لا تدافعوا عن الفلسفة

 

خلال الأيّام الماضيّة أرسل لي بعض الأصدقاء عدداً من المقالات التّي صدرت مؤخراً ويحذّر فيها أصحابها ممّا يصطلحون عليه بموجة أو موضة أو ظاهرة ربط الفلسفة بالعلاج الرّوحي وسكينة النّفس والسّعادة والبهجة والفرح وما إلى ذلك، حيث لا يتورّع بعضهم عن إبداء الأسى على حال الفلسفة التّي توشك أن تموت على يد بعض المنتسبين إليها حين أخرجوها من مدرّجات الجامعة وهبطوا بها إلى مستوى العوام، كما يزعمون، في حين أنّ المطلوب دوما هو “إلجام العوام عن علم الكلام” على حدّ تعبير الغزالي الّذي ليس حجّة بأيّ حال، وطالما صكّ الاتّهام يعنيني سأكون معنيا كذلك بالتّوضيح أصالة عن نفسي ونيابة عن كلّ من يعنيهم الأمر.

من أين أبدأ؟

هناك خطوة أولى تضمن لنا منطلقا واضحا للتّفاهم، لكنّها تكشف لنا أيضا عن أزمة التّفاهم لدى نخبنا، وهي أزمة تحتاج إلى مقاربة علاجيّة بدورها، وهذا مقام آخر. تلك الخطوة الأولى تقول: الفلسفة خطاب برهاني. معنى ذلك ببساطة ـولكي يكون المثال عنّي ـ أن ليس عيبا أن أزعم على سبيل المثال بأنّ من شروط السّعادة أو الطمأنينة التّحرر من الخوف والانتظار، لكنّ العيب كلّه هو ألّا أقدّم هذا الادّعاء بأسلوب برهانيّ يخاطب ملكة العقل عند الإنسان، ومن ثمّة يمكن قبول الدّعوى أو ردّها بأدوات العقل والمنطق، وليس عن طريق التّسليم أو الإيحاء أو التّوهم كما يفعل الكهّان وتجار ما يسمّى بالتّنمية الذاتيّة على سبيل المثال.

غير أنّ الرّد على القول البرهانيّ يستدعي مناقشة البراهين الّتي يقدّمها القول، وذلك من حيث كفايتها، ودقّتها، وتجانسها، إلخ، أمّا وأن يتمّ الانتقال مباشر إلى التّحذير من الاستنتاجات دون الخوض في البراهين، فمعنى ذلك أنّ شرط القول الفلسفيّ في النّقاش لا يتوفّر، أو ليس بعد.

بدل مقالات تنذر وتحذّر وتستنكر القول، كنت أنتظر مقالات تدحض براهين القول حيثما توجد براهين، وتفضح عدم وجود براهين للقول حيث تنعدم البراهين. وكان الأمر سيغدو بالنّسبة لي فرصة لإعادة النّظر في القول، أو إعادة بناء براهين القول، سواء جملة أو تفصيلا. رغم ذلك، فاحتراما للأصدقاء الّذين بعثوا لي بتلك المقالات لأجل النّظر فيها، سأدلي برأيي بعد النّظر.

الآن، عملا بمبدأ الوضوح سأتناول أهمّ التّعريفات التّي لوّح بها أصحابها في مرافعاتهم، وبعد أن أبسطها بنحو واضح سأناقشها تباعا:

أوّلا، هناك مرافعة تعتبر أن دور الفلسفة هو إبداع المفاهيم، استنادا إلى أطروحة دولوز، ومن ثمّ لا علاقة للفلسفة بفنّ العيش الّذي هو مهمّة من إذاً؟ على الأرجح لا أحد! فلا سبيل آخر سوى أن يتدبّر كلّ واحد منّا كينونته على هواه، ولا بأس أن نترك رجال الدّين يتكفّلون بالأسئلة الميتافزيقيّة للعوام، فهذا ما يناسبهم وهو ما يستحقون. سأقولها، أمثال هؤلاء هم الّذين شهدوا ضدّ سقراط في محاكمة إعدامه، طالما مكان الفلسفة لديهم ليس السّاحة العموميّة بل أسوار الجامعة. لدينا سؤال، لم نحتاج إلى المفاهيم؟ الجواب، لأنّها تنمّي القدرة على استعمال العقل، علما بأنّ الاستعمال الجيّد للعقل يجعلنا نعيش بنحو جيّد. هذا الأمر اتّفق عليه جميع الفلاسفة اليونانيين والرّومانيين بلا استثناء. أعلم أنّ هناك من لديه حساسيّة من عبارة “بلا استثناء”، غير أنّ الأمر لم يكن خلاف ذلك. لكن، هناك أمر ثان اكتشفته الفلسفة في عصر الأنوار، وهو أنّ تنمية القدرة على استعمال العقل لدى جميع النّاس ـومرّة أخرى بلا استثناءـ تجعل جميع النّاس مواطنين، بمعنى شركاء في السّلطة والوطن وفي النّوع البشريّ كافّة. في هذا المنحى فإنّ عدم الاستثناء ليس سوى سيرورة التّنوير نفسه. ثمّ أنّ هناك أمر ثالث يلح عليه سبينوزا ويتبعه في ذلك كلّ فلاسفة التّنوير، وهو أنّ المواطن، باعتباره شريكا في الحكم، يجب أن يكون قادرا بالأولى على حكم نفسه، ما يعني أن يتحكّم في رغباته وانفعالاته. كان أفلاطون يخصّص هذا الشّرط للحكام حصرا، فقام سبينوزا بتعميمه على المواطنين كافّة باعتبارهم شركاء في الحكم خلال عصر الديمقراطيّة. هكذا، يمكننا أن نصوغ رهان الفلسفة عبر تاريخها على النّحو التّالي: من يحكم نفسه يكون حاكما جيّدا حسب أفلاطون، ويكون مواطنا صالحا حسب سبينوزا، وروسو، وكانط، ويكون إنسانا سعيدا حسب أبيقور، وزينون، ومونتين، وشوبنهاور، وبالنّظرة الهيجليّة إلى تاريخ الفلسفة فإنّ كلّ تلك الرّهانات تمثّل أجزاء من نفس كرة الثّلج المتدحرجة، والتّي تحمل اسم الفلسفة.

ثانيا، هناك مرافعة أخرى تزعم أنّ دور الفلسفة تغيير العالم أو المجتمع على أقلّ تقدير، تبعا لأطروحة ماركس، وذلك عوض ادّعاء وجود خلاص فردي لن يكون سوى ضربا من الأنانيّة. حسنا، أنت الآن غاضب أو حزين أو شقي أو بئيس؟ السّبب هو أنّ نظام الأشياء ليس على ما يرام، وما عليك سوى أن توجّه سخطك نحو نظام الأشياء، ولو بالعنف طالما الرّهان متعلّق بـ”الجنّة على الأرض”. غير أنّ الحقيقة التّاريخيّة أنّ نظام الأشياء الّذي يبنيه السّاخطون عادة ما يكون أشدّ سوءا من السّابق؛ لأنّ السّخط والتّذمر والكراهيّة والغضب والحقد وكلّ المشاعر التّعيسة لا تبني الحضارة. عندما يغادر مرضى الرّوح طور الاستبداد يدخلون إلى طور الفتنة. الحلّ السّياسي الّذي يتعلّق بحسم السّلطة لا يكفي حتّى وإن كان مطلوبا في كثير من الأحوال، غير أنّ علاج الرّوح يظلّ إجراء ضروريا واستعجاليا. بالجملة، يجب أن نضمن أن يكون من يسعون إلى تغيير العالم معافين من أمراض الرّوح، طالما البدائل التّي يصنعها المرضى قد لا تكون سوى أمراض بديلة. ما هي أمراض الرّوح؟ إنّها الانفعالات التّعيسة بلغة سبينوزا، وغرائز الانحطاط بلغة نيتشه، ودوافع الموت بلغة فرويد. هنا بالذّات يكمن الدّور العلاجي للفلسفة كما أدافع عنه وأتبناه.

ثالثا، هناك مرافعة ثالثة تعتبر أنّ الدّور الأساسي للفلسفة هو أن تبعث فينا مزيدا من القلق وانعدام الاطمئنان بدل السّعادة والسّكينة والهدوء. إنّ ما تفعله هذه المرافعة هو أنّها تشطب بجرّة قلم على الفلسفة الرّومانيّة برمّتها (بلوتارخوس، سينيكا، أوريلوس، لوكريتيوس، يوثيئوس، إلخ)، وعلى الفلسفة اليونانيّة طيلة العصر الهلنستي (الكلبيّة، الأبيقوريّة، الرّواقيّة، إلخ)، إضافة إلى التّشطيب على جزء هامّ ممّا كتبه فلاسفة العصر الحديث (مونتين في المقالات، ديكارت في انفعالات النّفس، شوبنهاور في فنّ العيش الحكيم، إلخ)، فضلا عن كثير ممّا يكتبه الفلاسفة الأحياء اليوم (فيري، سبونفيل، أونفراي، لونوار، إلخ).

يبقى السّؤال المضادّ، هل الفلسفة مجرّد لعب صوري بالمفاهيم والنّصوص، حيث يشبه الأمر أحيانا لعبة تفكيك وإعادة تركيب النّصوص بشغف كبير بالفعل، غير أنّه بلا غاية أخرى غير متعة الكتابة؟ لو أنّ الأمر كذلك فلا بأس، لكن لا يليق في المقابل أن يتمّ التّخويف من الوظيفة الأكثر نبلا وأصالة للفلسفة، والتّي هي تنمية قدرة النّاس على الحياة، وعلى أن يحكم كلّ شخص نفسه حتّى يصبح شريكا في المصير المشترك للمجتمعات وللنّوع البشريّ كافّة، لأنّ الفاشل في الحياة فاشل في كلّ التّفاصيل الأخرى، فهو فاشل في أن يكون مواطنا، وموظّفا، وعاملا، ووالدّا، وحاكما، وجارا، وناخبا، ومحاورا، وعاشقا، وصديقا، وبالجملة إنسانا. إنّ التّفجير الانتحاري اليوم لهو كشف الحساب في آخر الحساب على أنّ الفاشلين في الحياة يدمرون الأوطان والحضارات، وقد يدمّرون النّوع البشري إذا تمكّنوا.

كان ديكارت يؤكّد بأنّ العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين النّاس. مرّة أخرى، لم يوجد فيلسوف واحد أنكر ذلك القول، وآمل ألاّ يوجد مستقبلا. غير أنّ هناك قول يجب أن نضيفه منذ الآن: قيمة الحياة هي نفسها عند كلّ النّاس، وهي ليست مجرّد معطى يجب حمايته، بل قدرة يجب تنميتها.

تمثّل السّلطة دوما خطرا على الفلسفة، غير أنّ الخطر الأكبر هو حين تتحوّل الفلسفة إلى سلطة، حين تدّعي أنّها ستحمي نفسها (ممّن؟)، فيصبح لها بدورها حراس معبد يحذّرون وينذرون.

فيا “حماة الدّيار” لا تخافوا على الفلسفة، دعوها تغادر أسوار الجامعات والأكاديميات، فلا يليق بها أن تحجّروا عليها، ولا يليق بكم ذلك، دعوها تلتقي بجميع النّاس كما ينبغي، دعوها تدخل إلى قصور الأباطرة وتنزل إلى أكواخ الفلاّحين، فقد كان الفيلسوف الكبير ماركوس أوريلوس امبراطورا لروما، وكان الفيلسوف الكبير إبيكتيتوس ينتمي إلى طبقة العبيد، ولم يزدها هذا وذاك إلاّ قوّة ومناعة، دعوا الفلسفة تنزل إلى حضانة الأطفال، وإلى الجامعات الشعبيّة، وإلى المقاهي الفلسفيّة، تماما كما بدأت تفعل هذه الأيّام، دعوها تعود إلى السّاحات وتتسكّع في الشّوارع والطّرقات، دعوها تمضي إلى أبعد مدى ممكن وإلى حيث لا تتوقّعون، فإنّها لن تخسر أي شيء حين تهيم على وجه البسيطة وتلتقي بالبسطاء؛ من لم تنفعهم لن تفسدهم، ومن لم ينتفعوا بها لن يفسدوها. على أنّ الخاسر الأكبر من العمليّة هم الكهنة تحديدا، والّذين قد يخسرون وصايتهم على عقول البسطاء، ولذلك لم يكن قتلة الفلاسفة سواهم، أمّا أنتم فلن تخسروا شيئا، اللّهم إن كنتم تمثّلون نوعا جديدا من الكهّان، وهذا لا يليق بالمقام.

دعوا كرة الثّلج تتدحرج، وتكبر، وترسم قدرها تبعا لتضاريس الطّريق، وعبر مسارات خارج التّحكم بالفعل، وخارج التّوقعات أيضا، غير أنّنا نضمن الأساس: حين تتدحرج كرة الثّلج أكثر فإنّها تكبر أكثر.

هناك مرافعة رابعة نسيت أن أدرجها في مكانها، مفادها أن لا شيء ينفع؛ فكلّ أشكال العزاء والمواساة والطمأنينة تبقى بلا جدوى طالما كلّنا هالكون لا محالة ولا شيء بوسعه أن ينقذنا من الهلاك، كما لا شيء بوسعه أن يقنعنا بأنّنا قد نهلك بطريقة جيّدة، لا الفلسفة ولا غير الفلسفة. لا عزاء لنا في الأخير سوى أن نترك الأموات يدفنون موتاهم.

ماذا أقول؟

لا يبقى لي سوى أن أقول ما يلي: على افتراض أنّ الأمر كذلك، حتّى في هذه الحالة، بل في هذه الحالة بالذّات، يكون دور الفلسفة هو العيش مع الخيبة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. محمد عبده العكاد

    موضوع وكأني قرأت الف كتاب لا شبيه بعقل بمثل عقلك الا من له عقل مثلك ..وسخافه أن اقارن قلام الكهنه بقلمك/خالص التحيه

أضف تعليق

Share This