انتحار ناجي الفليطي… الحياة باتت أقسى / لبنى الراوي

معظم حالات الانتحار التي أعرفها في تلك المنطقة شبه النائية، في جرود السلسلة الشرقية، كانت لأسباب عاطفية، أو لأسباب وراثية تتعلق بأشخاص مصابين بالصّرع أو مشكلات نفسية وما شابه، وبعض حالات الانتحار تتمّ لفلفته تجنباً للقيل والقيل… لم يكن الانتحار لأسباب اقتصادية ومعيشية، وارداً أو شائعاً في تلك المنطقة النائية. مهما كانت الظروف قاسية وصعبة، فهي لا تدفع شخصاً يعيش بين أهله وناسه، إلى الانتحار، وترك أولاده في اليتم. هناك نزوع إيماني وشعبي بأن الأمور، مهما كانت صعبة، لا بدّ أن تحلّ، “الله بيهونها” يقولون، “لا أحد يموت من الجوع”، أو “الولد تأتي رزقته معه”. دائماً يجدون عبارات للتخفيف من أحوال المعيشة الصعبة… لكن ما حصل مع ناجي الفليطي أظهر أن الحياة تبدّلت بشكل مريع، وباتتْ أشدّ قسوة ووجعاً، وهذا ما تقوله أسباب إقدامه على قتل نفسه…

قيل إن والد ناجي وصل الى منزل ابنه، فلم يجده، فقرر ان يفتش عليه خلف المنزل، فوجده مشنوقاً بحبل، فصرخ وأحضر سكيناً وقطع الحبل، لكن ناجي كان قد فارق الحياة نتيجة ديون عليه في الدكاكين المجاورة، وهو لم يجد عملاً منذ شهرين، وعندما طلبت ابنته ألف ليرة لشراء منقوشة زعتر، ولَم يجدها في جيبه، قرر الانتحار.

كأن تلك اللحظة القاسية كانت كافية لتجعل الأب ينظر الى الحياة بمنظار تشاؤمي أسود… هذا عدا عن أن زوجته مصابة بالسرطان. يكفي ذكر هذا الداء العضال في لبنان ليجعل الحياة مُرّة وصعبة وقاسية وأشد من القتل. فلبنان، حيث نار غلاء المستشفيات وفوضى الجمهورية، يسجل أرقاماً قياسية في إصابات السرطان.

محمود الفليطي، عمّ ناجي، قال في مقابلة تلفزيونية إن ابن شقيقه، “كان يعمل مرات في “المنشار”(كما يسميه العراسلة) أو معمل الحجر، أي أنه يكسب قوته كل يوم بيومه. في المدة الأخيرة، مع استفحال الأزمة السياسية والغلاء والتظاهر، كان ناجي يذهب الى المعمل فيجده مقفلاً، ليصبح عاطلاً عن العمل بشكل كليّ. استدان بعض المرات مالاً من شقيقه العسكري، لكن متطلبات الحياة باتت صعبة، وكل هذا الأمور دفعته إلى الهرب من بؤس الحياة”. وإذا ما تأملنا أحوال البلاد في الأشهر الأخيرة، مع إقفال مئات المؤسسات الكبيرة والصغيرة، وصرف موظفيها، كلها أمور تدعو إلى الارتباك والحيرة والتشاؤم. الصمود الآن بات معجزة، مؤسسات كثيرة لا تدفع أكثر من نصف راتب، المدراس حتى لم تدفع راتباً كاملاً، مردّ ذلك أن الأهالي يفكرون في الوضع القائم ولا يدفعون أقساط اولادهم.

ناجي انتحر لأنه لا يملك ثمن منقوشة في الجمهورية اللبنانية، محمد بوعزيزي في تونس أحرق نفسه بعدما صادروا عربة البقول منه وتلقى صفعة من شرطية السلطة، جورج زريق في الكورة أحرق نفسه بسبب أقساط المدرسة ـ وحين أقدم هذا الأخير على حرق نفسه كنا قاسين في القول إنه “لا شيء يبرر حرق الذات”، إذ كانت الفكرة تفضيل حرق المدرسة المطالبة بالأقساط، على أن يحرق الأب نفسه، ويترك أولاده يعيشون مأساته في أزمة مزمنة. وهذه المرة بعد انتحار ناجي، قال أحدهم: علينا أن نحرق السلطة ولا ننتحر.

حين نقرأ خبر انتحار ناجي الفليطي، نقول إن هذا عار الجمهورية اللبنانية في زمن الشعارات و”العهد القوي”… أحد أصدقاء ناجي قال في صفحته الفايسبوكية: بعد هذه المأساة، سنشهد حالات كثيرة مثلها، وهذا برسم الجمهورية… ذلك أن وحش البطالة والفقر يتمدّد في كل مكان في لبنان. كثيرون من رواد الفايسبوك سألوا أين بطاقات وزارات الشؤون الاجتماعية التي توزع على الفقراء عادة، وهم يسألون لأنهم يعرفون ان الكثير منها يذهب على اشخاص ليسوا في حاجة إليها، لكنهم يشبحونها تشبيحاً، وهذا مرآة من مرايا الفساد اللبناني المستعظم حتى في أبسط الأمور..

كل ما يجري في لبنان، يجعلنا نستذكر عبارة فيلهلم رايش، الواردة في كتاب “العصيان” لفريديريك غرو، والقائلة: “لا تقوم المسألة الحقيقية على أن نعرف لماذا يتمرد الناس، بل لماذا لا يتمردون”، وهذا بات ينطبق على الواقع اللبناني. فناجي الفليطي لم يكن لديه ثمن منقوشة وانتحر، في وقت يتسابق بعض زعماء السلطة على الاحتفال بأبنائهم بأعراس خيالية التكاليف…

عن موقع المدن

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق