبادئ عامة، تكون لنا بمثابة القوانين الثابتة التي تصلُح مقياسًا للحكم، على شرط ألَّا نركَبَ رءوسنا فنظنُّ بهذه القوانين صدقًا لا يقبَلُ رِيبةً ولا شكًّا؛ لأننا — على أحسن الفروض — ننتزِع هذه القوانين ممَّا أبدَعَه رجال الفن السابقون، وقد يهبُ الله فنانًّا ما لم يَهَبْهُ أحدًا غيره، فيستخرج من مادَّته ما لم يستطع سواه من السابقين أن يستخرِجَه.

ولنبدأ البحث بالنظر في آثار المرمر، التي خلَّفَها جهابذة النحْتِ في تماثيلهم، فلماذا آثر المثَّالون أن يُصوِّروا بتماثيلهم الأرباب وعمالقة الأبطال والشُّخوص الرمزية وقادة الأُمَّة من مشاهير الرجال؟ آثروا ذلك لأنَّ المَثَّال إن صنع تمثالًا لهذا الفرد أو ذاك، فهو لا يُريد حقًّا هذا أو ذاك، وإنما يَرمي إلى شيءٍ وراءهما، إن المَثَّال إن نحتَ تمثالًا «لأخيل» أو «نلسن»، فإنما يُريد أن يُخلِّدَ المرمرُ العنصرَ الخالِدَ فيمن يُصوِّره بتمثاله؛ يُريد العنصر الذي يمتاز به بطلُه من سائر الناس، ويُهمل سائر صفاته التي يشترك فيها مع السَّواد، ومن أجل هذا اختار المثَّالون المرمرَ مادةً لفنِّهم؛ لأنه يُبرِز العظمة والجلال ويُهمِل الدقائق الصغيرة، التي ليست بذات شأنٍ أو خطر، ومن أجل هذا ترى المثَّالين يَخلعون على شخوصهم أردِيةً بسيطة، تنسدِل من عواتِقِهم إلى أوساطهم في أقواسٍ بسيطة الانحناء قوية الأثر، فذلك عندهم أوفى بالغرَض المقصود من ثيابٍ، كلُّها تفصيلات وأجزاء وزخارف ونقوش؛ لأنَّ مِثل هذه الثياب المُزخرَفة المُزَركشة، المُعقَّدة بأجزائها الكثيرة من الشئون العابرة الفانية. ونحن إنما نريد أن نُبقي من بَطلِنا على جانبه الخالد، ونُزيل عنه كلَّ ما يعلَقُ به من فقاقيع الحياة اليومية، التي يستوي فيها العظيم وغير العظيم. ومن ناحية أُخرى فإن المرمر يُلائمه أن يُصوِّر الثياب البسيطة، القوية بطيَّاتها القليلة المُستقيمة المُنسدِلة في فخامةٍ وجلال، لا أن يُصوِّر المُخرَّم الرقيق الدقيق، فإنْ رأيتَ من المثَّالين المُحدَثين من يأبى أن يُلبس أبطاله الثياب البسيطة، التي جرى بها العُرف بين رجال النحت خلال العصور، ويُؤثِر لهم أن يبدوا في حُلَلِهم العسكرية أو ثياب التشريف، فاعلم أنه لا يُريد بذلك أن يُظهِر أبطاله في دقائق الحياة اليومية، فتلك الدقائق في ذاتها صَغار لا يستحقُّ الخلود، وإنما يرمُز بتلك الحلَّة العسكرية أو ثياب التشريف، إلى ما في بطلِهِ من عُنصرٍ قوميٍّ أو عالمي.

ويزيد موضوعنا وضوحًا مُوازنةٌ نُجريها بين النحت والتصوير، فلو سُئلت: أيهما تُحبُّ تخليدًا لذِكر صديقٍ قضى: صورة له مُلوَّنة أو تمثال نِصفي، فما أحسبُك إلَّا مُفضلًا صورَتَه على التمثال، فالصورة بما تستطيعه من تَبايُنٍ في الظلِّ والنور ودرجات اللَّون، يُمكنها أن تُصوِّر صديقَك كما كان في حياته، مُحتفظةً له بكل الدقائق الصغيرة التي جعلتْهُ رجلًا فردًا كما عَهِدْتَهُ وعرَفْتَه. الصورة تقدِّم إليك الصديق في مُحيط الحياة اليومية، التي ألِفْتَ أن تراه فيها فأحبَبْتَه وأعزَزْتَه. أما التمثال فبطبيعة مادَّتِه لا يُمثِّل لك الصديق رجلًا فردًا، له سِماته الشخصية وخصائصه المميِّزة، بل يُمثِّل منه الجانب الذي يجعله إنسانًا عامًّا، ينتمي إلى وطنٍ مُعيَّن، وقد يكون الجانب القومي العام الذي يُبرِزه التمثال أحقَّ بالبقاء والخلود، من دقائق حياته اليومية التي جعلتْهُ فردًا من الأفراد، لكنك بهذه الدقائق المألوفة، ربطَتْ بينك وبينَه أواصِرُ الصداقة والود.

ويتبيَّن من هذا الذي عرضناه، أن كل فنٍّ من الفنون الجميلة له مجال خاص به، تتجلَّى فيه قُدرته وقوَّتُه على التعبير، وهي قوةٌ مُستمدَّة من خصائص المادة، التي يَستخدمها في صُنع نتاجه. وفي كلِّ فنٍّ جميل يبلُغ الإنتاج ذروة الكمال، إن تحقَّق فيه كلُّ ما تنطوي عليه مادة ذلك الفنِّ من قُدرةٍ كامنة على التعبير، فالمرمر يستطيع أن يُمثِّل زخرفة الثياب ووَشْيَها، لكنَّها عندئذٍ تكون مهارةَ صانع لا براعةَ فنان؛ إذ الفنان الحقُّ يعلَمُ ما يكمُن في مادته من خَير خصائصها، ويُبرِزه دون غيره، وخير خصائص المرمر أن يُبرِز البسيط الجليل.

نستطيع الآن أن نُلخِّص المشكلة في عبارةٍ وجيزة واضحة فنقول: إنَّ للفن الجميل أنواعًا مُختلفة، من تصويرٍ ونحتٍ ومُوسيقى وشعرٍ وما إليها، وإنما كانت هذه الأنواع صورًا مختلفة للتعبير؛ لأنها تستخدِم ألوانًا مُختلفة من المادة، تُعبِّر بها عمَّا تُريد، وما دامت موادُّها قد اختلفَتْ عنصرًا، فقد اختلفتْ كذلك في قُدرتها على التعبير. فهل نستطيع أن نصِل بالتحليل إلى معرفة العلاقة بين المادة الخامة، التي هي وسيلة التعبير، وبين قُدرة الفنان على استخدامها؟

سنجِد جواب هذا السؤال مبسوطًا في وضوحٍ وقوة، عند شاعرٍ ناقد ألماني، هو «لسنج» في كتابه «لاو كون»، الذي يبحث فيه وجوه الخلاف بين التصوير والشعر، في القدرة على التعبير، مُعللًا لِما يقول، ونرى لزامًا علينا قبل أن نُقدِّم إليك خُلاصة رأيه، أن نُحذِّرك من بعض الأخطاء الشائعة التي سبَّبَتْها ألفاظ مُعينة، فأولًا لا فرقَ بين «التعبير» و«التمثيل»، في مِثل قولِنا إنَّ هذا التمثال يُمثِّل «أخيل» أو يُعبِّر عنه، فإن كانت الفنون الجميلة كلها وسائل تعبير، فهي كلها وسائل تمثيل لأشياء. هذا تحذير لا مناصَ منه في هذا الموضع، لِما نشأ من خلطٍ في التفكير عند التعليق على تعريف الفن، بأنه «مُحاكاة» الطبيعة، وهو تعريف قديمٌ مَردُّه إلى فلاسفة اليونان الأقدمين، فجاء المُحدَثون وأنكروا هذا التعريف في أنفةٍ وكبرياء؛ إذ ساءهم أن تتقلَّصَ فنونهم الجميلة، وتهوي من ذُروة «الخلق والإبداع» إلى حضيض «المُحاكاة والتقليد»، هم يخلُقون ويبتكرون ولا يُحاكون أو يُقلِّدون، لكنَّ مُحاكاة الطبيعة معناها تمثيلها، وتمثيلها معناه التعبير عنها. ولا بدَّ أن تُفهَم الطبيعة بأوسع معانيها، فتشمل القوى الإلهية، والطبيعة البشرية فضلًا عن ظواهر الطبيعة المادية، التي كثيرًا ما تُفهَم وحدَها من اللفظ. مُحاكاة الطبيعة ليس معناه أن ننقل عن الطبيعة «نُسخة طِبق الأصل» كما يقولون، وإلَّا انقلب الفنان آلة تصوير تنقل ما تقع عليه عينُها في أمانةٍ ودقَّة، وليس معناها كذلك أن يكون العمل الفني هو الواقع حرفًا بحرف، فصِدق العمل الفني بهذا المعنى الحرفي علامة فشَلِه لا دليلَ نجاحِه، فهذا «شلي» يُنشئ قصيدَتَه المعروفة عن «القُبَّرة»، فلا تكون آيةً فنية رائعة إلَّا لأنها لا تُصوِّر ما في الطبيعة، إن أُريد بالطبيعة هنا القُبَّرة التي تراها في الحقول أنَّى سِرْتَ. فإذا أردتَ قُبَّرةً طبيعية، فعليك بها في حقولها ودَعْ شاعرنا وشأنه، أما قُبَّرةُ الشاعر فطائرٌ صبَّ عليه الشاعر سِحر خياله، فتحوَّل طائرًا فيه طبيعة إلهية، ولا تقُل إنَّ «شلي» شاعر «مثالي» يُحوِّر الواقع ويسمو به عن حقيقته، وإن هنالك من الشعراء «الواقِعيِّين» من يُعنى بالطبيعة كما هي، فالتفرِقة الزائفة بين «المثالي» و«الواقعي» في الفنون، هي النقطة الثانية التي أردْنا أن نُحذِّر منها، فهؤلاء الواقعيُّون أنفسهم قلَّما ينقلون في فنِّهم صورة طِبق أصلها الطبيعي بغير زيادة أو نقصان، فهم لا يُحاولون أن يُصوِّروا الواقِع تصويرًا فوتوغرافيًّا، بكلِّ ما فيه من دقائقَ وتفصيلات، إنما هم يختارون ويَنتَقون من تلك الدقائق الكثيرة، ما يُلائم الأغراض التي يَنشُدونها، ويُهمِلون سائرها. وكلُّ الفرْق بين الشعراء من نوع «شلي» وغيرهم مِمَّن قال عنهم واقعيُّون، أنَّ شلي وأضرابه المِثاليِّين يختارون من موضوعهم جانبًا مُعيَّنًا، ويختار الواقعيُّون من نفس الموضوع جانبًا آخر. «شلي» يُؤثِر السحاب وقوس قزَح وأفلاك السماء وأنجُمَها السواطع، ويُؤثِر الشاعر الواقعي بيوت الفقراء والأرض والطين، وقد يكتفي بها، وقد يُضيف إليها العناصر التي اختارها شلي. وعلى كلِّ حالٍ فالشاعران كلاهما يتَّفِقان في أنهما يختاران من عناصر الموضوع الذي يُصوِّرانه، ما يَريان أنه يُصوِّره خير تصوير في رأي كلٍّ منهما. فكلاهما بهذا المعنى «مِثالي» يُهمِل كثيرًا من تفصيلات الواقع؛ ليُركِّز الوصفَ في جانبٍ مُعيَّن يقع عليه اختياره. وإذًا فإطلاقنا على هذا الشاعر اسم المثالي، وعلى ذاك اسم الواقعي فيه بُعدٌ عن الصواب، لكنها تفرقةٌ مُفيدة في التمييز بين طائفتَين من الشعراء، إن لم يكن الخلاف بينهما في مِثالية إحداهما وواقعية الأخرى، فهما مُختلفتان في جانب الطبيعة الذي يختاره كلٌّ منهما موضوعًا لفنِّه، فليست القصور الباذخة بأقلَّ واقعيةً من الأكواخ، ومع ذلك فالفنان الذي يُصوِّر الأكواخ وساكنيها — في عُرف هؤلاء القوم — واقعي، والذي يُصوِّر القصور وآهلِيها مِثالي، وذلك بغَير شكٍّ خلْط في معاني الألفاظ. ومِمَّا يزيد الأمر سُخرية وهزلًا أن أولئك «الواقعيين» كثيرًا ما يكونون أمعَنَ إيغالًا في المِثاليَّة من «المِثاليِّين»، فترى مُصوِّر الأكواخ يتعنَّت في وصفه ويتزمَّت، فلا يأذن لشعاعٍ واحدٍ من أشعة الشمس، أن يتسلَّل إلى ساكن الكوخ المسكين، لتجيء الصورة كما أرادها محلوكة دامِسة فيها بؤس وشقاء. وأمَّا مُصوِّر القصور فكثيرًا ما يُفسِح صدرَه للعصافير، تُعشِّش فوق سقوفها أو تُزقزِق على نافذةٍ مكسورة الزُّجاج. وإذًا فآمَنُ طريق — فيما نرى — لاستخدام هاتَين اللفظتَين الخطيرتَين — مِثالي وواقِعي — ألَّا ننظُر إلى الموضوع المُختار، بل إلى طريقة السير في الموضوع كائنًا ما كان؛ فقد تكون مِثاليًّا في وصفك للأكواخ، وقد تكون واقعيًّا في وصفك للقصور، فالعِبرة بالطريقة لا بالموضوع. على أنه يجب أن نضعَ نُصب أعيُنِنا، أنَّ الفنَّ الجميل بكلِّ أنواعه وضُروبه — مِثاليًّا كان أو واقعيًّا — ليس هو صورة صادقة للشيء، كما هو في الطبيعة بكلِّ أجزائه ودقائقه، فتلك الأجزاء والدقائق لا سبيلَ إلى حصرِها وحدَها، إنما هو انتقاءٌ واختيار. ومعنى ذلك أنَّ كلَّ عملٍ فني مِثالي، بمعنى أنه يَسير بشيئه نحوَ مِثاله، الذي تتركِز فيه صفات الشيء الذاتية الجوهرية، مُهمِلًا صفاته العرَضيَّة المُتغيِّرة، فإن اختار الفنان صفةً أو صفتَين يرمُز بهما لجوهر الشيء، الذي يُصوره كان فنانًا «مِثاليًّا»، وإن آثَرَ أن يختار من تفصيلات الموضوع، ما وَسِعَه أن يختار كان فنانًا «واقعيًّا».

ولنَعُد بعد هذا التحذير إلى «لسنج» وكتابه «لاو كون»؛ لنعرض رأيَهُ في مشكلة التفرِقة بين فنَّي التصوير والشعر، في قُدرتِهما على التعبير. إنَّ كلَّ الفنون الجميلة — بما فيها التصوير والشعر— تُمثل ناحيةً من الطبيعة، لكن في جنَبات الطبيعة أنحاء كثيرة مُختلفة، فماذا في الشعر مِمَّا يجعله أصلَحَ لتصوير جانبٍ منها دون جانب، وماذا في التصوير؟

الأشكال الملونة هي وسيلة التصوير، فأيُّ جوانب الطبيعة يُمكن تمثيلها، خيرَ تمثيلٍ بهذه الوسيلة من وسائل التعبير؟ فانظُر إلى الأشكال المُلوَّنة: ما هي وكيف تكون في الطبيعة؟ إن المُصوِّر إذ يتناوَلُ لوحتَهُ، غايَتُه المنشودة أن يُثبِت على مُسطَّحِها أشكالًا مُلوَّنة جنبًا إلى جنب، فالمادَّة التي يستخدمها المُصوِّر تتألف من أجزاء يقَع بعضها إلى جانب بعض في حيزٍ من مكان، فهذا التجاوُرُ المكاني خاصَّتُها الطبيعية وشرطُها اللازم، ودَعْ مُصوِّرَنا لحظةً وَجُلْ ببصرِك في جوانب الطبيعة، التي قدْ همَّ ذلك المُصوِّر أن يُمثِّل منها جانبًا، أو إن شئتَ فقل الطبيعة، التي هَمَّ المُصوِّر أن يختارَ منها موضوعًا لفنِّه، فماذا في الطبيعة يُجاور بعضَه بعضًا في حيزٍ من مكان؟ هي «الأجسام» فكلُّ ما في الطبيعة مِمَّا يتجاوَرُ في المكان نُسمِّيه «أجسامًا»، فلو اختار المُصوِّر أجسامًا يُمثِّلها في صورته — أجسامًا حيَّةً أو جامدة — فقد اختار من الطبيعة موضوعًا لفنِّهِ شديد الصِّلة بوسيلته في التعبير؛ لأنَّ ظروف الأجسام في الطبيعة وظروف الأشكال، التي يُثبِتُها على لوحةٍ واحدة لا خِلاف بينها، وأعني بها التجاور في المكان. خيرُ ما تستطيع الأشكال المُلوَّنة المُتجاوِرة على لوحة الفنان، أن تُمثله من الطبيعة أشياء يُجاوِرُ بعضها بعضًا في المكان، ومن ثَمَّ رأيتُ المُصوِّر يختار الأجسام موضوعًا لفنه، أو بعبارةٍ أُخرى فإنَّ موضوع الصور الفنية كلها إمَّا صور لأشخاص، أي صور لأجسامٍ حية، وإما صُوَر لمناظرَ من الطبيعة، أي صور لأجسامٍ جامدة. وليس أدلَّ على ذلك من جولةٍ في أي متحفٍ شئتَ من متاحف الفنون، فلن ترى هناك إلَّا صُورَ أشخاصٍ أو صُورَ مناظر طبيعية، وإن صادفتَ بينها قليلًا من الشذوذ، لا يستقيم مع القاعدة، فذلك شذوذ في الظاهر كما سنُبيِّن بعدَ حين.

وانظُر إلى الشعر على نحوِ ما نظرتَ إلى التصوير فماذا ترى؟ انظُر إلى المادة التي يتَّخِذها الشعر وسيلةً لتعبيره، وإلى الظروف التي تُحيط بتلك المادة شرطًا لوجودها، ولك أن تُقرِّر بعد ذلك أي جانبٍ من الطبيعة يقَع في هذه الظروف عينها، فيكون ذلك الجانب هو موضوع الشعر، فالخامة التي يتكوَّن منها الشِّعر ألفاظ، لكنَّ الألفاظ لا تقوم في مكانٍ كما تقوم الأجسام. نعم تقَعُ اللفظة المكتوبة أو المطبوعة، في حَيِّزٍ مَكاني من الصفحة التي كُتِبت عليها أو طُبِعَت، لكن هذا الرمز المرقوم على الصحيفة ليس هو ما نقصده بالألفاظ؛ إذ نقول إنها أداة الشاعر. الألفاظ — كما يَستخدِمُها الشاعر — أو كما تستخدِمُها أنت ويستخدِمُها كلُّ إنسان للتعبير عن خواطره ومشاعره — ليس لها شيء من خصائص المكان، هي حركة عقلية ونشاط ذِهني، فهي لا تملأ حيزًا من مكان، وإنما تشغل جزءًا من الزمان، اللَّفظتان أو الألفاظ لا تتجاوَرُ في مكان، لا يقِف بعضها إلى جانب بعضٍ كالأشجار والأحجار، لكنَّها تتعاقَبُ بعضها في إثر بعضٍ في فترةٍ من زمان، انطِقْ بالعبارة فلن تجِدَ لعبارتك مساحة، ولكنك ستجِدُ لها زمنًا قِيلت فيه، وإذا ما نطقتَ بالكلمة الثانية فقد ذهبتِ الأولى إلى العدَم، أو قُل أصبحَتْ ماضيًا، ويستحيل عليهما معًا أن يقِفا جنبًا إلى جنبٍ كما تفعل الأجسام. وأحسَبُك الآن تستطيع في غير عُسرٍ، أن تحزر أيَّ جوانب الطبيعة، يخضع لنفس الظروف التي تخضع لها الألفاظ، حتى تتَّخِذ منه موضوعًا لها، أي الأشياء في الطبيعة لا يملأ حَيِّزًا من مكان، ولكنه يستغرِق فترةً من الزمان؟ أي الأشياء في الطبيعة تتعاقب ولا تتجاوَر؟ هي «الأفعال» ولا فرقَ بين أن يكون الفعل حركةً في جماد أو في كائنٍ حي، لا فرق بين أن يكون الفعل لإنسانٍ أو زهرة، لماءٍ مُتدفِّق أو ريح عاصفة، فالشِّعر — إذًا — بطبيعة مادَّتِه الخامة التي يتألَّف منها — وهي الألفاظ — أنسبُ ما يكون وسيلةً لتصوير الأفعال، فهو في ذلك المجال أبرع وأروع ألف مرة من تصوير الأجسام. وكما أشرْنا عليك بجولةٍ في أي متحفٍ شئتَ من متاحف الصُّور؛ لترى صِدقَ ما زعمْناه من أنَّ روائع التصوير، إنما تُمثِّل أجسامًا حيَّةً أو جامدة، فكذلك نُشير عليك الآن أن تستعيدَ ما شئتَ من قصائد الشعر؛ لتعلَمَ أنَّ مجال الشعر تصوير الحركة والفعل.

وهنا نُورد ذِكر ما قد يبدو لك شذوذًا، لا يَطَّرِد مع القاعدة ولا يستقيم، فكأنِّي بك مُعترضًا تقول: أليس من الشِّعر ما يُصوِّر أجسامًا ولا يُمثِّل فعلًا؟ فما هذا «الشعر الوَصفي» إذًا، إن لم يكن وصفًا لمناظر من الطبيعة وقد سَمَّيتها أجسامًا؟ لكن هيا نُمعِنُ في النظر، أيستطيع الشاعر حقًّا أن يُصوِّر منظرًا من مناظر الطبيعة، بالمعنى الحرفي الذي يُفهَم من هذه العبارة؟ إن المُصوِّر في وُسعِه أن ينشُر لوحته، فيُثبت القمر في ركنٍ من أركانها، وقد أحاط به الغيم، ويضع تحته الأشجار، وفي ظلِّها يُقيم دارًا ويشقُّ طريقًا ويُجري جدولًا، حتى إذا ما فرَغ كانت الصورة كلها منشورةً أمام أبصارنا، قمرًا وسحابًا وشجرًا وبيتًا وطريقًا وجدولًا، مُتجاوِرَة كلها في مكانٍ واحد وفي لحظةٍ واحدة. أما الشاعر فما شأنه؟ يصِف القمر في البيت الأول من قصيدته، والسحاب في بيته الثاني، والأشجار في الثالث وهكذا، حتى إذا ما جاء إلى وصف الجدول في بيتِهِ الأخير، فأين ذهب القمر؟ لقد انحدَرَ إلى غروب! لقد بات ماضيًا؛ وذلك لأنَّ الوسيلة التي يستخدمها الشاعر في تصويره — وهي الألفاظ — لا تقوم جنبًا إلى جنبٍ في مكانٍ واحد، وفي بُرهةٍ واحدة، إنما تتعاقَبُ خلال فترةٍ من الزمن، وهي إذ تتعاقَبُ على هذا النحو، لا تبلُغ آخِرَها إلَّا وقد ذهب عنك أولُّها، فبديهيٌّ أنَّ الشاعر لا يستطيع أن يُنافس المُصوِّر في تمثيل المناظر الطبيعية، ليس في وُسع الشاعر أن يُصوِّر القمر مُستقرًّا في السماء، كما يُصوِّره زميله المُصوِّر. أما إن أراد غروبه — مثلًا — فها هُنا تراه يَجُول في مَيدانه؛ لأنَّ الغروب فِعل وحركة، وليس هو بالحالة المستقرة الثابتة.

ومع ذلك كله فلسْنا نُنكر — ولا نُريد أن نُنكر — أن القصائد الوصفية جزء من الشعر؟ كلا، بل لا تكاد تجِدُ قصيدةً واحدة تخلو من الوصف في بعض أجزائها، لكنه — في الأعم الأغلب — لا يكون وصفًا بمعنى التصوير، فقد يبدو لك الشاعر وكأنما يصِف منظرًا كالذي أسلَفْنا، لكنه في حقيقة الأمر لا يُريد أن يُمثِّل لك مجموعة الأجزاء كلها، مُتماسِكة في منظرٍ واحد، فهو في ختام قصيدته لا يرجو أن يضع أمام عينيك في آنٍ واحدٍ ما هنالك من قمرٍ وشجَرٍ وجدول، هو لا يُريدك على أن ترى القمر وأنت تنظر إلى الجدول، وإنما يُطالبك أن تحتفظ بذِكرى القمر فتعكس ضوءه على الجدول إذ ترنو إليه. ولا شكَّ أنَّ القمر في موقفٍ كهذا لم يعُد قمرًا، لكنه ذِكرى، وأمَّا ضوءُه معكوسًا على صفحة الماء «ففعل» يُناسِب الشعر، فليس الشاعر في قصيدةٍ كهذه يُصوِّر منظرًا مُعينًا من مناظر الطبيعة، لكنَّهُ يُمثِّل أثر القوى الطبيعية بعضها في بعض، أو بعبارةٍ أخرى يُمثِّل أفعالًا. قد يصِف الشاعر قريةً وحقولها، لكنه فيما يفعل لا يُنافِس المصور في عمله، وإنما يتَّخِذ من منظر الدُّور والحقول بطانةً، يُقيم عليها ما يُريد من أفعال وعواطف، ممَّا تضطرِبُ به حياة الناس في القرية، ما تجيش به صدورهم. والشاعر قد يصِف لك نهرًا وزهرًا، فيُخيِّل إليك أنه قد اختار لقصيدته مَوضوعًا، كالذي يقَعُ في نِطاق المُصوِّر، لكنَّكَ إن أمعنتَ النظر، ألفَيتَ الشاعر يصِفُ الأجسام مُتحرِّكة، فيُصوِّر النهر دافِقَ الموجِ مَسموع الصوت، والزَّهْرَ راقصًا مع الريح ناشِرَ العطر. وتدفُّقُ الموج وانبعاثُ الصوت ورقْصُ الزهرِ ونشْرُ العطر «أفعال»، ويستحيل على الشاعر الحقِّ أن يريد الأجسام لذاتها، كما هي جامدة في الطبيعة، إنه يُريدها كما تَستعيدُها الذاكرة، ليُعيد وضعَها وترتيبها كما يحلو لنفسه، وهذا التشكيل الجديد لأجسام الطبيعة «فعل»، يدخُل في نطاق الشعر والشاعر. يُريد امرؤ القيس أن يصِف جواده، فلا يصِفُ فيه إلَّا حركةً و«فعلًا»:

مكرٍّ مِفرٍّ مُقْبلٍ مُدبْرٍ معًا
كجلمودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من عَلِ

وحتى إن وقَفَ عند بعض أجزاء الجسم، يصِفُها ويُصورها فلكي تعلَقَ بذهنك ذكراها، وتتخيَّلها وهو في فِعله وحركته، وكذلك قد يصِف الشاعر منظرًا ليَستثير به الذِّكريات، وعندئذٍ يكون بمثابة من بثَّ الحركةَ في المنظر الجامد؛ لأنَّ المحور الرئيسي في هذه الحالة، لا يكون الجسم الموصوف، بل حركة الخواطر والذِّكريات تتداعى وتتعاقَبُ في ذِهن الرائي.

من ذلك كله ترى أنَّ «الفعل» هو خير مجال، تتجلَّى فيه قُدرة الشعر على التعبير، فإن حاوَلَ وصْفَ الأجسام لذاتها قصَّر دون التصوير، كما يقصر التصوير دون الشعر، إن حاوَلَ تمثيل «الفعل». خُذ — مثلًا — صورةً تاريخية تُحاول أن تُمثِّل فعلًا وقَع، فماذا ترى؟ تراها لا تُصوِّر — ولا تستطيع أن تصوِّر — الفعل في ذاته وهو يجري، وكلُّ ما في وُسعها أن تفعله، هو أن تُصوِّر الفعل منظرًا، أعني أنها تُصوِّر الفعل وقد تمَّ أداؤه، أو على وشْك أن يقَع، تُصوِّر قدَمَ الجواد مرفوعة؛ لتُعلِم أنه يُوشِك على الوثوب، أو ذِراع الجندي منشورة والسَّهم في قبضتها؛ لتُري أنه قد هَمَّ بقذفه وهكذا. أما الوثوب نفسه والقذْف نفسه وما إليهما، فأفعال يستحيل تصويرها وإن أمكن أن يُوحى بوقوعها.

تلك خلاصة لِما يقوله الشاعر الناقد الألماني «لسنج»، في كتابه العظيم «لاو كون» وهو بغَير شكٍّ مِمَّا يُعينُنا على تفهُّم الفنون، فالفنون الجميلة كلها وسائل للتمثيل والتصوير، وهي تكون في كمالها، إن تشابَهَتْ وسيلة التمثيل والشيء المُمثَّل، أي إذا كان الشيء ووسيلة تصويره في ظروفٍ مُتماثِلة مُتشابِهة، ومن ثَمَّ كان لكلِّ فنٍّ مجال خاصٌّ به بِحُكم خامته، وإنما يبلُغ كلُّ فنٍّ درجة كماله الفني، إذا ما أحسَنَ القيام بمهمَّتِه. وها نحن أولاء قد عرَفْنا أنَّ مهمَّةَ الشعر ومجاله، تصوير «الفعل» وتمثيله، وبقي لنا أن نعرِف أي ضربٍ من ضروب الفعل يُناسِب القصَّة، وأيُّها يُلائم الرواية المسرحية، وفي مُحاولتنا أن نعرِف ذلك سنُصادِف الموازين، التي نُرجِّح بها قصَّةً على قصة، ونُؤثِر بها مسرحيةً على أُخرى.

 *******
١ هذا يتَّفِق مع قول بعض نُقَّاد العرب: المُتنبِّي والمعرِّي حكيمان والشاعر هو البُحتري.
********
 المصدر:
ه.ب. تشارلتن: فنون الأدب، ترجمة: زكي نجيب محمود، مؤسّسة هنداوي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق